الدين والدولة في التجربة التركية - مقآل
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ,
, حياكم الله اخواني الطيبين , اليوم ارتأيت طرح عليكم موضوع , ,الذي ينتمي الى سلسلة فريدة بحوول الله ,,,|,
,|,, ,,, والذي سيكون عبآرة عن أجزآء باذن الله ,
جدل قديم هو الحديث عن (الدين والدولة) كعنوان للخلاف الإسلامي العلماني، وليس من المهم هنا استعراضه كجدل عبر مراحله وتحوّلاته، لكن الأنفع والأجدى هو الفهم لواقع معاصر تجاوز التنظير إلى التطبيق، وصنع نتائج مخالفة جدًا للتحليلات والتوقّعات والتوهّمات والإرجافات والمغالطات.
تلك هي التجربة التركية المعاصرة التي يمثلها الحزب الحاكم (العدالة والتنمية) وقبل أن أكتب، وحيث إن الفهم يجب أن يكون مسبوقًا بالوعي فقد وظّفتُ نفسي متابعًا للحالة التركية عبر تعددّية مصادرية أشغلت فيها البال، واستثمرت فيها الوقت؛ فقد قرأت عشرات الأبحاث والمقالات والكتب والمؤلفات - العربية والمنقول إليها - وأنصتّ مشاهدًا للكثير من البرامج والأفلام الوثائقية حول تركيا الحديثة، تركيا العدالة والتنمية، تركيا أردوغان الطيب الاستثناء الكبير.
لا أقول هذا الكلام من أجل التأكيد على جدارة قلمي للكتابة حول هذا الموضوع - وإن كان هذا أمرًا مهمًّا - ولكن لأجل التأكيد على أمور غاية في الأهمية:
1 - التجربة التركية بالنسبة للعرب وللمسلمين ليست خيارًا بل هي حتمًا، وقد تكون حتميتها أدبية إلى وقت، لكنها سيرورة لازمة بحكم الفعل السياسي والاقتصادي والجغرافي والتاريخي والثقافي.
كما أن هذه التجربة التركية تسجل مواقف ومبادرات، وتخلق توازنات، وهذا ما تفتقده الحالة الرسمية العربية، وفي الوقت نفسه فالشعوب العربية تتوق إلى هذه المواقف والمبادرات، وتتعاطف معها وتجد فيها ذاتها، وترى فيها الملهم لها، والمفرج من هموم الإحباط وأزمات الانكسار.
2 - إن الغرب اليوم لا يواجه هذه المرحلة التركية ولا يتهمها بالأسلمة، بل هو من الذكاء ليرسم جغرافية مصلحته معها، فيما العرب أو بعضهم يبحث في الأغلاط ويراهن على الفشل، ونحن نجد الممارسة هذه فيما هو ظاهر منها في الخطاب الثقافي للتفاعل التركي - وليس التدخل - في أحداث غزة ولبنان وبعدها تونس ومصر وليبيا و..و..و، كما نجد استياء رسميًا كان واضحًا في عدم ارتياح الجامعة العربية لتدخل غير العرب في القضايا العربية، استياء لم يصرح بالدور التركي، لكن توقيته كشف عن مغزاه!!
3 - إن هذه التجربة الواعية حطّمت ما يشبه النظرية حول حتمية الصراع الإثني بين (العلمانية والإسلام) (الحداثة والإسلام) (الديموقراطية والإسلام) أو (الإسلام والحياة) (الدين والدولة). لقد أثبتت هذه التجربة أن الأيديولوجيا لا تخدم الثنائيات كلها، بل تهدمها وتحبسها عن الفعل وتعطلها عن الحركة، وإذا كان العالم العربي والإسلامي مسرحًا لصراع هذه الثنائيات فلماذا غابت كلها عن سدّة الفعل، وعجزت عن النجاح الحضاري؟ هذا السؤال موجّه للعلمنة والحداثة والأسلمة على حدّ سواء؟ وهو سؤال لن يجدوا له جوابًا قبل أن يخرجوا من النفق المسدود، والمسرح الملغوم، والأدمغة المفخّخة، والعقول المغلقة، والتجارب المرتدة، والثقافة المحبطة، والوجود المستحي!!
لكل هذه الثلاثية كان ما ذكرت، وما أقيده هنا ليس إلاّ مجرد فهم شخصي لا اكتفاء فيه ولا ارتماء.
دور الإسلام في الحياة السياسية طالما كان حديثًا للتجاذب بين المهتمين من فقهاء وساسة، ومثقفين وباحثين، وطالما كان أيضًا محكّ تجربة ضيقة الأفق كما في طالبان، أو تجربة طائفية في نموذج جمهورية إسلامية! أما التجربة التركية فلها منطلقاتها المختلفة، فحزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية لا يخفي بل ولا يستحي من هوية الإسلام، ويأخذ بآدابه في الفكر والخطاب والسلوك. هذا أولاً ، وأما ثانيًا: لا يرى خصومة مع قيم الديموقراطية والعلمانية والحداثة، فيمكن في وعيه تكوين ديموقراطية إسلامية، كما أمكن وجود ديموقراطية مسيحية، و كذلك العلمانية أمكن تأكيد امتدادها كهوية للكيان التركي في شكل لا يوظفها في خصومة مع الإسلام، على أساس أنها لم تُصنع لذلك؛ فقد أمكن فهمها وفهم الإسلام بشكل تكاملي لا إقصائي، وفي ظني أن العدالة والتنمية والفهم الأردوغاني كان مقدرًا بحق للعلمانية الأتاتوركية التي تأسست عليها الدولة والظروف التي رافقت تلك النشأة، وأن تلك العلمنة هي التي حفظت التكوين التركي في وقت كانت فيه موازين القوى تهدد قيام الدولة، فكان لا بد من تحديد مستحقاتها وشروط قيامها، بحسبي أن الوعي كان عميقًا بتلك الحقبة التأسيسية، كما كان الوعي عميقًا أيضًا بما ركبه التأريخ الحديث حول تلك العلمنة من رفض للأقليات أو رفض للعرقيات وعلى الأخص العرب والعربية، وقد كان هذا الوعي غائبًا أو مغيبًا على الدولة ما قبل الأردوغانية.
كما تم فهم الإسلام في الدولة التركية الأردوغانية على استيعابه لقيم الحداثة وتطوّراتها والإفادة منها وفق الخصوصية الدينية والقومية.
وقبل كل ذلك وبعده فالإسلام في تركيا لا يمثل الحكومة أو تمثله، فتركيا بتعدادها المليوني المتنامي 99? منهم مسلمون، وهم في الوقت نفسه مسكونون بإرثهم الخلافي الإسلامي، المحفور في الذاكرة، الحاضر في التصور الذهني وبعض السلوك الفعلي، على الرغم من إلغاء مصطفى كمال أتاتورك الخلافة سنة (1924)، وكما يقول الكاتب التركي المعروف: شريف ماردين (عندما يفكر المرء في كل الظواهر في تركيا.. عليه أن يفكر في ماضٍ صاغ خصوصية تركيا، وجعلها استثناء لما حولها) وهذا ما جعل الدولة التركية الحديثة تجعل الإسلام يمثل الخلفية الثقافية للدولة حكومة وشعبًا، الأمر الذي له بُعده وعمقه الإستراتيجي أمنيًا وقوميًّا واجتماعيًا وسياسيًا.
هذه الخلفية الثقافية الإسلامية أكدت التعاطي مع الإسلام بشكل يجعله حاضرًا في سياستها مع قضايا العالم الإسلامي وأحداثه، ليس في الجغرافيا الإسلامية فحسب بل في المحافل العالمية والقرارات الأممية.
كان يجب أن يطرح هذا الحراك أسئلته على غيره، بدل أن يكون هو مثار الشك والتساؤل!! إن لهذا الواقع التركي الجديد أن يسائل العلمانية التركية التي جاوزت الثمانين عامًا إلى أين أوصلت الأمة التركية؟ وأين هو الخلل في الفكرة العلمانية؟ أم في فهمها؟ أم في تطبيقها ومقاساتها؟ وكان يجب أن يتيح هذا الواقع للغير استلهام الجواب ونقل التساؤل إلى تجارب جاثمة ومتآكلة.
كما أن هذا الواقع عليه أيضًا أن يقدم درسًا مهمًا وملهمًا للعقلية الإسلامية الرافضة للتغيير إلاّ عن طريق العنف والخراب والإرهاب، أو الطموح للأحادية والاستفراد عبر مشروعات الرفض والمواجهة المؤسس لها فقهيًّا بالتحريم والممانعة في طموح لأسلمة الحياة وديننة الوجود.
وعلى الرغم من أن التديّن التركي سنيّ المذهب فلم يتخذ من ذلك محورًا للعداء مع الآخر بأي اتجاه كان هذا العداء ثقافيًّا أو سياسيًّا، مع وجود ما يؤسس له لو تمت إرادته كالقرب الجغرافي والتداخل العرقي. بخلاف التدين المغاير الذي تتبنّاه دول و أحزاب أخرى حيث يندرج العداء في أهدافها الإستراتيجية، كما هو مندرج في أيديولوجياتها، وربما يعود ذلك - إضافة إلى خصوصية الوعي التركي - إلى طبيعة التدين السني السلمية، وإلى أن ما وقع فيه من تشابك مع المختلف كان هو في موقع الدفاع عن الذات وصدّ الهجوم، وللتأريخ شهادته وفي الواقع أدلته.
لقد أثبتت التجربة التركية أن الوجود أقوى ما يكون في الحضور والمفاعلة والشراكة والصداقة في شكل علائقي أثبت للعالم أن الإسلام كما هي طبيعته (رحمة للعالمين)، وأنه دين (لا إكراه فيه) وأنه امتزاجي في الحياة وعمارة للكون ومتمّم للأخلاق، وهذا ما يعكسه النموذج التركي من التركيز على جوانب الحياة في خلق التوازنات السياسية الداخلية والخارجية، وفي النمو الاقتصادي والازدهار الصناعي وتجاوز الأزمات المالية العالمية، كما هو أيضًا متوازن في الترابط الاجتماعي داخليًّا - وهذا ما يخصه - وخارجيًّا مع دول الجوار، لاسيما القوميات المشتركة في إطار الدولة من الأكراد والأرمن..
هنا نقطة القوة ومركز التحوّل، وكما يقول جلال ورغي في كتابه (الحركة الإسلامية التركية): "لقد لعب التنوّع الديني والسياسي والقومي التركي دورًا في التحوّل الذي تشهده تركيا اليوم، بل يرجع بعض الباحثين الصعود الإسلامي إلى هذا التنوّع؛ إذ إن تركيا المتعدّدة دينيًّا وقوميًّا وسياسيًّا ضاق التمثيل فيها بعد إلغاء الخلافة وتأسيس تركيا الحديثة".
واذا كان المستشرق البريطاني (برنار لويس) يتحدث عن تركيا الكمالية في مرحلة تكوينها قائلاً: "إن تركيا هي الدولة المنهزمة الوحيدة التي فرضت شروطها على المنتصرين" فإن هذا النص يمكن تطويره ليتناسب مع تركيا الأردوغانية في مرحلة نهضتها، حيث فرضت لعبتها على المشاهدين، حيث كانت تلعب بحقيقة لا تلعب بالحقيقة و(الحقيقة في كل شيء تغلب المظهر في كل شيء، حتى ولو كانت حقيقة الكفر) كما يقول السيد القطب.
إن ثنائية الدين والدولة لا يمكن اختزال فهمه من خلال حقبة تأريخية أو دولة طائفية، أو ممارسات حزبية، فلقد أثبت النموذج التركي الراهن أن هذه الثنائية يمكن فهمها في سياقها الصحيح من خلال الدولة المدنية، وهكذا كانت المدينة النبوية.
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ,
, حياكم الله اخواني الطيبين , اليوم ارتأيت طرح عليكم موضوع , ,الذي ينتمي الى سلسلة فريدة بحوول الله ,,,|,
,|,, ,,, والذي سيكون عبآرة عن أجزآء باذن الله ,
جدل قديم هو الحديث عن (الدين والدولة) كعنوان للخلاف الإسلامي العلماني، وليس من المهم هنا استعراضه كجدل عبر مراحله وتحوّلاته، لكن الأنفع والأجدى هو الفهم لواقع معاصر تجاوز التنظير إلى التطبيق، وصنع نتائج مخالفة جدًا للتحليلات والتوقّعات والتوهّمات والإرجافات والمغالطات.
تلك هي التجربة التركية المعاصرة التي يمثلها الحزب الحاكم (العدالة والتنمية) وقبل أن أكتب، وحيث إن الفهم يجب أن يكون مسبوقًا بالوعي فقد وظّفتُ نفسي متابعًا للحالة التركية عبر تعددّية مصادرية أشغلت فيها البال، واستثمرت فيها الوقت؛ فقد قرأت عشرات الأبحاث والمقالات والكتب والمؤلفات - العربية والمنقول إليها - وأنصتّ مشاهدًا للكثير من البرامج والأفلام الوثائقية حول تركيا الحديثة، تركيا العدالة والتنمية، تركيا أردوغان الطيب الاستثناء الكبير.
لا أقول هذا الكلام من أجل التأكيد على جدارة قلمي للكتابة حول هذا الموضوع - وإن كان هذا أمرًا مهمًّا - ولكن لأجل التأكيد على أمور غاية في الأهمية:
1 - التجربة التركية بالنسبة للعرب وللمسلمين ليست خيارًا بل هي حتمًا، وقد تكون حتميتها أدبية إلى وقت، لكنها سيرورة لازمة بحكم الفعل السياسي والاقتصادي والجغرافي والتاريخي والثقافي.
كما أن هذه التجربة التركية تسجل مواقف ومبادرات، وتخلق توازنات، وهذا ما تفتقده الحالة الرسمية العربية، وفي الوقت نفسه فالشعوب العربية تتوق إلى هذه المواقف والمبادرات، وتتعاطف معها وتجد فيها ذاتها، وترى فيها الملهم لها، والمفرج من هموم الإحباط وأزمات الانكسار.
2 - إن الغرب اليوم لا يواجه هذه المرحلة التركية ولا يتهمها بالأسلمة، بل هو من الذكاء ليرسم جغرافية مصلحته معها، فيما العرب أو بعضهم يبحث في الأغلاط ويراهن على الفشل، ونحن نجد الممارسة هذه فيما هو ظاهر منها في الخطاب الثقافي للتفاعل التركي - وليس التدخل - في أحداث غزة ولبنان وبعدها تونس ومصر وليبيا و..و..و، كما نجد استياء رسميًا كان واضحًا في عدم ارتياح الجامعة العربية لتدخل غير العرب في القضايا العربية، استياء لم يصرح بالدور التركي، لكن توقيته كشف عن مغزاه!!
3 - إن هذه التجربة الواعية حطّمت ما يشبه النظرية حول حتمية الصراع الإثني بين (العلمانية والإسلام) (الحداثة والإسلام) (الديموقراطية والإسلام) أو (الإسلام والحياة) (الدين والدولة). لقد أثبتت هذه التجربة أن الأيديولوجيا لا تخدم الثنائيات كلها، بل تهدمها وتحبسها عن الفعل وتعطلها عن الحركة، وإذا كان العالم العربي والإسلامي مسرحًا لصراع هذه الثنائيات فلماذا غابت كلها عن سدّة الفعل، وعجزت عن النجاح الحضاري؟ هذا السؤال موجّه للعلمنة والحداثة والأسلمة على حدّ سواء؟ وهو سؤال لن يجدوا له جوابًا قبل أن يخرجوا من النفق المسدود، والمسرح الملغوم، والأدمغة المفخّخة، والعقول المغلقة، والتجارب المرتدة، والثقافة المحبطة، والوجود المستحي!!
لكل هذه الثلاثية كان ما ذكرت، وما أقيده هنا ليس إلاّ مجرد فهم شخصي لا اكتفاء فيه ولا ارتماء.
دور الإسلام في الحياة السياسية طالما كان حديثًا للتجاذب بين المهتمين من فقهاء وساسة، ومثقفين وباحثين، وطالما كان أيضًا محكّ تجربة ضيقة الأفق كما في طالبان، أو تجربة طائفية في نموذج جمهورية إسلامية! أما التجربة التركية فلها منطلقاتها المختلفة، فحزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية لا يخفي بل ولا يستحي من هوية الإسلام، ويأخذ بآدابه في الفكر والخطاب والسلوك. هذا أولاً ، وأما ثانيًا: لا يرى خصومة مع قيم الديموقراطية والعلمانية والحداثة، فيمكن في وعيه تكوين ديموقراطية إسلامية، كما أمكن وجود ديموقراطية مسيحية، و كذلك العلمانية أمكن تأكيد امتدادها كهوية للكيان التركي في شكل لا يوظفها في خصومة مع الإسلام، على أساس أنها لم تُصنع لذلك؛ فقد أمكن فهمها وفهم الإسلام بشكل تكاملي لا إقصائي، وفي ظني أن العدالة والتنمية والفهم الأردوغاني كان مقدرًا بحق للعلمانية الأتاتوركية التي تأسست عليها الدولة والظروف التي رافقت تلك النشأة، وأن تلك العلمنة هي التي حفظت التكوين التركي في وقت كانت فيه موازين القوى تهدد قيام الدولة، فكان لا بد من تحديد مستحقاتها وشروط قيامها، بحسبي أن الوعي كان عميقًا بتلك الحقبة التأسيسية، كما كان الوعي عميقًا أيضًا بما ركبه التأريخ الحديث حول تلك العلمنة من رفض للأقليات أو رفض للعرقيات وعلى الأخص العرب والعربية، وقد كان هذا الوعي غائبًا أو مغيبًا على الدولة ما قبل الأردوغانية.
كما تم فهم الإسلام في الدولة التركية الأردوغانية على استيعابه لقيم الحداثة وتطوّراتها والإفادة منها وفق الخصوصية الدينية والقومية.
وقبل كل ذلك وبعده فالإسلام في تركيا لا يمثل الحكومة أو تمثله، فتركيا بتعدادها المليوني المتنامي 99? منهم مسلمون، وهم في الوقت نفسه مسكونون بإرثهم الخلافي الإسلامي، المحفور في الذاكرة، الحاضر في التصور الذهني وبعض السلوك الفعلي، على الرغم من إلغاء مصطفى كمال أتاتورك الخلافة سنة (1924)، وكما يقول الكاتب التركي المعروف: شريف ماردين (عندما يفكر المرء في كل الظواهر في تركيا.. عليه أن يفكر في ماضٍ صاغ خصوصية تركيا، وجعلها استثناء لما حولها) وهذا ما جعل الدولة التركية الحديثة تجعل الإسلام يمثل الخلفية الثقافية للدولة حكومة وشعبًا، الأمر الذي له بُعده وعمقه الإستراتيجي أمنيًا وقوميًّا واجتماعيًا وسياسيًا.
هذه الخلفية الثقافية الإسلامية أكدت التعاطي مع الإسلام بشكل يجعله حاضرًا في سياستها مع قضايا العالم الإسلامي وأحداثه، ليس في الجغرافيا الإسلامية فحسب بل في المحافل العالمية والقرارات الأممية.
كان يجب أن يطرح هذا الحراك أسئلته على غيره، بدل أن يكون هو مثار الشك والتساؤل!! إن لهذا الواقع التركي الجديد أن يسائل العلمانية التركية التي جاوزت الثمانين عامًا إلى أين أوصلت الأمة التركية؟ وأين هو الخلل في الفكرة العلمانية؟ أم في فهمها؟ أم في تطبيقها ومقاساتها؟ وكان يجب أن يتيح هذا الواقع للغير استلهام الجواب ونقل التساؤل إلى تجارب جاثمة ومتآكلة.
كما أن هذا الواقع عليه أيضًا أن يقدم درسًا مهمًا وملهمًا للعقلية الإسلامية الرافضة للتغيير إلاّ عن طريق العنف والخراب والإرهاب، أو الطموح للأحادية والاستفراد عبر مشروعات الرفض والمواجهة المؤسس لها فقهيًّا بالتحريم والممانعة في طموح لأسلمة الحياة وديننة الوجود.
وعلى الرغم من أن التديّن التركي سنيّ المذهب فلم يتخذ من ذلك محورًا للعداء مع الآخر بأي اتجاه كان هذا العداء ثقافيًّا أو سياسيًّا، مع وجود ما يؤسس له لو تمت إرادته كالقرب الجغرافي والتداخل العرقي. بخلاف التدين المغاير الذي تتبنّاه دول و أحزاب أخرى حيث يندرج العداء في أهدافها الإستراتيجية، كما هو مندرج في أيديولوجياتها، وربما يعود ذلك - إضافة إلى خصوصية الوعي التركي - إلى طبيعة التدين السني السلمية، وإلى أن ما وقع فيه من تشابك مع المختلف كان هو في موقع الدفاع عن الذات وصدّ الهجوم، وللتأريخ شهادته وفي الواقع أدلته.
لقد أثبتت التجربة التركية أن الوجود أقوى ما يكون في الحضور والمفاعلة والشراكة والصداقة في شكل علائقي أثبت للعالم أن الإسلام كما هي طبيعته (رحمة للعالمين)، وأنه دين (لا إكراه فيه) وأنه امتزاجي في الحياة وعمارة للكون ومتمّم للأخلاق، وهذا ما يعكسه النموذج التركي من التركيز على جوانب الحياة في خلق التوازنات السياسية الداخلية والخارجية، وفي النمو الاقتصادي والازدهار الصناعي وتجاوز الأزمات المالية العالمية، كما هو أيضًا متوازن في الترابط الاجتماعي داخليًّا - وهذا ما يخصه - وخارجيًّا مع دول الجوار، لاسيما القوميات المشتركة في إطار الدولة من الأكراد والأرمن..
هنا نقطة القوة ومركز التحوّل، وكما يقول جلال ورغي في كتابه (الحركة الإسلامية التركية): "لقد لعب التنوّع الديني والسياسي والقومي التركي دورًا في التحوّل الذي تشهده تركيا اليوم، بل يرجع بعض الباحثين الصعود الإسلامي إلى هذا التنوّع؛ إذ إن تركيا المتعدّدة دينيًّا وقوميًّا وسياسيًّا ضاق التمثيل فيها بعد إلغاء الخلافة وتأسيس تركيا الحديثة".
واذا كان المستشرق البريطاني (برنار لويس) يتحدث عن تركيا الكمالية في مرحلة تكوينها قائلاً: "إن تركيا هي الدولة المنهزمة الوحيدة التي فرضت شروطها على المنتصرين" فإن هذا النص يمكن تطويره ليتناسب مع تركيا الأردوغانية في مرحلة نهضتها، حيث فرضت لعبتها على المشاهدين، حيث كانت تلعب بحقيقة لا تلعب بالحقيقة و(الحقيقة في كل شيء تغلب المظهر في كل شيء، حتى ولو كانت حقيقة الكفر) كما يقول السيد القطب.
إن ثنائية الدين والدولة لا يمكن اختزال فهمه من خلال حقبة تأريخية أو دولة طائفية، أو ممارسات حزبية، فلقد أثبت النموذج التركي الراهن أن هذه الثنائية يمكن فهمها في سياقها الصحيح من خلال الدولة المدنية، وهكذا كانت المدينة النبوية.
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق