سطور وصفحات عن التاريخ الياباني والحضارة اليابانية(الجزء الثالث )
في العام 1192 م. خلع الإمبراطور على "ميناموتو نو يوريتومو" (???) لقب "سيئي-تائي-شوغون" (?????) أو "قائد الذين يحاربون البرابرة"، اختصر اللقب فيما بعد إلى "شوغون" (و في بعض الترجمات العربية "شوجون"). عرفت الحكومة أو السلطة الجديد باسم "باكوفو" (??) أو "حكومة الخيمة". كانت مدينة "كاماكورا" العاصمة الجديدة لهذه الحكومة. أرسى العهد الجديد قواعد إقطاعية جديدة ظلت سائدة حتى الفترة الحديثة.
تعمر عشيرة الـ"ميناموتو" في الحكم طويلا. مع حلول سنة 1219 م خلت الساحة من أي من أبناء هذه العائلة ممن تتوفر فيهم أهلية للحكم. كانت الفرصة سانحة أمام عشيرة زوجة "ميناموتو" أو الـ"هوجو" (???)، فتمكنت من الاستيلاء على لقب "الوصي" و الذي أصبح حسب الأعراف الجديدة وراثياً، بقي اللقب بين أيدي هذه العشيرة حتى سنة 1333 م. أصبح الـ"هوجو" يفرضون وصايتهم على الـ"شوغونات"، والذين كانوا بدورهم أوصياء على الأباطرة في "كيوتو". عرفت الفترة " اضطرابات عهد جوكيو" (????)، حاول خلالها الإمبراطور "المنعزل" "غو توبا" أو "توبا الثاني" (?????) أن ينقلب على نظام "الشوغونات". فشلت المحاولة و كان من نتائجها أن عززت سلطة "الشوغونات" أكثر بينما اهتزت صورة السلطة "الإمبراطورية" عند الشعب. قام هؤلاء بعدها بسن قانون مدني ثم جنائي من واحد و خمسين نصاً، ظل القانون معمولا به حتى نهاية القرن الرابع عشر.
كانت صورة اليابان في هذه الفترة (فترة المحاربين) أكثر بأساً و أكثر عنفاُ من سابقتها. على أن هذا يجب أن لا يخفى الجوانب الأخرى من هذه الحضارة و التي عرفت عهدا مشرقاُ. في الجانب الأدبي، يبدو أن الصراع بين عشيرتي (أو طائفتي) "التائيرا" و "الميناموتو"، ثم السقوط المفجع لأولاهما، هذه الأحداث أوحت نوع جديد من الكتابة، قائم على الملاحم و البطولات. من أبرز و أهم الشاهد على هذا الاتجاه، "قصة الهائيكي" أو "هائيكي مونوغاتاري" (????) ح 1220 م. كما أن الشعر عرف دفعة جديدة، مع ظهور تصانيف جديدة، و التي كرسها شعراء كان من بينهم "غو توبا" (?????) الإمبراطور أو "فوجي-وار نو سادائي".
عرفت قترة "كاماكورا" حيوية جديدة في الحياة الدينية. قامت العديد من الطوائف الجديدة التي طغت على المدارس الدينية القديمة من أمثال "تنداي" و "شنغون"، كانت هذه الطوائف تدعوا إلى اختصار المعتقدات و الشعائر إلى درجات أبسط من سابقتها و التي اختصر أصحابها في أبناء الطبقة الأرستقراطية. كان هدف هذه الحملة تشجيع الناس ممن لا يؤمنون بالمعتقدات البوذية، على اعتناق هذه العقيدة. من بين هذه الطوائف و التيارات، أتباع "آميدا" (أو بوذا على مذهب أهل اليابان)، و التي تم تطوير معتقداتها من طرف الراهبين "جنكو" و "شنران" (??) ح(1173-1262). تقول هذه المعتقدات ببعث الأتباع من هذه الطائفة علي أرض طاهرة بشرط إيمانهم بسلطة "آميدا". انتشرت هذا المذاهب بسرعة وسط الفئات الشعبية. في نفس الفترة تقريبا، قامت الطبقة من الرجال المحاربين باعتناق مذهب "زن" (?) البوذي، و قد ساعدت المعتقدات و الفلسفة التي كانت يدعو إليها هذا المذهب هؤلاء المحاربين في تقوية روحهم القتالية أثناء وجودهم على ساحة القتال. تفرعت بعدها طائفتين عن هذا المذهب، الأولى "رِن زائي" (??)، أسسها الراهب البوذي "ميوآن إئيسائي" (????)، الثانية "سوتو" أو "سوتو-شو" (?? ?)، أسسها الراهب "دوجن زنجي" (?? ??). ثم سنة 1253 م. قامر راهب آخر هو "نيشيرن" بإنشاء طائفة أخرى هي "اللوتس" (نسبة إلى الزهرة بهذا الاسم) أو "نيشي رن" (??)، و التي كان لأتباعها دور سياسي أثناء هذه الفترة.
على مدى أكثر من مائة عام، سيطر "الهوجو"على كل شئ تقريبا. قام ولاة و رجال هؤلاء في المقاطعات بدورهم بتثبيت وجودهم و هيمنتهم و شكلوا طوائف عسكرية جديدة. في سنة 1274 م.، كان المغول قد أتم سيطرتهم على الصين و كورية، فحاولوا أن يخضعوا اليابان. إلا أن المقاومة الشرسة التي أبداها اليابانيون (و الذين وضعوا و لو لفترة خلافاتهم جانباً) من جهة و المقادير التي سلطت عاصفة بحرية هوجاء على الأساطيل المغولية على مرتين، كل ذلك أثنى المغول عن فكرة غزو الأرخبيل. بقيت الذاكرة الشعبية تحتفظ بهذه الذكرى، فأطلق اليابانيون على هذه الرياح اسم "الرياح الربانية" أو "كامي-كازي" (??) و كلمة "كامي" (?) تطلق في اليابان على الموجودات الطبيعية التي يعتقد أن روحا عظيمة تسكنها، و قد تترجم أحيانا بلفظ "آلهة"، وتستعمل هذه الكلمة عند أتباع الديانة الأصلية للبلاد أو "الشنتو" (??).
فترتي "استعراش كنمو" ثم "نان بوكوشو" (?????)
(1333-1336 م.) ثم (1336-1392 م.)
بعد جلاء المغول عن البلاد، بدأت مشاكل جديدة تطفوا على السطح. تركت الحروب الطاحنة نظام الـ"هوجو" هشا و دون موارد. كان الإمبراطور المنفي "غو دائي-غو" (?????) قد توج سنة 1318 م. ثم نفي بسبب محاولته الإطاحة بنظام الـ"شوغونات"، قرر هذا الأخير و هو في المنفى أن يعيد الكرة، مستغلاً حالة الضعف التي يمر بها النظام، بدأ يجمع حوله الرجال استعدادا لحركة الانقلاب. كان أول من انظم إليه "أشيكاغا تاكا-أوجي" (?? ??) ح(1305-1358 م.)، سيد عشيرة الـ"أشيكاغا" و أحد القادة الحربيين الذين كلفهم الـ"هوجو" باستعادة السيطرة على البلاد. نجحت المحاولة و تم قلب نظام الـ"شوغونات" و عادت السلطة إلى الإمبراطور "غو دائي-غو"، عرفت هذه الفترة باسم "استعراش كنمو" (إعادة إلى العرش) س(1333-1336 م.)، إلا أنها لم تعمر طويلاً و انتهت بعد ثلاث سنوات (من 1333 وحتى 1336 م.).
كان "أشيكاغا تاكا-أوجي" (?? ??) طموحا جدا، و يبدو أن الإمبراطور أهمل هذا الجانب فلم يقدره كما كان يريد. انتهى الأمر بأن طرد الأخير من عاصمته سنة 1336 م. و تم تعيين إمبراطور جديد، ثم تلقى "أشيكاغا تاكا-أوجي" مهامه الجديدة كـ"شوغون" ابتداءً من 1338م. اتجه الإمبراطور المعزول "غو دائي-غو" إلى مناطق الجبال جنوب نارا، و أسس بلاطا ثانيا موازيا. كان هذا الحدث بداية الحرب الأهلية بين البلاطين و قد أطلق المؤرخون على هذه الفترة اسم "نان بوكوتشو" أو "فترة البلاطين الجنوبي والشمالي" س(1336-1392 م.)، انتهت الفترة سنة 1392 م. عندما تصالح الـ"شوغون" مع البلاط الجنوبي و قررا توحيد المملكة من جديد.
فترة "موروماشي" (????)
(1338-1573 م.)
بعدما تم تنصيبه "شوغونا" على البلاد، "بدأ "أشيكاغا تاكا-أوجي" (?? ??) مؤسس سلالة الـ"أشيكاغا" أولى المحاولات لتوطيد دعائم حكمه و تقوية قبضته على البلاد. إلا أن الأمور كانت معقدة أكثر، بدت الحروب الأهلية التي دخلت فيها البلاد لا تكاد تهدأ. ثم أخذت الأمور الأمور تتحسن مع تولي ابنه "أشيكاغا يوشي-آكيرا" (?? ??)، الذي حكم مابين 1358 إلى 1367 م.، ثم حفيده "يوشي-ميتسو" (??)، و الذي حكم سنوات 1385-1394 م. فسادت البلاد أجواء هادئة. قام هؤلاء بإقامة علاقات تجارية رسمية مع الصين، مما حفز نمواً اقتصادياً للبلاد أثناء هذه الفترة، و تشكلت بموازاة ذلك طبقة برجوازية من بين سكان المدن.
إلا أن الهدوء لم يعمر طويلاً. مع بداية القرن الخامس عشر، بدأت الحكومة المركزية تفقد سلطتها لصالح بعض القادة الزعماء من كبار المحاربين بعدما استقروا في المقاطعات الداخلية، لقب هؤلاء باسم الـ"دائي-ميو" (??). بدأت البلاد تخرج شيئا فشيئا من سيطرة الـ"شوغونات"، و عرفت الفترة أحداث دامية و حركات ثورية قادها الأهالي و الفلاحين.
مع كل العنف و الاضطرابات التي ميزت البلاد، كان لـ"شوغونات الأشيكاغا" اهتمام خاص بالحياة الثقافية و الفكرية. عرف عهد "أشيكاغا يوشي-ميتسو" ، ثالث "شوغونات" الأسرة، نشاطا مكثفاً، أعلن الحاكم نفسه راعياً للآداب و الفنون. كانت أكثر هذه الفنون مأخوذة من تلك التي كانت منتشرة في بلاط سلالة الـ"تانغ" (??) الصينية ( 618-907 م.) ، ثم الـ"سونغ" (??) من بعدها. قام الرهبان البوذيون من طائفة "الزن" (?) و آخرون من المتأثرين بالفلسفة الكونفوشيوسية بإدخال هذه الفنون. أبرز هذه الفنون كان المسرح الذي قام بإدخاله "زآمي". عرف في بدايته باسم "نو". بالإضافة إلى بعض الطقوس الخاص التي تم استحداثها، على غرار "مراسيم تقديم الشاي" (???) أو "تشا نو يو"- ماء ساخن لتحضير الشاي-.
حروب الـ"أونين" (??)
(1467-1477 م.)
اندلعت هذه الحروب بسبب خلاف حول العرش الإمبراطوري، كانت عشيرتي الـ"هوسوكاوا" والـ"يامانا" طرفي الصراع، دامت مابين سنوات 1467-1477 م. منذ بداية عهد شوغانات الـ"أشيكاغا" عام 1336 م في "كيوتو"، أبدى العديد من الزعماء الكبار في البلاد رفضهم للوصاية التي فرضها عليهم الحكام الجدد، تزعمت إحدى العشائر النبيلة (ترجع في أصولها إلى العائلة الإمبراطورية) أولى حركات العصيان، ثم تبعهم الزعماء الكبار في المقاطعات أو الـ"دائي-ميو". أخذت قوة نظام الـ"شوغونات" في التهاوي السريع، وبالأخص مع مقتل الـ"شوغون" الـ9 "أشيكاغا يوشي-نوري" ع(1394-1441 م) سنة 1441 م. بدأت الكوارث تجتاح البلاد، المجاعة أولا ثم انتشار الأوبئة. اندلعت ثورات كبيرة (عرفت باسم "إيكي") عدة في البلاد، لم تكن لحكام المقاطعات القدرة على احتواءها، كان الأهالي يطالبون برفع الضرائب عنهم، وتأخير الآجال المفروضة عليهم لدفع مستحقاتهم من الديون. اضطر "شوغون" البلاد "أشيكاغا يوشي-ماسا" ع(1326-1490 م) ح(1443-1473 م) أن يخضع للمطالب الشعبية فتم إقرار الإجراءات خاصة اللازمة.
حسب الأعراف اليابانية، يقوم الحاكم (الإمبراطور أو الشوغون) باختيار شخص من بين ذريته أو عائلته والذي يراه الأنسب لخلافته. سيرا على المنهج قام "يوشي-ماسا" باختيار شقيقه "يوشي-مي" ع(1439-1491 م) خليفة له. أثار هذا الاختيار غضب زوجته "هينو توميكو" ع(1440-1496 م) والتي كانت ترى أن ابنها "يوشي-هيسا" أحق بمنصب الـ"شوغون" من عمه. انظم إليها في مسعاها الوزير "إيزه ساداشيكا"، قام الاثنان بتدبير محاولة للتخلص من "يوشي-ماسا". فشلت المحاولة، وكانت النتيجة تشكل تحالف قوي لحماية السلطة القائمة مشكل من عشيرتي الـ"هوسوكاوا" والـ"يامانا"، أما الوزير السابق "إيزه ساداشيكا" فكان مصيره الاغتيال.
عام 1465 م، يقوم "يوشي-ماسا" بالعدول عن قراره السباق، ويعين ابنه وليا للعهد. كان قبل ذلك قد كسب تأييد "يامانا موشيتويو" ع(1404-1473 م) زعيم عشيرة الـ"يامانا"، فيما فضل "هوسوكاوا كاتسوموتو" ع(1430-1473 م) زعيم عشيرة الـ"هوسوكاوا" تأييد شقيق الـ"شوغون"، في واقع الأمر أراد بذلك الوقوف في وجه هيمنة عشيرة غريمه "كاتسوموتو" على المناصب الحساسة في الدولة.
بدأ كل من الأطراف (عشيرتا الـ"هوسوكاوا" والـ"يامانا") بحشد الجيوش، ثم انظم إليهم حلفاء جدد من بين الزعماء في المقاطعات (الـ"دائي-ميو"). جرت أغلب المعارك حول مدينة "كيوتو"، وامتدت أحيانا حتى أصبحت شوارع المدينة ساحات لها. بلغ عدد المجندين فيها حوالي 400.000 شخص. على امتداد سنوات الحرب، قام زعماء الحرب بتغيير تحالفاتهم أكثر من مرة، كانت النتيجة أنه لم يستطع أي من طرفي الصراع حسم الموفق على ساحة المعركة. كانت وفاة زعيمي العشيرتين المتقاتلتين المفاجئ سنة 1473 م، السبب المباشر لتوقف المعارك وتفرق القوات المقاتلة.
عام 1473 م، أبدى "يوشي-ماسا" نفورا من ولاية الحكم ففضل التخلي، قام بتنصيب ابنه "يوشي-هيسا" ع(1435-1489 م) "شوغونا". كان الحاكم السابق يريد أن يكرس حياته للفنون والآداب، فقام بعدها بتشييد مقر جديد (على مقربة من العاصمة "كيوتو") وعلى طراز معماري مستحدث: "السرادق الفضي" أو "غينغاكو-جي" (???)، وانعزل بداخله عام 1483 م.
ترك "يوشي-ماسا" نظام الـ"شوغونات" من بعده هشا، لم يستطع الـ"شوغون" الجديد التحكم في طموحات الـ"دائي-ميو" (زعماء المقاطعات) . قام بعض الزعماء ممن طمعوا في استغلال الموقف لزيادة رقعة أراضيهم، بإشعال شرارة الموجهات الأولى. ثم انتشرت المواجهات لتعم أغلب مناطق البلاد، وبلغت العاصمة "كيوتو" نفسها. هدأت الأحوال مع نهاية عام 1477 م، ولو إلى حين، يعتبر المؤرخين هذه السنة تاريخ انتهاء ما عرف بـ"حروب أونين" (??). تركت هذه الحروب العاصمة "كيوتو" أثرا بعد عين. بدأت بعدها بمدة فترة شهدت أحداثا أعنف من سابقتها، عرفت باسم "فترة المقاطعات المتحاربة" أو "سن غوكو جيدائي" (????) ودامت سنوات (1480-1573 م).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق