تعريف شامل للحضارة الإسلامية العربية بالأندلس الغالية ج2
-*الحالة في إسبانيا قبل الفتح العربي -*
كانت إسبانيا في الفترة الأخيرة من الحكم القوطي، تعاني ضعفا سياسيا و اجتماعيا يجعلها فريسة سهلة لأي غاز يغزوها من الجنوب أو من الشمال، كان المجتمع الإسباني في ذلك الوقت ينقسم إلى طبقات يسيطر بعضها على بعض، الطبقات كانت:
1. الطبقة العليا المكونة من الملك و النبلاء: لم يكن الملك يعين بالوراثة بل كان يعين بالانتخاب، فالنظام كان ملكيا انتخابيا، لكنه أدى في النهاية إلى تنافس بين النبلاء للوصول إلى الحكم، مما أدى لكثرة المؤامرات بينهم الأمر الذي أدى لإضعاف قوة الدولة، و كان أفراد هذه الطبقة يملكون نفوذا غير محدود و لهم ممتلكات عقارية كثيرة و كانت هذه الممتلكات معفاة عن الضرائب.
2. طبقة رجال الدين: كان الدين في العصور الوسطى في إسبانيا له نفوذ واسع، و كان رجال الدين يتمتعون بنفوذ غير محدود سياسيا و روحيا، إذ كانوا يشاركون النبلاء في انتخاب الملك، و أيضا كانت لهم ممتلكات عقارية معفاة من الضرائب.
3. الطبقة الوسطى: و هي الطبقة الحرة التي تمثل الشعب، كثرتها تدل على رخاء المجتمع و قلتها تدل على إختلاله، و في الفترة الأخيرة من الحكم القوطي، كان عدد أفراد هذه الطبقة قليل، كما كانوا مثقلين بالضرائب.
4. الطبقة الدنيا أو طبقة العبيد: و هم الأكثر عددا في المجتمع القوطي في الفترة الأخيرة من الحكم القوطي، كان معظمهم يعمل في مزارع النبلاء، و كانوا ملكا لصاحب الأرض و كانوا ينقلون مع الأرض إذا بيعت لشخص آخر.
5. طبقة اليهود: كان اليهود يقومون بالأعمال المالية و الحسابية في دواوين الحكومة، و كانوا مكروهين لإختلاف عقيدتهم الدينية، و لذلك تعرضوا لكثير من الإضطهادات، فاضطروا أحيانا لقلب نظام الحكم بالثورات، و أحيانا عن طريق المؤامرات.
كانت الحالة الاجتماعية في إسبانيا قبل الفتح الإسلامي تعاني الفساد و التفكك و عدم التماسك، في وقت أصبحت فيه اللأراضي المغربية المقابلة لإسبانيا قوة متماسكة يتيح لها الفرصة للتدخل بها.
-* السبب المباشر لفتح إسبانيا -*
تختلف الرواية العربية عن الرواية الإسبانية حول السبب المباشر لتدخل المسلمين في إسبانيا، الرواية العربية ترجع بذلك إلى قصة إنتقام شخصي، القصة تقول أن الكونت يوليان حاكم سبتة كانت له ابنة جميلة إسمها فلورندا وأن الكونت أرسلها إلى القصر الملكي القوطي في طليطلة لتتأدب و تتعلم كغيرها من فتيات الطبقة الراقية، فرآها الملك القوطي لذريق Rودريعو و أحبها فاعتدى عليها، فكتبت رسالة إلى ابيها تخبره و تشكو له ما حصل، فذهب يوليان إلى القصر و أخذ ابنته من هناك، و أصبح يوليان يريد الانتقام فاتصل بموسى بن نصير و أقنعه بغزو اسبانيا مبينا له سوء الاحوال فيها فاستجاب موسى لطلبه و أقدم على الغزو بعد أن استأذن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك.
أما الرواية الإسبانية فتقول أن الملك القوطي وقلة إكهيلا، عندما عزل من ملكه ذهب انصاره إلى حليفه الكونت يوليان حاكم سبتة طالبين منه المساعدة، فقادهم يوليان إلى موسى بن نصير بالقيروان حيث تم الاتفاق على أن يمدهم موسى بجيش من عنده ليرد إلى ملكهم المعزول عرشه بشرط دفعهم جزية سنوية للعرب.
-* التخطيط لفتح إسبانيا -*
كان فتح المسلمين لإسبانيا نتيجة لخطة موضوعة، أقرها الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بدمشق، باتفاق مع قائده على المغرب موسى بن نصير. قام موسى بن نصير بعدة حملات استكشافية على جنوب اسبانيا ، فقام باستدعاء حليفه الكونت يوليان حاكم سبتة، قام يوليان بحشد جيوشه وجاز في مركبين إلى الأندلس وشن الغارة على الساحل الجنوبي، فسبا و قتل و غنم و رجع و امتلأت يديه خيرا وشاع الخبر في كل قطر فتحمس الناس للغزو.[1] لم يكتفي موسى بهذه الغارة الاستطلاعية التي قام بها يوليان بل استدعى أحد ضباطه و هو طريف بن مالك[2]، فأمره بشن غارة على ساحل الأندلس الجنوبي فعبر طريق المضيق ب100 فارس و 400 راجل و ذلك في يونيو سنة 710م 91 هـ في رمضان في طريفه، نزل طريف و جنده و أغاروا على المناطق التي تتبعها إلى جهة الخضراء فغنم منها الكثير و عاد سالما[3]. فتبين لموسى بن نصير أن ما قاله يوليان كان صحيحا عن ضعف المقاومة في إسبانيا، فأعد موسى جيشا من سبعة آلاف محارب لغزو الاندلس بقيادة طارق بن زياد.
إن فتح المسلمين للأندلس لم يكن منذ البداية مغامرة حربية ارتجالية، بل كان فتحا منظما حسب خطة أعدت من قبل.
-* عبور المسلمين إلى إسبانيا -*
اعتمد موسى بن نصير على الأساطيل الإسلامية التي كانت تحت قيادته على طول الساحل المغربي، وجه موسى طارق بن زياد إلى طنجة و من هناك انطلقت السفن العربية الإسلامية إلى الجبل المعروف حتى اليوم بجبل طارق.
-* معركة جبل طارق -*
عند نزول طارق بن زياد و جيشه إلى سفح الجبل لقوا مقاومة عنيفة من القوط الذين كانوا على علم بأن المسلمين قادمون لغزوهم نتيجة الغارات الاستطلاعية التي شنت من قبل، فاضطر المسلمون لتغيير خططهم العسكرية و قرروا النزول ليلا في مكان صخري وعر، فاستخدموا براذع الدواب و مجاذف السفن لكي تعينهم على خوض المياه و ارتقاء الصخور فالتفوا بذلك حول جموع القوط و انقضوا عليهم قبل أن يشعر القوط بهم. وكان هذا النصر الأول الذي أحرزه طارق عند نزوله أرض الأندلس و تمكن من احتلال الجبل المسمى باسمه حتى اليوم.
-* حرق المراكب وخطبة طارق -*
قصة حرق المراكب هي قصة شائعة في تاريخ فتح الأندلس تفيد القصة بأن طارق قد أحرق سفنه بعد نزوله الشاطئ الإسباني لكي يقطع على جنوده أي تفكير في التراجع و الإرتداد. ثم خطب فيهم خطبته المشهورة التي قال فيها:
"أيها الناس. أين المفر؟ البحر من ورائكم. والعدو أمامكم. وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام. وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته. وأقواته موفورة. وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم. ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم. وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم. ولم تنجزوا لكم أمرًا ذهبت ريحكم. وتعوَّضت القلوب من رعبها منكم الجراءة عليكم فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية (يقصد لذريق) فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة. وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن، إن سمحتم لأنفسكم بالموت. وإني لم أحذركم أمرًا أنا عنه بنجوة. ولا حَمَلْتُكُمْ على خطة أرخص متاع فيها النفوس إلا وأنا أبدأ بنفسي. واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشقِّ قليلاً. استمتعتم بالأرفَهِ الألذِّ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفى من حظي".
ثم قال:
"وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عُربانًا، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارًا. وأختانًا. ثقة منه بارتياحكم للطعان. واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان. ليكون حظُّه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته وإظهار دينه بهذه الجزيرة. وليكون مغنمًا خالصة لكم من دونه. ومن دون المؤمنين سواكم. والله – الله – ولَّى أنجادكم على ما يكون لكم ذِكرًا في الدارين. واعلموا أنني أول مُجيب لما دعوتكم إليه. وأني عند مُلتقى الجمعين حامل نفسي على طاغية القوم لذريق. فقاتله ءإن شاء اللهء فاحملوا معي. فإن هلكت بعده. فقد كفيتكم أمره. ولم يعوزكم بطلب عاقد تسندون أموركم إليه. وإن هلكت قبل وصولي إليه. فاخلفوني في عزيمتي هذه. واحملوا بأنفسكم عليه. واكتفوا الهمَّ من الاستيلاء على هذه الجزيرة بقتله؛ فإنهم بعده يُخذلون".
والرواية الإسلامية تشير إلى حادثة حرق السفن في ثلاثة مراجع هي كتاب الإكتفاء لابن الكردبوس، و كتاب نزهة المشتاق ل الشريف الإدريسي و كتاب الروض المعطار ل الحميري.
في كتاب ابن الكردبوس. يشار إلى أن طارق أراد حرق سفنه كي يحشد همم المقاتلة. أما في كتب الإدريسي و الحميري، فيشار إلى أن طارقا أحس بأن العرب لا يثقون به و توقع أنهم لن ينزلوا معه إلى الجبل فعمد إلى إحراق سفنه كي يحول دون إنسحابهم بها إلى المغرب.
-*معركة كورة شذونة -*
مقال تفصيلي :معركة كورة شذونة
أقام طارق بن زياد في جبل طارق عدة أيام، بنى خلالها سورا أحاط بجيوشه سماه سور العرب[6]، كما أعد قاعدة عسكرية بجوار الجبل على الساحل لحماية ظهره في حالة الانسحاب أو الهزيمة و هي مدينة الجزيرة الخضراء، و التي سميت أيضا بجزيرة أم حكيم[7]، إن موقع هذا الميناء قريب و سهل الإتصال بمدينة سبتة على الساحل المغربي المقابل، بينما يصعب الإتصال بإسبانيا نفسها بسبب وجود مرتفعات بينهما، كذلك أقام قاعدة أمامية أخرى في مدينة طريفة بقيادة طريف بن مالك. و علم الملك القوطي لذريق خبر نزول المسلمين في بلاده، كان الملك لذريق مشغولا ذلك الوقت بإخماد ثورة قام بها البشكنس سكان نافارا في أقصى شمال إسبانيا. فأسرع الملك لذريق بالعودة إلى جنوب إسبانيا بجميع قواته لملاقاة المسلمين. في ذلك الوقت كان طارق بن زياد قد اتجه نحو الغرب متخذا قاعدة طريفة قاعدة يحمي بها مؤخرة جيشه ثم أكمل سيره حتى وصل بحيرة تعرف باسم بحيرة لاخندا في كورة شذونة. بعث طارق جواسيس له إلى الشمال ليروا حجم الجيش الذي سيواجهه المسلمون، و عندما عادوا إليه أبلغوه عن ضخامة الجيش الذي جهزه له الملك لذريق، فانزعج طارق لهذا النبأ و كتب إلى موسى بن نصير يطلب منه أن يمده بالمزيد من الجند، فاستجاب له موسى فوجه له خمسة آلاف جندي فأصبح عدد جيش المسلمين في الأندلس إثنا عشر ألفا.
يتفق أغلب المؤرخين على أن المعركة الفاصلة التي دارت بين المسلمين و القوط و التي حددت مصير الأندلس حدثت في كورة شذونة جنوب غرب إسبانيا، استمرت المعركة مدة ثمانية أيام من الأحد في 28 من رمضان إلى الأحد 5 شوال عام 92هـ و من 19 ء 26 يونيو عام 711م، و وصفوها بأنها كانت معركة شديدة ضارية،اقتتل فيها الطرفان قتالا شديدا حتى ظنوا أنه الفناء[8]، و لم تكن بالمغرب مقتلة أعظم منها، و أن عظامهم بقيت في أرض المعركة دهرا طويلا لم تذهب[9]، و انتهت المعركة بانتصار المسلمين و هزيمة الجيش القوطي. و قد سميت هذه المعركة في عدة مصادر عربية و إسبانية باسم معركة البحيرة، و وادي لكة، و وادي البرباط، و شريش، و السواقي، و تنسب هذه التسميات إلى تلك الأماكن التي دارت و تشعبت عندها تلك المعركة الواسعة النطاق في أراضي كورة شذونة. بعد المعركة الفاصلة و انتصار طارق بن زياد أصبحت جميع المعارك التي قامت في أنحاء الأندلس ما هي إلا مناوشات بسيطة بالنسبة لهذه المعركة الكبيرة، فقد استولى المسلمون على الأندلس خلال ثلاثة أعوام مما يدل على انتهاء المقاومة تقريبا.
[عدل] إتمام فتح الأندلس
بعد هذا النصر الكبير الذي حققه طارق في معركة شذونة فتحت أبواب الأندلس للمسلمين و اتجه طارق بالجيش شمالا نحو العاصمة طليطلة، و في أثناء سيره واجهته قلعة اسمها إسيجه ىcيجاه ، فحاصرها ثم استولى عليها، في ذلك الوقت أرسل طارق أقساما من جيشه إلى المناطق الجانبية في الأندلس، اتجه قسم إلى قرطبة بقيادة مغيث الرومي مولى عبد الملك بن مروان، فاستولى عليها بعد حصار دام ثلاثة أشهر، واتجه قسم آخر إلى البيرة و ما يحيطها و فتحوها. و من الجدير بالذكر أن طارق وجد و قادته عونا من اليهود المقيمين في إسبانيا بسبب اضطهاد القوط لهم و لذلك اعتمد طارق عليهم في حفظ المناطق المفتوحة في أنحاء البلاد[10]. استمر طارق بزحفه نحو الشمال حتى وصل العاصمة طليطلة، فدخلها دون مقاومة تذكر، إذ كان حكامها و أهلها قد هربوا منها، فكانت المدينة شبه خالية تقريبا[11]، فغنم المسلمون من كنائس المدينة و قصورها ذخائر و كنوزا كما تشير المصادر العربية.
ثم خشي طارق بن زياد من أن يقطع عليه القوط الطريق في تلك المناطق الجبلية الوعرة، لأن فصل الشتاء قد اقترب و تعب الجيش الإسلامي من الجهود التي بذلها، و الغنائم التي ثقل بها، فكتب إلى موسى بن نصير يطلب منه العون، و في شهر رمضان عام93هـ يونيو 712م، عبر موسى مضيق جبل طارق بجيش كبير من 18 ألف محارب، معظمهم من العرب بعصبياتهم القيسية و اليمنية، و من بينهم عدد من التابعين و قد عرف هذا الجيش العربي الأول بطالعة موسى[12].و سار موسى من طريق غربي غير الطريق الذي سار به طارق، و استولى على مدن أخرى غير التي استولى عليها طارق فاستولى على إشبيلية و ماردة و قرمونة، ثم و صل إلى نهر التاجو بالقرب من طليطلة فالتقى بطارق بن زياد هناك. ثم تابع القائدان سيرهما نحو الشمال باتجاه جبال البرتات (البرانس) و أخذت المدن تتساقط بين أيديهم مثل وشقة و لاردة و سرقسطة، حتى وصلا إلى شاطئ البحر الشمالي عند الحدود الإسبانية الفرنسية.
و هكذا أنهى كل من طارق و موسى من فتوحاتهما، و أمر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك برجوع القائدين إلى دمشق، فعاد موسى و طارق و خلف على الأندلس عبد العزيز بن موسى بن نصير واليا عليها عام 95هـ 714 م.
لم يتبقى من الأندلس سوى بعض المناطق الشرقية و الشمالية الغربية، أما شرق الأندلس فقد فتحها الأمير عبد العزيز بن موسى بن نصير الذي أصبح واليا على الأندلس، تركزت المقاومة في كورة تدمير (مرسية حاليا) و كانت لها قاعدة حصينة و هي أريولة، سميت هذه الولاية بهذا الاسم نسبة إلى اسم حاكمها الأمير القوطي تيودمير الذي منحه عبد العزيز شروطا ضمنت له أن يحكم ولايته مقابل جزية سنوية.
أما الجزء الشمالي الغربي من الأندلس، و هي المنطقة المعروفة بأستورياس إستورياس في جليقية أو غاليسيا Gاليcيا، فإن الأمويين لم يفرضوا عليها سيطرتهم بالكامل، بسبب برودة مناخها و وعورة طرقها، فأهملوا هذا الجانب استهانة بشأنه، نتيجة لذلك تمكن بعض من تبقى من الجيش القوطي المنهزم بزعامة القائد المعروف باسم بلاي أو بيلايو Pيلايو، لجأ هؤلاء القوط إلى الجبال الشمالية في تلك المنطقة، و هي ثلاثة جبال عالية، تسمى القمة الغربية منها باسم أونغا ونعا فيها كهف يعرف باسم كوفادونغا Cو?ادونعا، أما العرب فيسمونها باسم صخرة بلاي لأن بيلايو اختبأ فيها عندما حاصرهم المسلمون و عاشوا على عسل النحل الذي وجدوه في خروق الصخور، عندما عرف المسلمون أمرهم، تركوهم استهانة بأمرهم و وانسحبوا و قالوا: " ثلاثون علجا ما عسى أن يجيئ منهم؟ "[13].
المصادر الإسبانية تعتبر إنسحاب المسلمين من كوفادونغا نصرا عسكريا و أيضا نصرا قوميا للإسبان، و تقول أن العون الالهي كان قد وقف إلى جانبهم، أما المصادر العربية فهي تعترف بانسحاب المسلمين عن هذه المنطقة الباردة و القاحلة لكنها لا تذكر شيئا عن قيام معركة و لا عن القائد علقمة اللخمي الذي قاد الجيش هناك ذلك الوقت. و على إثر انسحاب المسلمين قامت في تلك المنطقة (شمال غرب إسبانيا) مملكة أستورياس.
مراحل الحكم الإسلامي في الأندلس
اتفق الؤرخون على تقسيم مراحل الحكم الإسلامي في الأندلس إلى خمسة عصور و هي:
1. عصر الولاة: و هو العصر الذي يمتد من الفتح العربي حتى قيام الدولة الأموية في الأندلس منذ عام 711م حتى عام 756 م 91هـ ء 138هـ هذا العصر كانت الأندلس ولاية تابعة للخلافة الأموية في دمشق.
2. عصر الدولة الأموية في الأندلس: يقسم هذا العصر إلى قسمين، القسم الأول كانت الأندلس إمارة أموية مستقلة عن دولة الخلافة العباسية في المشرق. منذ عام 756 م حتى عام 929 م 138هـ ء 316هـ. أما القسم الثاني و قد أصبحت الأندلس خلافة مستقلة روحيا عن الخلافة العباسية عندما أعلن عبد الرحمن الثالث نفسه خليفة و لقب بالناصر لدين الله.
3. عصر ملوك الطوائف : 1031 م ء 1086 م و يبدأ هذا العصر بانتهاء الدولة الأموية في الأندلس و انقسامها إلى دويلات متنازعة إلى أن دخلها المرابطون من المغرب و أعادوا توحيدها بعد انتصارهم على الإسبان في معركة الزلاقة عام 1086م بقيادة القائد البربري يوسف بن تاشفين.
4. عصر السيطرة المغربية أو الحكم المغربي: من سنة 1086م حتى سنة 1214 م، و فيه أصبحت الأندلس و لاية تابعة للمغرب أثناء حكم المرابطين و من ثم الموحدين كانت العاصمة لكلتا الدولتين المتتاليتين مدينة مراكش المغربية، انتهى هذا العصر بهزيمة الموحدين أمام الجيوش الأوروبية المتحالفة في موقعة العقاب عام 609 هـ 1212 م أعقب ذلك فترة ملوك طوائف ثانية، أنهى وجودها الإسبان و لم يبقى منها غير مملكة واحدة و هي مملكة غرناطة.
5. عصر مملكة غرناطة: أو الدولة الناصرية أو دولة بني الأحمر، و هو آخر عصر إسلامي في الأندلس من عام 1231م حتى عام 1492 م، وهي السنة التي سقطت فيها المملكة في أيدي الملك فرناندو الثاني و الملكة إيزابيلا، و هي نفس السنة التي اكتشف فيها كريستوف كولومبس قارة أمريكا
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
-*الحالة في إسبانيا قبل الفتح العربي -*
كانت إسبانيا في الفترة الأخيرة من الحكم القوطي، تعاني ضعفا سياسيا و اجتماعيا يجعلها فريسة سهلة لأي غاز يغزوها من الجنوب أو من الشمال، كان المجتمع الإسباني في ذلك الوقت ينقسم إلى طبقات يسيطر بعضها على بعض، الطبقات كانت:
1. الطبقة العليا المكونة من الملك و النبلاء: لم يكن الملك يعين بالوراثة بل كان يعين بالانتخاب، فالنظام كان ملكيا انتخابيا، لكنه أدى في النهاية إلى تنافس بين النبلاء للوصول إلى الحكم، مما أدى لكثرة المؤامرات بينهم الأمر الذي أدى لإضعاف قوة الدولة، و كان أفراد هذه الطبقة يملكون نفوذا غير محدود و لهم ممتلكات عقارية كثيرة و كانت هذه الممتلكات معفاة عن الضرائب.
2. طبقة رجال الدين: كان الدين في العصور الوسطى في إسبانيا له نفوذ واسع، و كان رجال الدين يتمتعون بنفوذ غير محدود سياسيا و روحيا، إذ كانوا يشاركون النبلاء في انتخاب الملك، و أيضا كانت لهم ممتلكات عقارية معفاة من الضرائب.
3. الطبقة الوسطى: و هي الطبقة الحرة التي تمثل الشعب، كثرتها تدل على رخاء المجتمع و قلتها تدل على إختلاله، و في الفترة الأخيرة من الحكم القوطي، كان عدد أفراد هذه الطبقة قليل، كما كانوا مثقلين بالضرائب.
4. الطبقة الدنيا أو طبقة العبيد: و هم الأكثر عددا في المجتمع القوطي في الفترة الأخيرة من الحكم القوطي، كان معظمهم يعمل في مزارع النبلاء، و كانوا ملكا لصاحب الأرض و كانوا ينقلون مع الأرض إذا بيعت لشخص آخر.
5. طبقة اليهود: كان اليهود يقومون بالأعمال المالية و الحسابية في دواوين الحكومة، و كانوا مكروهين لإختلاف عقيدتهم الدينية، و لذلك تعرضوا لكثير من الإضطهادات، فاضطروا أحيانا لقلب نظام الحكم بالثورات، و أحيانا عن طريق المؤامرات.
كانت الحالة الاجتماعية في إسبانيا قبل الفتح الإسلامي تعاني الفساد و التفكك و عدم التماسك، في وقت أصبحت فيه اللأراضي المغربية المقابلة لإسبانيا قوة متماسكة يتيح لها الفرصة للتدخل بها.
-* السبب المباشر لفتح إسبانيا -*
تختلف الرواية العربية عن الرواية الإسبانية حول السبب المباشر لتدخل المسلمين في إسبانيا، الرواية العربية ترجع بذلك إلى قصة إنتقام شخصي، القصة تقول أن الكونت يوليان حاكم سبتة كانت له ابنة جميلة إسمها فلورندا وأن الكونت أرسلها إلى القصر الملكي القوطي في طليطلة لتتأدب و تتعلم كغيرها من فتيات الطبقة الراقية، فرآها الملك القوطي لذريق Rودريعو و أحبها فاعتدى عليها، فكتبت رسالة إلى ابيها تخبره و تشكو له ما حصل، فذهب يوليان إلى القصر و أخذ ابنته من هناك، و أصبح يوليان يريد الانتقام فاتصل بموسى بن نصير و أقنعه بغزو اسبانيا مبينا له سوء الاحوال فيها فاستجاب موسى لطلبه و أقدم على الغزو بعد أن استأذن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك.
أما الرواية الإسبانية فتقول أن الملك القوطي وقلة إكهيلا، عندما عزل من ملكه ذهب انصاره إلى حليفه الكونت يوليان حاكم سبتة طالبين منه المساعدة، فقادهم يوليان إلى موسى بن نصير بالقيروان حيث تم الاتفاق على أن يمدهم موسى بجيش من عنده ليرد إلى ملكهم المعزول عرشه بشرط دفعهم جزية سنوية للعرب.
-* التخطيط لفتح إسبانيا -*
كان فتح المسلمين لإسبانيا نتيجة لخطة موضوعة، أقرها الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بدمشق، باتفاق مع قائده على المغرب موسى بن نصير. قام موسى بن نصير بعدة حملات استكشافية على جنوب اسبانيا ، فقام باستدعاء حليفه الكونت يوليان حاكم سبتة، قام يوليان بحشد جيوشه وجاز في مركبين إلى الأندلس وشن الغارة على الساحل الجنوبي، فسبا و قتل و غنم و رجع و امتلأت يديه خيرا وشاع الخبر في كل قطر فتحمس الناس للغزو.[1] لم يكتفي موسى بهذه الغارة الاستطلاعية التي قام بها يوليان بل استدعى أحد ضباطه و هو طريف بن مالك[2]، فأمره بشن غارة على ساحل الأندلس الجنوبي فعبر طريق المضيق ب100 فارس و 400 راجل و ذلك في يونيو سنة 710م 91 هـ في رمضان في طريفه، نزل طريف و جنده و أغاروا على المناطق التي تتبعها إلى جهة الخضراء فغنم منها الكثير و عاد سالما[3]. فتبين لموسى بن نصير أن ما قاله يوليان كان صحيحا عن ضعف المقاومة في إسبانيا، فأعد موسى جيشا من سبعة آلاف محارب لغزو الاندلس بقيادة طارق بن زياد.
إن فتح المسلمين للأندلس لم يكن منذ البداية مغامرة حربية ارتجالية، بل كان فتحا منظما حسب خطة أعدت من قبل.
-* عبور المسلمين إلى إسبانيا -*
اعتمد موسى بن نصير على الأساطيل الإسلامية التي كانت تحت قيادته على طول الساحل المغربي، وجه موسى طارق بن زياد إلى طنجة و من هناك انطلقت السفن العربية الإسلامية إلى الجبل المعروف حتى اليوم بجبل طارق.
-* معركة جبل طارق -*
عند نزول طارق بن زياد و جيشه إلى سفح الجبل لقوا مقاومة عنيفة من القوط الذين كانوا على علم بأن المسلمين قادمون لغزوهم نتيجة الغارات الاستطلاعية التي شنت من قبل، فاضطر المسلمون لتغيير خططهم العسكرية و قرروا النزول ليلا في مكان صخري وعر، فاستخدموا براذع الدواب و مجاذف السفن لكي تعينهم على خوض المياه و ارتقاء الصخور فالتفوا بذلك حول جموع القوط و انقضوا عليهم قبل أن يشعر القوط بهم. وكان هذا النصر الأول الذي أحرزه طارق عند نزوله أرض الأندلس و تمكن من احتلال الجبل المسمى باسمه حتى اليوم.
-* حرق المراكب وخطبة طارق -*
قصة حرق المراكب هي قصة شائعة في تاريخ فتح الأندلس تفيد القصة بأن طارق قد أحرق سفنه بعد نزوله الشاطئ الإسباني لكي يقطع على جنوده أي تفكير في التراجع و الإرتداد. ثم خطب فيهم خطبته المشهورة التي قال فيها:
"أيها الناس. أين المفر؟ البحر من ورائكم. والعدو أمامكم. وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام. وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته. وأقواته موفورة. وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم. ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم. وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم. ولم تنجزوا لكم أمرًا ذهبت ريحكم. وتعوَّضت القلوب من رعبها منكم الجراءة عليكم فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية (يقصد لذريق) فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة. وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن، إن سمحتم لأنفسكم بالموت. وإني لم أحذركم أمرًا أنا عنه بنجوة. ولا حَمَلْتُكُمْ على خطة أرخص متاع فيها النفوس إلا وأنا أبدأ بنفسي. واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشقِّ قليلاً. استمتعتم بالأرفَهِ الألذِّ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفى من حظي".
ثم قال:
"وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عُربانًا، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارًا. وأختانًا. ثقة منه بارتياحكم للطعان. واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان. ليكون حظُّه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته وإظهار دينه بهذه الجزيرة. وليكون مغنمًا خالصة لكم من دونه. ومن دون المؤمنين سواكم. والله – الله – ولَّى أنجادكم على ما يكون لكم ذِكرًا في الدارين. واعلموا أنني أول مُجيب لما دعوتكم إليه. وأني عند مُلتقى الجمعين حامل نفسي على طاغية القوم لذريق. فقاتله ءإن شاء اللهء فاحملوا معي. فإن هلكت بعده. فقد كفيتكم أمره. ولم يعوزكم بطلب عاقد تسندون أموركم إليه. وإن هلكت قبل وصولي إليه. فاخلفوني في عزيمتي هذه. واحملوا بأنفسكم عليه. واكتفوا الهمَّ من الاستيلاء على هذه الجزيرة بقتله؛ فإنهم بعده يُخذلون".
والرواية الإسلامية تشير إلى حادثة حرق السفن في ثلاثة مراجع هي كتاب الإكتفاء لابن الكردبوس، و كتاب نزهة المشتاق ل الشريف الإدريسي و كتاب الروض المعطار ل الحميري.
في كتاب ابن الكردبوس. يشار إلى أن طارق أراد حرق سفنه كي يحشد همم المقاتلة. أما في كتب الإدريسي و الحميري، فيشار إلى أن طارقا أحس بأن العرب لا يثقون به و توقع أنهم لن ينزلوا معه إلى الجبل فعمد إلى إحراق سفنه كي يحول دون إنسحابهم بها إلى المغرب.
-*معركة كورة شذونة -*
مقال تفصيلي :معركة كورة شذونة
أقام طارق بن زياد في جبل طارق عدة أيام، بنى خلالها سورا أحاط بجيوشه سماه سور العرب[6]، كما أعد قاعدة عسكرية بجوار الجبل على الساحل لحماية ظهره في حالة الانسحاب أو الهزيمة و هي مدينة الجزيرة الخضراء، و التي سميت أيضا بجزيرة أم حكيم[7]، إن موقع هذا الميناء قريب و سهل الإتصال بمدينة سبتة على الساحل المغربي المقابل، بينما يصعب الإتصال بإسبانيا نفسها بسبب وجود مرتفعات بينهما، كذلك أقام قاعدة أمامية أخرى في مدينة طريفة بقيادة طريف بن مالك. و علم الملك القوطي لذريق خبر نزول المسلمين في بلاده، كان الملك لذريق مشغولا ذلك الوقت بإخماد ثورة قام بها البشكنس سكان نافارا في أقصى شمال إسبانيا. فأسرع الملك لذريق بالعودة إلى جنوب إسبانيا بجميع قواته لملاقاة المسلمين. في ذلك الوقت كان طارق بن زياد قد اتجه نحو الغرب متخذا قاعدة طريفة قاعدة يحمي بها مؤخرة جيشه ثم أكمل سيره حتى وصل بحيرة تعرف باسم بحيرة لاخندا في كورة شذونة. بعث طارق جواسيس له إلى الشمال ليروا حجم الجيش الذي سيواجهه المسلمون، و عندما عادوا إليه أبلغوه عن ضخامة الجيش الذي جهزه له الملك لذريق، فانزعج طارق لهذا النبأ و كتب إلى موسى بن نصير يطلب منه أن يمده بالمزيد من الجند، فاستجاب له موسى فوجه له خمسة آلاف جندي فأصبح عدد جيش المسلمين في الأندلس إثنا عشر ألفا.
يتفق أغلب المؤرخين على أن المعركة الفاصلة التي دارت بين المسلمين و القوط و التي حددت مصير الأندلس حدثت في كورة شذونة جنوب غرب إسبانيا، استمرت المعركة مدة ثمانية أيام من الأحد في 28 من رمضان إلى الأحد 5 شوال عام 92هـ و من 19 ء 26 يونيو عام 711م، و وصفوها بأنها كانت معركة شديدة ضارية،اقتتل فيها الطرفان قتالا شديدا حتى ظنوا أنه الفناء[8]، و لم تكن بالمغرب مقتلة أعظم منها، و أن عظامهم بقيت في أرض المعركة دهرا طويلا لم تذهب[9]، و انتهت المعركة بانتصار المسلمين و هزيمة الجيش القوطي. و قد سميت هذه المعركة في عدة مصادر عربية و إسبانية باسم معركة البحيرة، و وادي لكة، و وادي البرباط، و شريش، و السواقي، و تنسب هذه التسميات إلى تلك الأماكن التي دارت و تشعبت عندها تلك المعركة الواسعة النطاق في أراضي كورة شذونة. بعد المعركة الفاصلة و انتصار طارق بن زياد أصبحت جميع المعارك التي قامت في أنحاء الأندلس ما هي إلا مناوشات بسيطة بالنسبة لهذه المعركة الكبيرة، فقد استولى المسلمون على الأندلس خلال ثلاثة أعوام مما يدل على انتهاء المقاومة تقريبا.
[عدل] إتمام فتح الأندلس
بعد هذا النصر الكبير الذي حققه طارق في معركة شذونة فتحت أبواب الأندلس للمسلمين و اتجه طارق بالجيش شمالا نحو العاصمة طليطلة، و في أثناء سيره واجهته قلعة اسمها إسيجه ىcيجاه ، فحاصرها ثم استولى عليها، في ذلك الوقت أرسل طارق أقساما من جيشه إلى المناطق الجانبية في الأندلس، اتجه قسم إلى قرطبة بقيادة مغيث الرومي مولى عبد الملك بن مروان، فاستولى عليها بعد حصار دام ثلاثة أشهر، واتجه قسم آخر إلى البيرة و ما يحيطها و فتحوها. و من الجدير بالذكر أن طارق وجد و قادته عونا من اليهود المقيمين في إسبانيا بسبب اضطهاد القوط لهم و لذلك اعتمد طارق عليهم في حفظ المناطق المفتوحة في أنحاء البلاد[10]. استمر طارق بزحفه نحو الشمال حتى وصل العاصمة طليطلة، فدخلها دون مقاومة تذكر، إذ كان حكامها و أهلها قد هربوا منها، فكانت المدينة شبه خالية تقريبا[11]، فغنم المسلمون من كنائس المدينة و قصورها ذخائر و كنوزا كما تشير المصادر العربية.
ثم خشي طارق بن زياد من أن يقطع عليه القوط الطريق في تلك المناطق الجبلية الوعرة، لأن فصل الشتاء قد اقترب و تعب الجيش الإسلامي من الجهود التي بذلها، و الغنائم التي ثقل بها، فكتب إلى موسى بن نصير يطلب منه العون، و في شهر رمضان عام93هـ يونيو 712م، عبر موسى مضيق جبل طارق بجيش كبير من 18 ألف محارب، معظمهم من العرب بعصبياتهم القيسية و اليمنية، و من بينهم عدد من التابعين و قد عرف هذا الجيش العربي الأول بطالعة موسى[12].و سار موسى من طريق غربي غير الطريق الذي سار به طارق، و استولى على مدن أخرى غير التي استولى عليها طارق فاستولى على إشبيلية و ماردة و قرمونة، ثم و صل إلى نهر التاجو بالقرب من طليطلة فالتقى بطارق بن زياد هناك. ثم تابع القائدان سيرهما نحو الشمال باتجاه جبال البرتات (البرانس) و أخذت المدن تتساقط بين أيديهم مثل وشقة و لاردة و سرقسطة، حتى وصلا إلى شاطئ البحر الشمالي عند الحدود الإسبانية الفرنسية.
و هكذا أنهى كل من طارق و موسى من فتوحاتهما، و أمر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك برجوع القائدين إلى دمشق، فعاد موسى و طارق و خلف على الأندلس عبد العزيز بن موسى بن نصير واليا عليها عام 95هـ 714 م.
لم يتبقى من الأندلس سوى بعض المناطق الشرقية و الشمالية الغربية، أما شرق الأندلس فقد فتحها الأمير عبد العزيز بن موسى بن نصير الذي أصبح واليا على الأندلس، تركزت المقاومة في كورة تدمير (مرسية حاليا) و كانت لها قاعدة حصينة و هي أريولة، سميت هذه الولاية بهذا الاسم نسبة إلى اسم حاكمها الأمير القوطي تيودمير الذي منحه عبد العزيز شروطا ضمنت له أن يحكم ولايته مقابل جزية سنوية.
أما الجزء الشمالي الغربي من الأندلس، و هي المنطقة المعروفة بأستورياس إستورياس في جليقية أو غاليسيا Gاليcيا، فإن الأمويين لم يفرضوا عليها سيطرتهم بالكامل، بسبب برودة مناخها و وعورة طرقها، فأهملوا هذا الجانب استهانة بشأنه، نتيجة لذلك تمكن بعض من تبقى من الجيش القوطي المنهزم بزعامة القائد المعروف باسم بلاي أو بيلايو Pيلايو، لجأ هؤلاء القوط إلى الجبال الشمالية في تلك المنطقة، و هي ثلاثة جبال عالية، تسمى القمة الغربية منها باسم أونغا ونعا فيها كهف يعرف باسم كوفادونغا Cو?ادونعا، أما العرب فيسمونها باسم صخرة بلاي لأن بيلايو اختبأ فيها عندما حاصرهم المسلمون و عاشوا على عسل النحل الذي وجدوه في خروق الصخور، عندما عرف المسلمون أمرهم، تركوهم استهانة بأمرهم و وانسحبوا و قالوا: " ثلاثون علجا ما عسى أن يجيئ منهم؟ "[13].
المصادر الإسبانية تعتبر إنسحاب المسلمين من كوفادونغا نصرا عسكريا و أيضا نصرا قوميا للإسبان، و تقول أن العون الالهي كان قد وقف إلى جانبهم، أما المصادر العربية فهي تعترف بانسحاب المسلمين عن هذه المنطقة الباردة و القاحلة لكنها لا تذكر شيئا عن قيام معركة و لا عن القائد علقمة اللخمي الذي قاد الجيش هناك ذلك الوقت. و على إثر انسحاب المسلمين قامت في تلك المنطقة (شمال غرب إسبانيا) مملكة أستورياس.
مراحل الحكم الإسلامي في الأندلس
اتفق الؤرخون على تقسيم مراحل الحكم الإسلامي في الأندلس إلى خمسة عصور و هي:
1. عصر الولاة: و هو العصر الذي يمتد من الفتح العربي حتى قيام الدولة الأموية في الأندلس منذ عام 711م حتى عام 756 م 91هـ ء 138هـ هذا العصر كانت الأندلس ولاية تابعة للخلافة الأموية في دمشق.
2. عصر الدولة الأموية في الأندلس: يقسم هذا العصر إلى قسمين، القسم الأول كانت الأندلس إمارة أموية مستقلة عن دولة الخلافة العباسية في المشرق. منذ عام 756 م حتى عام 929 م 138هـ ء 316هـ. أما القسم الثاني و قد أصبحت الأندلس خلافة مستقلة روحيا عن الخلافة العباسية عندما أعلن عبد الرحمن الثالث نفسه خليفة و لقب بالناصر لدين الله.
3. عصر ملوك الطوائف : 1031 م ء 1086 م و يبدأ هذا العصر بانتهاء الدولة الأموية في الأندلس و انقسامها إلى دويلات متنازعة إلى أن دخلها المرابطون من المغرب و أعادوا توحيدها بعد انتصارهم على الإسبان في معركة الزلاقة عام 1086م بقيادة القائد البربري يوسف بن تاشفين.
4. عصر السيطرة المغربية أو الحكم المغربي: من سنة 1086م حتى سنة 1214 م، و فيه أصبحت الأندلس و لاية تابعة للمغرب أثناء حكم المرابطين و من ثم الموحدين كانت العاصمة لكلتا الدولتين المتتاليتين مدينة مراكش المغربية، انتهى هذا العصر بهزيمة الموحدين أمام الجيوش الأوروبية المتحالفة في موقعة العقاب عام 609 هـ 1212 م أعقب ذلك فترة ملوك طوائف ثانية، أنهى وجودها الإسبان و لم يبقى منها غير مملكة واحدة و هي مملكة غرناطة.
5. عصر مملكة غرناطة: أو الدولة الناصرية أو دولة بني الأحمر، و هو آخر عصر إسلامي في الأندلس من عام 1231م حتى عام 1492 م، وهي السنة التي سقطت فيها المملكة في أيدي الملك فرناندو الثاني و الملكة إيزابيلا، و هي نفس السنة التي اكتشف فيها كريستوف كولومبس قارة أمريكا
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق