الأحد، 24 أبريل 2016

الأصالة الإسلامية في عمارة القدس وزخارفها 3

الأصالة الإسلامية في عمارة القدس وزخارفها 3



ففي المساجد يتحول الشكل الرباعي في مركز الحرم إلى شكل دائري يحمل القبة، عبر عنق مثمن، وفي المآذن، ولنأخذ مئذنة الغوانمة في القدس مثالاً، نراها تتألف من صومعة رباعية متوجة بشرفة مربعة أيضاً، تعلوها منارة مثمنة تغطي وجوهها الثمانية محاريب، وتعلو هذه المنارة قبة ذات عنق أسطواني مرتفع، والأمر نفسه مع مئذنة الفخرية .
ويتجلى هذا التحول أيضاً في المحاريب والإيوانات التي يعلوها نصف قبة تتشكل من نصف الشكل الثماني أو نصف الشكل السداسي كما أثبت ذلك إيكوشار .
وقد يبدو هذا التحول إنشائياً لا بد منه، ولكنه في الفكر المعماري الإسلامي له دلالة دينية. إن الانتقال من المربع إلى مضاعفاته وصولاً إلى الكرة المتمثلة بالقبة أو أنصاف القبة، أو الدائرة، يرمز إلى انتقال كوني توحيدي. فالمربع يمثل الأرض بجهاتها الأربع، والمثمن يمثل الكون أي الأرض وقد التحمت بعناصر الطبيعة الأربعة الماء والنار والتراب والهواء، والدائرة أو الكرة تمثل القوة الإلهية، ولذلك فإن القبة أصبحت رمزاً مادياً إسلامياً نراه ماثلاً في جميع المباني الإسلامي .
صحيح أن القبة تقليد معماري قديم وهي طريقة إنشائية ناجحة لتغطية المباني، بيد أنها في العمارة الإسلامية، أصبحت رمزاً لملكوت الواحد الأحد. إليها يتجه الابتهال والدعاء، ومنها تشع الرعاية والحماية .
ومع أنها لا تقوم في العمارة الإسلامية بوظيفة إنشائية لازمة دائماً، فإنها تبدو كموئل للابتهال ماثلة فوق المساجد وفي نهايات المآذن، بشكل مغزلي أو مقبب، أو تبدو نصف قبة من طاسات المحاريب والإيوانات، أو تبدو في القباب التكريمية والأضرحة كمظلة حماية ترمز إلى العناية الإلهية .
وفي بيوت الصلاة أو في المآذن يتم الانتقال تصاعدياً تعبيراً عن الابتهال، ولكن في الأضرحة وقباب التكريم فإن الانتقال يتم من القبة إلى القاعدة تعبيراً عن الرعاية والحماية والتكريم، كما هي قبة الصخرة .
وهذا يعني أن هدف بناء قبة الصخرة لم يكن لمضاهاة كنيسة القيامة كما يقول المقدسي (ص19)، ولم يكن لمجرد تقليدها كما يدعي كريزويل، بل كان هدفاً رمزياً لتحديد علاقة رعاية وحماية .
وابتدأت التجربة لتحقيق هذا الهدف بتصميم قبة السلسلة لتكون نموذجاً أولياً لقبة الصخرة، وأرادها المعماريان المصممان أن تعبر في مقاسها وتشكيلاتها عن رموز وحدانية، وهنا نتذكر أسباب تسمية القبة النموذج بالسلسلة، هذه التسمية التي أطلقها العامة على القبة تعبيراً عن علاقتها بالسدة السماوية، فالمعتقد الشائع أن ثمة سلسلة معلقة في السماء يرقى عليها إلى السدة العليا، المؤمن الصالح دون غيره. هكذا يحمل شكل القبة معنى دينياً محدداً. ثم تأكدت هذه التشكيلات والمقاييس والنسب في قبة الصخرة لتعبر عن هوية البناء باعتباره مظلة للصخرة المقدسة وآبدة رمزية للإيمان والارتباط بالخالق وطلباً لرحمته وعنايته، إذ أن القبة التي تعبر عن الكون والسدة السماوية تغطي حادبة حامية موضع التكريم والتمجيد، وينتقل هذا الرمز الدائري إلى شكل مثمن ومنه إلى شكل مربع .
وقد تقف ضمن حدود التشكيل المثمن كما هو الأمر في قبة الصخرة، ولكن يبقى التحول من الأعلى إلى الأسفل موافقاً لاتجاه العناية الإلهية من السماء إلى الأرض، وبصورة عامة فإن القبة تستقطب الإيمان والدعاء، وتشع الرعاية والحماية .
وقد نرمز إلى القبة بطاسة المحراب أو مرمز إليها بالعقد (مرتسم مقطع القبة) والقبوات والأقواس، وتبقى في جميع الأشكال رمزاً لتلك العلاقة التي تربط الإنسان على الأرض بخالق الكون في ملكوته .
إن هذا الرمز المعماري الذي نراه في جميع الأبنية الإسلامية على امتداد الأرض التي آمن فيها الناس بالدين الإسلامي، نراه واضحاً في المنشآت الإسلامية في مدينة القدس على اختلاف وظائفها، سواء أكانت سبيلاً أو كانت مدفناً أو كانت قبة مسجد أو قبة تكريمية أو قوساً أو عقداً، مما يضفي الطابع الإسلامي على مدينة القدس كلها ويؤكد أصالة العمارة فيها.
وتبقى قبة الصخرة منطلق الأصالة المعمارية الإسلامية، فالنجمة الثمانية التي تعبر عن مفهوم الكون وخالق الكون في الفكر الإسلامي، والتي تتألف من مربعين متقابلين بمركز واحد. مربع يمثل الجهات الأربع كما هو مربع الكعبة المشرفة ومربع آخر يمثل عناصر الطبيعة الأربعة – الماء والهواء والنار والتراب، هذه النجمة هي شكل مخطط بناء قبة الصخرة التي كادت أن تصبح قبلة للمسلمين في عهد عبد الملك بن مروان، كما كان الحرم الشريف قبل بناء القبة، القبلة الأولى للمسلمين .
ومرة أخرى نحن لا ننكر أن عمارة القبة لها نظائرها في العمائر الثمانية السابقة للإسلام، نراها في قلعة سمعان (قرب حلب) وفي كاتدرائية بصرى (حوران) وقد درس إيكوشار هذه العلاقة بدقة، ولا ننكر أن كثيراً من الرموز الرياضية المألوفة في الثقافة الإغريقية عند أفلاطون وفيتاغورس كانت معروفة عند علماء المسلمين، ولكن الشيء الجديد في قبة الصخرة، هو تحول الشكل المربع الذي يرمز إلى جغرافية الأرض بأبعادها الأربعة، إلى شكل ثماني مؤلف من مربعين متقابلين في قبة الصخرة يشكلان نجمة ثمانية هي إشعاع القبة، هذا الشكل الكروي المعبر عن قبة الكون، والذي يمثل العناية السماوية على الصخرة المشرفة .
وإضافة إلى ذلك لا يخلو جمال تكوين هذه القبة من علاقات رياضية علمية، فلقد لاحظ رشموند أن مقطع القبة يمكن حصره ضمن مثلث متساوي الساقين، نسبة ارتفاعه إلى قاعدته هي نسبة ذهبية 1,6/ 1 وهذا الاستنتاج مقبول ويمكن أن نقلل جمالية مقطع القبة المدهشة إلى هذه النسب الذهبية. ولكن الإدعاء من أن المعمار الذي صمم القبة قد طبق هذه النسبة حرفياً من الفن البيزنطي كما يقول بابادبولو، لا يستقيم مع النسب غير الذهبية التي قام عليها مقطع كنيسة القديسة هيلانة في رافينا، التي اعتبرها النموذج الأسبق للقبة .
ولذلك فإن المعمار المسلم بحدسه السليم، استطاع أن يحكم العلاقة الجميلة بين القاعدة والارتفاع في قبة الصخرة، حتى أصبحت أقرب إلى النسب الذهبية التي تحقق الجمال الأمثل عند الإغريق .
ولا بد أن نقف قليلاً عند الشكل المثلث الذي يحصر مقطع القبة، لنراه ممثلاً للأرض المشرئبة نحو السماء كما في تأويل النجمة السداسية الإسلامية المؤلفة من مثلثين، الأول وقاعدته إلى أسفل يمثل الأرض والآخر يمثل السماء، ولا بد أن نشير هنا أن مخطط قبة السلسلة الذي يقوم على الشكل السداسي ومضاعفاته وصولاً إلى الشكل الدائري لم يكن أمراً عفوياً .
لقد حقق مصممو قبة الصخرة أسساً رياضية في قبة الصخرة، أراد المستشرقون، وبخاصة بابادبولو نسبتها إلى قوانين فيثاغورس وأفلاطون، وهو بذلك يريد أن ينفي عن العمارة الإسلامية والفن، الطابع الصوفي ليربطه بالمنطق الفيثاغوري معارضاً بذلك آراء ماسينون، التي تقوم على نظرية الأشعريين .
ويقول ماسينون ((ليس في الفكر الإسلامي استمرارية بل هي أنات وهذه الأنات لا تخضع لنظام التتابع اللازم، إنها متقطعة، وعلى هذا فليس من أشكال أو وجود، بل ثمة تجمع ذراتي، فالخط ليس إلا نقطة تحل محل نقطة )).
والواقع أن ماسينون اعتمد على موقف (كلامي) خاص بالأشعريين وهذا الرأي ينطبق على الفكر الوحداتي القائم على وحدة العالم والوجود من خلال واحدية الخالق والتي عبر ماسينون في مصدر آخر عندما قال ((الشيء الجميل هو شيء مركب، ويتجلى جماله في انسجام عناصر تركيبه))، ومن الواضح أن هذا القول ينفي الذراتية عن الشيء الجميل .
وعندما نتأمل الحركية الكامنة في تحولات الشكل المربع ضمن محيط الدائرة، يتبين لنا ثمة حركية وميضية تنطلق من المربع إلى الدائرة عبر مضاعفات المربع الهندسية 16-32-64 الخ، ضمن نظام السلسلة الهندسية، ونستطيع القول أن جميع القباب التذكارية تقوم على مبادئ قبة الصخرة ذاتها، بل لقد انتقل الشكل المضلع الثماني إلى أبنية لاحقة إسلامية، مثل قبة الصليبية في سامراء ومدرسة كابي آغا في آماسي – تركيا. وبقيت محافظة على مفهوم النجمة الثمانية. ولكنها عندما انتقلت إلى الأبنية المسيحية، مثل كنيسة القديس بطرس في روما، فإن المخطط يتحول من مربعين متقاطعين بشكل نجمة ثمانية، إلى مربع واحد يقطعه في أنصاف أضلاعه صليب (إغريقي) متساوي الضلعين، وقد بدا المربع في مخطط برامانتي أقل وضوحاً، فضخمه مايكل أنجلو في المخطط الذي نفذه، فأصبح أكثر وضوحاً، وذلك عندما أراد توسيع مواضع أركان القبة التي أصبحت أقطارها مضاعفة عن القبة التي صممها برامانتي، وهكذا فإن تحول مخطط الصليب والمربع إلى الدائرة التي تعلو الكنيسة كان إنشائياً مفتعلاً ولم يكن تصعيدياً كما هو في قبة الصخرة .
إن عدداً من القباب التي أنشئت في منطقة الحرم الشريف، كانت تذكارية، ولذلك فإن الرمز الوحيد الذي تتضمنه هو القبة ذاتها وهو الرمز السماوي المعروف والمعبر عن العناية الإلهية، وتحمل هذه القباب أقواس على أعمدة من واجهاتها الست كما هو قبة السلسلة، أو الواجهات الأربعة كما في قبة يوسف التي أنشأها صلاح الدين يوسف الأيوبي، أو في قبة يوسف آغا والقبة النحوية وقبة موسى، أما قبة النبي 945هـ/ 1538م، وقبة سليمان وقبة الأرواح فإنها تقوم على ثمانية وجوده .
وإذا انتقلنا إلى الزخارف الهندسية التي تبدو محفورة على واجهات المباني أو على أبوابها، نراها ترجع إلى المنطق نفسه، كأنها مرتسم التحولات المعمارية اللولبية على سطح ذي بعدين .
ويجب التمييز في الرقش العربي بين الرقش النباتي والرقش الهندسي، فالزخارف الفسيفسائية نباتية المنشأ، وعندما درست "فان برشيم"، و"دولوره" زخارف فسيفساء قبة الصخرة النباتية، كان لا بد من ربطها بتقاليد الزخارف السابقة للإسلام، لاستمرارية التقاليد المعمارية والفنية في المراحل الأولى لتشكل الفن الإسلامي، ولكن دارسة الزخارف الهندسية، تبقى مستمدة من الفكر الجمالي الإسلامي .
إن انطلاق الزخرفة الإسلامية من الشكل المربع ومضاعفاته المثمن والست عشرين نراه في تشكيل الزخرفة المسطحة على الأرضيات أو الجدران أو السقوف الخشبية، أو نراه في الزخرفة المجسمة في طاسات المحاريب وفي المقرنصات، ويرتبط هذا التحول إلى حد بعيد بالأسس الإسلامية التوحيدية التي عبر عنها معمارياً مصممو قبة الصخرة .
وإذا أردنا أن نستعير تحليل إيكوشار الذي أجراه على مقرنصات وزخارف الحمام في قلعة صلاح الدين في (سوريا)، فإننا سنرى أن طاسات المحاريب في مداخل المساجد والمدارس في مدينة القدس تخضع لمفهوم تحول نصف المربع إلى نصف قبة وهكذا، ونادراً ما نراه تخضع لمفهوم الانتقال في نصف المسدس إلى نصف اثنين عشري، وهكذا، أو من نصف المخمس إلى المعشر .
فلقد كانت النجمة الثمانية في الزخرفة والمخطط الثماني في العمارة التي التزمه معماريو قبة الصخرة علامة إسلامية مميزة، ولا ينفي أن المسدس والنجمة السداسية أو المخمس والنجمة الخماسية هي من التقاليد الفنية الإسلامية أيضاً لها تأويلها ومعناها، فالنجمة السداسية مؤلفة من مثلثين، واحد يمثل الأرض ورأسه إلى أعلى تعبيراً عن الإيمان، وآخر يمثل السماء ورأسه إلى أسفل تعبيراً عن عناية الله، والنجمة الخماسية هي إدماج للمثلين
لقد كان الفكر الوحداني الإسلامي المحور الذي نشأ عليه الفن الإسلامي والعمارة الإسلامية وكانت تجارب المنشئين الأوائل في القدس من معماريين ومزخرفيين وخطاطين، محاولات تأسيسية لفن جديد، تتضح منطلقاته النظرية بتحاشي التشبيه لعدم مضاهاة الله في مقدرته على الخلق، أو فيما يتعلق بالتعبير عن المطلق عوضاً عن المشخص من خلال الشكل الهندسي المجرد، ففي ذلك يتحقق الانتماء إلى العقيدة التوحيدية من خلال الفن .
وإذا كانت ولادة الرقش العربي قد بدأت من هذه المنطلقات، فإن ولادة الخط العربي كعمل إبداعي، تولدت من تجويد كتابة القرآن تعبيراً عن التكريم والتعظيم، ويجب أن نذكر هنا أن أقدم شكل من أشكال الخط العربي البديع نراه على جدران قبة الصخرة، فثمة شريط طوله 240 متراً، يقع في القسم العلوي من المثمن الداخلي بقبة الصخرة يتضمن كتابة منفذة بفصوص الفسيفساء المذهبة على خلفية زرقاء، هي آيات قرآنية من سورة النساء وسورة آل عمران، وثمة كتابة أخرى تتضمن تاريخ بناء قبة الصخرة.
إن هذا الخط المسمى بالجليل الشامي المأخوذ من الخط النبطي المتأخر، قد تكيف مع الفسيفساء أو الألواح النحاسية في تشكيل المدات والمنحنيات، وبصورة عامة فإن هذا الخط المركب من الخط اليابس والخط اللين، يعتبر أساساً لأنواع الخطوط التي جاءت بعده الخط الكوفي وخط الثلث ومشتقاته.
لقد ازدهى مسجد قبة الصخرة بالزخارف النباتية الكثيفة المشكلة بالفسيفساء داخل القبة، أو الزخارف الهندسية المرسومة على ألواح القيشاني في واجهات القبة، ولا بد أن نشير هنا إلى أصالة هذه الزخارف .
في عام 950هـ/ 1543م أمر السلطان سليمان القانوني بترميم زخارف قبة الصخرة الخارجية، وكانت من الفسيفساء المشابه لفسيفساء الداخل الذي ما زال قائماً، ولكن المرمم وجد أنه من الأفضل استبدال الفسيفساء بألواح الخزف، التي نراها اليوم، نظراً للنقص الكبير في الغلاف الفسيفسائي، ولقد كان الاعتقاد أن هذه الألواح صنعت في أزنيك – تركيا، ولكن الدراسات الأخيرة أبانت أن هذه الألواح صنعت في القدس، يقول لين (( إن أزنيك لم تكن ناشطة في صناعة الخزف ولم يكن لها دارية بصنعة ما يسمى بالحبل الجاف، ولذلك فإن هذه الألواح قد صنعت عام 959هـ/ 1552م محلياً دون شك، وليس لها نظير))، وكنا توسعنا في تأكيد هوية هذه الألواح الخزفية في بحث مستقل .
أما الفسيفساء الداخلية فهي صناعة محلية قام بتنفيذها صناع محليون، ولقد استبعدت مارغريت فان برشيم أن تكون الفسيفساء في قبة الصخرة مستوردة أو أن يكون الصناع غرباء .
ولا بد أن نتذكر أن كميات الفسيفساء الهائلة التي غطت بوقت واحد المنشآت الأموية في المسجد الأقصى وقبة الصخرة وجامع دمشق، وقصر المفجر وغيرها، لا يمكن أن تكون مستوردة، بل هي وتصاميمها محلية أصلية أنجزها عمال محليون، وتصاميم هذه الفسيفساء مجردة تعبر عن جمال الطبيعة دونما دلالة مادية، لأنها صيغ فردوسية ليس لها علاقة مباشرة بالصيغ الواقعية كالزهرة وغيرها .
 

يارب الموضوع يعجبكم

تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق