واقع الحداثة في العالم العربي
لعله آن للواقع العربي أن ينتقل إلى مرحلة جديدة وأفضل من المرحلة التي هو فيها والسعي إلى تطوير الفكر العربي وتنمية الثقافة العربية وخلق مجتمع عربي واعٍ مؤسس على أسس حضارية متينة، خاصة بعد مرحلة النوم والسبات العميق، مما أدى إلى تأخره عن ركب الحضارات والثقافات المتطورة التي سبقته.
وبناءً على الواقع العربي الملموس لا بد من اعتماد أسس ومفاهيم عقلية فكرية تنهج به نحو الحدث. بالتالي لا بد من الانتقال إلى المجتمع الأكثر ثقافة والأوسع إدراكاً بحيث يخرج من كهفه المظلم إلى النور، وهذا ما يعرف بالحداثة.
لكن المشكلة التي تعترض المثقفين والمفكرين العرب، بل حتى الغربيين كانوا أيضاً قد واجهوا هذه المشكلة، هي مرحلة الحداثة وما بعد الحداثة، إذ وضعتهم في موضع الشك والحيرة، خاصة أنها قادرة على التخفي بالوقوف في الظلمة بعيداً عن أعين المفكرين العرب وغيرهم من الغربيين، وسعيهم إلى تحليلها والتعرف على كينونتها.
وهذا ما أكده الأديب المكسيكي الشهير أكتافيو باز بقوله: (نحن نتابع الحداثة في تحولاتها التي لا تتوقف، ولكننا لا نتوصل أبداً إلى القبض عليها. الحداثة هي اللحظة ذاتها، إنها ذلك الطائر الموجود في كل مكان ولا مكان، وعندما نريد أن نقبض عليه حياً فإنه يفتح جناحيه ويطير متحولاً إلى قبضة من المقاطع والحروف). ولأن المفكرين لم يستطيعوا القبض على هذا الطائر، أصبحنا نشاهد ونسمع عن الحداثة في جميع العلوم، كعلم الفلسفة وعلم الاجتماع حتى في الأدب. والحداثة في رأي هاشم الصالح واحدة، حتى لو اختلفت أبعادها، والأدب والفكر متفرعان أحدهما من الآخر في الحداثة. وكان للحداثة دور فعال في التواصل بين الأفراد والمجتمعات وتعبير كل منهم عن أفكاره وآرائه وابتكاراته التي تدور في فكر الإنسان، ولقد اعتبرها بعض المثقفين العرب بأنها حداثة غربية في كل أهدافها وجوانبها. فقد أكد الدكتور طه عبد الرحمن في فكره أن الحداثة نمط حضاري، أخذ يقوم في المجتمع الغربي منذ بداية القرن السادس عشر مع النهضة والإصلاح الديني، وعرف هذا النمط رسوخاً مع حركة الأنوار ومع الثورة الفرنسية أيضاً، ثم أخذ يتوسع مع الثورة الصناعية والثورة التكنولوجية، وهو اليوم يسع العالم بأجمعه مع ثورة الاتصالات. بالتالي فالحداثة لدى الدكتور عبد الرحمن هي جملة التحولات العميقة التي طرأت على المجتمع الغربي منذ خمسة قرون. فهذه التحولات التي قام بها الغرب هي تحولات داخلية لأن الغرب هو الذي قام بها، كما أنها تعدّ تحولات إنمائية تراكمية بحيث نقلت المجتمع الغربي من طور حضاري متقدم إلى طور أكثر تقدماً. فالحداثة هي نقطة تحول نحو الأفضل، والسعي لجعله مجتمعاً متبدلاً ومتغيراً وفقاً للثقافة، برغم أن البعض يرى أن المجتمع الغربي تطور من تلقاء نفسه ولم تكن الحداثة واردة عليه، ولكنها كانت ظروفاً يقتضيها المجتمع الغربي.
ويرى الباحث التونسي الدكتور فتحي التريكي: أن فترة ما بعد الحداثة قامت على تدمير قواعد ثلاث، كانت تتأسس عليها الحداثة من حيث هي فكر وتوجه أيديولوجي تنويري، وهي:
1ـ الذات: فالحداثة قامت على الوعي وإدراك الذات، عندما نسبت الذات العاقلة إلى ذاتيتها الأولية والمركزية من خلال التفكير وجعل الذوات الأخرى قيداً تحت سيطرة العقل العلمي. وهذا ما أكده ديكارت في تأملاته، وهيوم وكانط في نقديتهما الإمبيرية بالنسبة للأول والتأسيسية بالنسبة للثاني.
2ـ الحقيقة: لقد ارتبط كل من الفكر والوجود ربطاً وثيقاً من أجل إقرار الحقيقة الدائمة، فكان العقل في العصر الكلاسيكي معتمداً ومرتكزاً عليه، من أجل تبيان الحقيقة وتوضيحها وتحديدها. كما أن هناك تناقضاً في عالم العقل من خلال وجود الخطأ، وبالتالي كان لا بد من الاعتماد على قواعد الخطاب العلمي لكي تنكشف حقيقة الأشياء والابتعاد عن الذاتية لتأسيس القول من خلال آليتها التي اتبعها العقل في عملية إقصائه للخيال واللامتجانس.
3ـ الوحدة: لقد سعت كل من مركزية الذات وضرورة الحقيقة المطلقة إلى توحيد كل مجالات الفكر والعمل لمعالجة قضية وحدة الوجود. وهنا لا نقتصر على وحدة العقل ولا وحدة المصير إنما أيضاً على وحدة الأنطولوجية والتي لم تكفِ الفلسفة بالبحث عن معطياتها ومقوماتها.
لكن من جهة أخرى يرى التريكي أن المعقولية الغربية وخلال عصر الحداثة وما بعد الحداثة لم تقتصر على إنتاج العلوم والتكنولوجيا فقط، بل أقامت منطقاً جديداً يقوم على الإقصاء والاستبعاد والتقتيل، بالتالي فهذا المنطق لا إنساني ومنافٍ للقيم والأخلاق. مما زعزع الموازين في المجتمع من خلال الاعتماد على مبادئ واهية وكاذبة ودنيئة، وأصبح المجتمع بأفراده يقوم على الجانب المادي فقط. وارتبطت العلاقات بين أفراد هذا المجتمع بالمصالح الشخصية والنوايا السيئة، وهذا كله كان موقع نقد والبحث عن سلبيات لمرحلة ما بعد الحداثة، إذ نظر المفكرون إليها من عدة جوانب، وإن كانت تقوم على انتقال العالم إلى مرحلة جديدة تبسط العلاقات لكنها كانت المدمر الكبير للمجتمع الأخلاقي، وهذا ما أكده المؤرخ الفرنسي جان شيسنو عندما نظر إلى الناس بوصفهم سلعاً تَستهلك وتُستهلك في الوقت ذاته. فلكي يعيش الفرد واقع الحداثة، ينبغي أن يلخص مسيرة حياته في طريق يقوم على التقليد والتطبع بالغير، ويبتعد عن واقعه ومعنوياته ويرى أرنست غبلز في فترة ما بعد الحداثة أن الأفراد في مجتمع ما بعد الحداثة أقرب إلى التقلب وعدم الاستقرار، إضافة إلى التخبط الدائم.
الكثير من المفكرين العرب رأوا أن الحداثة هي الخطاب المدمر الموجه ضد القيم الإنسانية، كما أنها المخرب الأول للتراث والهوية القومية والحضارية، ومن أبرزهم محمد بنيس الذي يرى أنه لكي تتعمد الكتابة بماء الحداثة، وتنخرط في معمعان المواجهة والتأسيس عليها أن تقوم بسلسلة من الأفعال التدميرية على النحو التالي:
آن لنا أن نخرب الذاكرة كآلة متسلطة، تدمير القواعد العامة، تدمير سلطة اللغة، تدمير النحوية داخل النص، تدمير السيادة، تدمير سيادة المعنى وأسبقيته داخل النص، تدمير استبداد الحاضر. وأما عن خصائص النص الحداثي المقترح وصفاته وغاياته بعد هذا المسلسل التدميري فهي: توق إلى اللانهائي واللامحدد، يعيش فوضاه، وينجذب لنشوتها، الإبداع حيث يخضع للوعي، للتقعيد، يعلن موته، نقل اللغة إلى مجال الغواية والمتعة، الوصول إلى حالة التحضر الشعرية بالنص وفي النص. زمان الشكل متشكل من منظومة الدواخل، إنه النفس، إنه إيقاع الوعي واللاوعي في تجلياته التي لا ضابط لها.
بالتالي فإن وليد قصاب وأمثاله من المثقفين العرب (المتهمين بالتزمت والسلفية) يرفض الحداثة، التي يعدّها مدنسة للمقدسات، ومنافية للأخلاق، ومهدمة للقيم، ورفع القداسة عنها بل القضاء على كل القيم والعمل على إزالتها عدا الحرية المطلقة التي هي برأيه الصفة (المطلقة) المدمر الأكبر للقيم والأخلاق، والتجريب المتواصل دون الحصول على النتيجة أو الوصول إليها. والحداثة التي يرفضها هؤلاء المفكرون هي التي تعتمد على إله ميت بدلاً من إله الحجر الأعمى وإله الأيام السبعة عند أدونيس، والتي هي حداثة إله مشرد، طريد ومجنون يبيعه اليهود في مدينة عبد الوهاب البياتي، بالتالي فأصحاب الحداثة متهمون في النهاية عن تدمير القيم والأخلاق والعمل على هدم تراث وحضارة الأمة.
لقد دعا الكثير من المثقفين العرب إلى السعي الدائم من أجل إحداث تغيرات شاملة في المجتمع العربي، ومن داخل المجتمع العربي لكي تتناسب مع مستوى الثقافة العربية والقيم الأخلاقية، دون الاعتماد على الغرب في ذلك، خاصة وأن كون الحداثة في الغرب تتناسب مع ثقافة الشعوب في الغرب، بالتالي من غير الممكن الاعتماد عليها كقاعدة أو ركيزة أساسية من أجل إحداث تغيرات شاملة في المجتمع العربي.
بالتالي فالمفكر العربي وخاصة الذي انتقد الاعتماد على حداثة الآخرين أمثال عبد العزيز حمودة أو وليد قصاب لم يهاجم الحداثة أو يعارضها، بل على العكس من ذلك، كانوا يدعون إلى ضرورة تطوير الحداثة العربية وأن تكون ولادتها من نتاج الثقافة العربية بثوابتها ومتغيراتها، لكنهم رفضوا كما أشرنا سابقاً نقل حداثة الغير بقيم واهية لا تتفق مع المستوى الثقافي العربي. بالتالي لا بد من تغيير الواقع الجامد والمتخلف للعالم العربي ولثقافته، والعمل على خلق الحداثة العربية الكاملة والمناسبة للواقع الثقافي العربي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على القيم والمبادئ الثابتة والتي لا يستطيع المجتمع العربي التخلي عنها.
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
لعله آن للواقع العربي أن ينتقل إلى مرحلة جديدة وأفضل من المرحلة التي هو فيها والسعي إلى تطوير الفكر العربي وتنمية الثقافة العربية وخلق مجتمع عربي واعٍ مؤسس على أسس حضارية متينة، خاصة بعد مرحلة النوم والسبات العميق، مما أدى إلى تأخره عن ركب الحضارات والثقافات المتطورة التي سبقته.
وبناءً على الواقع العربي الملموس لا بد من اعتماد أسس ومفاهيم عقلية فكرية تنهج به نحو الحدث. بالتالي لا بد من الانتقال إلى المجتمع الأكثر ثقافة والأوسع إدراكاً بحيث يخرج من كهفه المظلم إلى النور، وهذا ما يعرف بالحداثة.
لكن المشكلة التي تعترض المثقفين والمفكرين العرب، بل حتى الغربيين كانوا أيضاً قد واجهوا هذه المشكلة، هي مرحلة الحداثة وما بعد الحداثة، إذ وضعتهم في موضع الشك والحيرة، خاصة أنها قادرة على التخفي بالوقوف في الظلمة بعيداً عن أعين المفكرين العرب وغيرهم من الغربيين، وسعيهم إلى تحليلها والتعرف على كينونتها.
وهذا ما أكده الأديب المكسيكي الشهير أكتافيو باز بقوله: (نحن نتابع الحداثة في تحولاتها التي لا تتوقف، ولكننا لا نتوصل أبداً إلى القبض عليها. الحداثة هي اللحظة ذاتها، إنها ذلك الطائر الموجود في كل مكان ولا مكان، وعندما نريد أن نقبض عليه حياً فإنه يفتح جناحيه ويطير متحولاً إلى قبضة من المقاطع والحروف). ولأن المفكرين لم يستطيعوا القبض على هذا الطائر، أصبحنا نشاهد ونسمع عن الحداثة في جميع العلوم، كعلم الفلسفة وعلم الاجتماع حتى في الأدب. والحداثة في رأي هاشم الصالح واحدة، حتى لو اختلفت أبعادها، والأدب والفكر متفرعان أحدهما من الآخر في الحداثة. وكان للحداثة دور فعال في التواصل بين الأفراد والمجتمعات وتعبير كل منهم عن أفكاره وآرائه وابتكاراته التي تدور في فكر الإنسان، ولقد اعتبرها بعض المثقفين العرب بأنها حداثة غربية في كل أهدافها وجوانبها. فقد أكد الدكتور طه عبد الرحمن في فكره أن الحداثة نمط حضاري، أخذ يقوم في المجتمع الغربي منذ بداية القرن السادس عشر مع النهضة والإصلاح الديني، وعرف هذا النمط رسوخاً مع حركة الأنوار ومع الثورة الفرنسية أيضاً، ثم أخذ يتوسع مع الثورة الصناعية والثورة التكنولوجية، وهو اليوم يسع العالم بأجمعه مع ثورة الاتصالات. بالتالي فالحداثة لدى الدكتور عبد الرحمن هي جملة التحولات العميقة التي طرأت على المجتمع الغربي منذ خمسة قرون. فهذه التحولات التي قام بها الغرب هي تحولات داخلية لأن الغرب هو الذي قام بها، كما أنها تعدّ تحولات إنمائية تراكمية بحيث نقلت المجتمع الغربي من طور حضاري متقدم إلى طور أكثر تقدماً. فالحداثة هي نقطة تحول نحو الأفضل، والسعي لجعله مجتمعاً متبدلاً ومتغيراً وفقاً للثقافة، برغم أن البعض يرى أن المجتمع الغربي تطور من تلقاء نفسه ولم تكن الحداثة واردة عليه، ولكنها كانت ظروفاً يقتضيها المجتمع الغربي.
ويرى الباحث التونسي الدكتور فتحي التريكي: أن فترة ما بعد الحداثة قامت على تدمير قواعد ثلاث، كانت تتأسس عليها الحداثة من حيث هي فكر وتوجه أيديولوجي تنويري، وهي:
1ـ الذات: فالحداثة قامت على الوعي وإدراك الذات، عندما نسبت الذات العاقلة إلى ذاتيتها الأولية والمركزية من خلال التفكير وجعل الذوات الأخرى قيداً تحت سيطرة العقل العلمي. وهذا ما أكده ديكارت في تأملاته، وهيوم وكانط في نقديتهما الإمبيرية بالنسبة للأول والتأسيسية بالنسبة للثاني.
2ـ الحقيقة: لقد ارتبط كل من الفكر والوجود ربطاً وثيقاً من أجل إقرار الحقيقة الدائمة، فكان العقل في العصر الكلاسيكي معتمداً ومرتكزاً عليه، من أجل تبيان الحقيقة وتوضيحها وتحديدها. كما أن هناك تناقضاً في عالم العقل من خلال وجود الخطأ، وبالتالي كان لا بد من الاعتماد على قواعد الخطاب العلمي لكي تنكشف حقيقة الأشياء والابتعاد عن الذاتية لتأسيس القول من خلال آليتها التي اتبعها العقل في عملية إقصائه للخيال واللامتجانس.
3ـ الوحدة: لقد سعت كل من مركزية الذات وضرورة الحقيقة المطلقة إلى توحيد كل مجالات الفكر والعمل لمعالجة قضية وحدة الوجود. وهنا لا نقتصر على وحدة العقل ولا وحدة المصير إنما أيضاً على وحدة الأنطولوجية والتي لم تكفِ الفلسفة بالبحث عن معطياتها ومقوماتها.
لكن من جهة أخرى يرى التريكي أن المعقولية الغربية وخلال عصر الحداثة وما بعد الحداثة لم تقتصر على إنتاج العلوم والتكنولوجيا فقط، بل أقامت منطقاً جديداً يقوم على الإقصاء والاستبعاد والتقتيل، بالتالي فهذا المنطق لا إنساني ومنافٍ للقيم والأخلاق. مما زعزع الموازين في المجتمع من خلال الاعتماد على مبادئ واهية وكاذبة ودنيئة، وأصبح المجتمع بأفراده يقوم على الجانب المادي فقط. وارتبطت العلاقات بين أفراد هذا المجتمع بالمصالح الشخصية والنوايا السيئة، وهذا كله كان موقع نقد والبحث عن سلبيات لمرحلة ما بعد الحداثة، إذ نظر المفكرون إليها من عدة جوانب، وإن كانت تقوم على انتقال العالم إلى مرحلة جديدة تبسط العلاقات لكنها كانت المدمر الكبير للمجتمع الأخلاقي، وهذا ما أكده المؤرخ الفرنسي جان شيسنو عندما نظر إلى الناس بوصفهم سلعاً تَستهلك وتُستهلك في الوقت ذاته. فلكي يعيش الفرد واقع الحداثة، ينبغي أن يلخص مسيرة حياته في طريق يقوم على التقليد والتطبع بالغير، ويبتعد عن واقعه ومعنوياته ويرى أرنست غبلز في فترة ما بعد الحداثة أن الأفراد في مجتمع ما بعد الحداثة أقرب إلى التقلب وعدم الاستقرار، إضافة إلى التخبط الدائم.
الكثير من المفكرين العرب رأوا أن الحداثة هي الخطاب المدمر الموجه ضد القيم الإنسانية، كما أنها المخرب الأول للتراث والهوية القومية والحضارية، ومن أبرزهم محمد بنيس الذي يرى أنه لكي تتعمد الكتابة بماء الحداثة، وتنخرط في معمعان المواجهة والتأسيس عليها أن تقوم بسلسلة من الأفعال التدميرية على النحو التالي:
آن لنا أن نخرب الذاكرة كآلة متسلطة، تدمير القواعد العامة، تدمير سلطة اللغة، تدمير النحوية داخل النص، تدمير السيادة، تدمير سيادة المعنى وأسبقيته داخل النص، تدمير استبداد الحاضر. وأما عن خصائص النص الحداثي المقترح وصفاته وغاياته بعد هذا المسلسل التدميري فهي: توق إلى اللانهائي واللامحدد، يعيش فوضاه، وينجذب لنشوتها، الإبداع حيث يخضع للوعي، للتقعيد، يعلن موته، نقل اللغة إلى مجال الغواية والمتعة، الوصول إلى حالة التحضر الشعرية بالنص وفي النص. زمان الشكل متشكل من منظومة الدواخل، إنه النفس، إنه إيقاع الوعي واللاوعي في تجلياته التي لا ضابط لها.
بالتالي فإن وليد قصاب وأمثاله من المثقفين العرب (المتهمين بالتزمت والسلفية) يرفض الحداثة، التي يعدّها مدنسة للمقدسات، ومنافية للأخلاق، ومهدمة للقيم، ورفع القداسة عنها بل القضاء على كل القيم والعمل على إزالتها عدا الحرية المطلقة التي هي برأيه الصفة (المطلقة) المدمر الأكبر للقيم والأخلاق، والتجريب المتواصل دون الحصول على النتيجة أو الوصول إليها. والحداثة التي يرفضها هؤلاء المفكرون هي التي تعتمد على إله ميت بدلاً من إله الحجر الأعمى وإله الأيام السبعة عند أدونيس، والتي هي حداثة إله مشرد، طريد ومجنون يبيعه اليهود في مدينة عبد الوهاب البياتي، بالتالي فأصحاب الحداثة متهمون في النهاية عن تدمير القيم والأخلاق والعمل على هدم تراث وحضارة الأمة.
لقد دعا الكثير من المثقفين العرب إلى السعي الدائم من أجل إحداث تغيرات شاملة في المجتمع العربي، ومن داخل المجتمع العربي لكي تتناسب مع مستوى الثقافة العربية والقيم الأخلاقية، دون الاعتماد على الغرب في ذلك، خاصة وأن كون الحداثة في الغرب تتناسب مع ثقافة الشعوب في الغرب، بالتالي من غير الممكن الاعتماد عليها كقاعدة أو ركيزة أساسية من أجل إحداث تغيرات شاملة في المجتمع العربي.
بالتالي فالمفكر العربي وخاصة الذي انتقد الاعتماد على حداثة الآخرين أمثال عبد العزيز حمودة أو وليد قصاب لم يهاجم الحداثة أو يعارضها، بل على العكس من ذلك، كانوا يدعون إلى ضرورة تطوير الحداثة العربية وأن تكون ولادتها من نتاج الثقافة العربية بثوابتها ومتغيراتها، لكنهم رفضوا كما أشرنا سابقاً نقل حداثة الغير بقيم واهية لا تتفق مع المستوى الثقافي العربي. بالتالي لا بد من تغيير الواقع الجامد والمتخلف للعالم العربي ولثقافته، والعمل على خلق الحداثة العربية الكاملة والمناسبة للواقع الثقافي العربي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على القيم والمبادئ الثابتة والتي لا يستطيع المجتمع العربي التخلي عنها.
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق