الأصالة الإسلامية في عمارة القدس وزخارفها 2
تبلغ مساحة القدس ضمن الأسوار كيلومتراً مربعاً ويقع الحرم الشريف في الناحية الشرقية من المدينة وأسوارها. وتقسم المدينة إلى حارات أو خطط، وفي هذه الأحياء أسواق محلية صغيرة استقلت عن الأسواق الرئيسة، وكانت الأحياء تضم مجموعات سكانية منسجمة في بيئتها الاجتماعية والدينية، وطرق المدينة القديمة متعرجة، غطي بعضها بعقود، وقد تقوم منشآت أو امتدادات عالية للبيوت .
ومن أهم هذه المنشآت المساجد والمآذن والمدارس، وإذا استثنينا قبة الصخرة والمسجد الأقصى فإن أكثر المساجد والمآذن في القدس تعود إلى العصر المملوكي، نذكر منها المئذنة الفخرية 677هـ/ 1278م، وهي مربعة وفوقها شرفة تحمل بيت المؤذن وفوقه رقبة مثمنة ثم قبة صغيرة، ومئذنة باب الغوانمة 730هـ/ 1329م، ومئذنة باب الأسباط 769هـ/ 1367م .
ومن المساجد نذكر مسجد القلعة 710هـ/ 1310م، والمسجد القيمري 674هـ/ 1276م وجامع الخانقاه الصلاحية، وتعود مئذنته إلى عام 798هـ/ 1395م .
ومن المساجد العثمانية مسجد النبي داود الذي أنشأه سليمان القانوني وهو مجمع معماري، ولقد حوّله الإسرائيليون إلى كنيس وأزيلت الكتابات القرآنية منه واستبدلت بكتابة عبرية، وجامع المولولة 995هـ/ 1587 والمسجد القيمري .
وبتحليل مساقط ومقاطع هذه المآذن تبين لنا مدى ارتباطها بالأصول المعمارية الإسلامية التي سنتحدث عنها .
إن أكثر المباني الإسلامي في القدس هي المدارس التعليمية. ويذكر أوليا جلبي أن عدد المدارس والزوايا في القدس خلال القرن الحادي عشر الهجري كان 630 مدرسة، ومن أقدم المدارس المدرسة المنصورية التي أنشأها الملك المنصور قلاوون، وهي أكثر المدارس الإسلامية الباقية من العهد المملوكي الذي امتد حتى عام 923هـ/ 1517م، وقد اهتم المماليك بتأكيد المذهب السني بمذاهبه الأربعة وبخاصة المذهب الشافعي، ولذلك فإن بناء المدرسة يتضمن أربعة أواوين لتدريس الفقه حسب المذهب الحنفي والشافعي والحنبلي والمالكي، وكان الإيوان القبلي هو حرم للصلاة ومدرسة لتدريس المذهب الشافعي .
وتمتاز عمارة المدارس بالفناء ذي البركة تشرف عليه الأواوين والغرف، أما الواجهة الجميلة التي تدخل منها إلى المدرسة من خلال دركاه، فهي من ميزات العمارة المملوكية، وإذا كانت المدارس المملوكية في القدس لم ترق إلى مستوى المدارس في القاهرة التي تميزت بالاتساع والفخامة كمدرسة السلطان حسن، فإنها مع ذلك تتمتع بالأناقة والبساطة والوحدة، ومن أهم المدارس المملوكية الباقية حتى اليوم:
المدرسة السلامية 1300م وهي مؤلفة من طابقين وصحن وإيوان كبير، ومدخل جميل، المدرسة الجاؤلية 1320م واستعملت داراً لنيابة السلطنة ثم أصبح داراً للحكم العثماني وأضيف إليها طابق ثالث. المدرسة التنكزية 1329م وكان فيها خانقاه ودار للأيتام ودار للحديث، المدرسة الأمينية 1330م وتتداخل مع المدرسة الفارسية، المدرسة الملكية 1340م. المدرسة الفارسية 153 وتقع فوق الحرم الشريف الشمالي. المدرسة الأرغونية 1356 وفيها ضريح الحسين بن علي. والمدرسة القشتمرية 1358م مؤلفة من طبقة واحدة وفيها مسجد ذو محراب جميل. المدرسة المحدثية 1360م، المدرسة المنجيكة 1360م، ولها قاعة ضخمة تشرف على الحرم القدسي، المدرسة الطشتمرية 1384م وتتألف من مدرسة وتربة وكتّاب وسبيل .
وتعود أهمية القدس إلى وجود الحرم الشريف والأبنية القائمة عليه، وبخاصة المسجد الأقصى وقبة الصخرة .
إن المساجد التي أشرف على بنائها الوليد بن عبد الملك، وهي الأقصى في القدس والأموي في دمشق ومسجد حلب ومسجد الرسول في المدينة، كانت متشابهة، وكان مصدر مخططها مسجد الرسول الأول في المدينة المنورة والمؤلف من حرم وصحن .
ولم يبق من المسجد الأقصى الذي أقامه الأمويون إلا بعض العناصر، كما أن المؤرخين لم يقدموا وصفاً شافياً لعمارة هذا المسجد الأولى .
لقد تغيرت معالم المسجد الأقصى بعد الزلزال الذي حدث في عام 130هـ/ 748م وأعاده المنصور 154هـ/ 770م إثر زلزال آخر عام 158هـ/ 774م فأعاد بناءه الخليفة المهدي عام 163هـ/ 780م حيث انقص من طوله وزيد في عرضه، ولم تكن له قبة بل كان غنياً بالرخاميات والفسيفساء، وكان له ستة وعشرون باباً في واجهة الحرم تتصل بأجنحة متجهة نحو جدار القبلة، ثم رمم المسجد في عهد الخليفة الفاطمي الظاهر إثر زلزال عام 406هـ/ 1015م. ولقد وصف كريزويل المسجد في ذلك العهد، وبعد تحرير القدس سنة 583هـ/ 1187م جدد صلاح الدين المحراب القائم حتى اليوم وزينه بالفسيفساء، واستحضر من حلب المنبر الخشبي الذي أحرقه اليهود في آب 1969 .
لقد نشر ماكس فان برشيم الكتابات التي تؤرخ أعمال المحراب وعمارة المسجد الأقصى التي أجراها صلاح الدين والملك العظيم عيسى ثم السلطان محمد بن قلاوون وابنه الملك الكامل، والسلطان قانصوه الغوري، وفي هذا القرن العشرين نفذت ترميمات هامة قام بها المهندس التركي كمال الدين. وما زال المسجد الأقصى محافظاً على معالمه الإسلامية ولم تؤثر على هويته فترة الاحتلال الصليبي .
ويجب أن نذكر هنا أن الترميمات التي تمت في فسيفساء الأقصى بإشراف المهندس التركي، أبانت أن هذا الفسيفساء يعود إلى العهد الفاطمي، وهو يختلف بجودته ورسومه وطريقة تنضيده عن الفسيفساء الأموي. والفسيفساء الفاطمي هذا مثال نادر نراه في الأقصى فقط وليس له مثيل في هذا العصر أو في العصر الأيوبي. ولكن العناصر الزخرفية بقيت ذاتها منذ العصر الأموي والعباسي والفاطمي، وحتى في العصر المملوكي مما نراه في مدفن الملك الظاهر بدمشق .
إن أهم ما يميز مدينة القدس ويؤكد طابعها الإسلامي المقدس هو الحرم الشريف الذي تقوم فيه روائع العمارة الإسلامية وبخاصة قبة الصخرة، والحرم هو أولى القبلتين وثالث الحرمين، فهي صرح لحماية الصخرة المقدسة وعليها همّ إبراهيم الخليل بالتضحية بابنه، كما أن الرسول عرج منها إلى السماء، والحرم الشريف وهذه الصخرة كان قبلة المسلمين في صلاتهم الأولى، ثم نزلت الآية الكريمة {ومن حيث خرجت فوّل وجهك شطر المسجد الحرام} (البقرة:150) فتحول المصلون إلى الكعبة حيث الحجر الأسود أيضاً .
ولا بد من الوقوف طويلاً أمام قبة الصخرة، هذه الآية الرائعة التي قال عنها المؤرخ بوركهارت ((إن إشادة بناء بهذا المستوى من الكمال والإتقان الفني، يعتبر عملاً خارقاً في دولة الإسلام التي لم يكن قد مضى على ظهورها قرن واحد)) .
ولقد توسعت كتب تاريخ العمارة الإسلامية بوصف تفاصيل هذه القبة، وأهم ما يثير الاهتمام هو المخطط الثماني الذي قامت عليه، والسؤال ما هو مصدر استلهام هذا المخطط، ولماذا قام بشكل متفرد على مخطط ثماني مخالفاً لشروط المسجد التي وضعها الرسول عند بنائه المسجد الأول في المدينة المنورة .
تتجه أبحاث المؤرخين إلى مقارنة بناء قبة الصخرة المثمن بأبنية مماثلة كانت قائمة قبل هذه القبة. ولقد اهتم كريزويل بمقارنة هذا المخطط القائم على قبة قطرها 20,40م مع مخطط كنيسة القيامة في القدس التي تقوم فوقها قبة قطرها 20,44 م .
ويتوسع إيكوشار في تحديد العلاقة بين قبة الصخرة وقبة كنيسة القديسة هيلانة في رافينا – إيطاليا، كما يقارنها مع كاتدرائية بصرى 512م، وكنيسة القديس سمعان العمودي – سوريا .
وليس من شك أن استمرارية العمارة الثمانية، ولكن ما يهمنا هو معرفة السبب الذي دعا المعماريين، رجاء بن حياة الكندي ويزيد بن سلام، إلى اختيار هذا الشكل الثماني لبناء آبدة تكريمية تحتضن الصخرة المقدسة أو هي بناء تعبدي، مسجد أو قبلة للصلاة .
لقد وصلت قبة الصخرة إلى أقصى حدود الكمال المعماري كما يشهد بذلك ماكس فإن برشيم الذي درس القبة دارسة متعمقة، وكما تشهد ابنته مارغريت على روعة الزخارف الفسيفسائية في هذا القمة .
ولكن أهمية هذه القبة وقد أصبحت رمزاً إسلامياً بعد الكعبة تبدو في احتوائها على معان قدسية رسخت أسس الفكر المعماري الإسلامي، وكانت أصلاً يقتدى في العمارة اللاحقة .
تتألف قبة الصخرة من بناء ثمانية أضلاع تعلوه قبة خشبية مصفحة قطرها 20,40م، ذات رقبة عالية تنفتح فيها 16 نافذة ويعلو القبة جامور نحاسي ارتفاعه 4,10م، وارتفاع القبة عن الأرض 35,30م.
ترتكز القبة على ستة عشر حاملاً هي اثنا عشر عموداً وأربع عضادات متناوبة. وتشكل هذه الحوامل الممشوقة دائرة هي مرتسم القبة، ويحيط بهذه الدائرة مثمن طول ضلعه 20,60 م، وهو مؤلف من جدران ارتفاعها 9,5 تعلوها تصوينة، وبين المثمن والدائرة يقوم مثمن من الحوامل مؤلفة من أقواس تحملها 8 دعائم تربطها ببعضها أقواس محمولة على ستة عشر عموداً. وتنفتح في أربعة من الجدران الخارجية أربعة أبواب تقابل الجهات الأربع وإذا امتدت هذه الجدران الأربعة فإنها تشكل مربعاً طول ضلعه 510 م تقريباً يتقابل مع مربع آخر من الجهات الأربع الأخرى .
وهكذا، فإن القبة تقسم إلى 16 مجازاً من الأعمدة الحاملة، يحيطه مثمن من الأعمدة والأقواس الداخلية، يقابلها مثمن الجدران الخارجية المؤلفة من مربعين، مربع بشكله امتداد الواجهات ذات الأبواب ومربع يشكل امتداد الواجهات ذات النوافذ .
وإذا أعدنا رسم مخطط قبة الصخرة، كما أثبته العالم ماوس، فإننا نرسم دائرة كبيرة قطرها 43م تقريباً ومركزها (م) وضمنها نرسم مربعين متقابلين يشكلان نجمة ثمانية ونقاط التقائهما هي مراكز دعائم الرواق الأوسط المؤلف من ثمانية أقواس محمولة على أعمدة، تشكل مسقطاً ثمانياً، وبالتقاء مراكز الدعائم، مع مقابلها نحصل على مربع رؤوس زواياه الأربع هي مراكز عضادات القبة الأربع، وبين كل عضادتين ثلاثة أعمدة مؤلفة مسقطاً ست عشرياً يحتضن دائرة هي مرتسم القبة .
إن الشكل المربع هو جزء من الدائرة بل هو قادر إذا ما تحرك دائرياً حول محوره أن يشكل الدائرة، ويتجلى هذا التحرك في مضاعفة المربعات، المربعان المتقابلان يشكلان نجمة ثمانية، والمربعات الأربعة المتقابلة تشكل نجمة ست عشرية، وهكذا نصل عن طريق تقابل عدد كثيف من المربعات إلى الدائرة .
ولقد اهتم بابادوبولو بهذه الظاهرة واعتمدها لتفسير المنظور اللولبي في رسم المنمنمات، وفي العمارة الإسلامية والزخرفية تأكيد على إبراز هذا الانتقال من المربع إلى الدائرة أو من المكعب إلى الكرة .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
تبلغ مساحة القدس ضمن الأسوار كيلومتراً مربعاً ويقع الحرم الشريف في الناحية الشرقية من المدينة وأسوارها. وتقسم المدينة إلى حارات أو خطط، وفي هذه الأحياء أسواق محلية صغيرة استقلت عن الأسواق الرئيسة، وكانت الأحياء تضم مجموعات سكانية منسجمة في بيئتها الاجتماعية والدينية، وطرق المدينة القديمة متعرجة، غطي بعضها بعقود، وقد تقوم منشآت أو امتدادات عالية للبيوت .
ومن أهم هذه المنشآت المساجد والمآذن والمدارس، وإذا استثنينا قبة الصخرة والمسجد الأقصى فإن أكثر المساجد والمآذن في القدس تعود إلى العصر المملوكي، نذكر منها المئذنة الفخرية 677هـ/ 1278م، وهي مربعة وفوقها شرفة تحمل بيت المؤذن وفوقه رقبة مثمنة ثم قبة صغيرة، ومئذنة باب الغوانمة 730هـ/ 1329م، ومئذنة باب الأسباط 769هـ/ 1367م .
ومن المساجد نذكر مسجد القلعة 710هـ/ 1310م، والمسجد القيمري 674هـ/ 1276م وجامع الخانقاه الصلاحية، وتعود مئذنته إلى عام 798هـ/ 1395م .
ومن المساجد العثمانية مسجد النبي داود الذي أنشأه سليمان القانوني وهو مجمع معماري، ولقد حوّله الإسرائيليون إلى كنيس وأزيلت الكتابات القرآنية منه واستبدلت بكتابة عبرية، وجامع المولولة 995هـ/ 1587 والمسجد القيمري .
وبتحليل مساقط ومقاطع هذه المآذن تبين لنا مدى ارتباطها بالأصول المعمارية الإسلامية التي سنتحدث عنها .
إن أكثر المباني الإسلامي في القدس هي المدارس التعليمية. ويذكر أوليا جلبي أن عدد المدارس والزوايا في القدس خلال القرن الحادي عشر الهجري كان 630 مدرسة، ومن أقدم المدارس المدرسة المنصورية التي أنشأها الملك المنصور قلاوون، وهي أكثر المدارس الإسلامية الباقية من العهد المملوكي الذي امتد حتى عام 923هـ/ 1517م، وقد اهتم المماليك بتأكيد المذهب السني بمذاهبه الأربعة وبخاصة المذهب الشافعي، ولذلك فإن بناء المدرسة يتضمن أربعة أواوين لتدريس الفقه حسب المذهب الحنفي والشافعي والحنبلي والمالكي، وكان الإيوان القبلي هو حرم للصلاة ومدرسة لتدريس المذهب الشافعي .
وتمتاز عمارة المدارس بالفناء ذي البركة تشرف عليه الأواوين والغرف، أما الواجهة الجميلة التي تدخل منها إلى المدرسة من خلال دركاه، فهي من ميزات العمارة المملوكية، وإذا كانت المدارس المملوكية في القدس لم ترق إلى مستوى المدارس في القاهرة التي تميزت بالاتساع والفخامة كمدرسة السلطان حسن، فإنها مع ذلك تتمتع بالأناقة والبساطة والوحدة، ومن أهم المدارس المملوكية الباقية حتى اليوم:
المدرسة السلامية 1300م وهي مؤلفة من طابقين وصحن وإيوان كبير، ومدخل جميل، المدرسة الجاؤلية 1320م واستعملت داراً لنيابة السلطنة ثم أصبح داراً للحكم العثماني وأضيف إليها طابق ثالث. المدرسة التنكزية 1329م وكان فيها خانقاه ودار للأيتام ودار للحديث، المدرسة الأمينية 1330م وتتداخل مع المدرسة الفارسية، المدرسة الملكية 1340م. المدرسة الفارسية 153 وتقع فوق الحرم الشريف الشمالي. المدرسة الأرغونية 1356 وفيها ضريح الحسين بن علي. والمدرسة القشتمرية 1358م مؤلفة من طبقة واحدة وفيها مسجد ذو محراب جميل. المدرسة المحدثية 1360م، المدرسة المنجيكة 1360م، ولها قاعة ضخمة تشرف على الحرم القدسي، المدرسة الطشتمرية 1384م وتتألف من مدرسة وتربة وكتّاب وسبيل .
وتعود أهمية القدس إلى وجود الحرم الشريف والأبنية القائمة عليه، وبخاصة المسجد الأقصى وقبة الصخرة .
إن المساجد التي أشرف على بنائها الوليد بن عبد الملك، وهي الأقصى في القدس والأموي في دمشق ومسجد حلب ومسجد الرسول في المدينة، كانت متشابهة، وكان مصدر مخططها مسجد الرسول الأول في المدينة المنورة والمؤلف من حرم وصحن .
ولم يبق من المسجد الأقصى الذي أقامه الأمويون إلا بعض العناصر، كما أن المؤرخين لم يقدموا وصفاً شافياً لعمارة هذا المسجد الأولى .
لقد تغيرت معالم المسجد الأقصى بعد الزلزال الذي حدث في عام 130هـ/ 748م وأعاده المنصور 154هـ/ 770م إثر زلزال آخر عام 158هـ/ 774م فأعاد بناءه الخليفة المهدي عام 163هـ/ 780م حيث انقص من طوله وزيد في عرضه، ولم تكن له قبة بل كان غنياً بالرخاميات والفسيفساء، وكان له ستة وعشرون باباً في واجهة الحرم تتصل بأجنحة متجهة نحو جدار القبلة، ثم رمم المسجد في عهد الخليفة الفاطمي الظاهر إثر زلزال عام 406هـ/ 1015م. ولقد وصف كريزويل المسجد في ذلك العهد، وبعد تحرير القدس سنة 583هـ/ 1187م جدد صلاح الدين المحراب القائم حتى اليوم وزينه بالفسيفساء، واستحضر من حلب المنبر الخشبي الذي أحرقه اليهود في آب 1969 .
لقد نشر ماكس فان برشيم الكتابات التي تؤرخ أعمال المحراب وعمارة المسجد الأقصى التي أجراها صلاح الدين والملك العظيم عيسى ثم السلطان محمد بن قلاوون وابنه الملك الكامل، والسلطان قانصوه الغوري، وفي هذا القرن العشرين نفذت ترميمات هامة قام بها المهندس التركي كمال الدين. وما زال المسجد الأقصى محافظاً على معالمه الإسلامية ولم تؤثر على هويته فترة الاحتلال الصليبي .
ويجب أن نذكر هنا أن الترميمات التي تمت في فسيفساء الأقصى بإشراف المهندس التركي، أبانت أن هذا الفسيفساء يعود إلى العهد الفاطمي، وهو يختلف بجودته ورسومه وطريقة تنضيده عن الفسيفساء الأموي. والفسيفساء الفاطمي هذا مثال نادر نراه في الأقصى فقط وليس له مثيل في هذا العصر أو في العصر الأيوبي. ولكن العناصر الزخرفية بقيت ذاتها منذ العصر الأموي والعباسي والفاطمي، وحتى في العصر المملوكي مما نراه في مدفن الملك الظاهر بدمشق .
إن أهم ما يميز مدينة القدس ويؤكد طابعها الإسلامي المقدس هو الحرم الشريف الذي تقوم فيه روائع العمارة الإسلامية وبخاصة قبة الصخرة، والحرم هو أولى القبلتين وثالث الحرمين، فهي صرح لحماية الصخرة المقدسة وعليها همّ إبراهيم الخليل بالتضحية بابنه، كما أن الرسول عرج منها إلى السماء، والحرم الشريف وهذه الصخرة كان قبلة المسلمين في صلاتهم الأولى، ثم نزلت الآية الكريمة {ومن حيث خرجت فوّل وجهك شطر المسجد الحرام} (البقرة:150) فتحول المصلون إلى الكعبة حيث الحجر الأسود أيضاً .
ولا بد من الوقوف طويلاً أمام قبة الصخرة، هذه الآية الرائعة التي قال عنها المؤرخ بوركهارت ((إن إشادة بناء بهذا المستوى من الكمال والإتقان الفني، يعتبر عملاً خارقاً في دولة الإسلام التي لم يكن قد مضى على ظهورها قرن واحد)) .
ولقد توسعت كتب تاريخ العمارة الإسلامية بوصف تفاصيل هذه القبة، وأهم ما يثير الاهتمام هو المخطط الثماني الذي قامت عليه، والسؤال ما هو مصدر استلهام هذا المخطط، ولماذا قام بشكل متفرد على مخطط ثماني مخالفاً لشروط المسجد التي وضعها الرسول عند بنائه المسجد الأول في المدينة المنورة .
تتجه أبحاث المؤرخين إلى مقارنة بناء قبة الصخرة المثمن بأبنية مماثلة كانت قائمة قبل هذه القبة. ولقد اهتم كريزويل بمقارنة هذا المخطط القائم على قبة قطرها 20,40م مع مخطط كنيسة القيامة في القدس التي تقوم فوقها قبة قطرها 20,44 م .
ويتوسع إيكوشار في تحديد العلاقة بين قبة الصخرة وقبة كنيسة القديسة هيلانة في رافينا – إيطاليا، كما يقارنها مع كاتدرائية بصرى 512م، وكنيسة القديس سمعان العمودي – سوريا .
وليس من شك أن استمرارية العمارة الثمانية، ولكن ما يهمنا هو معرفة السبب الذي دعا المعماريين، رجاء بن حياة الكندي ويزيد بن سلام، إلى اختيار هذا الشكل الثماني لبناء آبدة تكريمية تحتضن الصخرة المقدسة أو هي بناء تعبدي، مسجد أو قبلة للصلاة .
لقد وصلت قبة الصخرة إلى أقصى حدود الكمال المعماري كما يشهد بذلك ماكس فإن برشيم الذي درس القبة دارسة متعمقة، وكما تشهد ابنته مارغريت على روعة الزخارف الفسيفسائية في هذا القمة .
ولكن أهمية هذه القبة وقد أصبحت رمزاً إسلامياً بعد الكعبة تبدو في احتوائها على معان قدسية رسخت أسس الفكر المعماري الإسلامي، وكانت أصلاً يقتدى في العمارة اللاحقة .
تتألف قبة الصخرة من بناء ثمانية أضلاع تعلوه قبة خشبية مصفحة قطرها 20,40م، ذات رقبة عالية تنفتح فيها 16 نافذة ويعلو القبة جامور نحاسي ارتفاعه 4,10م، وارتفاع القبة عن الأرض 35,30م.
ترتكز القبة على ستة عشر حاملاً هي اثنا عشر عموداً وأربع عضادات متناوبة. وتشكل هذه الحوامل الممشوقة دائرة هي مرتسم القبة، ويحيط بهذه الدائرة مثمن طول ضلعه 20,60 م، وهو مؤلف من جدران ارتفاعها 9,5 تعلوها تصوينة، وبين المثمن والدائرة يقوم مثمن من الحوامل مؤلفة من أقواس تحملها 8 دعائم تربطها ببعضها أقواس محمولة على ستة عشر عموداً. وتنفتح في أربعة من الجدران الخارجية أربعة أبواب تقابل الجهات الأربع وإذا امتدت هذه الجدران الأربعة فإنها تشكل مربعاً طول ضلعه 510 م تقريباً يتقابل مع مربع آخر من الجهات الأربع الأخرى .
وهكذا، فإن القبة تقسم إلى 16 مجازاً من الأعمدة الحاملة، يحيطه مثمن من الأعمدة والأقواس الداخلية، يقابلها مثمن الجدران الخارجية المؤلفة من مربعين، مربع بشكله امتداد الواجهات ذات الأبواب ومربع يشكل امتداد الواجهات ذات النوافذ .
وإذا أعدنا رسم مخطط قبة الصخرة، كما أثبته العالم ماوس، فإننا نرسم دائرة كبيرة قطرها 43م تقريباً ومركزها (م) وضمنها نرسم مربعين متقابلين يشكلان نجمة ثمانية ونقاط التقائهما هي مراكز دعائم الرواق الأوسط المؤلف من ثمانية أقواس محمولة على أعمدة، تشكل مسقطاً ثمانياً، وبالتقاء مراكز الدعائم، مع مقابلها نحصل على مربع رؤوس زواياه الأربع هي مراكز عضادات القبة الأربع، وبين كل عضادتين ثلاثة أعمدة مؤلفة مسقطاً ست عشرياً يحتضن دائرة هي مرتسم القبة .
إن الشكل المربع هو جزء من الدائرة بل هو قادر إذا ما تحرك دائرياً حول محوره أن يشكل الدائرة، ويتجلى هذا التحرك في مضاعفة المربعات، المربعان المتقابلان يشكلان نجمة ثمانية، والمربعات الأربعة المتقابلة تشكل نجمة ست عشرية، وهكذا نصل عن طريق تقابل عدد كثيف من المربعات إلى الدائرة .
ولقد اهتم بابادوبولو بهذه الظاهرة واعتمدها لتفسير المنظور اللولبي في رسم المنمنمات، وفي العمارة الإسلامية والزخرفية تأكيد على إبراز هذا الانتقال من المربع إلى الدائرة أو من المكعب إلى الكرة .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق