النهضة العلمية السلفية بالمغرب الاقصى ما بين 1792 الى 1822م
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين.
الكثير من المغاربة لا يعلمون عن هته الفترة الكثير ومن هو رائد السلفية بالمغرب هو السلطان الزاهد المجاهد السلطان سليمان رحمه الله والذي حكم ما بين 1792 م إلى 1822م والتي اتعبرت فترة ازدهار ونهضة علمية بفضل المنهج السلفي الذي اتبعه السلطان سليمان رحمه الله .
فمن هو هذا السلطان؟؟
سلطان المغرب الأقصى، سليمان بن محمد بن عبدالله العلوي، أبو الربيع، ، بويع بفاس سنة ست ومائتين وألف من الهجرة، بعد وفاة أخيه يزيد ابن محمد إثر معركته مع أخيه هشام.
قال صاحب الاستقصاء: وأما الدين والتقوى، فذلك شعاره الذي يمتاز به، ومذهبه الذي يدين الله به، من أداء الفريضة لوقتها المختار حضرا وسفرا، وقيام رمضان وإحياء لياليه. وقال أيضا: وكانت القبائل في دولته قد تمولت ونمت مواشيها وكثرت الخيرات لديها من عدله وحسن سيرته. وكان رحمه الله في أواخر أيامه قد سئم الحياة ومل العيش، وأراد أن يترك أمور البلاد لابن أخيه المولى عبدالرحمن بن هشام، وأن يتجرد لعبادة ربه حتى يأتيه اليقين. وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين وألف، مرض السلطان مرضا أدى إلى وفاته بعد أن عهد كتابة بالإمارة للمولى عبدالرحمن، ودفن رحمه الله بباب آيلان من مراكش.
قال عبدالحفيظ الفاسي: وأمر بقطع المواسم التي هي كعبة المبتدعة والفاسقين، وكتب رسالته المشهورة، وأمر سائر خطباءه بالخطبة بها على سائر المنابر إرشادا للناس لاتباع السنن ومجانبة البدع، ولولا مقاومة مشايخ الزوايا من أهل عصره له؛ وبَثهم الفتنة في كافة المغرب وتعضيد من خرج عليه من قرابته وغيرهم؛ واشتغاله بمقاتلتهم وإنكاره أمامهم، لولا كل ذلك لعمت دعوته الإصلاحية كافة المغرب، ولكن بوجودهم ذهبت مساعيه أدراج الرياح، فذهبت فكرة الإصلاح ونصرة مذهب السلف بموته.
لم تشغله تبعات الملك وهموم السياسة عن الاهتمام التقافي والفكري والعلمي والديني من الأخد باوفر نصيب من العلم،الذي كان يهتم به ويرأس مجالسه والبحث والتأليف والتصنيف،ويرسم لهم المناهج والخطط ، ويساهم معهم في تنفيذها وتطبيقها، ويقودهم بتأليف للطتب وتحبيره للرسائل والخطب والنمودجية في التوحيد والإرشاد.
نهض بالعلوم الدينية والعقلية،على السواء ورفع عقيرته مجاهرا بصحيح البعث والإحياء التي كانت نبراس مؤذنا بالفجر الصادق والشروق الساطع، والعودة بالأمة إلى أزهى عصورها.
فلقد دعى الى الاصلاح العام الشامل والى التجديد والتحرير من قيود التبعية والتقليد مستعملا عقله الحر الواعي الناضج في كتاباته وتصنيفاته المتعددة ولم يقف عند افكار المتقدمين وأقوال السابقين،المأثورة والمنقولة. بل كانت اراء وافكار ونظريات خاصة جديدة المعتمدة على أعمال العقل وثد كتب بحوثا ورسائل وخطب في إطار السلفية التي تبه الغافلين وتهدي للصراط المستقيم والفوز المبين.
استطاع الحفاظ على استقرار البلاد وعمل عى خدمة شعبه واستطاع الوقوف في وجه التدخلات الاجنبية ، ورغم الظروف الصعبة التي شهدها عصره فانه قارع الصلبيين في الجاهد البحري وهزمنهم وقد فرض عليهم الضرائب لمرور سفنهم، كما وقف امام التيارات الطرقية (الصوفية المبتدعة) وارباب الزوايا الذين عرفوا ببدعهم وشركياتهم.
وقد عرف عصره بعصر الشورى والتي كان يجتمع فيه العلماء والفقهاء لتخاد اي قرار .
اما خارج المغرب الاقصى وخصوص بالبلاد الحجاز فقد وصلته اصداء دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وقد رحب بها وبتعليماتها وقد طبق الكثير ممما جاء بجركة الشيخ.
لقد عاش حياته محاربا لصليبين ومحاربا لبدع وكان زعيم الحركة السلفية بعصره ودعى اليها من خلال المنشورات مؤيدة لتطبيقها واتجاهاتها، مستهدفا توطيد دعائمها والدعوة إلى سبيلها بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي احسن من خلال حطبه.
توفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وثلاثين ومائتين وألف للهجرة بعد ان تنازل لابن اخيه السلطان عبد الرحمان وقد اختاره لانه كان يرى في الاجدر للحكم من ابنائه وابناء اخيه.
خطبته الشهيرة :
نَصُّ الخُطْبَة
الحمد لله الذي تعبدنا بالسمع والطاعة ، وأمرنا بالمحافظة على السنة والجماعة ، وحفظ ملة نبيه الكريم ، وصفيه الرؤوف الرحيم ، من الإضاعة إلى قيام الساعة ، وجعل التأسي به انفع الوسائل النافعة أحمده حمدا ينتج اعتماد العبد على ربه وانقطاعه ، واشكره يقصر عنه لسان البراعة ، واستمد معونته بلسان المذلة والضراعة ، واصلي على محمد رسوله المخصوص بمقام الشفاعة ، على العموم والإشاعة والرضى عن آله وصحبه الذين اقتدوا بهديه بحسب الاستطاعة . أما بعد ، أيها الناس شرح الله لقبول النصيحة صدوركم ، وأصلح بعنايته أموركم واستعمل فيما يرضيه آمركم ومأموركم ، فإن الله قد استرعاءنا جماعتكم وأوجب لنا طاعتكم ، وحذرنا إضاعتكم ،{ يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم }، سيما فيما أمر الله به ورسوله ، أو هو محرم بالكتاب والسنة النبوية ، وإجماع الأمة المحمدية ،{ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر }.
ولهذا نرثي لغفلتكم ! أو عدم إحساسكم ! ونغار من استيلاء الشيطان بالبدع على أنواعكم وأجناسكم !
فالقوا لأمر الله آذانكم وأيقظوا من نوم الغفلة أجفانكم ، وطهروا من دنس البدع إيمانكم واخلصوا الله إسراركم وإعلانكم ، واعلموا أن الله بفضله أوضح لكم طرق السنة لتسلكوها ، وصرح بذم اللهو والشهوات لتملكوها ، وكلفكم لينظر عملكم ، فاسمعوا قوله في ذلك وأطيعوا واعرفوا فضله عليكم وعوه ، واتركوا عنكم بدع المواسم التي أنتم بها متلبسون ! والبدع التي يزينها أهل الأهواء ويلبسون ، وافترقوا أوزاعا ! وانتزعوا الأديان والأموال انتزاعا ! فيما هو حرام كتابا وسنة وإجماعا ! وتسموا فقراء و أحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سقرا !
{ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا }
وكل ذلك بدعة شنيعة ، وفعلة فظيعة ، وسبة وضيعة وسنة مخالفة لأحكام الشريعة وتلبيس وضلال ، وتدليس شيطاني وخبال زينه الشيطان لأوليائه فوقتوا له أوقاتا ! وأنفقوا في سبيل الطاغوت في ذلك دراهم وأقواتا !
وتصدى له أهل البدع من "عيساوة" و"جيلالة " وغيرهم من ذوي البدع والضلالة ، والحماقة والجهالة ، وصاروا يترقبون للهوهم الساعات ! وتتزاحم على حبال الشيطان وعصيه منهم الجماعات ! وكل ذلك حرام ممنوع والإنفاق فيه إنفاق في غير مشروع .
فأنشدكم الله عباد هل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه سيد الشهداء موسما ؟ وهل فعل سيد الأمة أبو بكر لسيد الإرسال صلى الله عليه وعلى جميع الصحابة والآل موسما ؟ وهل تصدى لذلك أحد من التابعين رضي الله عنهم أجمعين .
ثُم أنشدكم الله هل زخرفت على عهد رسول الله المساجد ؟!! أو زوقت أضرحة الصحابة والتابعين ؟!!
إلا ما جد كأني بكم تقولون هذه المواسم المذكورة وزخرفت أضرحة الصالحين وغير ذلك من أنواع الابتداع ، حسبنا الإقتداء والإتباع { إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون }، وهذه المقالة قالها الجاحدون { هيهات هَيهات لما توعدون } وقد رد الله مقالتهم ، ووبخهم وما أقالهم فالعاقل من اقتدى بآبائه المهتدون وأهل الصلاح والدين ، »خير القرون قرني.. « الحديث .
وبالضرورة أنه لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها ، فقد قبُض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعِقد الدين قد سُجِّل ، ووعْدُ الله بإكماله قد عُجِّل ، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا .
قال عمر رضي الله عنه على منبره :" أيها الناس ، قد سننت لكم السنن ، وفرضت الفرائض وتركتم على الجادة فلا تميلوا بالناس يمينا ولا شمالا ".
فليس في دين الله ولا فيما شرع نبي الله ، أن يتقرب بغناء ولا شطح والذكر الذي أمر الله به ، وحث عليه ومدح الذاكرين به ، هو على الوجه الذي كان يفعله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن على طريق الجمع ورفع الأصوات على لسان واحد ، فهذه طريقة الخلف ، فمن قال بغير طريقتهم فلا يستمع ، ومن سلك غير سبيلهم فلا يتبع { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } ، { قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ، وسبحان الله وما أنا من المشركين }، فما لكم يا عباد الله ولهذه البدع ؟! أأمناً من مكر الله ؟! أم تلبيسا على عباد الله !؟ أم منابذة لمن النواصي بيده ؟! أم غروراً لمن الرجوع بعدُ إليه ؟! فتوبوا واعتبروا ، وغيروا المناكر واستغفروا ، فقد اخذ الله بذنب المترفين من دونهم ! وعاقب الجمهور لما أغضوا عن المنكر عيونهم ، وساءت بالغفلة عن الله عقبى الجميع ، ما بين العاصي والمداهن المطيع ! أ فيزين لكم الشيطان وكتاب الله بأيديكم ؟ أم كيف يضلكم وسنة نبيكم تناديكم !؟ فتوبوا إلى رب الأرباب ، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ، ومن أراد منكم التقرب بصدقة ، أو وفق لمعروف أو إطعام أو نفقة ، فعلى مَن ذَكر الله في كتابه ووعدكم فيهم بجزيل ثوابه ، كَذوِي الضرورة الغير الخافية والمرضى الذين لستم بأَولى منهم بالعافية ؟ ففي مثل هذا تُسَد الذرائع وفيه تُمتَثل أوامر الشرائع ،{ إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله }.
ولا يتقرب على مالك النواصي ، بالبدع والمعاصي ! بل بما يتقرب به الأولياء والصالحون ، والأتقياء المفلحون : أكل الحلال وقيام الليالي ، ومجاهد النفس في حفظ الأحوال ، بالأقوال والأفعال البطن وما حوى ، والرأس وما وعى ، وآيات تتلى ، وسلوك الطريقة المثلى ، وحج وجهاد ، ورعاية السنة في المواسم والأعياد ونصيحة تهتدى ، وأمانة تؤدى ، وخلق على خلق القرآن يحدى، وصلاة وصيام واجتناب مواقع الأثام ، وبيع النفس والمال من الله ،{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة }. الآية ، { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }. الصراط المستقيم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس الصراط المستقيم كثرة الرايات ، والاجتماع للبيات ، وحضور النساء والأحداث ، وتغيير الأحكام الشرعية بالبدع والإحداث ، والتصفيق والرقص ، وغير ذلك من أوصاف الرذائل والنقص ..؟
{ أفمن زين له سوء عمله فرءاه حسنا }.
عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" يجاء بالرجل يوم القيامة وبين يديه راية يحملها ، وأناس يتبعونها ، فيسأل عنهم ويسألون عنه ..؟
{ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ، وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤ منا }
فيجب على من ولاه الله من أمر المسلمين شيئا من السلطان والخلائق أن يمنعوا هؤلاء الطوائف ، من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم أو يعينهم على باطلهم ، فإياكم ثم إياكم والبدع فإنها تترك مراسم الدين خالية خاوية ، والسكوت عن المناكر يحيل رياض الشرائع ذابلة ذاوية ، فمن المنقول عن الملل ، والمشهور في الأواخر والأول ، أن المناكر والبدع إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم ، وأظلم ما بينهم وبين ربهم وانقطعت عنهم الرحمات ووقعت فيهم المثلاث ، وشحت السماء وحلت النقماء وغيض الماء ، واستولت الأعداء ، وانتشر الداء ، وجفت الضروع ، ونقعت بركة الزروع ، لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد ، ويسد طرق الفوائد ، والدب مع الله ثلاثة : حفظ الحرمة بالاستسلام والإتباع ، ورعاية السنة من غير إخلال ولا ابتداع ومراعاتها في الضيق والاتساع . لا ما يفعله هؤلاء الفقراء ، فكل ذلك كذب على الله وافتراء ،{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم }.
عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال :" وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، قام إليه رجل يا رسول الله ، كأن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا أو قال أوصنا فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لمن ولى الله عليكم ولو كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ".
وهانحن عباد الله أرشدناكم وأنذرناكم وحذرناكم ، فمن ذهب بعد لهذه المواسم ، أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم ، فقد سعى في هلاك نفسه ، وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه ، وتله الشيطان للجبين ، وخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم.
المصادر والمراجع :
الاستقصا في اخبار المغرب الأقصى للمؤرخ خالد الناصري
النهضة العلمية على عهد المولى سليمان 1792م-1822م د. اسية الهاشمس البلغيتي التلمساني.
الموضوع موجه للذين ينتقصون من النهج والحركة السلفية ويحاولون تشويه صورتها.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين.
الكثير من المغاربة لا يعلمون عن هته الفترة الكثير ومن هو رائد السلفية بالمغرب هو السلطان الزاهد المجاهد السلطان سليمان رحمه الله والذي حكم ما بين 1792 م إلى 1822م والتي اتعبرت فترة ازدهار ونهضة علمية بفضل المنهج السلفي الذي اتبعه السلطان سليمان رحمه الله .
فمن هو هذا السلطان؟؟
سلطان المغرب الأقصى، سليمان بن محمد بن عبدالله العلوي، أبو الربيع، ، بويع بفاس سنة ست ومائتين وألف من الهجرة، بعد وفاة أخيه يزيد ابن محمد إثر معركته مع أخيه هشام.
قال صاحب الاستقصاء: وأما الدين والتقوى، فذلك شعاره الذي يمتاز به، ومذهبه الذي يدين الله به، من أداء الفريضة لوقتها المختار حضرا وسفرا، وقيام رمضان وإحياء لياليه. وقال أيضا: وكانت القبائل في دولته قد تمولت ونمت مواشيها وكثرت الخيرات لديها من عدله وحسن سيرته. وكان رحمه الله في أواخر أيامه قد سئم الحياة ومل العيش، وأراد أن يترك أمور البلاد لابن أخيه المولى عبدالرحمن بن هشام، وأن يتجرد لعبادة ربه حتى يأتيه اليقين. وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين وألف، مرض السلطان مرضا أدى إلى وفاته بعد أن عهد كتابة بالإمارة للمولى عبدالرحمن، ودفن رحمه الله بباب آيلان من مراكش.
قال عبدالحفيظ الفاسي: وأمر بقطع المواسم التي هي كعبة المبتدعة والفاسقين، وكتب رسالته المشهورة، وأمر سائر خطباءه بالخطبة بها على سائر المنابر إرشادا للناس لاتباع السنن ومجانبة البدع، ولولا مقاومة مشايخ الزوايا من أهل عصره له؛ وبَثهم الفتنة في كافة المغرب وتعضيد من خرج عليه من قرابته وغيرهم؛ واشتغاله بمقاتلتهم وإنكاره أمامهم، لولا كل ذلك لعمت دعوته الإصلاحية كافة المغرب، ولكن بوجودهم ذهبت مساعيه أدراج الرياح، فذهبت فكرة الإصلاح ونصرة مذهب السلف بموته.
لم تشغله تبعات الملك وهموم السياسة عن الاهتمام التقافي والفكري والعلمي والديني من الأخد باوفر نصيب من العلم،الذي كان يهتم به ويرأس مجالسه والبحث والتأليف والتصنيف،ويرسم لهم المناهج والخطط ، ويساهم معهم في تنفيذها وتطبيقها، ويقودهم بتأليف للطتب وتحبيره للرسائل والخطب والنمودجية في التوحيد والإرشاد.
نهض بالعلوم الدينية والعقلية،على السواء ورفع عقيرته مجاهرا بصحيح البعث والإحياء التي كانت نبراس مؤذنا بالفجر الصادق والشروق الساطع، والعودة بالأمة إلى أزهى عصورها.
فلقد دعى الى الاصلاح العام الشامل والى التجديد والتحرير من قيود التبعية والتقليد مستعملا عقله الحر الواعي الناضج في كتاباته وتصنيفاته المتعددة ولم يقف عند افكار المتقدمين وأقوال السابقين،المأثورة والمنقولة. بل كانت اراء وافكار ونظريات خاصة جديدة المعتمدة على أعمال العقل وثد كتب بحوثا ورسائل وخطب في إطار السلفية التي تبه الغافلين وتهدي للصراط المستقيم والفوز المبين.
استطاع الحفاظ على استقرار البلاد وعمل عى خدمة شعبه واستطاع الوقوف في وجه التدخلات الاجنبية ، ورغم الظروف الصعبة التي شهدها عصره فانه قارع الصلبيين في الجاهد البحري وهزمنهم وقد فرض عليهم الضرائب لمرور سفنهم، كما وقف امام التيارات الطرقية (الصوفية المبتدعة) وارباب الزوايا الذين عرفوا ببدعهم وشركياتهم.
وقد عرف عصره بعصر الشورى والتي كان يجتمع فيه العلماء والفقهاء لتخاد اي قرار .
اما خارج المغرب الاقصى وخصوص بالبلاد الحجاز فقد وصلته اصداء دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وقد رحب بها وبتعليماتها وقد طبق الكثير ممما جاء بجركة الشيخ.
لقد عاش حياته محاربا لصليبين ومحاربا لبدع وكان زعيم الحركة السلفية بعصره ودعى اليها من خلال المنشورات مؤيدة لتطبيقها واتجاهاتها، مستهدفا توطيد دعائمها والدعوة إلى سبيلها بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي احسن من خلال حطبه.
توفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وثلاثين ومائتين وألف للهجرة بعد ان تنازل لابن اخيه السلطان عبد الرحمان وقد اختاره لانه كان يرى في الاجدر للحكم من ابنائه وابناء اخيه.
خطبته الشهيرة :
نَصُّ الخُطْبَة
الحمد لله الذي تعبدنا بالسمع والطاعة ، وأمرنا بالمحافظة على السنة والجماعة ، وحفظ ملة نبيه الكريم ، وصفيه الرؤوف الرحيم ، من الإضاعة إلى قيام الساعة ، وجعل التأسي به انفع الوسائل النافعة أحمده حمدا ينتج اعتماد العبد على ربه وانقطاعه ، واشكره يقصر عنه لسان البراعة ، واستمد معونته بلسان المذلة والضراعة ، واصلي على محمد رسوله المخصوص بمقام الشفاعة ، على العموم والإشاعة والرضى عن آله وصحبه الذين اقتدوا بهديه بحسب الاستطاعة . أما بعد ، أيها الناس شرح الله لقبول النصيحة صدوركم ، وأصلح بعنايته أموركم واستعمل فيما يرضيه آمركم ومأموركم ، فإن الله قد استرعاءنا جماعتكم وأوجب لنا طاعتكم ، وحذرنا إضاعتكم ،{ يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم }، سيما فيما أمر الله به ورسوله ، أو هو محرم بالكتاب والسنة النبوية ، وإجماع الأمة المحمدية ،{ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر }.
ولهذا نرثي لغفلتكم ! أو عدم إحساسكم ! ونغار من استيلاء الشيطان بالبدع على أنواعكم وأجناسكم !
فالقوا لأمر الله آذانكم وأيقظوا من نوم الغفلة أجفانكم ، وطهروا من دنس البدع إيمانكم واخلصوا الله إسراركم وإعلانكم ، واعلموا أن الله بفضله أوضح لكم طرق السنة لتسلكوها ، وصرح بذم اللهو والشهوات لتملكوها ، وكلفكم لينظر عملكم ، فاسمعوا قوله في ذلك وأطيعوا واعرفوا فضله عليكم وعوه ، واتركوا عنكم بدع المواسم التي أنتم بها متلبسون ! والبدع التي يزينها أهل الأهواء ويلبسون ، وافترقوا أوزاعا ! وانتزعوا الأديان والأموال انتزاعا ! فيما هو حرام كتابا وسنة وإجماعا ! وتسموا فقراء و أحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سقرا !
{ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا }
وكل ذلك بدعة شنيعة ، وفعلة فظيعة ، وسبة وضيعة وسنة مخالفة لأحكام الشريعة وتلبيس وضلال ، وتدليس شيطاني وخبال زينه الشيطان لأوليائه فوقتوا له أوقاتا ! وأنفقوا في سبيل الطاغوت في ذلك دراهم وأقواتا !
وتصدى له أهل البدع من "عيساوة" و"جيلالة " وغيرهم من ذوي البدع والضلالة ، والحماقة والجهالة ، وصاروا يترقبون للهوهم الساعات ! وتتزاحم على حبال الشيطان وعصيه منهم الجماعات ! وكل ذلك حرام ممنوع والإنفاق فيه إنفاق في غير مشروع .
فأنشدكم الله عباد هل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه سيد الشهداء موسما ؟ وهل فعل سيد الأمة أبو بكر لسيد الإرسال صلى الله عليه وعلى جميع الصحابة والآل موسما ؟ وهل تصدى لذلك أحد من التابعين رضي الله عنهم أجمعين .
ثُم أنشدكم الله هل زخرفت على عهد رسول الله المساجد ؟!! أو زوقت أضرحة الصحابة والتابعين ؟!!
إلا ما جد كأني بكم تقولون هذه المواسم المذكورة وزخرفت أضرحة الصالحين وغير ذلك من أنواع الابتداع ، حسبنا الإقتداء والإتباع { إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون }، وهذه المقالة قالها الجاحدون { هيهات هَيهات لما توعدون } وقد رد الله مقالتهم ، ووبخهم وما أقالهم فالعاقل من اقتدى بآبائه المهتدون وأهل الصلاح والدين ، »خير القرون قرني.. « الحديث .
وبالضرورة أنه لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها ، فقد قبُض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعِقد الدين قد سُجِّل ، ووعْدُ الله بإكماله قد عُجِّل ، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا .
قال عمر رضي الله عنه على منبره :" أيها الناس ، قد سننت لكم السنن ، وفرضت الفرائض وتركتم على الجادة فلا تميلوا بالناس يمينا ولا شمالا ".
فليس في دين الله ولا فيما شرع نبي الله ، أن يتقرب بغناء ولا شطح والذكر الذي أمر الله به ، وحث عليه ومدح الذاكرين به ، هو على الوجه الذي كان يفعله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن على طريق الجمع ورفع الأصوات على لسان واحد ، فهذه طريقة الخلف ، فمن قال بغير طريقتهم فلا يستمع ، ومن سلك غير سبيلهم فلا يتبع { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } ، { قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ، وسبحان الله وما أنا من المشركين }، فما لكم يا عباد الله ولهذه البدع ؟! أأمناً من مكر الله ؟! أم تلبيسا على عباد الله !؟ أم منابذة لمن النواصي بيده ؟! أم غروراً لمن الرجوع بعدُ إليه ؟! فتوبوا واعتبروا ، وغيروا المناكر واستغفروا ، فقد اخذ الله بذنب المترفين من دونهم ! وعاقب الجمهور لما أغضوا عن المنكر عيونهم ، وساءت بالغفلة عن الله عقبى الجميع ، ما بين العاصي والمداهن المطيع ! أ فيزين لكم الشيطان وكتاب الله بأيديكم ؟ أم كيف يضلكم وسنة نبيكم تناديكم !؟ فتوبوا إلى رب الأرباب ، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ، ومن أراد منكم التقرب بصدقة ، أو وفق لمعروف أو إطعام أو نفقة ، فعلى مَن ذَكر الله في كتابه ووعدكم فيهم بجزيل ثوابه ، كَذوِي الضرورة الغير الخافية والمرضى الذين لستم بأَولى منهم بالعافية ؟ ففي مثل هذا تُسَد الذرائع وفيه تُمتَثل أوامر الشرائع ،{ إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله }.
ولا يتقرب على مالك النواصي ، بالبدع والمعاصي ! بل بما يتقرب به الأولياء والصالحون ، والأتقياء المفلحون : أكل الحلال وقيام الليالي ، ومجاهد النفس في حفظ الأحوال ، بالأقوال والأفعال البطن وما حوى ، والرأس وما وعى ، وآيات تتلى ، وسلوك الطريقة المثلى ، وحج وجهاد ، ورعاية السنة في المواسم والأعياد ونصيحة تهتدى ، وأمانة تؤدى ، وخلق على خلق القرآن يحدى، وصلاة وصيام واجتناب مواقع الأثام ، وبيع النفس والمال من الله ،{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة }. الآية ، { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }. الصراط المستقيم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس الصراط المستقيم كثرة الرايات ، والاجتماع للبيات ، وحضور النساء والأحداث ، وتغيير الأحكام الشرعية بالبدع والإحداث ، والتصفيق والرقص ، وغير ذلك من أوصاف الرذائل والنقص ..؟
{ أفمن زين له سوء عمله فرءاه حسنا }.
عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" يجاء بالرجل يوم القيامة وبين يديه راية يحملها ، وأناس يتبعونها ، فيسأل عنهم ويسألون عنه ..؟
{ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ، وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤ منا }
فيجب على من ولاه الله من أمر المسلمين شيئا من السلطان والخلائق أن يمنعوا هؤلاء الطوائف ، من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم أو يعينهم على باطلهم ، فإياكم ثم إياكم والبدع فإنها تترك مراسم الدين خالية خاوية ، والسكوت عن المناكر يحيل رياض الشرائع ذابلة ذاوية ، فمن المنقول عن الملل ، والمشهور في الأواخر والأول ، أن المناكر والبدع إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم ، وأظلم ما بينهم وبين ربهم وانقطعت عنهم الرحمات ووقعت فيهم المثلاث ، وشحت السماء وحلت النقماء وغيض الماء ، واستولت الأعداء ، وانتشر الداء ، وجفت الضروع ، ونقعت بركة الزروع ، لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد ، ويسد طرق الفوائد ، والدب مع الله ثلاثة : حفظ الحرمة بالاستسلام والإتباع ، ورعاية السنة من غير إخلال ولا ابتداع ومراعاتها في الضيق والاتساع . لا ما يفعله هؤلاء الفقراء ، فكل ذلك كذب على الله وافتراء ،{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم }.
عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال :" وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، قام إليه رجل يا رسول الله ، كأن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا أو قال أوصنا فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لمن ولى الله عليكم ولو كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ".
وهانحن عباد الله أرشدناكم وأنذرناكم وحذرناكم ، فمن ذهب بعد لهذه المواسم ، أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم ، فقد سعى في هلاك نفسه ، وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه ، وتله الشيطان للجبين ، وخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم.
المصادر والمراجع :
الاستقصا في اخبار المغرب الأقصى للمؤرخ خالد الناصري
النهضة العلمية على عهد المولى سليمان 1792م-1822م د. اسية الهاشمس البلغيتي التلمساني.
الموضوع موجه للذين ينتقصون من النهج والحركة السلفية ويحاولون تشويه صورتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق