حضـــــ الإدارة ــــــارتنا الجزء الرابع
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين قائد الغر المجلين نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين لاسيما خلفائة الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان وعلي
ومـن سـار على نهجهم إلى يـوم الديــن..
الإدارة العامة في الفكر الإسلامي
الإدارة العامة هي تلك المعنية بإدارة شؤون الدولة، ويرى د. أحمد سلمان في ورقته التي قدم فيها مقارنة بين الفكر الغربي والفكر الإسلامي في الإدارة العامة - المؤتمر العربي الرابع، للمنظمة العربية للتنمية الإدارية والذي عقد بالقاهرة -، يرى أن الإدارة العامة الإسلامية محورها الأساسي العقيدة والإيمان، وبهما يتجاوز الفرد المسلم المنافع الشخصية والدنيوية إلى سعة التكليف الرباني الذي جعل الحياة كلها لله، وأن غاية خلق الإنسان هي العبادة والخلافة في الأرض تحقيقاً لقوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57)" (الذاريات )
أما الفكر الغربي فإنه يعالج المشكلة الإدارية في إطار نظريات ذات نظرة تعتمد على المنافع الشخصية أو الجماعية، أو المنافع المشتركة في إطار العلاقات بين الدول دون أدنى نظرة للدين أو العقائد.
ومن خلال المقارنات نجد أن الإدارة العامة الإسلامية تتميز عن نظيرتها المعاصرة بثلاث خصال هي:
1- الإدارة العامة الإسلامية تسعى بصفة أساسية لخدمة الأهداف المشروعة من خلال أنشطتها الخدمية والسلعية المباحة، ويحكمها في ذلك الإيمان والعقيدة الربانية.
2 - يؤدي المكلف بالعمل في الإدارة الإسلامية واجبه على أساس أنه قيمة إيمانية يسعى من خلالها للعبادة.
3 - التعامل في الإدارة الإسلامية يتم على أساس الأخوة الإسلامية، والمساواة، واحترام إنسانية العامل، ونوع العمل الذي يؤديه. عبدالحافظ الصاوي موقع مجلة المجتمع
ـ أهم الإنجازات ودور المسلمين في الحضارة الغربية:
ومن الضروري أن نعرف أنه من أهم الإنجازات التي أسهمت فيها الادراة الإسلامية في العالم أجمع أنه لولا إدارة إسلامية قوية وحازمة لما استطاع أحد التقدم في المجالات الأخرى من فروع الحياة..
فمثلاً نجد أنه فى خلال الفترة الذهبية فى تاريخ الإسلام، أُنشِئَتِ المدارسُ في مختلف البلاد الإسلامية شرقاً وغرب، وكثُرَت المكتبات، وامتلأت بالمؤلفات فى مختلف العلوم..
وفى التجارة كان المسلمون رواد العالم الحديث، فقد أنشأوا النقابات، وعرفوا نظام الحوالات، وخطابات الاعتماد ووثائق الشحن.
وهناك من العوامل التى جعلت المسلمين يُؤثِّرون فى الأمم الأخرى، ويتركون بصماتهم واضحة: من ذلك المراكز الحضارية التى أقامها أو اتخذها المسلمون قواعد لنشر الإسلام والحضارة الاسلامية، فالمدينة المنورة كانت أولى تلك المراكز التي انتشرت منها حضارة الاسلام والمسلمين، ثم انتقل الثقل الحضارى بعد ذلك إلى دمشق ومنها إلى بغداد، وكان لقرطبة والقاهرة دورهما الكبير فى نشر الحضارة الاسلامية فى غرب الدولة الإسلامية.
كذلك كان لاهتمام الخلفاء وأولي الأمر -في الدولة الإسلامية- بالعلم والعلماء أثره البالغ فى تشجيع العلماء، وتوفير المناخ الملائم للبحث والدراسة والتفرد والامتياز.
هذا بالاضافة إلى المناخ الحرِّ الذى أتاحه الاسلام للعلماء المسلمين، والإمكانيات التى وفرها الرخاء الذي تمتعت به الدولة الإسلامية، ونعم مواطنوها بالسلام والاستقرار.
كان لبغداد وما وصلت إليه من رخاء ورفاهية خاصة فى العصر العباسى الأول دورها المهم فى نشر الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامى فى بلاد المشرق.
فمن بغداد خرجت الوفود والرسل إلى أقاليم الشرق تحمل رسالة الإسلام إلى بلاط ملوك الشرق، كما تحمل أفكار وتعاليم الإسلام إلى أهل تلك المناطق.
وحين تمتعت الدولة الإسلامية بذلك المستوى الكبير من الرخاء والأمن استقرت نظمها وقوانينها متمثلة فى الدواوين ومن أهمها ديوان البريد مما جعل الطرق آمن،ة والتجارة رائجة، والقوافل منساحة، والسفارات متتالية والأخبار، واصلة مما أشاع الأمن والطمأنينة في ربوعه.
واتضحت مظاهر الرفاهية فى قيام الفنادق والبيمارستانات والمدارس والمراصد، واتسع نطاق الزراعة والصناعة وما ترتب على ذلك من تجارة ازدهر خلالها تبادل السلع والبضائع التى مرت إلى مختلف المناطق. ومن أشهر تلك السلع كان الحرير الذى قامت مصانعه فى الموصل وحلب ودمشق، واستغل المسلمون ثروات بلادهم؛ فاستخرجوا المعادن كالحديد والرصاص والكبريت والملح وغيره.
كذلك استدعى الخلفاء العلماء من مختلف البلدان إلى بغداد، وليس من قبيل المبالغة القول بأن المسلمين قد توصلوا إلى درجة رفيعة من العلم والتقدم، فقد بلغ علم الفلك على سبيل المثال درجة عظيمة من التفوق، إذ استطاع علماؤه التوصل إلى نتائج سبقوا بها الشرق والغرب على السواء، ويمكن إيعاز ذلك إلى أن المسلمين بعد أن أتموا مهمتهم الأساسية فى نشر الإسلام وإنجاز الفتوحات الإسلامية كانت المرحلة التالية هي مرحلة الاستقرار والبناء، وهنا تتاكد نظرية ابن خلدون فى بناء الدولة، حيث يكون على الجيل الثانى ترسيخ دعائم تلك الدولة تمهيدا لقيام نهضة حضارية تميز تلك المرحلة.
كان للمسلمين منهج فى إدارة البلاد المفتوحة وخاصة تلك البلاد التى شهدت قيام دول أول حضارات قديمة وكان ذلك ما فعلوه فى بلاد فارس التى شهدت حضارة الساسانيين لفترة طويلة، كما شهدت نظما إدارية واقتصادية وعسكرية عريقة، وهنا نجد موقف الفاتحين من هذه الحضارة موقف المتعلم الذى يريد أن يفيد ممن سبقه؛ فاقتبسوا من حضارة الفرس ما وجدوه ملائما لقيمهم ومبادئهم، ومن ثم تأثروا بفنونهم وعمارتهم، لكن سرعان ما تأثر الفرس بما أبدع العرب بعد أن تمت عملية الصهر والاندماج الحضارى بين الحضارتين.
وكان أثر الحضارة الإسلامية كبيرا على بلاد الفرس، وخاصة فيما يتعلق بأمور الدين واللغة والعلوم.
أما بالنسبة لبلاد الهند فقد تقدم المسلمون إلى أراضيها حتى وصلوا إلى (كابل)، وأدى ملكها الجزية للعرب وذلك منذ عام 34 هـ / 664م، وتمكن للمسلمين الأمر فى تلك البلاد حين فتح المسلمون مملكة السند فى 93 هـ / 711 م، واستمرت صلات المسلمين بالهند والصين من خلال علماء المسلمين أمثال: البيروني حيث نقلت كثير من العلوم والمعارف إلى تلك المناطق، ومن الطريف الإشارة إلى أن الهندوس نقلوا بعض تلك الكتب نظمًا إلى السنسكريتية.
ويبدو أن ما اقتبسه الصينيون من العرب أهم مما فعل الهندوس فقد عرفوا رسالة الفلك لابن يونس وذاع صيته، كما دخل الطب العربى منذ القرن الثالث عشر إلى بلاد الصين.
فضل الحضارة الاسلامية على أوربا:
(( لولا المسلمون ما عرفت أوربا النظام:
ووضع المسلمون العرب في أوربا قواعد للإدارة الحديثة قائمة على المساواة بين المواطنين، وتقدير العامل في الدولة على أساس كفاءته وإنتاجه، مهما كان أصله أو وضعه الاجتماعي، وعلى ضوء الشريعة السمحاء حطموا الطبقية والعنصرية، وكانت إدارتهم تجمع بين أبناء العرب الأصليين وبين الصقلبي ( أي الروس أو مواطني أوربا الشرقية ) والإسباني والبرتغالي والرومي على السواء في خدمة الشعب تحت راية الإسلام تحقيقا للعدل الشامل.)) من كتاب " أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية " أحمد علي الملّا
وإذا كان قد ألمحنا إلى تأثير الحضارة الإسلامية وفضل العرب صُنَّاع هذه الحضارة فى الشرق، فإن فضل الحضارة الإسلامية على الغرب أكبر أثرًا وأشد نصوعً، ذلك أن الحضارة الإسلامية قد أثرت فى العقلية الغريبة بدايةً، وأسهمت الثقافة الإسلامية فى إعادة تشكيلها بعد أن مُنِيَتْ بالجمود والتخلف قرونا عديدة، لم تصحُ ولم تستيقظْ إلا على أيدي الفكر الإسلامي الذي نشره العلماء المسلمون والمفكرون المسلمون فى أورب.
وإذا كان الشائع أن بيكون هو مؤسس المنهج العلمي الحديث فقد آن الأوان أن يُصَحَّح هذا الرأي، وأن يُعزَى الفضلُ إلى أهله،، وقد فَطِن إلى ذلك عدد من العلماء الأوربيين المحدثين ومنهم جوستاف لوبون صاحب كتاب " حضارة العرب " الذى يقول: "لم يلبث العرب بعد أن كانوا تلاميذ معتمدين على كتب اليونان، إذ أدركوا أن التجربة والترصد خير من ألف كتاب ".
ويضيف: ويعزى إلى "بيكون " على العموم أنه أول من أقام التجربة والترصد اللذين هما ركن المناهج العلمية الحديثة، ولكنه يجب أن يُعترَف اليوم بأن ذلك كله من عمل العرب وحدهم، وقد أيَّد هذا الرأي جميع العلماء، الذين درسوا مؤلفات العرب.
ويقول "سيديو": ان أهم ما اتصفت به مدرسة بغداد فى البداءة هو روحها العلمية الصحيحة التى كانت سائدة لأعماله، وكان استخراج المجهول من المعلوم، والتدقيق فى الحوادث مؤديا إلى استنباط العلل من المعلولات وعدم التسليم بما لا يثبت بغير التجربة، مباديء قال بها أساتذة من العرب، وكان العرب فى القرن التاسع من الميلاد حائزين لهذا المنهاج المجدي الذى استعان به علماء القرون الحديثة بعد زمن طويل للوصول إلى أروع الاكتشافات.
أسهمت الحضارة الإسلامية إذن فى تشكيل العقلية الأوربية التي أقامت النهضة الأوربية، ولولا ذلك الدور المهم لعلماء الإسلام لتأخر قيام النهضة الأوربية لعدة قرون، ولما قامت الاكتشافات العلمية التي عرفتها أوربا مطلع العصر الحديث.
والقضية المهمة التى يجب الالتفات إليها هى أنه فى عصر الازدهار الإسلامي والرقي العلمى والفكرى الذي حققه العرب. كانت أوربا تعيش عصور الظلام والتخلف والضعف والركود العقلي والروحي، وكان لسيطرة الكنيسة على الحياة العامة أثره فى ذلك الركود والتخلف، كما كان للصراع بين الكنيسة والإمبراطورية بالإضافة إلى التنافس على السلطة والنفوذ أكبر الأثر فيما وصل إليه المجتمع الأوربي من ضعف وتفكك.
ومن هنا كان المجتمع الأوربي متعطشا للنهضة الفكرية، والانفتاح على روافد جديدة للحضارة والتقدم، وكان في العلم والفن الإسلامي، وفي العربية والترجمات، وانتقال المعرفة الضالة المنشودة لذلك المجتمع...
ـ تعليق المنصفين من الغربيين:
(( يقول برينولت في كتابه ( تكوين الإنسانية ):
" العلم هو أعظم ما قدمته الحضارة العربية إلى العالم الحديث عامة. والجدير بالذكر أنه لا توجد ناحية من نواحي النمو الحضاري إلا ويظهر للإنسان أثر الحضارة والثقافة العربية، وإن أعظم مؤثر هو الدين الإسلامي الذي كان المحرك للتطبيق العملي على الحياة، وإن الادعاء بأن أوربا هي التي اكتشفت المنهج التجريبي ادعاء باطل وخالٍ من الصحة جملة وتفصيلا فالفكر الإسلامي هو الذي قال: انظر وفكر، واعمل، وجرِّبْ حتى تصل إلى اليقين العلمي " )) من كتاب لمحات من الحضارة العربية والإسلامية د / علي عبد الله الدّفاع
ويعتقد الدكتور " سارتون" أن المسلمين كانوا أعظم معلمين في العالم، وأنهم زادوا على العلوم التي أخذوه، وأنهم لم يكتفوا بذلك، بل أوصلوها إلى درجة جديرة بالاعتبار من حيث النمو والارتقاء..
ويقول نيكلسون: " والمكتشفات اليوم لا تحسب شيئاً مذكوراً إزاء ما نحن مدينون به للرواد العرب الذين كانوا مشعلاً وضاءً في القرون الوسطى ولا سيما في أوروبا.."
ويقول دي فو: " إن الميراث الذي تركه اليونان لم يحسن الرومان القيام به، أما العرب فقد أتقنوه، وعملوا على تحسينه وإنمائه حتى سلموه إلى العصور الحديثة.. "..
ويقول سيديو: " كان المسلمون في القرون الوسطى منفردين في العلم والفلسفة والفنون، وقد نشروهما أينما حلَّتْ أقدامهم، وتسربت منهم إلى أوروب، فكانوا هم سبباً في نهضتها وارتقائها "..
كما يذهب إلى أن المسلمين هم في واقع الامر أساتذة أوروبا في جميع فروع المعرفة..
وأخيراً نقول كما قال السيد أمير علي: " وإن نجد المسيو سيديو، لا يعدو الواقع في قوله: إن الكنوز الأدبية العظيمة التي أوجدها العرب في ذلك العصر، ونتاج نبوغهم العلمي، واختراعاتهم الثمينة تنهض دليلاً على نشاطهم الفكري، وتؤيد الرأي القائل: بأن العرب هم أساتذتنا في كل شئ، إذ أنهم زودونا بمواد جليلة القيمة في تاريخ العصور الوسطى، وبأسفار مجيدة في التراجم، وتركوا لنا صناعة لا مثيل لها، وفناً معمارياً آية في الروعة والجمال، واكتشافات مهمة في الفنون والصناعات "..
وكما قال جميع العلماء السابقين فإننا نزيد عليهم أنه ما من أمة تستطيع أن تنجح في كل هذه المجالات دفعة واحدة دون أن تكون مصحوبة بإدارة قوية وحكيمة تستطيع أن تسير بالبلاد من نجاح إلى آخر..
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين قائد الغر المجلين نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين لاسيما خلفائة الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان وعلي
ومـن سـار على نهجهم إلى يـوم الديــن..
الإدارة العامة في الفكر الإسلامي
الإدارة العامة هي تلك المعنية بإدارة شؤون الدولة، ويرى د. أحمد سلمان في ورقته التي قدم فيها مقارنة بين الفكر الغربي والفكر الإسلامي في الإدارة العامة - المؤتمر العربي الرابع، للمنظمة العربية للتنمية الإدارية والذي عقد بالقاهرة -، يرى أن الإدارة العامة الإسلامية محورها الأساسي العقيدة والإيمان، وبهما يتجاوز الفرد المسلم المنافع الشخصية والدنيوية إلى سعة التكليف الرباني الذي جعل الحياة كلها لله، وأن غاية خلق الإنسان هي العبادة والخلافة في الأرض تحقيقاً لقوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57)" (الذاريات )
أما الفكر الغربي فإنه يعالج المشكلة الإدارية في إطار نظريات ذات نظرة تعتمد على المنافع الشخصية أو الجماعية، أو المنافع المشتركة في إطار العلاقات بين الدول دون أدنى نظرة للدين أو العقائد.
ومن خلال المقارنات نجد أن الإدارة العامة الإسلامية تتميز عن نظيرتها المعاصرة بثلاث خصال هي:
1- الإدارة العامة الإسلامية تسعى بصفة أساسية لخدمة الأهداف المشروعة من خلال أنشطتها الخدمية والسلعية المباحة، ويحكمها في ذلك الإيمان والعقيدة الربانية.
2 - يؤدي المكلف بالعمل في الإدارة الإسلامية واجبه على أساس أنه قيمة إيمانية يسعى من خلالها للعبادة.
3 - التعامل في الإدارة الإسلامية يتم على أساس الأخوة الإسلامية، والمساواة، واحترام إنسانية العامل، ونوع العمل الذي يؤديه. عبدالحافظ الصاوي موقع مجلة المجتمع
ـ أهم الإنجازات ودور المسلمين في الحضارة الغربية:
ومن الضروري أن نعرف أنه من أهم الإنجازات التي أسهمت فيها الادراة الإسلامية في العالم أجمع أنه لولا إدارة إسلامية قوية وحازمة لما استطاع أحد التقدم في المجالات الأخرى من فروع الحياة..
فمثلاً نجد أنه فى خلال الفترة الذهبية فى تاريخ الإسلام، أُنشِئَتِ المدارسُ في مختلف البلاد الإسلامية شرقاً وغرب، وكثُرَت المكتبات، وامتلأت بالمؤلفات فى مختلف العلوم..
وفى التجارة كان المسلمون رواد العالم الحديث، فقد أنشأوا النقابات، وعرفوا نظام الحوالات، وخطابات الاعتماد ووثائق الشحن.
وهناك من العوامل التى جعلت المسلمين يُؤثِّرون فى الأمم الأخرى، ويتركون بصماتهم واضحة: من ذلك المراكز الحضارية التى أقامها أو اتخذها المسلمون قواعد لنشر الإسلام والحضارة الاسلامية، فالمدينة المنورة كانت أولى تلك المراكز التي انتشرت منها حضارة الاسلام والمسلمين، ثم انتقل الثقل الحضارى بعد ذلك إلى دمشق ومنها إلى بغداد، وكان لقرطبة والقاهرة دورهما الكبير فى نشر الحضارة الاسلامية فى غرب الدولة الإسلامية.
كذلك كان لاهتمام الخلفاء وأولي الأمر -في الدولة الإسلامية- بالعلم والعلماء أثره البالغ فى تشجيع العلماء، وتوفير المناخ الملائم للبحث والدراسة والتفرد والامتياز.
هذا بالاضافة إلى المناخ الحرِّ الذى أتاحه الاسلام للعلماء المسلمين، والإمكانيات التى وفرها الرخاء الذي تمتعت به الدولة الإسلامية، ونعم مواطنوها بالسلام والاستقرار.
كان لبغداد وما وصلت إليه من رخاء ورفاهية خاصة فى العصر العباسى الأول دورها المهم فى نشر الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامى فى بلاد المشرق.
فمن بغداد خرجت الوفود والرسل إلى أقاليم الشرق تحمل رسالة الإسلام إلى بلاط ملوك الشرق، كما تحمل أفكار وتعاليم الإسلام إلى أهل تلك المناطق.
وحين تمتعت الدولة الإسلامية بذلك المستوى الكبير من الرخاء والأمن استقرت نظمها وقوانينها متمثلة فى الدواوين ومن أهمها ديوان البريد مما جعل الطرق آمن،ة والتجارة رائجة، والقوافل منساحة، والسفارات متتالية والأخبار، واصلة مما أشاع الأمن والطمأنينة في ربوعه.
واتضحت مظاهر الرفاهية فى قيام الفنادق والبيمارستانات والمدارس والمراصد، واتسع نطاق الزراعة والصناعة وما ترتب على ذلك من تجارة ازدهر خلالها تبادل السلع والبضائع التى مرت إلى مختلف المناطق. ومن أشهر تلك السلع كان الحرير الذى قامت مصانعه فى الموصل وحلب ودمشق، واستغل المسلمون ثروات بلادهم؛ فاستخرجوا المعادن كالحديد والرصاص والكبريت والملح وغيره.
كذلك استدعى الخلفاء العلماء من مختلف البلدان إلى بغداد، وليس من قبيل المبالغة القول بأن المسلمين قد توصلوا إلى درجة رفيعة من العلم والتقدم، فقد بلغ علم الفلك على سبيل المثال درجة عظيمة من التفوق، إذ استطاع علماؤه التوصل إلى نتائج سبقوا بها الشرق والغرب على السواء، ويمكن إيعاز ذلك إلى أن المسلمين بعد أن أتموا مهمتهم الأساسية فى نشر الإسلام وإنجاز الفتوحات الإسلامية كانت المرحلة التالية هي مرحلة الاستقرار والبناء، وهنا تتاكد نظرية ابن خلدون فى بناء الدولة، حيث يكون على الجيل الثانى ترسيخ دعائم تلك الدولة تمهيدا لقيام نهضة حضارية تميز تلك المرحلة.
كان للمسلمين منهج فى إدارة البلاد المفتوحة وخاصة تلك البلاد التى شهدت قيام دول أول حضارات قديمة وكان ذلك ما فعلوه فى بلاد فارس التى شهدت حضارة الساسانيين لفترة طويلة، كما شهدت نظما إدارية واقتصادية وعسكرية عريقة، وهنا نجد موقف الفاتحين من هذه الحضارة موقف المتعلم الذى يريد أن يفيد ممن سبقه؛ فاقتبسوا من حضارة الفرس ما وجدوه ملائما لقيمهم ومبادئهم، ومن ثم تأثروا بفنونهم وعمارتهم، لكن سرعان ما تأثر الفرس بما أبدع العرب بعد أن تمت عملية الصهر والاندماج الحضارى بين الحضارتين.
وكان أثر الحضارة الإسلامية كبيرا على بلاد الفرس، وخاصة فيما يتعلق بأمور الدين واللغة والعلوم.
أما بالنسبة لبلاد الهند فقد تقدم المسلمون إلى أراضيها حتى وصلوا إلى (كابل)، وأدى ملكها الجزية للعرب وذلك منذ عام 34 هـ / 664م، وتمكن للمسلمين الأمر فى تلك البلاد حين فتح المسلمون مملكة السند فى 93 هـ / 711 م، واستمرت صلات المسلمين بالهند والصين من خلال علماء المسلمين أمثال: البيروني حيث نقلت كثير من العلوم والمعارف إلى تلك المناطق، ومن الطريف الإشارة إلى أن الهندوس نقلوا بعض تلك الكتب نظمًا إلى السنسكريتية.
ويبدو أن ما اقتبسه الصينيون من العرب أهم مما فعل الهندوس فقد عرفوا رسالة الفلك لابن يونس وذاع صيته، كما دخل الطب العربى منذ القرن الثالث عشر إلى بلاد الصين.
فضل الحضارة الاسلامية على أوربا:
(( لولا المسلمون ما عرفت أوربا النظام:
ووضع المسلمون العرب في أوربا قواعد للإدارة الحديثة قائمة على المساواة بين المواطنين، وتقدير العامل في الدولة على أساس كفاءته وإنتاجه، مهما كان أصله أو وضعه الاجتماعي، وعلى ضوء الشريعة السمحاء حطموا الطبقية والعنصرية، وكانت إدارتهم تجمع بين أبناء العرب الأصليين وبين الصقلبي ( أي الروس أو مواطني أوربا الشرقية ) والإسباني والبرتغالي والرومي على السواء في خدمة الشعب تحت راية الإسلام تحقيقا للعدل الشامل.)) من كتاب " أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية " أحمد علي الملّا
وإذا كان قد ألمحنا إلى تأثير الحضارة الإسلامية وفضل العرب صُنَّاع هذه الحضارة فى الشرق، فإن فضل الحضارة الإسلامية على الغرب أكبر أثرًا وأشد نصوعً، ذلك أن الحضارة الإسلامية قد أثرت فى العقلية الغريبة بدايةً، وأسهمت الثقافة الإسلامية فى إعادة تشكيلها بعد أن مُنِيَتْ بالجمود والتخلف قرونا عديدة، لم تصحُ ولم تستيقظْ إلا على أيدي الفكر الإسلامي الذي نشره العلماء المسلمون والمفكرون المسلمون فى أورب.
وإذا كان الشائع أن بيكون هو مؤسس المنهج العلمي الحديث فقد آن الأوان أن يُصَحَّح هذا الرأي، وأن يُعزَى الفضلُ إلى أهله،، وقد فَطِن إلى ذلك عدد من العلماء الأوربيين المحدثين ومنهم جوستاف لوبون صاحب كتاب " حضارة العرب " الذى يقول: "لم يلبث العرب بعد أن كانوا تلاميذ معتمدين على كتب اليونان، إذ أدركوا أن التجربة والترصد خير من ألف كتاب ".
ويضيف: ويعزى إلى "بيكون " على العموم أنه أول من أقام التجربة والترصد اللذين هما ركن المناهج العلمية الحديثة، ولكنه يجب أن يُعترَف اليوم بأن ذلك كله من عمل العرب وحدهم، وقد أيَّد هذا الرأي جميع العلماء، الذين درسوا مؤلفات العرب.
ويقول "سيديو": ان أهم ما اتصفت به مدرسة بغداد فى البداءة هو روحها العلمية الصحيحة التى كانت سائدة لأعماله، وكان استخراج المجهول من المعلوم، والتدقيق فى الحوادث مؤديا إلى استنباط العلل من المعلولات وعدم التسليم بما لا يثبت بغير التجربة، مباديء قال بها أساتذة من العرب، وكان العرب فى القرن التاسع من الميلاد حائزين لهذا المنهاج المجدي الذى استعان به علماء القرون الحديثة بعد زمن طويل للوصول إلى أروع الاكتشافات.
أسهمت الحضارة الإسلامية إذن فى تشكيل العقلية الأوربية التي أقامت النهضة الأوربية، ولولا ذلك الدور المهم لعلماء الإسلام لتأخر قيام النهضة الأوربية لعدة قرون، ولما قامت الاكتشافات العلمية التي عرفتها أوربا مطلع العصر الحديث.
والقضية المهمة التى يجب الالتفات إليها هى أنه فى عصر الازدهار الإسلامي والرقي العلمى والفكرى الذي حققه العرب. كانت أوربا تعيش عصور الظلام والتخلف والضعف والركود العقلي والروحي، وكان لسيطرة الكنيسة على الحياة العامة أثره فى ذلك الركود والتخلف، كما كان للصراع بين الكنيسة والإمبراطورية بالإضافة إلى التنافس على السلطة والنفوذ أكبر الأثر فيما وصل إليه المجتمع الأوربي من ضعف وتفكك.
ومن هنا كان المجتمع الأوربي متعطشا للنهضة الفكرية، والانفتاح على روافد جديدة للحضارة والتقدم، وكان في العلم والفن الإسلامي، وفي العربية والترجمات، وانتقال المعرفة الضالة المنشودة لذلك المجتمع...
ـ تعليق المنصفين من الغربيين:
(( يقول برينولت في كتابه ( تكوين الإنسانية ):
" العلم هو أعظم ما قدمته الحضارة العربية إلى العالم الحديث عامة. والجدير بالذكر أنه لا توجد ناحية من نواحي النمو الحضاري إلا ويظهر للإنسان أثر الحضارة والثقافة العربية، وإن أعظم مؤثر هو الدين الإسلامي الذي كان المحرك للتطبيق العملي على الحياة، وإن الادعاء بأن أوربا هي التي اكتشفت المنهج التجريبي ادعاء باطل وخالٍ من الصحة جملة وتفصيلا فالفكر الإسلامي هو الذي قال: انظر وفكر، واعمل، وجرِّبْ حتى تصل إلى اليقين العلمي " )) من كتاب لمحات من الحضارة العربية والإسلامية د / علي عبد الله الدّفاع
ويعتقد الدكتور " سارتون" أن المسلمين كانوا أعظم معلمين في العالم، وأنهم زادوا على العلوم التي أخذوه، وأنهم لم يكتفوا بذلك، بل أوصلوها إلى درجة جديرة بالاعتبار من حيث النمو والارتقاء..
ويقول نيكلسون: " والمكتشفات اليوم لا تحسب شيئاً مذكوراً إزاء ما نحن مدينون به للرواد العرب الذين كانوا مشعلاً وضاءً في القرون الوسطى ولا سيما في أوروبا.."
ويقول دي فو: " إن الميراث الذي تركه اليونان لم يحسن الرومان القيام به، أما العرب فقد أتقنوه، وعملوا على تحسينه وإنمائه حتى سلموه إلى العصور الحديثة.. "..
ويقول سيديو: " كان المسلمون في القرون الوسطى منفردين في العلم والفلسفة والفنون، وقد نشروهما أينما حلَّتْ أقدامهم، وتسربت منهم إلى أوروب، فكانوا هم سبباً في نهضتها وارتقائها "..
كما يذهب إلى أن المسلمين هم في واقع الامر أساتذة أوروبا في جميع فروع المعرفة..
وأخيراً نقول كما قال السيد أمير علي: " وإن نجد المسيو سيديو، لا يعدو الواقع في قوله: إن الكنوز الأدبية العظيمة التي أوجدها العرب في ذلك العصر، ونتاج نبوغهم العلمي، واختراعاتهم الثمينة تنهض دليلاً على نشاطهم الفكري، وتؤيد الرأي القائل: بأن العرب هم أساتذتنا في كل شئ، إذ أنهم زودونا بمواد جليلة القيمة في تاريخ العصور الوسطى، وبأسفار مجيدة في التراجم، وتركوا لنا صناعة لا مثيل لها، وفناً معمارياً آية في الروعة والجمال، واكتشافات مهمة في الفنون والصناعات "..
وكما قال جميع العلماء السابقين فإننا نزيد عليهم أنه ما من أمة تستطيع أن تنجح في كل هذه المجالات دفعة واحدة دون أن تكون مصحوبة بإدارة قوية وحكيمة تستطيع أن تسير بالبلاد من نجاح إلى آخر..
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق