الجمعة، 22 أبريل 2016

شخصيات اندلسية 1

شخصيات اندلسية 1



مؤلفات عيسى بن سهل:


بعد طول البحث على تبين أن لابن سهل خمسة كتب من تأليفه, نفصل الحديث بشأنها في هذا المبحث.
أ‌- كتاب الإعلام بنوازل الأحكام:
وهو أشهر كتب ابن سهل على الإطلاق، لكن ابن حماده السبتي اختصر العنوان ولم يذكره بالكامل, فقد نصت إحدى مخطوطاته الأندلسية (مؤرخة سنة 521هـ) في أول ورقة على تسمية الكتاب بـ "الإعلام بنوازل الأحكام و قِطر من سِـيَرْ الحُكَََََََََّام". وهي نسخة مسندة إلى المؤلف من طريق اثنين من تلاميذه السبتيين, و موجودة بالخزانة الحمزية بالمغرب.
لقد كانت عناية أهل المغرب والأندلس بكتاب الإعلام كبيرة, يمكن الاستدلال على ذلك من ثلاثة أوجه.
الوجه الأول: تواتر شهادات علماء المغرب و الأندلس على أهمية الكتاب.
الوجه الثاني: تعدد نسخ الكتاب حتى أن الدكتور رشيد النعيمي اعتمد على تسع مخطوطات, ثلاث منها مغربية و الباقية أندلسية يتراوح تاريخ نسخها مابين 521سنة هـ و سنة 861هـ.
الوجه الثالث: كثرة المستفيدين منه و المشتغلين به, فمنهم من اعتمد على الكتاب في أحكامه ونوازله، ومنهم من علق عليه حواش ومنهم من اختصره.
قال أبو بكر ابن العربي المعافري: "… وصار الصبي عندهم(يعني أهل الأندلس) إذا عقل, فإن سلكوا به أمثل طريقة لهم، علموه كتاب الله تعالى، فإذا حذقه, نقلوه إلى الأدب، فإذا نهض فيه, حفظوه الموطأ, فإذا لقنه, نقلوه إلى المدونة, ثم ينقلونه إلى وثائق ابن العطار ثم يختمون له بأحكام ابن سهل" .
وقال ابن بشكوال "… وكان (ابن سهل) عارفا بالنوازل بصيرا بالأحكام مقدما في معرفتها وجمع فيها كتابا حسنا مفيدا يعول الحكام عليه".
و أما الناقلون عن أحكام ابن سهل فكثيرون, نذكر منهم على سبيل المثال:
- أبو عبد الله محمد بن القاسم بن أبي حمراء قاضي بطليوس, نقل عنه في كتابه في الوثائق المسمى بـ:"المقنع في الشروط" .
- القاضي أبو الفضل عياض الذي يحيل في15 موضعا من كتابه "مذاهب الحكام في نوازل الأحكام" على نوازل ابن سهل.
- أبو محمد عبد الله بن عبد الله بن سلمون الكناني الفقيه الأندلسي(ت740هـ) الذي نقل فقرات كثيرة من أحكام ابن سهل, في كتابه العقد المنظم للحكام فيما يجري بين أيديهم من العقود و الأحكام.
- أبو الحسن البناهي المالقي(القرن الثامن الهجري) ينقل عنه كثيرا في كتابه المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء و الفتيا.
- برهان الدين إبراهيم بن محمد بن فرحون(ت799هـ) ينقل عنه في كتابه تبصرة الحكام في أصول الأقضية و مناهج الحكام.
و لم يقتصر الأمر على النقل المجرد بل من العلماء من علق عليه حواش و منهم من اختصره, ومن هؤلاء مثلا:
- أبو محمد هارون بن أحمد بن جعفر بن عات النفزي، من أهل شاطبة وكان فقيها حافظا، له تنبيهات على مسائل المدونة والعتبية وحواش على الوثائق البونتية. وقيد مثل ذلك على الوثائق الفتحونية وأحكام ابن حدير وأحكام ابن سهل… توفي في شعبان سنة 582هـ " .
- أبو عمران موسى بن أبي علي الزناتي الزموري مولدا ومنشأ، نزيل مراكش، الشيخ الفقيه الصالح المدرس المذكر, شارح الرسالة والمدونة والمقامات وغيرها، أخذ عنه ابن البناء. توفي بمراكش في سنة 702هـ" . قام هذا الفقيه باختصار نوازل ابن سهل. وجدت نسخة من هذا المختصر بالخزانة العامة بالرباط, رقمها (742 أوقاف) تقع في مجموع كان قديما يحمل رقــم (896ص) بمكتبة الزاوية الناصرية بتامكروت (جنوب المغرب), ويتألف من كتابين فقط:
الكتاب الأول:
كتاب اقتضاب السهل في اختصار أحكام ابن سهل.
يتكون من 139 صفحة في كل صفحة 29 سطرا, ومقياس الصفحة 16.00/20.00 سنتم، والخط مغربي دقيق تتخلله كلمات بالمداد الأحمر. أما الورق المستعمل فتشهد علامته المائية بأنه من صنع أوروبي. الناسخ هو: محمد بن الحاج الرعجاني, ولا ذكر لتاريخ, ولا لمكان النسخ.
نقرأ في أول الكتاب ما نصه:" قال الشيخ الأستاذ العالم العامل المفتي… أبو عمران موسى بن أبي علي الزناتي رضي الله عنه أما بعد حمد الله الكبير المتعال والصلاة التامة على سيدنا ومولانا ونبينا محمد وآله خير آل. فإن غرضي أن أجرد نوازل ابن سهل رحمه الله مما اختلط به من المشاهير والسير والسجلات والشواهد والاستدلالات والبسط (و) العمل والتكرارات، من غير نقص لشيء من مبانيها أو إخلال بشيء من معانيها، تقريبا لنفسي ومجلبة لنشاطي وأنسي…". ثم أفادنا الدكتور مصطفى الصمدي أن لهذا المختصر نسخة ثانية بمكتبة الزاوية الحمزية تحت عدد (325 ) .
الكتاب الثاني من المجموع هو:
"المقصد المحمود في تلخيص الوثائق والعقود" لأبي الحسن علي بن يحيى ابن القاسم الصنهاجي الجزيري (تـ585هـ) , و يقع في الصفحات (142-295).وقد طبع هذا الكتاب سنة 1998م بالمجلس الأعلى للأبحاث العلمية بمدريد بتحقيق ودراسة: أسونثيون فرٌيرس (Asuncion Ferreras) .
و لكتاب الإعلام عدة تحقيقات نذكر منها:
- تحقيق قسم الاحتساب منه قام به التهامي الأزموري ونشر بعد وفاته في مجلة هسبيريس تامودا، المجلد 14 سنة 1973 صفحات 7-108.
- تحقيق للكتاب كله، من طرف رشيد حميد النعيمي المحامي, و نال به درجة الدكتوراه سنة1978م من جامعة سانت أنـدروس بالمملكة المتحدة, وقد طبع هذا التحقيق سنة 1997م بالرياض تحت عنوان:
"ديوان الأحكام الكبرى ", وهو عنوان غير أصلي للكتاب وضعه بعض النساخ.
- تحقيق الكتاب كله، قامت به: نورة التويجري، ونالت به درجة الدكتوراه بجامعة الإمام بالرياض سنة 1991م.ثم طبع بالرياض سنة 1994م.
وأما مؤلفات ابن سهل الأخرى فهي كالآتي.

ب- شرح عيسى بن سهل لصحيح البخاري:
قال إسماعيل باشا البغدادي في كتابه"هدية العارفين" ما نصه "… من تصانيف(ابن سهل) شرح الجامع الصحيح للبخاري…" . و قد نقل عمر رضا كحالة هذه المعلومة عنه في معجم المؤلفين .
لكن البغدادي ينقل عن حاجي خليفة قوله في كشف الظنون بأن من شروح كتاب البخاري : "… شرح أبي الأصبغ عيسى بن سهل بن عبد الله ألأسدي المتوفى … (كذا)" .و هو ناقل بدوره عن كتاب "إرشاد الساري" للقسطلاني الذي ينقل عن كتاب "الجواهر والدرر في ترجمة ابن حجر" لشمس الدين السخاوي (تـ902هـ/1496م)، الذي عدد شروح البخاري فقال: "… وأبو الأصبغ عيسى بن سهل بن عبد الله ألأسدي، ذكر أنه كتب إلى بعض أئمة عصره يسأله عن إشكال في سنة ست وخمسين و (أربعمائة) ، وكان هذا الشيخ يروي الكتاب (صحيح البخاري) عن الأصيلي و هذا الشرح ينقل عنه ابن رُشَيْد" .
و ابن رشيد السبتي (ت 721هـ/1321م) كان قد نزل غرناطة و كان بها خطيبا مدة , فلا يستبعد وقوفه على شرح ابن سهل هناك.أقدم مصدر أندلسي ذكر ذلك الشرح هو "كتاب التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن فرح القرطبي (ت.671هـ/1272م).
قال: " قال الراجز: إذا المسيح قتل المسيحا, يعني عيسى بن مريم عليه السلام يقتل الدجال… قرأته في المجلد الأول من شرح ألفاظ الغريب من الصحيح لمحمد بن إسماعيل (البخاري)، تأليف القاضي الإمام المفتي أبي الأصبغ ابن سهل" .
أطول نقل من هذا الشرح يوجد في كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري, تأليف ابن حجر العسقلاني(ت.852هـ) وهو يعزو النقل لكتاب رحلة ابن رشيد السبتي, و هو نص لا وجود له مع الأسف بالأجزاء الباقية من كتاب ملء العيبة.
ج- فهرسة شيوخ عيسى بن سهل:
هذه الفهرسة كان القاضي عياض قد وقف عليها واستفاد منها في كتابيه: الغنية, و ترتيب المدارك. وقد ذكرها أيضا أبو بكر ابن خير الإشبيلي في فهرسته. قال :"… فهرسة الفقيه الحافظ أبي الأصبغ عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي، روايتي لها عن القاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي رحمه الله, وحدثني بها أيضا، إجازة، الفقيه أبو عبد الله محمد بن نجاح الذهبي عن ابن سهل رحمه الله" .
وقال القاضي عياض: " فهرست أبي الأصبغ ابن سهل حدثنا بها أبو إسحاق ابن الفاسي عنه" , وفي موضع آخر استشهد عياض بفهرسة ابن سهل لضبط اسم: ابن أبي الدنيا، فقال: "علي بن عثمان، وكذا سماه ابن سهل في فهرسته" .
د- كتاب ابن سهل في الرد على ابن حزم الظاهري:
هذا الكتاب انفرد أبو الحسن علي بن محمد بن علي الإشبيلي الرعيني (تـ666هـ/1267م) بذكر اسمه و النقل عنه: في برنامج شيوخه. ثم عثر الأستاذ محمد إبراهيم الكتاني على قطعة أندلسية مخطوطة منه محفوظة بخزانة القرويين بفاس، وقد صُوِّرَ عنها شريط مسجل تحت رقم (5) بالخزانة العامة بالرباط، تتألف تلك القطعة من (269) صفحة حالتها سيئة للغاية بفعل إفساد الأرضة لأوراقها جملة. و تاريخ نسخ تلك المخطوطة لا يتجاوز القرن السابع الهجري.
وقد بينت صحة نسبة الكتاب لابن سهل وأن عنوان الكتاب هو: "التنبيه على شذوذ ابن حزم", وأن ابن سهل ألف هذا الرد حوالي (476-480هـ) بمدينة طنجة .
يتألف هذا الكتاب من محاور كبرى كما يلي:
1. المقدمة: بقيت الورقة الأخيرة منها فقط، و بها معلومات نفيسة عن ابن حزم.
2. باب ما يلزم المتأخرين من الإقتداء بالمتقدمين ويجب عليهم من توقيرهم و تعزيرهم:
يدافع ابن سهل فيه عن التقليد وضرورة اتباع إمام في الفقه. وهذا الباب, وإن أصابت بعض فقراته خروم, تام الأوراق .
3. باب ذكر تبديع ابن حزم للصحابة والتابعين واستخفافه بجميع أئمة المسلمين:
يرد فيه المؤلف على كتاب " النكت الموجزة في نفي الأمور المحدثة في أصول أحكام الدين من الرأي والقياس والاستحسان والتعليل والتقليد" لابن حزم، ويضم هذا الباب فصولا في نقض الإحكام لأصول الأحكام لابن حزم.
4. فصل فيه زيادة بيان في تخليط ابن حزم و تناقضه و سفاهته و جهله:
و هو مخصص لنقض أقوال ابن حزم حول المنطق والفلسفة والعلوم العقلية، الموجودة في كتبه مثل كتاب الفصل في الملل و النحل, وكتاب التقريب لحدود المنطق, و رسالة مراتب العلوم، ورسالة التوقيف على شارع النجاة .
5. فصل في ذكر ما شذ فيه عن جميع الأمة وخالف فيه جميع الأئمة: خصصه ابن سهل لنقض 12 مسألة لابن حزم من كتابه "الإعراب عن كشف الالتباس الواقع بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس" .
هـ- رسالة ابن سهل إلى ابن حزم:
هذه الرسالة اكتشفت حقيقتها بعدما قارنت أسلوب وحجج عيسى بن سهل في "التنبيه على شذوذ ابن حزم" بمقتطفات من كلام الهاتف من بعد الذي لم يذكر فيها اسمه ورد ابن حزم عليه. و حقيقة الأمر أن ابن سهل كان حاضرا بمنزل شيخه ابن عتاب بقرطبة أثناء تسلمه كتاب كبير فقهاء المرية الفقيه أبي عمر أحمد بن رشيق الثغلبي، حوالي (444-446هـ), يصف فيه شناعة أقوال ابن حزم، فكتب ابن سهل رسالة(الهاتف من بعد) يتوعد فيها ابن حزم بما سيطاله من جراء إصراره على الخروج عن المذهب. و كان ابن حزم حينئذ مستقرا بالمرية .
فهذه خمسة كتب ألفها ابن سهل, لم يصل إلينا منها سوى الإعلام بنوازل الأحكام, وطرف من التنبيه على شذوذ ابن حزم, و فقرات يسيرة من رسالته إلى ابن حزم.
أما فهرسته فقد استفاد منها القاضي عياض كثيرا في كتابيه: الغنية, و ترتيب المدارك أثناء كلامه عن بعض شيوخ ابن سهل و بعض من لقيهم من علماء الأندلسالشخصية الفذة المنصور ابن ابي عامر

المنصور أبي عامر محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر ابن الوليد بن يزيد بن عبد الملك المعافري
ويسميه الأسبان ALMANZOR من قرية تركش وعبد الملك جده هو الوافد على الأندلس مع طارق في أول الداخلين من العرب وأما المنصور فقد ذكره ابن حيان في كتابه المخصوص بالدولة العامرية والفتح في المطمح والحجاري في المسهب والشقندي في الطرف وذكر الجميع أن أصله من قرية تركش وأنه رحل إلى قرطبة وتأدب بها ثم اقتعد دكانا عند باب القصر يكتب فيه لمن يعن له كتب من الخدم والمرافعين للسلطان إلى أن طلبت السيدة صبح أم المؤيد من يكتب عنها فعرفها به من كان يأنس إليه بالجلوس من فتيان القصر فترقى إلى أن كتب عنها فاستحسنته ونبهت عليه الحكم ورغبت في تشريفه بالخدمة فولاه قضاء بعض المواضع فظهرت منه نجابة فترقى إلى الزكاة والمواريث بإشبيلية وتمكن في قلب السيدة بما استمالها به من التحف والخدمة ما لم يتمكن لغيره ولم يقصر مع ذلك في خدمة المصحفي الحاجب إلى أن توفي الحكم وولي ابنه هشام المؤيد وهو ابن اثنتي عشرة سنة فجاشت الروم فجهز المصحفي ابن أبي عامر لدفاعهم فنصره الله عليهم وتمكن حبه من قلوب الناس وكان جوادا عاقلا ذكيا استعان بالمصحفي على الصقالبة ثم بغالب على المصحفي وكان غالب صاحب مدينة سالم وتزوج ابن أبي عامر ابنته أسماء وكان اعظم عرس بالأندلس واستعان بجعفر ابن علي بن حمدون على غالب ثم بعبد الرحمن بن محمد بن هشام التجيبي على جعفر وله في الحزم والكيد والجلد ما أفرد له ابن حيان تأليفا وعدد غزواته المنشاة من قرطبة نيف وخمسون غزوة ولم تهزم له راية وقبره بمدينة سالم في أقصى شرق الأندلس ومن شعره :



رميت بنفسي هول كل عظيمة وخاطرت والحر الكريم يخاطر

ترجمة ابن أبي عامر في المطمح

وقال في المطمح في حق ابن أبي عامر إنه تمرس ببلاد الشرك أعظم تمرس ومحا من طواغيتها كل تعجرف وتغطرس وغادرهم صرعى البقاع وتركهم أذل من وتد بقاع ووالى على بلادهم الوقائع وسدد إلى أكبادهم سهام الفجائع وأغص بالحمام أرواحهم ونغص بتلك الآلام بكورهم ورواحهم ومن أوضح الأمور هنالك وأفصح الأخبار في ذلك أن أحد رسله كان كثير النتياب لذلك الجناب فسار في بعض مسيراته إلى غريسية فلا منتزه إلا مر عليه متفرجا ولا منزل إلا سار عليه معرجا فحل في ذلك أكثر الكنائس هالك فبينا هو يجول في ساحتها ويجيل العين في مساحتها إذ عرضت له امرأة قديمة الأسر قويمة على طول الكسر فكلمته وعرفته بنفسها وأعلمته وقالت له أيرضى المنصور أن ينسى بتنعمه بوسعها ويتمتع بلبوس العافية وقد نضت لبوسها وزعمت أن لها عدة سنين بتلك الكنيسة محبسة وبكل ذل وصغار ملبسة وناشدته الله في إنهاء قصتها وإبراء غصتها واستحلفته بأغلظ الأيمان وأخذت عليه في ذلك اوكد مواثيق الرحمن فلما وصل إلى المنصور عرفه بما يجب تعريفه به وإلامه وهو مصغ إليه حتى تم كلامه فلما فرغ قال له المنصور هل وقفت هناك على أمر أنكرته أم لم تقف على غير ما ذكرته فأعلمه بقصة المراة وما خرجت عنه إليه وبالمواثيق التي أخذت عليه فعتبه ولامه على أن لم يبدأ بها كلامه ثم أخذ للجهاد من فوره وعرض من ممن الأجناد في نجده وغوره وأصبح غازيا على سرجه مباهيا مروان يوم مرجه حتى وافى ابن شانجة في جمعه فأخذت مهابته ببصره وسمعه فبادر بالكتاب إليه بتعرف ما الجلية ويحلف له بأعظم ألية أنه ما جنى ذنبا ولا جفا عن مضجع الطاعة جنبا فعنف أرساله وقال لهم كان قد عاقدني أن لا يبقى ببلاده مأسورة وما مأسور ولو حملته في حواصلها النسور وقد بلغني بعد بقاء فلانة المسلمة في تلك الكنيسة ووالله لا أنتهي عن أرضه حتى أكتسحها فأرسل إليه المرأة في اثنتين معها وأقسم أنه ما أبصرهن ولا سمع بهن وأعلمه أن الكنيسة التي أشار بعلمها قد بالغ في هدمها تحقيقا لقوله وتضرع إليه في الأخذ فيه بطوله فاستحيا منه وصرف الجيش عنه وأوصل المرأة إلى نفسه وألحف توحشها بأنسه وغير من حالها وعاد بسواكب نعماه على جدبها وإمحالها إلى قومها وكحلها بما كان شرد من نومها انتهى .

وقال في المطمح أيضا في حقه ما نصه فرد نابه على من تقدمه وصرفه واستخدمه فإنه كان أمضاهم سنانا وأذكاهم جنانا وأتمهم جلالا وأعظمهم استقلالا فآل أمره إلى ما آل وأوهم العقول بذلك المآل فإنه كان آية الله في اتفاق سعده وقربه من الملك بعد بعده بهر وتملك فما خفق بأرضه لواء عدو بعد خمول كابد منه غصصا وشرقا وتعذر مأمول طارد فيه سهرا وأرقا حتى أنجز له الموعود وفر نحسه أمام تلك السعود فقام بتدبير الخلافة وأقعد من كان له فيها إنافة وساس الأمور أحسن سياسة وداس الخطوب بأخشن دياسة فانتظمت له الممالك واتضحت به المسالك وانتشر الأمن في كل طريق واستشعر اليمن كل فريق وملك الأندلس بضعا وعشرين حجة لم تدحض لسعادتها حجة ولم تزخر لمكروه بها لجة لبس فيه البهاء والإشراق وتنفست عن مثل أنفاس العراق وكانت أيامه أحمد أيام وسهام بأسه أسد سهام غزا الروم شاتيا وصائفا ومضى فأوغل في تلك الشعاب وتغلغل حتىراع ليث الغاب ومشى تحت أوليته صيد القبائل واستجرت في ظلها بيض الظبا وسمر الذوابل وهو يقتضي الأرواح بغير سوم وينتضي الصفاح على كل روم ويتلف من لا ينساق للخلافة وينقاد ويخطف منهم كل كوكب وقاد حتى استبد وانفرد وأنس إليه من الكاعة ما نفر وشرد وانتظمت له الأندلس بالعدوة واجتمعت في ملكه اجتماع قريش بدار الندوة ومع هذا لم يخلع اسم الحجابة ولم يدع السمع لخليفته والإجابة ظاهر يخالفه الباطن واسم تنافره مواقع الحكم والمواطن وأذل قبائل الأندلس بإجازة البرابر وأخمل بهم أولئك الأعلام الأكابر فإنه قاومهم بأضدادهم واستكثر من أعدادهم حتى تغلبوا على الجمهور وسلبوا عنهم الظهور ووثبوا عليهم الوثوب المشهور الذي أعاد أكثر الأندلس قفرا يبابا وملأها وحشا وذئابا وأعراها من الأمان برهة من الزمان وعلى هذه الهيئة فهو وابنه المظفر كانا آخر سعد الأندلس وحد السرور بها والتأنس وغزواته فيها شائعة الأثر رائعة كالسيف ذي الأثر وحسبه وافر ونسبه معافر وكانت أمه تميمة فحاز الشرف بطرفيه والتحف بمطرفيه وتصرف قبل ولايته في شتى الولايات وجاء من التحدث بمنتهى أمره بآيات حتى صح زجره وجاء بصبحه فجره تؤثر عنه في ذلك أخبار فيها عجب واعتبار وكان أديبا محسنا وعالما متفننا فمن ذلك قوله يمني نفسه بملك مصر والحجاز ويستدعي صدور تلك الأعجاز

دهاء المنصور ووصوله إلى الحجابة بعد إقصاء المصحفي



قال ابن بسام نقلا عن ابن حيان إنه لما انتهت خلافة بني مروان بالأندلس إلى الحكم تاسع الأئمة وكان مع فضله قد استهواه حب الولد حتى خالف الحزم في توريثه الملك بعده في سن الصبا دون مشيخة الإخوة وفتيان العشيرة ومن كان ينهض بالأمر ويستقل بالملك قال ابن بسام وكان يقال لا يزال ملك بني أمية بالأندلس في إقبال ودوام ما توارثه الأبناء عن الآباء فإذا انتقل إلى الإخوة وتوارثوه فيما بينهم أدبر وانصرم ولعل الحكم لحظ ذلك فلما مات الحكم أخفى جؤذر وفائق فتياه ذلك وعزما على صرف البيعة إلى أخيه المغيرة وكان فائق قد قال له إن هذا لا يتم لنا إلا بقتل جعفر المصحفي فقال له جؤذر ونستفتح أمرنا بسفك دم شيخ مولانا فقال له هو والله ما أقول لك ثم بعثا إلى المصحفي ونعيا إليه الحكم وعرفاه رأيهما في المغيرة فقال لهما المصحفي وهل أنا إلا تبع لكما وأنتما صاحبا القصر ومدبرا الأمر فشرعا في تدبير ما عزما عليه .

وخرج المصحفي وجمع أجناده وقواده ونعى إليهم الحكم وعرفهم مقصود جؤذر وفائق في المغيرة وقال إن بقينا على ابن مولانا كانت الدولة لنا وإن بدلنا استبدلنا فقالوا الرأي رأيك فبادر المصحفي بإنفاذ محمد بن أبي عامر مع طائفة من الجند إلى دار المغيرة لقتله فوافاه ولا خبر عنده فنعى إليه الحكم أخاه فجزع وعرفه جلوس ابنه هشام في الخلافة فقال أنا سامع مطيع فكتب إلى المصحفي بحاله وما هو عليه من الاستجابة فأجابه المصحفي بالقبض عليه وإلا وجه غيره ليقتله فقتله خنقا فلما قتل المغيرة واستوثق الأمر لهشام بن الحكم .

افتتح المصحفي أمره بالتواضع والسياسة واطراح الكبر ومساواة الوزراء في الفرش وكان ذلك من أول ما استحسن منه وتوفر على الاستئثار بالأعمال والاحتجان للأموال وعارضه محمد بن أبي عامر فتى ماجد أخذ معه بطرفي نقيض بالبخل جودا وبالاستبداد أثرة وتملك قلوب الرجال إلى أن تحركت همته للمشاركة في التدبير بحق الوزارة وقوي على أمره بنظره في الوكالة وخدمته للسيدة صبح أم هشام وكانت حاله عند جميع الخدم أفضل الأحوال بتصديه لمواقع الإرادة ومبالغته في تأدية لطيف الخدمة فأخرجت له أم هشام الخليفة إلى الحاجب جعفر المصحفي بأن لا ينفرد عنه برأي وكان غير متخيل منه سكوتا إلى ثقته فامتثل الأمر وأطلعه على سره وبالغ في بره وبالغ محمد بن أبي عامر في مخادعته والنصح له فوصل المصحفي يده بيده واستراح إلى كفايته وابن أبي عامر يمكر به ويضرب عليه ويغري به الحرة ويناقضه في أكثر ما يعامل به الناس ويقضي حوائجهم .

ولم يزل على ما هذه سبيله إلى أن انحل أمر المصحفي وهوى نجمه وتفرد محمد بن أبي عامر بالأمر ومنع أصحاب الحكم وأجلاهم وأهلكهم وشردهم وشتتهم وصادرهم وأقام من صنائعهم من استغنى به عنهم وصادر الصقالبة وأهلكهم وأبادهم في أسرع مدة قال ابن حيان وجاشت النصرانية بموت الحكم وخرجوا على أهل الثغور فوصلوا إلى باب قرطبة ولم يجدوا عند جعفر المصحفي غناء ولا نصرة وكان مما أتى عليه أن أمر أهل قلعة رباح بقطع سد نهرهم لما تخيله من أن في ذلك النجاة من العدو ولم تقع حيلته لأكثر منه مع وفور الجيوش وجموع الأموال وكان ذلك من سقطات جعفر فأنف محمد بن أبي عامر من هذه الدنية وأشار على جعفر بتبديد الجيش بالجهاد وخوفه سوء العاقبة في تركه وأجمع الوزراء على ذلك إلا من شذ منهم واختار ابن أبي عامر الرجال وتجهز للغزاة واستصحب مائة ألف دينار ونفذ بالجيش ودخل على الثغر الجوفي ونازل حصن الحافة ودخل الربض وغنم وقفل فوصل الحضرة بالسبي بعد اثنين وخمسين يوما فعظم السرور به وخلصت قلوب الأجناد له واستهلكوا في طاعته لما رأوه من كرمه .

ومن أخبار كرمه ما حكاه محمد بن أفلح غلام الحكم قال دفعت إلى ما لا أطيقه من نفقة في عرس ابنة لي ولم يبق معي سوى لجام محلى ولما ضاقت بي الأسباب قصدته بدار الضرب حين كان صاحبها والدراهم بين يديه موضوعة مطبوعة فأعلمته ما جئت له فابتهج بما سمعه مني وأعطاني من تلك الدراهم وزن اللجام بحديده وسيوره فملأ حجري وكنت غير مصدق بما جرى لعظمه وعملت العرس وفضلت لي فضلة كثيرة وأحبه قلبي حتى لو حملني على خلع طاعة مولاي الحكم لفعلت وكان ذلك في أيام الحكم قبل أن يقتعد ابن أبي عامر الذروة. وقال غير واحد إنه صنع يومئذ قصرا من فضة لصبح أم هشام وحمله على رؤوس الرجال فجلب حبها بذلك وقامت بأمره عند سيدها الحكم وحدث الحكم خواصه بذلك وقال إن هذا الفتى قد جلب عقول حرمنا بما يتحفهم به. قالوا وكان الحكم لشدة نظره في علم الحدثان يتخيل في ابن أبي عامر أنه المذكور في الحدثان ويقول لأصحابه أما تنظرون إلى صفرة كفيه ويقول في بعض الأحيان لو كانت به شجة لقلت إنه هو بلا شك فقضى الله أن تلك الشجة حصلت للمنصور يوم ضربه غالب بعد موت الحكم بمدة .

قال ابن حيان وكان بين المصحفي وغالب صاحب مدينة سالم وشيخ الموالي وفارس الأندلس عداوة عظيمة ومباينة شديدة ومقاطعة مستحكمة وأعجز المصحفي أمره وضعف عن مباراته وشكا ذلك إلى الوزراء فأشاروا عليه بملاطفته واستصلاحه وشعر بذلك ابن أبي عامر فأقبل على خدمته وتجرد لإتمام إرادته ولم يزل على ذلك حتى خرج الأمر بأن ينهض غالب إلى تقدمة جيش الثغر وخرج ابن أبي عامر إلى غزوته الثانية واجتمع به وتعاقدا على الإيقاع بالمصحفي وقفل ابن أبي عامر ظافرا غانما وبعد صيته فخرج أمر الخليفة هشام بصرف المصحفي عن المدينة وكانت في يده يومئذ وخلع على ابن أبي عامر ولا خبر عند المصحفي وملك ابن أبي عامر الباب بولايته للشرطة وأخذ عن المصحفي وجوه الحيلة وخلاه وليس بيده من الأمر إلا أقله وكان ذلك بإعانة غالب له وضبط المدينة ضبطا أنسى به أهل الحضرة من سلف من الكفاة وتولى السياسة .

وانهمك ابن أبي عامر في صحبة غالب ففطن المصحفي لتدبير ابن أبي عامر عليه فكاتب غالبا يستصلحه وخطب أسماء ابنته لابنه عثمان فأجابه غالب لذلك وكادت المصاهرة تتم له وبلغ ابن أبي عامر الأمر فقامت قيامته وكاتب غالبا يخوفه الحيلة ويهيج حقوده وألقى عليه أهل الدار وكاتبوه فصرفوه عن ذلك ورجع غالب إلى ابن أبي عامر فأنكحه البنت المذكورة وتم له العقد في محرم سنة سبع وستين وثلاثمائة فأدخل السلطان تلك الابنة إلى قصره وجهزها إلى محمد بن أبي عامر من قبله فظهر أمره وعز جانبه وكثر رجاله وصار جعفر المصحفي بالنسبة إليه كل شيء واستقدم السلطان غالبا وقلده الحجابة شركة مع جعفر المصحفي ودخل ابن أبي عامر على ابنته ليلة النيروز وكانت أعظم ليلة عرس في الأندلس .

وأيقن المصحفي بالنكبة وكف عن اعتراض ابن أبي عامر في شيء من التدبير وابن أبي عامر يسايره ولا يظاهره وانفض عنه الناس وأقبلوا على ابن أبي عامر إلى أن صار المصحفي يغدو إلى قصر قرطبة ويروح وهو وحده وليس بيده من الحجابة سوى اسمها وعوقب المصحفي بإعانته على ولاية هشام وقتل المغيرة ثم سخط السلطان على المصحفي وأولاده وأهله وأسبابه وأصحابه وطولبوا بالأموال وأخذوا برفع الحساب لما تصرفوا فيه وتوصل ابن أبي عامر بذلك إلى اجتثاث أصولهم وفروعهم .

وكان هشام ابن أخي المصحفي قد توصل إلى أن سرق من رؤوس النصارى التي كانت تحمل بين يدي ابن أبي عامر في الغزاة الثالثة ليقدم بها على الحضرة وغاظه ذلك منه فبادره بالقتل في المطبق قبل عمه جعفر المصحفي فما استقصى ابن أبي عامر مال جعفر حتى باع داره بالرصافة وكانت من أعظم قصور قرطبة واستمرت النكبة عليه سنتين مرة يحتبس ومرة يترك ومرة يقر بالحضرة ومرة ينفر عنها ولا براح له من المطالبة بالمال ولم يزل على هذا الحكم حتى استصفي ولم يبق فيه محتمل واعتقل في المطبق بالزهراء إلى أن هلك وأخرج إلى أهله ميتا وذكر أنه سمه في ماء شربه.

قال محمد بن إسماعيل سرت مع محمد بن مسلمة إلى الزهراء لنسلم جسد جعفر بن عثمان إلى أهله بأمر المنصور وسرنا إلى منزله فكان مغطى بخلق كساء لبعض البوابين ألقاه على سريره وغسل على فردة باب اختلع من ناحية الدار وأخرج وما حضر أحد جنازته سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه ومن حضر من ولده فعجبت من الزمان انتهى .

وما أحسن عبارة المطمح عن هذه القضية إذ قال قال محمد بن إسماعيل كاتب المنصور سرت بأمره لتسليم جسد جعفر إلى أهله وولده والحضور على إنزاله في ملحده فنظرته ولا أثر فيه وليس عليه شيء يواريه غير كساء خلق لبعض البوابين فدعا له محمد بن مسلمة بغاسل فغسله والله على فردة باب اقتطع من جانب الدار وأنا أعتبر من تصرف الأقدار وخرجنا بنعشه إلى قبره وما معنا سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه وما تجاسر أحد منا للنظر إليه وإن لي في شأنه لخبرا ما سمع بمثله طالب وعظ ولا وقع في سمع ولا تصور في لحظ وقفت له في طريقه من قصره أيام نهيه وأمره أروم أن أناوله قصة كانت به مختصة فوالله ما تمكنت من الدنو منه بحيلة لكثافة موكبه وكثرة من حف به وأخذ الناس السكك عليه وأفواه الطرق داعين ومارين بين يديه وساعين حتى ناولت قصتي بعض كتابه الذين نصبهم جناحي موكبه لأخذ القصص فانصرفت وفي نفسي ما فيها من الشرق بحاله والغصص فلم تطل المدة حتى غضب عليه المنصور واعتقله ونقله معه في الغزوات واحتمله واتفق أن نزلت بجليقية إلى جانب خبائه في ليلة نهى فيها المنصور عن وقود النيران ليخفى على العدو أثره ولا ينكشف إليه خبره فرأيت والله عثمان ولده يسقيه دقيقا قد خلطه بماء يقيم به أوده ويمسك بسببه رمقه بضعف حال وعدم زاد وهو يقول بحر الطويل :

تعاطيت صرف الحادثات فلم أزل أراها توفي عند موعدها الحرا

فلله أيام مضت بسبيلها فإني لا أنسى لها أبدا ذكرا

نكبة المصحفي
قال الفتح في المطمح وكان مما أعين به المنصور على المصحفي ميل الوزراء إليه وإيثارهم له عليه وسعيهم في ترقية وأخذهم بالعصبية فيه فإنها وإن لم تكن حمية أعرابية فقد كانت سلفية سلطانية يقتفي القوم فيها سبيل سلفهم ويمنعون بها ابتذال شرفهم غادروها سيرة وخلفوها عادة أثيرة تشاح الخلف فيها تشاح أهل الديانة وصانوا بها مراتبهم أعظم صيانة ورأوا أن أحدا لا يلحق فيها غاية ولا يتعاقد لها راية فلما اصطفى الحكم المستنصر بالله جعفر بن عثمان واصطنعه ووضعه من أثرته حيث وضعه وهو نزيع بينهم ونابغ في الحال وانتقال الرتبة وكف عن اعتراض محمد وشركته في التدبير وانقبض الناس من الرواح إليه والتبكير وانثالوا على ابن أبي عامر فخف موكبه وغار من سماء العز كوكبة وتوالى عليه سعي ابن أبي عامر وطلبه إلى أن صار يغدو إلى قرطبة ويروح وليس بيده من الحجابة إلا اسمها وابن أبي عامر مشتمل على رسمها حتى محاه وهتك ظله وأضحاه قال محمد بن إسماعيل رأيته يساق إلى مجلس الوزارة للمحاسبة راجلا فأقبل يدرم وجوارحه باللواعج تضطرم وواثق الضاغط ينهره والزمع بي فاستدرك ما تحبه وتشتهيه وترى ما كنت ترتجيه ويا ليت أن الموت يباع فأغلي سومة حتى يرده من أطال عليه حومة ثم قال:

لا تأمنن من الزمان تقلبا إن الزمان بأهله يتقلب

فلما بلغ المجلس جلس في آخره دون أن يسلم على أحد أو يومىء إليه بعين أو يد فلما أخذ مجلسه تسرع إليه الوزير محمد بن حفص بن جابر فعنفه واستجفاه وأنكر عليه ترك السلام وجفاه وجعفر معرض عنه إلى أن كثر القول منه فقال له يا هذا جهلت المبرّة فاستجهلت معلمها وكفرت النعم فقصدت بالأذى ولم ترهب مقدمها ولو أتيت نكرا لكان غيرك أدرى وقد وقعت في أمر ما أظنك تخلص منه ولا يسعك السكوت عنه ونسيت الأيادي الجميلة والمبرات الجليلة فلما سمع محمد بن حفص ذلك من قوله قال هذا البهت بعينه وأي أياديك الغر التي مننت بها وعينت أداء واجبها أيد كذا أم يد كذا وعد أشياء أنكرها منه أيام إمارته وتصرف الدهر طوع إشارته فقال جعفر أنشد الله من له علم بما أذكره إلا إعتراف به فلا ينكره وأنا أحوج إلى السكوت ولا تحجب دعوتي فيه عن الملكوت فقال الوزير أحمد بن عباس قد كان بعض ما ذكرته يا أبا الحسن وغير هذا أولى بك وأنت فيما أنت فيه من محنتك وطلبك فقال أحرجني الرجل فتكلمت وأحوجني إلى ما به أعلمت فأقبل الوزير ابن جهور على محمد بن حفص وقال أسأت إلى الحاجب وأوجبت عليه غير الواجب أوما علمت أن منكوب السلطان لا يسلم على أوليائه لأنه إن فعل ألزمهم الرد بقوله تعالى:" وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها" (النساء 86 ) فإن فعلوا لطاف بهم من إنكار السلطان ما يخشى ويخاف لأنه تأنيس لمن أوحش وتأمين لمن أخاف وإن تركوا الرد أسخطوا الله فصار الإمساك أحسن ومثل هذا لا يخفى على أبي الحسن فانكسر ابن حفص وخجل مما أتى به من النقص وبلغه أن قوما توجعوا له وتفجعوا مما وصله فكتب إلهم:

أحن إلى أنفاسكم فأظنها بواعث أنفاس الحياة إلى نفسي

ابن أبي عامر وغالب الناصري

وأما غالب الناصري فإنه حضر مع ابن أبي عامر في بعض الغزوات وصعدا إلى بعض القلاع لينظرا في أمرها فجرت محاورة بين ابن أبي عامر وغالب فسبه غالب وقال له يا كلب أنت الذي أفسدت الدولة وخربت القلاع وتحكمت في الدولة وسل سيفه فضربه وكان بعض الناس حبس يده فلم تتم الضربة وشجه فألقى ابن أبي عامر نفسه من رأس القلعة خوفا من أن يجهز عليه فقضى الله تعالى أنه وجد شيئا في الهواء منعه من الهلاك فاحتمله أصحابه وعالجوه حتى برئ ولحق غالب بالنصارى فجيش بهم وقابله ابن أبي عامر بمن معه من جيوش الإسلام فحكمت الأقدار بهلاك غالب وتم لابن أبي عامر ما جد له وتخلصت دولته من الشوائب .

ابن أبي عامر والمؤيد

قالوا ولما وقعت وحشة بين ابن أبي عامر والمؤيد وكان سببها تضريب الحساد فيما بينهما وعلم أنه ما دهي إلا من جانب حاشية القصر فرقهم ومزقهم ولم يدع فيه منهم إلا من وثق به أو عجز عنه ثم ذكر له أن الحرم قد انبسطت أيديهن في الأموال المختزنة بالقصر وما كانت السيدة صبح تفعله من إخراج الأموال عندما حدث من تغيرها على ابن أبي عامر وأنها أخرجت في بعض الأيام مائة كوز مختومة على أعناق الخدم الصقالبة فيها الذهب والفضة وموهت ذلك كله بالمري والشهد وغيره والأصباغ المتخذة بقصر الخلافة وكتبت على رؤوس الكيزان أسماء ذلك ومرت على صاحب المدينة فما شك أنه ليس فيها إلا ما هو عليها وكان مبلغ ما حملت فيها من الذهب ثمانين ألف دينار فأحضر ابن أبي عامر جماعة وأعلمهم أن الخليفة مشغول عن حفظ الأموال بانهماكه في العبادة وأن في إضاعتها آفة على المسلمين وأشار بنقلها إلى حيث يؤمن عليها فيه فحمل منها خمسة آلاف ألف دينار عن قيمة ورق وسبعمائة ألف دينار .

وكانت صبح قد دافعت عما بالقصر من الأموال ولم تمكن من إخراجها فاجتمع ابن أبي عامر بالخليفة هشام واعترف له بالفضل والغناء في حفظ قواعد الدولة فخرست ألسنة العدا والحسدة وعلم المنصور ما في نفوس الناس لظهور هشام ورؤيتهم له إذ كان منهم من لم يره قط فأبرزه للناس وركب الركبة المشهورة واجتمع لذلك من الخلق ما لا يحصى وكانت عليه الطويلة والقضيب في يده زي الخلافة والمنصور يسايره .

ثم خرج المنصور لآخر غزواته وقد مرض المرض الذي مات فيه وواصل شن الغارات وقويت عليه العلة فاتخذ له سرير خشب ووطئ عليه ما يقعد عليه وجعلت عليه ستارة وكان يحمل على أعناق الرجال والعساكر تحف به وكان هجر الأطباء في تلك العلة لاختلافهم فيها وأيقن بالموت وكان يقول إن زماني يشتمل على عشرين ألف مرتزق ما أصبح فيهم أسوأ حالة مني ولعله يعني من حضر تلك الغزاة وإلا فعساكر الأندلس ذلك الزمان أكثر من ذلك العدد .

واشتغل ذهنه بأمر قرطبة وهو في مدينة سالم فلما أيقن بالوفاة أوصى ابنه عبد الملك وجماعته وخلا بولده وكان يكرر وصايته وكلما أراد أن ينصرف يرده وعبد الملك يبكي وهو ينكر عليه بكاءه ويقول وهذا من أول العجز وأمره أن يستخلف أخاه عبد الرحمن على العسكر وخرج عبد الملك إلى قرطبة ومعه القاضي أبو ذكوان فدخلها أول شوال وسكن الإرجاف بموت والده وعرف الخليفة كيف تركه وفاة المنصور بن أبي عامر
أخبار المنصور من كتاب الأزهار المنثورة

وقد رأيت أن أذكر هنا أخبارا نقلتها الأزهار المنثورة في الأخبار المأثورة :

قال في الزهرة التاسعة والعشرين تقدم إلى المنصور وانزمار بن أبي بكر البرزالي أحد جند المغاربة وقد جلس للعرض والتمييز والميدان غاص بالناس فقال له بكلام يضحك الثكلى يا مولاي ما لي ولك أسكني فإني في الفحص فقال وما ذلك يا وانزمار وأين دارك أواسعة الأقطار فقال أخرجتني عنها والله نعمتك أعطيتني من الضياع ما انصب علي منها من الأطعمة ما ملأ بيوتي وأخرجني عنها وأنا بربري مجوع حديث عهد بالبؤس أتراني أبعد القمح عني ليس ذلك من رأي فتطلق المنصور وقال لله درك من فذ عيي لعيك في شكر النعمة أبلغ عندنا وآخذ بقلوبنا من كلام كل أشدق متزيد وبليغ متفنن وأقبل المنصور على من حوله من أهل الأندلس فقال يا أصحابنا هكذا فلتشكر الأيادي وتستدام النعم لا ما أنتم عليه من الجحد اللازم والتشكي المبرح وأمر له بأفضل المنازل الخالية .

وفي الموفية ثلاثين ما نصه أصبح المنصور صبيحة أحد وكان يوم راحة الخدمة الذي أعفوا فيه من قصد الخدمة في مطر وابل غب أيام مثله شعري هل شذ أحد منهم عن التقدير فأغرب في البكور اخرج وتأمل يقوله لحاجبه فخرج وعاد إليه ضاحكا وقال يا مولاي على الباب ثلاثة من البرابرة أبو الناس ابن صالح واثنان معه وهم بحال من البلل إنما توصف بالمشاهدة فقال أوصلهم إلي وعجل فدخلوا عليه في حال الملاح بللا ونداوة فضحك إليهم وأدنى مجلسهم وقال خبروني كيف جئتم وعلى أي حال وصلتم وقد استكان كل ذي روح في كنه ولاذ كل كائر بوكره فقال له أبو الناس بكلامه يا مولانا ليس كل التجار قعد عن سوقه وإذا عذر التجار على طلب الربح بالفلوس فنحن أعذر بإدراكها بالبدر ومن غير رؤوس الأموال وهم يتناوبون الأسواق على أقدامهم ويذيلون في قصدها ثيابهم ونحن نأتيك على خيلك ونذيل على صهواتها ملابسك ونجعل الفضل في قصدك مضمونا إذا جعله أولئك طعما ورجاء فترى لنا أن نجلس عن سوقنا هذا فضحك المنصور ودعا بالكسا والصلات فدفعت لهم وانصرفوا .

وفي الزهرة الرابعة والأربعين ما نصه كان بقرطبة على عهد الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر فتى من أهل الأدب قد رقت حاله في الطب فتعلق بكتاب العمل واختلف إلى الخزانة مدة حتى قلد بعض الأعمال فاستهلك كثيرا من المال فلما ضم إلى الحساب أبرز عليه ثلاثة آلاف دينار فرفع خبره إلى المنصور فأمر بإحضاره فلما مثل بين يديه ولزم الإقرار بما برز عليه قال له يا فاسق ما الذي جرأك على مال السلطان تنتهبه فقال قضاء غلب الرأي وفقر أفسد الأمانة فقال المنصور والله لأجعلنك نكالا لغيرك ليحضر كبل وحداد فأحضر فكبل الفتى وقال احملوه إلى السجن وأمر الضابط بامتحانه والشدة عليه فلما قام أنشأ يقول:


أواه أواه وكم ذا أرى أكثر من تذكار أواه

ما لامرىء حول ولا قوة الحول والقوة لله

أما ترى عفوأبي عامر لا بد أن تتبعه منه

كذلك الله إذا ما عفا عن عبده أدخله الجنة

فأمر بإطلاقه وسوغه ذلك المال وأبرأه من التبعة فيه .

وفي الخامسة والأربعين عرض على المنصور بن أبي عامر اسم أحد خدمه في جملة من طال سجنه وكان شديد الحقد عليه فوقع على اسمه بأن لا سبيل إلى إطلاقه حتى يلحق بأمه الهاوية وعرف الرجل بتوقيعه فاغتم وأجهد نفسه في الدعاء والمناجاة فأرق المنصور إثر ذلك واستدعى النوم فلم يقدر عليه وكان يأتيه عند تنويمه آت كريه الشخص مرارا إلى أن علم أنه نذير من ربه فانقاد لأمره ودعا بالدواة في مرقده فكتب بإطلاقه وقال في كتابه هذا طليق الله على رغم أنف ابن أبي عامر وتحدث الناس زمانا بما كان منه .

وفي الثامنة والأربعين ما نصه انتهت هيبة المنصور بن أبي عامر وضبطه للجند واستخدام ذكور الرجال وقوام الملك إلى غاية لم يصلها ملك قبله فكانت مواقفهم في الميدان على احتفاله مثلا في الإطراق حتى إن الخيل لتمتثل إطراق فرسانها فلا تكثر الصهيل والحمحمة ولقد وقعت عينه على بارقة سيف قد سله بعض الجند بأقصى الميدان لهزل أو جد بحيث ظن أن لحظ المنصور لا يناله فقال علي بشاهر السيف فمثل بين يديه لوقته فقال ما حملك على أن شهرت سيفك في مكان لا يشهر فيه إلا عن إذن فقال إني أشرت به إلى صاحبي مغمدا فذلق من غمده فقال إن مثل هذا لا يسوغ بالدعوى وأمر به فضربت عنقه بسيفه وطيف برأسه ونودي عليه.

وحكى غير واحد أن المنصور كان به داء في رجله واحتاج إلى الكي فأمر الذي يكويه بذلك وهو قاعد في موضع مشرف على أهل مملكته فجعل يأمر وينهى ويفري الفري في اموره ورجله تكوى والناس لا يشعرون حتى شموا رائحة الجلد واللحم فتعجبوا من ذلك وهو غير مكترث وأخباره رحمه الله تعالى تحتمل مجلدات فلنمسك العنان رحمه الله تعالى .

ومن أعجب ما وقع له ما شوهد بخزانة فاس في كتاب ألفه صاحبه في الأزهار والأنوار حكى فيه في ترجمة النيلوفر أن المنصور لما قدم عليه رسول ملك الروم الذي هو أعظم ملوكهم في ذلك الزمان ليطلع على أحوال المسلمين وقوتهم فأمر المنصور أن يغرس في بركة عظيمة ذات أميال نيلوفر ثم أمر بأربعة قناطير من الذهب وأربعة قناطير من الفضة فسبكت قطعا صغارا على قدر ما تسع النيلوفرة ثم ملأ بها جميع النيلوفر الذي في البركة وأرسل إلى الرومي فحضر عنده قبل الفجر في مجلسه السامي بالزاهرة بحيث يشرف على موضع البركة فلما قرب طلوع الشمس جاء ألف من الصقالبة عليهم أقبية الذهب والفضة ومناطق الذهب والفضة وبإحدى يديهم خمسمائة أطباق ذهب وبيد خمسمائة أطباق فضة فتعجب الرسول من حسن صورهم وجميل شارتهم فلم يدر ما المراد فحين أشرقت الشمس ظهر النيلوفر من البركة وبادروا لأخذ الذهب والفضة من النيلوفر وكانوا يجعلون الذهب في أطباق الفضة والفضة في أطباق الذهب حتى التقطوا جميع ما فيها وجاؤوا به فوضعوه بين يدي المنصور حتى صار كوما بين يديه فتعجب النصراني من ذلك وأعظمه وطلب المهادنة من المسلمين وذهب مسرعا إلى مرسله وقال له لا تعاد هؤلاء القوم فإني رأيت الأرض تخدمهم بكنوزها ، انتهى. وهذه القضية من الغرائب وإنها لحيلة عجيبة في إظهار عز الإسلام وأهله وكان المنصور بن أبي عامر آية الله سبحانه في السعد ونصرة الإسلام رحمه الله .

غزوة شنت ياقب

غزوة المنصور لمدينة شنت ياقب قاصية غليسية وأعظم مشاهد النصارى الكائنة ببلاد الأندلس وما يتصل بها من الأرض الكبيرة وكانت كنيستها عندهم بمنزلة الكعبة عندنا وللكعبة المثل الأعلى فيها يحلفون وإليها يحجون من أقصى بلاد رومة وما وراءها ويزعمون أن القبر المزور فيها قبر ياقب الجواري أحد الاثنى عشر وكان أخصهم بعيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهم يسمونه أخاه للزومه إياه وياقب بلسانهم يعقوب وكان أسقفا ببيت المقدس فجعل يستقري الأرضين داعيا لمن فيها حتى انتهى إلى هذه القاصية ثم عاد إلى أرض الشام فمات بها وله مائة وعشرون سنة شمسية فاحتمل أصحابه رمته فدفنوها بهذه الكنيسة التي كانت أقصى أثره ولم يطمع أحد من ملوك الإسلام في قصدها ولا الوصول إليها لصعوبة مدخلها وخشونة مكانها وبعد شقتها فخرج المنصور إليها من قرطبة غازيا بالصائفة يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وهي غزوته الثامنة والأربعون ودخل على مدينة قورية فلما وصل إلى مدينة غليسية وافاه عدد عظيم من الفوامس المتمسكين بالطاعة في رحالهم وعلى أتم احتفالهم فصاروا في عسكر المسلمين وركبوا في المغاورة سبيلهم وكان المنصور تقدم في الأندلس وجهزه برجاله البحريين وصنوف المترجلين وحمل الأقوات والأطعمة والعدد والأسلحة استظهارا على نفوذ العزيمة إلى أن خرج بموضع برتقال على نهر دويره فدخل في النهر إلى المكان الذي عمل المنصور على العبور منه فعقد هنالك من هذا الأسطول جسرا بقرب الحصن الذي هنالك ووجه المنصور ما كان فيه من الميرة إلى الجند فتوسعوا في التزود منه إلى أرض العدو ثم نهض منه يريد شنت ياقب فقطع أرضين متباعدة الأقطار وقطع بالعبور عدة أنهار كبار وخلجان يمدها البحر الأخضر ثم أفضى العسكر بعد ذلك إلى بسائط جليلة من بلاد فرطارش وما يتصل بها ثم أفضى إلى جبل شامخ شديد الوعر لا مسلك فيه ولا طرق ولم يهتد الأدلاء إلىسواه فقدم المنصور الفعلة الجديدة لتوسعة شعابه وتسهيل مسالكه فقطعه العسكر وعبروا بعد وادي منيه وانبسط المسلمون بعد ذلك في بسائط عريضة وأرضين أريضة وانتهت مغيرتهم إلى دير قسطان وبسيط بلنبو على البحر المحيط وفتحوا حصن شنت بلاية وغنموه وعبروا سباحة إلى جزيرة من البحر المحيط لجأ إليها خلق عظيم من أهل تلك النواحي فسبوا من بها ممن لجأ إليها وانتهى العسكر إلى جبل مراسية المتصل من أكثر جهاته بالبحر المحيط فتخللوا أقطاره واستخرجوا من كان فيه وحازوا غنائمه ثم أجاز المسلمون بعد هذا خليجا في معبرين أرشد الأدلاء إليهما ثم نهر أيلة ثم أفضوا إلى بسائط واسعة العمارة كثيرة الفائدة ثم انتهوا إلى موضع من أقاصي بلادهم ومن بلاد القبط والنوبة وغيرهما فغادروا المسلمون قاعا وكان النزول بعده على مدينة شنت ياقب البائسة وذلك يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شعبان فوجدها المسلمون خالية من أهلها فحاز المسملون غنائمها وهدموا مصانعها وأسوارها وكنيستها وعفوا آثارها ووكل المنصور بقبر ياقب من يحفظه ويدفع الأذى عنه وكانت مصانعها بديعة محكمة فغودرت هشيما كأن لم تغن بالأمس وانتسفت بعوثه بعد ذلك سائر البسائط وانتهت الجيوش إلى جزيرة شنت مانكش منقطع هذا الصفع على البحر المحيط وهي غاية لم يبلغها قبلهم مسلم ولا وطئها لغير أهلها قدم فلم يكن بعدها للخيل مجال ولا وراءها انتقال وانكفأ المنصور عن باب شنت ياقب وقد بلغ غاية لم يبلغها مسلم قبله فجعل في طريقه القصد على عمل برمند بن أردون ليسقريه عائثا ومفسدا حتى وقع في عمل الفوامس المعاهدين الذين في عسكره فأمر بالكف عنها ومر مجتازا حتى خرج إلى حصن بليقية من افتتاحه فأجاز هنالك القوامس بجملتهم على أقدارهم وكساهم وكسا رجالهم وصرفهم إلى بلادهم وكتب بالفتح من جليقية وكان بلغ ما كساه في غزواته هذه لملوك الروم ولمن حسن غناؤه من المسلمين ألفين ومائتين وخمسا وثمانين شقة من عنبرتين وأحد عشر سقلاطونا وخمس عشرة مريشا وسبعة أنماط ديباج وثوبي ديباج رومي وفروي فنك ووافى جميع العسكر قرطبة غانما وعظمت النعمة والمنة على المسلمين ولم يجد المنصور بشنت ياقب إلا شيخا من الرهبان جالسا على القبر فسأله عن مقامه فقال أونس يعقوب فأمر بالكف عنه قال وحدّث شعلة قال: قلت للمنصور ليلة طال سهره فيها قد أفرط مولانا في السهر وبدنه يحتاج إلى أكثر من هذا النوم وهو أعلم بما يتركه عدم النوم من علة العصب فقال يا شعلة الملك لا ينام إذا نامت الرعية ولو استوفيت نومي لما كان في دور هذا البلد العظيم عين نائمة .

وفاة المنصور بن أبي عامر

ووجد المنصور خفة فأحضر جماعة بين يديه وهو كالخيال لا يبين الكلام وأكثر كلامه بالإشارة كالمسلم المودع وخرجوا من عنده فكان آخر العهد به وتوفي رحمه الله في غزاته للإفرنج بصفر سنة ثنتين وتسعين وثلاثمائة عن 66 عاما وحمل على سريره على أعناق الرجال وعسكره يحف به وبين يديه إلى أن وصل إلى مدينة سالم إذ أوصى أن يدفن حيث يقبض فدفن في قصره بمدينة سالم ونقش على قبره الأبيات التالية :

آثاره تنبيك عن أخباره حتى كأنك بالعيون تراه

تالله ما ملك الجزيرة مثله حقا ولا قاد الجيوش سواه


ودامت دولته ستا وعشرين سنة غزا فيها اثنتين وخمسين غزوة واحدة في الشتاء وأخرى في الصيف لم ينهزم في واحدة منها طوال حكمه الذي استمر خمسا وعشرين سنة ، وجاست خيله في أمكنه لم يكن قد خفق فيها علم إسلامي من قبل .

واضطرب العسكر وتلوم ولده أياما وفارقه بعض العسكر إلى هشام وقفل هو إلى قرطبة فيمن بقي معه ولبس فتيان المنصور المسوح والأكسية بعد الوشي والحبر والخز وقام ولده عبد الملك المظفر بالأمر وأجراه هشام الخليفة على عادة أبيه وخلع عليه وكتب له السجل بولاية الحجابة وكان الفتيان قد اضطربوا فقوم المائل وأصلح الفاسد وجرت الأمور على السداد وانشرحت الصدور بما شرع فيه من عمارة البلاد فكان أسعد مولود ولد في الأندلس

الفقيه القاضي عيسى بن سهل الأسدي الجياني(ت.486هـ/1093م)

عالم من أعلام الفقه في المذهب المالكي, ما ذكرته المصادر الأندلسية وغيرها في ترجمته يعد شحيحا مقارنة بالكم الهائل من المعلومات التي تحصلت لدي عنه حينما كنت اشتغل بدراسة كتابه في الرد على ابن حزم, ولاشك أن تحرير ترجمة لهذا العالم تستلزم استقراء جميع الكتب التي ورد فيها ذكره وعرض ما فيها على المحك لفرز اللب من القشور.
في المصادر الأندلسية والمغربية و غيرها, معلومات كثيرة متفرقة بشأن الفقيه عيسى بن سهل.
على رأس هذه المصادر تأتي مؤلفات عيسى ابن سهل نفسه, وهي تضمن في طياتها تفاصيل كثيرة مهمة تساعد في تثبيت معالم أهم مراحل حياته العلمية و السياسية.
بعد مؤلفاته تأتي كتب معاصريه في المرتبة الثانية, ككتاب التبيان لعبد الله ابن بلقين أمير غرناطة ، وهو بلا شك أقدم مصدر تاريخي يشرح الدوافع السياسية التي أملت على عبد الله بن بلقين تنصيب عيسى بن سهل على قضاء حاضرة غرناطة و أعمالها.
وككتاب أجوبة قاضي الجماعة بقرطبة أبي عبد الله ابن الحاج (ت 529هـ/1134م) وهو مصدر عين بدقة تاريخ رجوع ابن سهل إلى الأندلس بعد استقراره بسبتة ثم بطنجة.
ثم تأتي في المرتبة الثالثة كتب التراجم و البرامج الأندلسية المؤلفة في القرن السادس الهجري, ككتاب الغنية للقاضي عياض, إذ فيه و في كتابه ترتيب المدارك, الكثير من أخبار تلامذة ابن سهل بسبتة, و معلومات أخرى بشأن شيوخ ابن سهل, ثم استدرك ابن حماده السبتي على شيخه عياض, ترجمة ابن سهل ألحقها بمختصره لترتيب المدارك , و تأتي في كتاب الصلة لابن بشكوال (ت578هـ/1182م) ثاني ترجمة لابن سهل انفردت بتحديد تاريخ ولادة ابن سهل، وفي مواضع متفرقة من الصلة توجد تراجم عدة تلاميذ ابن سهل.
أما في كتاب "بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس اكتفى الضبي(ت 599هـ/1202م) بذكر عيسى ابن سهل في عداد " المُحَدِّثين".
ثم يلي ذلك كتب القرون التالية للقرن السادس الهجري.
فقد انفرد كتاب "التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار البلنسي (ت658هـ/1259م) بترجمة لسهل بن عبد الله الأسدي, والد عيسى بن سهل.
أما أبو الحسن الرعيني الإشبيلي (ت666هـ/1308م) فقد انفرد بالنقل في برنامج شيوخه عن الكتاب الذي ألفه ابن سهل في الرد على ابن حزم.
و في"سير أعلام النبلاء " نجد الإمام الذهبي قد اقتصر أثناء حديثه عن عيسى بن سهل, على ما جاء بشأنه لدى ابن حماده السبتي وابن بشكوال.
و أما في كتاب الإحاطة في أخبار غرناطة يستند ابن الخطيب في ترجمته لابن سهل على: كتاب الصلة, ومختصر كتاب ترتيب المدارك لابن حماده السبتي, و كتاب الأنوار الجلية في أخبار الدولة المرابطية لابن الصيرفي , و فهرسة أبي الحسن ابن البادش (من تلاميذ ابن سهل) .
و جل ما في ترجمة ابن سهل الموجودة بكتاب الديباج المذهب لابن فرحون, سبق إيراده في الإحاطة .
ثم بعد هؤلاء المؤرخين انفرد كتاب أزهار الرياض في أخبار عياض للمقري بنقل ثناء محمد ابن القاضي عياض على عيسى بن سهل شيخ شيوخ والده.
وأما محمد بن محمد مخلوف صاحب شجرة النور الزكية في طبقات المالكية فينقل (مثل الذهبي) عن ابن حماده السبتي وابن بشكوال.
وسنجد ابن سهل في كتاب كشف الظنون لحاجي خليفة, مذكورا بين شراح كتاب الجامع الصحيح للبخاري . يبدو أن حاجي خليفة نقل ذلك عن مقدمة كتاب شرح القسطلاني على صحيح البخاري .
أما إسماعيل باشا البغدادي فقد أورد في كتابه هدية العارفين ترجمة عيسى بن سهل نقلا عن الصلة و كشف الظنون.
ثم نجد عمر رضا كحالة صاحب معجم المؤلفين ينقل عن ابن بشكوال وابن فرحون و الذهبي والبغدادي.

ترجمة عيسى بن سهل:
اسمه و نسبه:
هو عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي يكن أبا الأصبغ, ولد بجيان سنة(413هـ/1022م) .
و جيان من بلاد الأندلس وصفها الحافظ النسابة الأندلسي أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله اللخمي المعروف بالرشاطي(ت.542هـ) في كتابه الموسوم باقتباس الأنوار و التماس الأزهار في أنساب الصحابة و رواة الآثار فقال بأنها كورة جليلة طيبة كثيرة الثمرة غزيرة السقي باطراد العيون, و أنها متصلة بإلبيرة مائلة إلى الجوف و شرق قرطبة .
كان سهل بن عبد الله الأسدي(ت440هـ/1048م) والده، يتولى الصلاة والخطبة بحصن القعلة وبها سكناه، وكان معدودا في أهل العلم، مع الصلاح والخير .
وتنبئ نسبته "الأسدي" عن أصله الراجع إلى بني أسد القبيلة العربية المشهورة, وقد أفاد الإمام ابن حزم أن لبني أسد بوادي عبد الله بجيان بقية وعدد , و بين أبو الوليد ابن الفرضي شيخ ابن حزم أن أبا إسماعيل هشام بن إسماعيل بن كنانة بن نعيم الأسدي, أول من دخل الأندلس منهم, أيام الأمير عبد الرحمن بن معاوية, ودخل معه أخواه أبو زيد, و أبو خالد, ثم انصرفا و بقي أبو إسماعيل. ثم أضاف ابن الفرضي أن موطنهم الذي منه نزحوا كان غزة من أرض الشام(فلسطين) .

طلبه للعلم و تجوله بالأندلس:
درس ابن سهل ببلده أولا على يدي كل من: الفقيه هشام بن عمر بن سوار الفزاري الجياني , و الفقيه بكر بن عيسى بن سعيد الكندي(ت. 454هـ/1061م ) .
بعد ذلك, قصد ابن سهل غرناطة للأخذ عن الفقيه أبي زكرياء يحيى بن محمد بن حسين الغساني المعروف بالقليعي (ت.442هـ/1050م) , و روى عنه الكثير, من ذلك كتاب الموطأ لمالك بن أنس .
ثم دخل ابن سهل قرطبة ولم يتجاوز عمره 24 سنة, ولقي بها المقرئ مكي بن أبي طالب (ت.437هـ/1045م) . روى عنه مؤلفاته ككتاب الموجز في القراءات السبع, وكتاب الرعاية في تجويد القرآن , و رسالة الفقيه ابن أبي زيد القيرواني , و سمع بها أيضا من الأديب اللغوي محمد بن عبد الرحمن بن يحيى العثماني القرطبي (ت.443/1051م) في شهر صفر من سنة (439هـ/1047م).
ثم قفل ابن سهل إلى بياسة حوالي ( 439- 444هـ), فولاه معن ابن صمادح التجيبي(433-443هـ) أمير المرية, قضاء بياسة.
قال ابن سهل : " مسألة كانت جرت بين يدي و حكمت فيها (...) وكنت حينئذ حاكم بياسة و الشمنتان و طشكر و أعمالها, بتقديم ابن صمادح صاحب المرية (...) فحكمت وسجلت بذلك (...) و تاريخ السجل عقب ذي الحجة من سنة 443هـ" . و أثناء مدة قضائه راسل ابن سهل, الفقهاء بمدن الأندلس سائلا عن القضايا التي تعرض له, فكاتب فقيه المرية أبا عمر أحمد ابن رشيق (ت446هـ/1054م) , و كبير فقهاء قرطبة أبا عبد الله محمد ابن عتاب(تـ462هـ/1069م) , و لما انتزعت جيوش باديس بن حبوس البربري مدينة بياسة من يد معن ابن صمادح سنة 443هـ اضطر ابن سهل للخروج عن بياسة و الرجوع إلى قرطبة .
و لما كان أبو عبد الله محمد بن عتاب القرطبي إماما جليلا متصرفا في كل باب من أبواب العلم، حافظا نظارا مستنبطا، بصيرا بالأحكام؛ صحبه ابن سهل طويلا وروى عنه كثيرا من الكتب نذكر من بينها:
موطأ الإمام مالك برواية يحيى بن يحيى الليثي, و صحيح البخاري, وصحيح مسلم , و شرح غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام, و نسخة حديث ابن أبي الدنيا علي بن عثمان بن خطاب, وكتاب موعظة داود بن جهور . و بقرطبة أيضا أخذ ابن سهل العلم عن حاتم بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي (ت 469/1076) , و روى عنه كتبا كثيرة منها: رسالة مالك بن أنس في الأقضية, و وصية مالك بن أنس لطلبة العلم, والملخص لمسند الموطأ للقابسي, و كتاب الانتصار لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليف الأصيلي, و رد الأصيلي على أصحابه(المالكيين) الأندلسيين, و كتاب الأربعين حديثا للآجري, و كتاب أدب الكتاب لابن قتيبة, و كتاب فضائل عاشوراء لأبي ذر الهروي, ووصية يحيى بن يحيى الليثي لطلبة العلم .
و أخذ بها كذلك عن الفقيه عبد المهيمن بن عبد الملك بن أحمد المعروف بابن المش (ت457هـ/1044م). روى عنه كتاب "الكنز في معرفة الأصول ورجح مذهب مالك" تأليف والده عبد الملك ابن المش القرطبي المتوفى سنة (436هـ/1044م) , و أخذ أيضا عن الفقيه عبيد الله بن محمد بن مالك، المتوفى سنة (460هـ/1067م) ,و عن فقيه فرطبة أحمد بن محمد بن عيسى بن هلال المعروف بابن القطان المتوفى سنة (460هـ/1067م) , وكان أحفظ الناس للمدونة والمستخرجة.
وحين تولى الفقيه أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن عيسى القرطبي المعروف بابن الحشاء, قضاء طليطلة في سنة خمسين وأربعمائة , صَاحَبه ابن سهل وكتب له في قضائه بطليطلة , و في كتاب نوازل الأحكام لابن سهل ما يفيد أنه مكث بطليطلة حتى حدود سنة (456هـ/1064م).
قال ابن سهل ما ملخصه: "جرت بيني وبين الفقيه موسى ابن السقاط بطليطلة، مسألة في البنيان والرفوف في شهر صفر سنة 456هـ فكتبت إلى قرطبة أسأل ابن عتاب عن تلك المسألة".
و قال في نوازله أنه كتب- وهو بطليطلة- يسأل شيوخ قرطبة في سنة 456هـ عن مسألة تخاصم حول كرم وسط كروم لأناس.
في طليطلة لقى ابن سهل جماعة من كبار فقهائها نذكر منهم:أبو محمد عبد الله بن موسى الأنصاري المعروف بالشارقي، من أهل طليطلة وذوي العلم والفهم بها توفي سنة (456/1064) , وعبد الرحمن بن عبد الله ابن أسد الجهني الذي شوور في الأحكام ببلده طليطلة وتوفي هناك في عشر الثمانين( بين سنتي 471-480هـ)" .
ترك ابن سهل طليطلة بعد خلاف وقع بينه و بين ابن الحشاء. قال ابن حماده ما نصه:" خرج(ابن سهل) مع القاضي أبي زيد الحشاء كاتبا له، ثم فارقه لأمر نقمه عليه، فدخل قرطبة مختفيا…" .
بقرطبة اشتغل ابن سهل بالكتابة للقاضي محمد بن أحمد بن عيسى ابن محمد بن منظور القيسي الإشبيلي, . ثم صار ابن سهل فقيها مشاورا بقرطبة, مثل مشاورته في قضية ابن حاتم الطليطلي المحكوم عليه بتهمة الزندقة والملقي عليه القبض بقرطبة أخيرا, وكان قد فر من طليطلة سنة 457هـ.
قال ابن سهل في خبر ابن حاتم الطليطلي : "فحفزه القضاء إلى موضع منيته قرطبة، وردها لحينه في عقب ربيع الآخر سنة 464هـ، وقاضيها أبو بكر محمد بن أحمد ابن منظور، فسمعت المحتسبة بوروده، فقصدوا محله وموضع نزوله... وساقوه إلى القاضي… فأمرهم بحبسه… واستحضره وشاورنا: هل يعذر إليه أم يقتل دون إعذار؛ فقال جميع أصحابنا: لا يعذر إليه ويعجل قتله. وقلت له أنا: لا يسعك إلا الإعذار إليه فيما ثبت عليه، لأن القاضي المسجل بذلك قد أخذ به وقضى بفتيا فقهاء طليطلة ولا يجوز لك خلافه لأنه نقض لحكمه. فرجعوا إلى ذلك ورأوه صوابا، وأعذروا إليه بمحضرنا. فقال (ابن حاتم):" إن أبا زيد (ابن الحشاء القاضي بطليطلة) كان عدوه في أسباب الدنيا وعرضها". فأجله ( ابن منظور) شهرين أولهما ليلتين بقيتا من ربيع الآخر وصرف إلى السجن وكبل. ثم توفي القاضي أبو بكر ابن منظور قبل تمام الأجل وولي مكانه عبد الرحمن ابن سوار، واجتمعنا بعد تمام الآجال عند المعتمد، وأحضر (ابن حاتم) في كبله وسئل هل أمكنه شيء مما أخر له. فقال:" لم يمكنني من يسعى إلي في ذلك" فاستمرت العزيمة على قتله، وخرج المعتمد وخرجنا معه إلى رأس القنطرة وصلب هناك بمحضره ومحضرنا، نصف يوم الاثنين لثلاث خلون من رجب [464هـ] وطعن بالرمح والحمد لله الذي عافانا مما به ابتلاه" .
ثم انتقل ابن سهل بعد ذلك إلى إشبيلية, فقد قال ابن سهل:" مسألة في كراء أرض محبسة لخمسين عاما (...) فكتب إلي بها أبو شاكر ( ابن المعدل فقيه من بطليوس), و قاضي بطليوس: أبو الحسن عامر بن خالص, بعد تقدم جوابي على بعض فصولها (...) و كان سؤالهم إياي و أنا حينئذ بإشبيلية في سنة ثمان و ستين (وأربعمائة)" .

انتقاله إلى المغرب:
جاز ابن سهل البحر إلى سبتة فنوه بمكانه صاحبها البَرَغْوَاطي، فرأس فيها , وكان جوازه إلى سبتة حولي468 -470هـ يؤكد ذلك ما حكاه ابن سهل عن ذلك الجواز في كتابه التنبيه على شذوذ ابن حزم ونص كلامه: "… ثم صرت إلى سبتة في عشر السبعين فأظهر إلي بعض من كان يحضر عندي من الطلبة نسخة (من أحد كتب ابن حزم) " .
انتقل عيسى ابن سهل إلى مدينة طنجة بعد سنوات قضاها في سبتة مدرسا للفقه, وقد وقفت على تراجم لجماعة من العلماء الذين تتلمذوا على يدي ابن سهل بسبتة, فأحببت ذكر تراجمهم باختصار تيسيرا على من يهمه ذلك:
- تلاميذ عيسى بن سهل بالمغرب:
1. محمد بن يعلى بن محمد وليد بن عبيد الله المعافري ويعرف بابن الجوزي من أهل سبتة وأصله من قرطبة خرج جده منها في فتنة البربر. يكنى أبا بكر وأبا عبد الله، وهو خال القاضي عياض. سمع بسبتة من القاضي أبي الأصبغ عيسى بن سهل وغيره, وتجول في الأندلس فأخذ عن أهل مالقة, و المرية, وغيرهم.
ورحل إلى إفريقية, فدرس على عبد الجليل الديباجي0 وكان متفننا في العلوم شاعرا بليغا توفي في أواخر صفر سنة 483هـ؛ مولده سنة 428هـ .
2.عبد الله بن يعلى بن محمد بن عبيد الله المعافري, يكنى أبا محمد, وهو أخو المتقدم, من أهل سبتة, سمع من ابن سهل, ومروان بن سمجون, وأخذ بالأندلس على غانم الأديب و غيره؛ و كان من أهل الفقه و النحو و البلاغة, مقدما في ذلك, و كتب للقضاة بسبتة, توفي منسلخ رجب سنة 486هـ .
3. القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأموي، سبتي سمع من القاضي عيسى بن سهل روى عنه كتاب الكنز تأليف ابن المش القرطبي. ولد سنة 433هـ وتوفي سنة 517هـ وقال ابن حماده "توفي سنة 520هـ" .
4. عبد الله بن أحمد بن خلوف الأزدي الفقيه يعرف بابن شبوية.. درس بسبتة على أبي الأصبغ ابن سهل، وسمع منه وتفقه عنده وعند غيره… نزل بسلا فأكرمه أهلها ودرس عندهم، ثم انتقل إلى أغمات (ناحية مراكش) فكان رأسا بها وبها توفي سنة 537هـ وقد قارب الثمانين .
5. أبو علي الحسن بن علي بن طريف النحوي التاهرتي، شيخ سبتة في النحو, له سماع من القاضي ابن سهل. دَرَّس عمره النحو بسبتة. و توفي سنة 501هـ. يروي عنه عياض كثيرا في كتابه الإلماع .
6. إبراهيم بن أحمد البصري، أبو إسحاق القاضي. بسبتة، اختص بأبي الأصبغ ابن سهل وقت سكناه بسبتة ولازمه وتفقه عنده وسمع منه. توفي سنة 513هـ, وقال ابن حماده "توفي سنة 512هـ" .
7. أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن قاسم بن منصور قاضي الجماعة بسبتة: أخذ بها عن أبي الأصبغ بن سهل واختص به وتفقه عنده وسمع منه, قال عياض "وكان ابن سهل يعجب من نبله وذكائه". توفي سنة 514هـ". و كان مولده سنة 458هـ" .
8. أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر بن أحمد اللواتي يعرف بابن الفاسي الفقيه المشاور. أخذ عن شيوخ سبتة واقتصر على الفقيه أبي الأصبغ ابن سهل ولازمه وكتب له في قضائه بطنجة، وسير معه إلى غرناطة، فكتب له بها وكان مختصا به سمع منه كتبه وحدث بها عنه. توفي سنة 513هـ" .
9. عبود بن سعيد التنوخي المعروف بابن العطار، قاضي سبتة قدمه أمير المسلمين لذلك. سمع من القاضي أبي الأصبع ابن سهل وحضر مجلسه. توفي سنة 480هـ .
10. أبو عبد الله محمد بن عيسى التميمي السبتي القاضي. سمع من ابن سهل تم ترك الرواية عنه توفي سنة 505 هـ .
وولي عيسى ابن سهل قضاء طنجة من طرف أمير المسلمين يوسف ابن تاشفين.أما تحديد تاريخ استقرار عيسى ابن سهل بطنجة محتاج إلى بسط الكلام بشأن بعض الأمور.
مما لا شك فيه أن ابن سهل بدأ تأليف كتابه الإعلام بنوازل الأحكام بسبتة في المحرم من عام 472هـ , و أنه انتهى من مسودته في المحرم من عام473هـ . ثم قام بتبيض الكتاب المذكور, وهو بسبتة, سنة 474هـ/1081م . ولقد وقفت على ضميمة متأخرة عن تاريخ تأليف كتاب النوازل، ذكر فيها ابن سهل أن قاضي طنجة كتب إليه في أمر قضية بين متخاصمين رفعت إليه في شهر صفر سنة 476هـ .
وقد قال ابن الأبار في التكملة بأن: "الفقيه الأندلسي أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري المعروف بابن الحداد زار طنجة سنة (479هـ/1086م) ولقي بها القاضي عيسى بن سهل وجرت بينهما مناظرة, فألف ابن الحداد على إثر ذلك رسالة سماها بـ:"الامتحان لمن برز في علم الشريعة والقرآن" خاطب بها عيسى ابن سهل وطلب منه الجواب على مسائل عويصة" .
نستخلص من هذه الأمور التي بسطناها أن ابن سهل دخل طنجة فيما بين سنتي 476هـ- 479هـ, و أنه نفس التاريخ الذي عين فيه عيسى بن سهل في منصب قاضي طنجة.

رجوعه إلى الأندلس:
تخبرنا المصادر أن عيسى بن سهل إلى غرناطة للقضاء بها, فمتى كان قفول ابن سهل للأندلس ؟
قد احتفظ الفقيه أبو عبد الله ابن الحاج قاضي الجماعة بقرطبة (ت529/1134) بالجواب على هذا السؤال.
نقرأ في أجوبة ابن الحاج ما نصه: " أخبرني الفقيه أبو الوليد الشيتلي، صاحبنا أكرمه الله، قال: "سألت الفقيه أبا الأصبغ ابن سهل، ونحن محاصرون لحصن أليط، مع أمير المؤمنين يوسف ابن تاشفين، وذلك أنه كان يتم (الصلاة) هو ومن معه من عساكره وسائر الناس. فدخلت على عيسى بن سهل، قبل، فرحب بي وقام إلي فقلت له: ما ترى القصر أو الإتمام؟ فقال لي: قد أمرتهم بالقصر وأراهم يتمون" .
في هذا النص دليل على أن عيسى بن سهل كان بصحبة عساكر يوسف ابن تاشفين المتوجهة سنة 481هـ لمحاربة النصارى المعتصمين بحصن أليط (Aledo).
من المعلوم أن يوسف ابن تاشفين جاز البحر إلى الجزيرة الخضراء سنة 481هـ, و تلقاه المعتمد بن عباد هناك ثم أنفذ ابن تاشفين كتبه لملوك الطوائف يستدعيهم للجهاد معه عند حصن أليط, فاجتاز ابن تاشفين على مالقة واستنفر صاحبها تميم بن بلقين البربري الملقب بالمستنصر بالله، وتلاحق به أخوه عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة الملقب بالمظفر ، وكان بين هذين الأخوين نزاع حول بعض الحصون , فعند منصرفهم عن حصار حصن أليط ، أرسل تميــم ابن بلقين 50 مثقالا إلى عيسى بن سهل يستعطفه على القيام بالحجة معه (لدى ابن تاشفين) ضد أخيه عبد الله بن بلقين، لكن ابن سهل ردها إليه وتنزه عن ذلك. حينها أشار الفقيه ابن القليعي على عبد الله بن بلقين قائلا: " هذا وقت افتراصك لهذا الرجل (ابن سهل) بأن تكتب إليه وتعده بالقضاء عند انصرافك… على أن تجعلني معه في أحكامه" وبعد إلحاح من القليعي دفع إليه عبد الله ابن بلقين بخط يده رقعة تتضمن له القضاء .
هذاه هي الملابسات التاريخية و السياسية التي كانت و راء تولية عيسى بن سهل على قضاء غرناطة.
تخبرنا المصادر الأندلسية أن الأمير عبد الله ابن بلقين قد بعث, قاضيه عيسى بن سهل مرتين أو أكثر إلى المغرب سفيرا لدى المرابطين، لكن القاضي – كما زعم ابن بلقين- قد أطلع ابن تاشفين على ضعف أميره عبد الله ابن بلقين, وأعلمه أن غرناطة ليس فيها مختلف على طاعة ابن تاشفين, وأن قلوب الجند والعامة مع المرابطين، وبهذا شجع ابن سهل المرابطين على الاستيلاء على غرناطة إذ استولوا عليها سنة 483هـ ونفي ابن بلقين إلى المغرب سنة 484هـ .
من المؤكد لدي أن ابن سهل وهو في غرناطة كان يشتغل أيضا , دليل ذلك وجود ذكر لابن سهل في أسماء شيوخ كثير من علماء غرناطة, ونحن نسوق تراجم ما وفقفنا عليه من تراجم الآخذين عنه بغرناطة.
تلاميذه بغرناطة:
1. محمد بن حكم بن محمد بن أحمد بن باق الجذامي من أهل سرقسطة، وسكن غرناطة ثم فاس يكنى أبا جعفر. روى عن أبي الأصبغ ابن سهل. توفي بفاس وقيل بتلمسان سنة 533هـ .
2. محمد بن مفرج بن سليمان الصنهاجي يكنى أبا عبد الله أصله من طنجة وانتقل جده إلى الأنـدلس وبها ولد محمد هذا. لقي الباجي وسـمع منه يسـيرا. سمع من أبي الأصـبغ ابن سهـل. تـوفي سنة 536هـ .
3. محمد بن علي بن أحمد التجيبي من أهل غرناطة ويعرف بالنوالشي. له رواية عن أبي الأصبغ ابن سهل. سمع منه عبد المنعم ابن الخلوف كتاب الرعاية لمكي بن أبي طالب في سنة 532هـ…" .
4. محمد بن علي بن عبد المؤمن الرعيني الحاكم، من أهل غرناطة يكنى أبا عبد الله روى عن أبي الأصبغ ابن سهل وأبي علي الغساني وأبي علي الصـدفي وأبي بكر محمد بن سابق الصقـلي… توفـي سنة 540هـ" .
5. أحمد بن الحصن بن عبد الملك بن إسحاق بن عطاف العقيلي القاضي من أهل جيان. ابتدأ الطلب وهو ابن 13 سنة. أخذ عن أبي الأصبع ابن سهل كتابه في نوازل الأحكام، مناولة. توفي سنة 542 ومولده سنة 471هـ. ومما سبق نستنتج أنه لقي ابن سهل فيما بين 484-486هـ .
6. أحمد بن أحمد بن محمد الأزدي يعرف بابن القصير، من أهل غرناطة يكنى أبا الحسن، روى عن القاضي أبي الأصبغ عيسى بن سهل وأبي بكر محمد بن سابق الصقلي. وكان فقيها حافظا. توفي سنة 531هـ .
7. عبد الله بن حمزة القاضي، من أهل غرناطة، يكنى أبا محمد روى عن أبي الأصبغ ابن سهل كتابه الإعلام بنوازل الأحكام. حدث عنه أبو بكر محمد بن يحيى بن زيدان القرطبي .
8. عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن فهر السلمي. من أهل المرية يكنى أبا القاسم روى عن الباجي والعذري وابن المرابط والو قشي وابن فورتش وأبي الأصبغ ابن سهل. ولا يعلم تاريخ وفاته, وكان أبوه قاضيا بالمرية. وفي فهرسة المنتوري نجد عبد الرحمن هذا يروي كتاب "الموجز في القراءات السبع" لمكي بن أبي طالب(ت437هـ), عن عيسى بن سهل, عن مؤلفه .
9. عبد الرحيم بن محمد بن الفرج بن خلف بن سعيد بن هشام الأنصاري الخزرجي يعرف بابن الفرس يكنى أبا القاسم من أهل غرناطة. حكى ابن الصيرفي أنه سمع بغرناطة أول الدولة المرابطية على القاضي أبي الأصبغ ابن سهل. توفي سنة 542هـ, ومولده سنة 472هـ بالمرية .
10. عبد الصمد بن أحمد بن سعيد بن عمر الأميي من أهل جيان، يكنى أبا محمد روى عن أبي الأصبغ ابن سهل. وكان محدثا مائلا إلى مذهب أهل الظاهر، وكان حيا سنة 535هـ وله تواليف منها "الكتاب المستوعب في أحاديث موطأ مالك ابن أنس" .
11. يحيى بن خلف بن النفيس الحميدي من أهل غرناطة يكنى أبا بكر ويعرف بابن الخلوف لقي أبا الأصبغ ابن سهل وأبا بكر الصقلي وغيرهما. مولده سنة 466هـ وتوفي سنة 540هـ .
12. أبو الحسن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري المقرئ المعروف بابن البيذش من أهل غرناطة وأصله من جيان درس الأصول على ابن سابق (الصقلي) و أبي بكر المرادي, وسمع الجياني والصدفي وابن سهل القاضي، ولد سنة 444هـ. توفي بغرناطة سنة 528 هـ, و لقيه عياض بقرطبة سنة 507هـ" .
13. الفقيه أبو عبد الله محمد بن نجاح الذهبي روى عن ابن سهل فهرسة شيوخه .
14. سليمان … المعروف بابن البيغي شاطبي الأصل وكان مفتيا، لقي ابن عبد البر و الباجي و الوقشي وأبا الأصبغ ابن سهل. توفي نحو سنة 520هـ" .
15. علي بن هشام بن محمد السلولي من أهل غرناطة، يكنى أبا الحسن روى بها، عن أبي الأصبغ عيسى بن سهل سنة 484هـ وتفقه به، وعن غيره من مشايخ غرناطة، وكان مشاورا بها وولي الخطابة بجامع غرناطة، وتوفي في حدود سنة 520هـ" .
16. أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن مفيد الطائي من أهل قرطبة وأصله من جيان روى عن أبي الأصبغ ابن سهل وغيره. .قال ابن بشكوال، - وسماه في معجم شيوخه-:" أخذت عنه من شعره و كان آخر من حدث عن ابن سهل ". توفي سنة 539هـ" .
17. محمد بن سعيد بن عصفور الحضرمي, إشبيلي. يكنى أبا عبد الله, روى بغرناطة عن أبي الأصبغ ابن سهل سنة 484هـ .
وفاته:
لكن المرابطين صرفوا عيسى بن سهل عن قضاء غرناطة بعد تمكنهم منها, قيل بسبب شدته في القضاء و قيل بأنه فقدوا ثقتهم فيه بعد خيانته( المزعومة) لأميره البربري ولي نعمته. ولقد صرح لسان الدين ابن الخطيب في كتابه الإحاطة باسم القاضي الذي خلف عيسى بن سهل على قضاء غرناطة سنة 485هـ.
قال ابن الخطيب:" [ و من الطارئين على غرناطة] عبد الرحمن بن محمد ابن عبد الرحمن بن محمد بن سيد أبيه يكنى أبا الحسن, قرطبي. كان فقيها جليلا نبيها, و لي القضاء بغرناطة و أعمالها سنة 485, و كانت و لايته لها بعد القاضي أبي الأصبغ عيسى بن سهل الأسدي, ولاه عليها يوسف بن تاشفين, وكان قبل صاحب الأحكام بقرطبة " .
الفرق بين تاريخ وفاة عيسى بن سهل و تاريخ تولية قاض مكانه لا يعدو أن يكون شهورا يسيرة فابن سهل توفي يوم الجمعة، ودفن يوم السبت الخامس من المحرم (بعد أيام من مطلع) سنة ست وثمانين وأربع مائة .
لقد أثنى كثير من العلماء على الفقيه القاضي عيسى بن سهل و بينوا علمه و فضله, فلابأس أن نختم ترجمتنا له بكلامهم.
قال ابن الصيرفي: "كان من أهل العلم، والفهم والتفنن في العلم مع الخير والورع وصحة الدين وكثرة الجود مع قلة الوجود، بارع الخط، فصيح الكتابة, حاضر الذهن، سريع الخاطر. له قريض جزل, وهمة في اقتناء الكتب, وهيبة". وقال محمد ابن القاضي عياض: "هو من شيوخ (شيوخ) أبي رحمه الله وهو أسدي النسب وكان من الراسخين في المسائل، وصنعة الوثائق، والخط البارع والكرم المنيف والإيثار على نفسه، والجزالة النافذة في أحكامه، وفصل القضاء وكثرة الرواية رحمه الله…" .
وقال أبو الحسـن بن الباذش: " كان من أهل الخصال الباهرة والمعرفة التامة يشارك في فنون العلم" .
وقال ابن بشكوال: " وكان من جلة الفقهاء وكبار العلماء، حافظا للرأي ذاكرا للمسائل، عارفا بالنوازل، بصيرا بالأحكام مقدما في معرفتها…".
أَحْمَد بن مُحَمد بن أحْمد بن سُليمان بن عيسى بن دراج القسْطلِّي ، وكنيته أبو عمر,ولد في شهر محرم سنة 347 هـ /958 م

ولد في بيت ذي مكانة من بيوت قسطلة، فقد كانت أسرة ابن دراج - بشهادة الكثيرين ممن ترجموا له - أسرة نبيلة، مرموقة الشأن، حتى أن بلده قسطلة حمل اسم أسرته فعرف عند المؤرخين بقسطلة دراج ، ويقول ابن سعيد بأن دراجا جد الشاعرالأعلى وبنيه تداولوا على رياستها.
وينحدر بنو دراج من قبيلة صنهاجة البربرية بالمغرب، وعلى الرغم من ذلك فإن متأمل ديوان ابن دراج لايجد أثرا لهذا النسب البربري ، ويرجع الدكتور محمود علي مكي ذلك إلى " أن البربر الذين دخلوا في الأول من فاتيحها[الأندلس] المسلمين لم يستقروا في هذه البلاد حتى تأقلموا بسرعة مذهلة ، وهكذا لم يمض قليل من الوقت حتى اندمجوا في المجتمع الأندلسي اندماجا كاملا " وعلى هذا الأساس فابن دراج ولد ونشأ أندلسيا خالصا ، إذ لم يشعر قط بنسبه الصنهاجي البربري ، و ما هجاؤه للزعيم البربري زيري بن عطية المغراوي حينما أعلن الثورة على المنصور بن أبي عامر إلا دليلا على تجرد الشاعر من هذه العصبية ، ثم أن جل شعره بعد انهيار الدولة العامرية في مدح أولئك الملوك الذين ناصبوا البربر العداء.
أما عن طفولة ابن دراج و الأساتذة الذين أخذ عنهم فإن المراجع التي ترجمت له لا تجود بالشيء الكثير من أخبار هذه المرحلة من حياة الشاعر ، إذ يلفها غموض يمتد من مولده إلى ظهوره فجأة في بلاط المنصور بن أبي عامر، مما جعل حديث الدارسين عن هذه الفترة يعتمد على الظن حينا و على التخمين أحيانا أخرى ، حيث يقول محمود علي مكي : " وأغلب الظن أن ابن دراج بدأ حياته تلميذا يتردد على مجالس الشيوخ وحلقاتهم في جيان ، ولعل دراسته في تلك الفترة المبكرة من حياته لم تكن تختلف عما يتلقاه أمثاله من الصبيان من حفظ للقران ، وإلمام بمادئ النحو و اللغة والأدب و الأخبار والأنساب والفقه "
وعلى أي فابن دراج بعد تلك الطفولة التي لا نعرف عنها الشيء الكثير صار فحلا من فحول الشعر في زمانه ، و شهد له الكثير من النقاد بتفوقه و براعته كما سنرى بعد حين ، ومن يكن أمره كذلك لابد أن يكون قد نشأ تنشئة أدبية عالية.
وعندما نضجت موهبة شاعرنا و فاضت شاعريته ، تطلع إلى العاصمة الأندلسية "قرطبة" حيث المنصور بن أبي عامر، وهناك سطعت شمسه ، شاع ذكره.
2- في ظل الدولة العامرية :
ا- عهد المنصور بن أبي عامر
بعد أن قوي عود القسطلي و أنس في نفسه القدرة الأدبية شق طريقه إلى بلاط الحاجب العامري بقرطبة ، لما بلغه عنه من إكرامه للأدباء وتقديره لهم وعلى رأسهم صاعد البغدادي الذي نال الحظوة عنده وقربه إليه ، فما كان من ابن دراج إلا نظم قصيدة عارض بها قصيدة صاعد لعلها تكون همزة وصل بينه وبين المنصور ، وعسى أن يثبته في ديوان شعرائه ، ويغدق عليه من هباته خصوصا وأنه كثير العيال مع رقة حاله و زوال سلطان أجداده " فمعروف أن أجداده كانوا سادة بلدة قسطلة وحكامها، أي أنه ألف العيش الرغد و الحياة الناعمة فلعل سلطان قومه قد زال ولعل رياستهم انتقلت إلى غيرهم ، ولكن الشاعر ظل على تعلقه بحياة القصور والاتصال بالرؤساء " . وقبل أن نعرض تلك القصيدة التي تعتبر أول ما أنشده ابن دراج في حضرة المنصور، ورد فعل هذا الأخير، وحاشيته من الأدباء والشعراء، لابأس أن نقدم لمحة موجزة عن البيئة العامرية التي عاش فيها الشاعر أزهى مراحل حياته، ولن نبالغ إن نعتنا هذه الفترةبالفترة الذهبية من حياة الشاعر ، نظرا لاستقرار حاله واطمئنان نفسه نسبيا قبل أن يبدأ رحلة الغربة والتشرد ، ومما يشفع لهذه التوطئة أيضا ذلك الارتباط القوي بين شخصية المنصور بن أبي عامر وشخصية ابن دراج ، بين المادح و ممدوحه .
إن الباحث في معالم هذه الفترة السياسية والإجتماعية و الثقافية و العلمية سوف يجد الكثير من الأخبار المبثوثة في كتب التاريخ و التراجم الأندلسية. فقد شهدت الأندلس على عهد المنصور بن أبي عامرنهضة كبيرة في جميع الميادين متمما بذلك مسيرة الخلفتين الأمويين عبد الرحمن الناصر [300 – 350 هـ] وابنه الحكم المستنصر [350 – 360 هـ] .
وقد تولى ابن أبي عامر حجابة الخليفة الأموي هشام بن الحكم الملقب بالمؤيد بمساعدة من صبح البشكنسية ، أم هذا الأخير نظرا لصغر سنه إذ لم يبلغ إذ ذاك من العمر إلا إحدى عشر سنة ، فوجدها ابن أبي عامر فرصة لتوطيد سلطانه ، فأصبح الأمير الفعلي للبلاد ، وصاحب الكلمة الأولى ، ولقب نفسه بالمنصور ، ودعي له على المنابر، وكان الخليفة الأموي هشام المؤيد " أضعف من أن يفكر بمحاربة المنصورأو حتى من هو أقل منه شأنا لعدم إهتمامه الحقيقي بشؤون السلطة والملك " وخلال هذه الفترة التي قضاها ابن أبي عامر في الحجابة وطد الأمن في جميع أنحاء البلاد ، ووجه غزوات كثيرة نحو الممالك المسحية المجاورة ، و لم يعرف الهزيمة خلالها قط ، ولم تنكس له راية . كما شجع الصناعة و الزراعة و التجارة حتى ازدهرت أحوال البلاد الاقتصادية وارتفع مستوى الشعب المادي و فتجمعت الأموال في صندوق الدولة وامتلأت المستودعات بالغلال والغنائم وخيم الرفاه و الإستقرار على الأندلسيين طيلة حكمه.
ولتوضيح معالم هذه الفترة أكثر نورد هنا نصا للفتح ابن خاقان يقول فيه : " فقام [المنصور] بتدبير الخلافة ، وأقعد من كان له فيها أنافة ، وساس الأمور أحسن سياسة ، وداس الخطوب بأخشن دياسة ، فانتظمت له الممالك ، واتضحت به المسالك ، وانتشر الأمن في كل طريق ، واستشعر اليمن كل فريق ، وملك الأندلس بضعا و عشرين حجة و لم تدحض لسعدتها حجة، و لم يزخر بمكروه بها لجة ، لبست فيها البهاء و الإشراق، وتنفست عن مثل أنفاس العراق، وكانت أيامه أحمد أيام .... ، وعلى هذه الهيئة فهو و ابنه المظفر كانا اخر سعد الأندلس وحد السرور بها و التأنس "
أما من الناحية الثقافية و العلمية فقد طالما تحدثت المراجع الأندلسية القديمة والدراسات الحديثة عن النهضة الرائعة التي قدرت للأندلس في هذا الميدان، وقد كان للأدب في هذه النهضة الثقافية أكبر نصيب، و أصبحت قرطبة محورا يجتذب من يأنس في نفسه إقتدارا أدبيا لا من الأندلسيين فحسب بل و من المشارقة أيضا ، وأصبحت بذلك تضاهي كبريات العواصم المشرقية كبغداد ودمشق و غيرها.
وقد كان المنصور بن أبي عامر رغم كثرة غزواته واضطلاعه بأعباء الحكم " محبا للعلم مؤثرا للأدب ، مفرطا في إكرام من ينتسب إليهما، ويفد عليه متوسلا بهما بحسب حظه منهما، وطلبه لهما ومشاركته فيهما " حتى أنه استوزر من بينهم عددا لابأس به وشجعهم على النظم والتأليف والكتابة ، ورتبهم في ديوان خاص يتقاضون منه الرتب و الهبات فرجت سوق الأدب و الشعر في عصره و تقاطر عليه اللأدباء والشعراء لا من الأندلس فحسب بل حتى من المشرق .
وكان المنصور يعقد مجالس أدبية أسبوعية في قصره بقرطبة يجتمع فيها بالعلماء والأدباء ورجال الفكر، ولا عجب أن يهتم بالأدب و الأدباء فقد " كان هو نفسه ينظم المقطوعات الجميلة القوية" وبعد هذه اللمحة السريعة عن البيئة العامرية خاصة فترة المنصور بن أبي عامر الذي عاش شاعرنا في ظله قرابة عشرة سنوات [ 382 – 392 ه] ، نعود إلى القصيدة التي عارض بها ابن دراج قصيدة صاعد البغدادي ، و التي تعتبر أول ما أنشده القسطلي بحضرة المنصور في أول لقاء له به والتي يقول في مطلعها :

أضَاءَ لَهَا فَجْرُ النّهَى فَنَهَاهَا عَن الدّنِفِ المُضَنَّى بِحَرِّ هَوَاهَا وضَلَّلَهَا صُبْحٌ جَلا لَيْلَةَ الدّجَى وقَدْ كَانَ يَهْديهَا إِلَيَّ دُجَاهَا
ثم يصف فيها رحلته من بلده إلى قرطبة ، ووداعه لزوجه و ابنته الصغيرة :

وللهِ عَزْمِي يَوْمَ وَدَّعْتُ نَحْوَهُ نُفُوسًا شَجَانِي بَيْنُهَا و شَجَاهَا
وَرَبَّةُ خِدْر كَالجُمَّانِ دُمُوعُهَا عَزيزٌ عَلَيَّ قَلْبي شُطُوطُ نَوَاهَا
وبِنْتُ ثَمَانٍ مَايَزَالُ يَروعُني عَلَى النَّأي تِذْكَاري خُفُوقُ حَشَاهَا
وَمَوْقِفُهَا والبَيْنُ قَدْ جَدَّ جِدّهُ مَنُوطًا بِحَبْلَيْ عَاتِقَيَّ يَدَاهــَا

ثم ينتقل إلى مدح المنصور فخلع عليه من الصفات أعظمها ليستمل قلبه، فيصفه بالسمو والعظمة والشجاعة و الكرم وعراقة النسب ، ولا ينسى خلال ذلك أن يجعله معقد آماله :

فَحَطَّتْ بِمَغْنَى الجُودِ والمَجْد رحْلَها وألْقَتْ بِرَبْعِ المكرومات عصاها
لدى ملكٍ إحدى لَوَاحظِ طَرْفِهِ بِعيْنِ الرِّضَا حَسْب المُنى وكَفاها
هو الحاجبُ المنصورُ و الملِكُ الذي سَعَى فتعالى جَدّه فتــناهى
سليلُ الملوكِ الصِّيدِ مِنْ سَرْوِ- حِمْيَرٍ توَسَّطَ في الأحْسَابِ سَمْكَ دُراها
وقد ظفرت هذه القصيدة بإعجاب المنصور فأمر بإثبات ابن دراج في ديوان العطاء ، إلا أنها في الطرف الأخر كانت مبعث حسد له ومثار تشكيك الوشاة فيه، فقد استكثر منافسوه أن يشاركهم في ديوان العطاء، فاتهموه بالسرقة و الانتحال، مما جعل المنصور يستحضره في مجلس آخر، ليتأكد من شاعرية ابن دراج، وكان ذلك حسب الحميدي عشي يوم الخميس لثلات خلون من شوال سنة 382 . وقد اقترح عليه الأمير في هذا المجلس الارتجال في موضوع عينه له، وإن كنا لا نعرف بدقة الشعر الذي ارتجله الشاعر في هذه المناسبة فإن ما وصلنا من أخبار تؤكد أنه اجتاز هذا الإختبار بنجاح و زالت عنه تهمة الانتحال ، إذ يقول الحميدي : " فبرز وسبق وزالت التهمة عنه ، فوصله بمائة دينار وأجرى عليه الرزق و أثبته في جملة الشعراء "
ثم أكد شاعريته بقصيدة أخرى أعدها من قبل كأنه أحس بأن ما سيقوله ارتجالا سيأتي دون المستوى الذي يرتضيه فأشفع ارتجاله بها ، والتي يقول في مطلعها :
حَسْبي ِرضاكَ من الدَّهْرِ الذي عَتَبَا
وعَطْفُ نُعْمَاكَ للحَظِّ الذِّي انْقَلَبَا
يا مَلِكًا أصْبَحَتْ كَفِّي ومَا مَلَكَتْ
ومُهْجَتي و حَياتي بَعْضُ ما وَهَبَا

ثم تعرض فيها للمحنة التي أصابته من جراء اتهامه ظلما وبهتانا بالانتحال ، ثم يفتخر بتفوقه عليهم :
ودَسَّسُوا لِي في مَثْنَى حَبَائِلِهم شَنْعَاءَ بِتّ بِهَا حَرّانَ مُكْتَئِبا
حتى هُزِزْتُ فَلا زَنْدَ القَريضِ كَبا فيما لدَّي ولا سيف البَديهِ نَبا
وأشْرَقَتْ شاهِداتُ الحَقِّ تَنْشُرُ لي نُوراً غَدْتْ بِهِ أقْوال الوشاة هبا
هَيْهَات أعْجَزَ أهْلَ الأرْضِ أنْ يجِدُوا للدُرِّ غَيْرَ عُبَاب البَحْر مُنْتَسَبا
ثم يشير إلى أن كبار الشعراء قبله اتّهِمُوا بالسرقة و الانتحال وما ذلك إلا دليلا على شاعريتهم التي كانت مثار حسد الوشاة :
ولسْتُ أولَ منْ أعْيَتْ بدائعُهُ فاسْتَدْعَت القَوْل ممن ظَنَّ أوحَسِبا
إنَّ امْرَأ القَيْسِ في بعضٍ لَمُتّهَم و في يديْه لواءُ الشعراء إنْ رَكِبا
والشعر قد أسر الأعشى وقَيّده خبرا وقَدْ قيل والأعشى إذا شربا

على أن هذه القصيدة هي الأخرى استولت على إعجاب المنصوروحبه وتقديره، وتوطدت منزلته عنده حتى أصبح من كبار شعراء بلاطه ، وقلده أيضا منصب الكتابة في ديوان الإنشاء لتمكنه من فن الكتابة والخطابة كما أشار إلى ذلك في هذه القصيدة :

إن شِئْتَ أَمْلَى بَديعَ الشعر أو كَتَبا أوْ شِئْتَ خَاطَبَ بالمنْثورأو خَطَبا

هكذا سما قدر ابن دراج عند المنصور ، ولازمه كظله في السلم والحرب و في الرخاء والشدة، يمدحه بغرر قصائده ، ويصف أبرز أحداث الدولة العامرية- وما أكثرها- فعهد هذا الحاجب كان كله غزوات متواصلة وفتحا لمعاقل استعصت على من قبله ، فلم يفت شاعرنا أن يرفع لواء شعره في الإشادة بعظمة فتوحات هذا القائد ،وعز الدولة الأندلسية ، لذلك فشعره – إلى جانب قيمته الفنية- يعد وثيقة تاريخية لحقبة مهمة من تاريخ الأندلس .
ولو رُمْنا تتبع كل شعر ابن دراج في المنصور لطال بنا الحديث، لأن قسطا مهما من شعره في هذا القائد إذ مدحه ب 32 قصيدة بين طويلة و متوسطة .
ب - عهد المظفر
بعد وفاة المنصور بن أبي عامر سنة 392 ه- 1002م تولى حجابة الخليفة الأموي (هشام المؤيد) ابنه عبد الملك الملقب بالمظفر ، والذي سار على نهج والده ، فقاد هو الأخر حملات عسكرية نحو الممالك المسيحية الشمالية التي ظنت أن وفاة المنصور بداية لنهاية الأندلس إلا أن المظفر خيب آمالهم وحقق عليهم اَنتصارات مشهودة ، أعادت هيبة الأندلس .
كما نعم الأندلسيون في عهده بالرخاء و الرفاهية و الاستقرار قبل أن تدخل في عهد أخيه عبد الرحمن المعروف بشنجول في اضطرابات و انقسامات تطورت في ما بعد حتى أتت على الخلافة الأموية . وصدق الفتح بن خاقان عندما قال في حق المنصور وابنه المظفر : " كانا آخر سعد الأندلس وحد السرور بها والتأنس " .
وقد كان عبد الملك المظفر – على مايذكر المؤرخون – قليل الإهتمام بالأدب و الأدباء من أبيه إلا أنه أقر الشعراء على مراتبهم رغم قلة الحفاوة بهم ، ويلاحظ بن حيان أن هذا كان السبب في فتور أشعار ماديحيه بوجه عام .
وعلى أي فان ابن دراج ظل في بلاط عبد الملك المظفر شاعرا و كاتبا في ديوان إنشائه ، ولعله بعد عشر سنوات قضاها صحبة المنصور قد رسخت مكانته وسما قدره فمن الصعب أن يستغني عنه المظفر ، فلم يلبث أن اثبت اسم ابن دراج في ديوان شعرائه وهذا ما أشار إليه الشاعر بقوله :
وخططت بالكف الكريمة ملحقي والفخر فخري إذ سميتني
حسبي فحين ذكرتني كرمتني وكفى فحين نطقت بي أعييتني
فا طمئنت نفسه بعد ذلك وعاود حياته الشعرية في ظله، فمدحه بعدد لابأس به من القصائد بلغت 24 قصيدة ، ولابد من الإشارة إلى أن مدائح ابن دراج في هذه الفترة
لم تقتصر على عبد الملك المظفر كما قصرها من قبل على أبيه المنصور، فقد مدح الوزير عيسى بن سعيداليحصبي المعروف بالقطاع بقصيدتين . وهذا يؤكد ما أشرنا إليه سابقا من قلة حفاوة و اهتمام المظفر بالشعر .
ومن بين القصائد التي مدح بها الشاعر القسطلي المظفر تلك التي قالها في مناسبة غزو هذا الأخير لمملكة ليون سنة 395 ه، وهي رائيته التي يقول في مطلعها :
لئن سرت الدنيا فأنت سرورها وإن سطعت نورا فوجهك نورها
سلام على الأيام ما شمت للعلا أهلتها و استقبلتك بدورهــا
وبوركت الأزمان ما أشرقت لنا بوجهك هيجواتها وقصورهـا
فلا أوحشت من عز ذكرك دولة إليك انتهى مأمورها و أميرهـا
فلا راعها خطب وسيفك أنسها ولا رامها ضيم و أنت مجيرهـا
ثم يشيد بالنصر الذي حققه المظفر على جيوش ملك ليون , واقتحامه لقلعة " لونة luna " :
و أنت الذي أوردت لونة قاهرا خيولا سماء الأرضفيها نحورها
وقد لاح بالنصر العزيز لوائها وأعلن بالفتح المبين بشرهـا
و إجمالا فابن دراج عاش في ظل الدولة العامرية ستة عشر عاما [ 382 – 399 ه ]، و هي فترة ليست بالقصيرة مدح خلالها الحاجبين العامريين المنصور بن أبي عامر وابنه عبد الملك المظفر ، و يمكن إعتبار هذه الفترة أخصب فترات الشاعر إذ نعم باستقرار مادي و معنوي ففاضت شاعريته ، فقد مدحهما بما يفوق خمسين قصيدة،وهذا يدل على كثرة شعره ، بل يعد من أغزر شعراء العربية ، والسمة البارزة في شعره هي غلبة المدح بشكل ملفت للنظر ان لم نقل أنه مدح تشوبه أحيانا بعض الأغراض الأخرى .

3- ابن دراج القسطلي والفتنة :

بعد وفاة المظفر سنة 399 هـ -1008 م وهو لازال في عنفوان شبابه ، تولى الحجابة بعده أخوه عبد – الرحمن المعروف بشنجول ، الذي لم ييتمتع بالحكم إلا قرابة شهرين ، فقد حمله غروره وغفلته على الخروج في غزوة إلى بلاد النصارى في الشمال تشبها بأبيه و اخيه ، وهو لم يوطد بعد أركان الدولة ، فاغتنم الوضع محمد بن هشام بن عبد الجبار الأموي الملقب بالمهدي فأعلن الثورة ، وخلع دولة العامريين ، فبدأت الصراعات حول السلطة ، وتوالت النكبات على الأندلس بعد أن بلغت أوجها في عهد الحجبين المنصور والمظفر .
فعمت الفتنة البلاد و تخبط الأمراء والشعب في غمراتها وشبت الحروب والمنازعات ، وبدأت الدولة الأندلسية العتيدة التي سهرت على بنائها أجيال متعددة تتقوض وتنهار كأن لم تكن ولاعجب أن نجد الأدباء والشعراء في هذا الجو الخانق قد سأت أحوالهم و اشتدت حاجتهم كما يخبرنا المؤرخ الأندلسي، ابن حيان : " وقد نسجت على على أفواههم و محاربيهم العناكيب أيام الحرب و الفتنة ، واشتدت فاقتهم و حمت طباعهم ، وكانوا كالبزاة الفذة الجياع انفضت لفرط الضرورة على الجراد "
ويبدو أن ابن دراج لبث في قرطبة يعلل نفسه برجاء انقشاع الأزمة و ا نجلاء الفتنة ، فساير تقلب الدول ، فما أن يعلن ابن عبد الجبار حتى يتوجه إليه الشاعر مادحا :
قل للخلافة بلغت مناك ورأيت ما قرت به عيناك
في اَخرها يجهر بشكواه ويبكي حظ أدبه المضيع :
وأنا الشريد وظل عزك موئلي وأنا الأسير وفي يديك فكاكي
أدب أضاء المشرقين و تحته حظ يئن إليك أنه شــــاك
إلا أن هذا الأمير لم ينعم بالخلافة طويلا إذ سرعان ما ثار عليه أموي أخر وهو سليمان بن الحكم الملقب بالمستعين ، ولم يكن أقل شؤما من سابقه على الأندلس , و قد مدحه ابن دراج بثلات قصائد ولكن المستعين لم يبل صداه ولا سد خلته كما قال بن حيان ، فولى وجهه شطر أحد وزرائه وهو القاسم بن حمود العلوي فمدحه بقصيدة صور فيها ما حل به وبأسرته من أهوال الفتنة ، ولأهميتها في تصوير حال الشاعر في هذه الفترة نورد أبيات منها :

في سِتَّةٍ ضَعُفُوا وضُعِّف عَدُّهُم حَمْلاً لمبهور الفؤاد مـبلد شد الجلاء رحالهم فتحملت أفلاد قلب بالهموم مـبدد
وحدث بهم صعقات روع شردت أوطانهم في الأرض كل مشرد
لا ذات خدرهم يرام لوجهها كِنٌ ولا ذو مهدهم بممهد
ورضوا لباس الجود ينهك منهم بالبؤس أشار النعيم الأرغد
ويبدو أن ابن دراج لم يجد لدى القاسم ما كان يصبو إليه ، فقصد أخاه علي بن حمود بسبتة وهناك أنشده لاميته المشهورة التي فضلها ابن بسام على هاشيميات الكميت وكثير عزة وشعييات دعبل الخزاعي .
وقد كانت هذه أول رحلة و أخرها لابن دراج خارج الأندلس ، ولم يلبث في سبتة طويلا إذ سرعان ما عاد إلى الأندلس ضاربا في مناكبها باحثا عن مستقر جديد لكن بدون جدوى فتردد على مجموعة من المدن : المرية ، وبلنسية ، وشاطبة ، وطرطوشة مادحا أمراءها دون أن يظفر منهم بطائل ، فهذا خيران العامري ، حاكم ألمرية يبخس ابن دراج حظة من الجائزة عندما مدحه
بقصيدته النونية التي طارت شهرتها في المشرق و المغرب :
لك الخير قد أوفى بعهدك خيران وبشراك قد آواك عز وسلطان
وقد سارت فعلة خيران هذه حتى ضرب بها المثل و بقي صداها يتردد
في الأندلس ، حتى لنرى أحد الشعراء يقول لممدوحه :
ولا خيرإن تجعل كفاء قصيدتي كفاء ابن دراج على مدح خيران
هكذا قدر لمتنبي الأندلس أن يقضي ثماني سنوات من الغربة والتشرد ، لا يستقر له حال ولم يجد عند ممدوحيه آذان صاغية ، فجاء شعره في هذه الفترة مطبوعا بالشكوى والألم والحسرة .

4- خاتمة المطاف

بعد ثماني سنوات عجاف يحط ابن دراج عصا الترحال بسرقسطة عند المنذر بن يحي التجيبي سنة 408 ه، وقد كان هذا الأخيرعلى نصيب من العلم والأدب حمله على العناية بالشعراء والعلماء ، فقرب إليه ابن دراج لما يعلم في ذلك من نشر لذكره بين ملوك الطوائف فاتخذه شاعرا رسميا لبلاطه ، فتنفس ابن دراج الصعداء إذ أتيح له جو من الاستقرار لم ينعم به منذ فارق قرطبة أيام الفتنة .
ووجد القسطلي في غزوات المنذر متنفسا لشعره فعاود حياته في ظله وفي ظل ابنه كما كان من قبل في بلاط العامريين ، فلا يكاد يدع مناسبة إلا أنشد فيها شيئا ، فكان من أروع القصائد التي مدح بها المنذر تلك الميمية الطويلة التي عارض بها إحدى قصائد المتنبي في ابن العميد و أولها :
لعل سنا البرق الذي أنا شائم يهيم من الدنيا بمن أنا هائم
أما قصيدة المتنبي فمطلعها :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
ولما مات منذر بن يحي سنة 412 ه خلفه على عرش سرقسطة ابنه يحي، الذي ظل ابن دراج في بلاطه مادحا له مسجلا كل ما يقع أمامه من أحداث الدولة ، إلا أن العلاقة بينهما سأت لأسباب نجهلها إلى أن هاجره قاصدا بلنسية التي لم يلبث فيها أن شد الرحال إلى دانية التي يحكمها مجاهد العامري لما بلغه عنه من إكرامه للعلماء وحفاوته بهم ، وعاش في رحابه فترة وجيزة إلى أن توفي هناك " ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة [421هـ] رحمه الله تعالى " .
5- ديوانه :
ظل الاعتقاد بأن ديوان ابن دراج ضاع في جملة ما ضاع من ثرات تقافتنا العربية سائدا بين الباحثين في تاريخ الأدب العربي إلى حدود سنة 1960 حينما قدم الدكتور حين مؤنس مدير معهد الدراسات الإسلامية بمدريد إلى الرباط، لإلقاء سلسلة من المحاضرات على طلاب الجامعة المغربية ، وأثناء إقامته بالمغرب التقى بالعالم المغربي الشيخ الفقيه التطواني الذي أطلعه على نسخة مخطوطة من ديوان ابن دراج، فبادر الدكتور حسين مؤنس باستئذان الشيخ الفقيه التطواني في تصوير هذه المخطوطة فآذن له ، وما أن عاد إلى مدريد حتى أهداها للدكتور محمود علي مكي الذي تولى مهمة تحقيق هذا الديوان القيم ونفض الغبار عنه، وقد اعتمد المحقق بالإضافة إلى هذه المخطوطة على قطعة من الديوان محفوظة في مكتبة جامعة القرويين بفاس ويرجع فضل إبلاغ المحقق بها إلى الأستاذ محمد عبد الله عنان .
يتكون ديوان ابن دراج بمعزل عن مقدمة الناشر ومقدمة المحقق والفهارس من 454 صفحة، جاءت في ثناياها 163 قصيدة ومقطوعة بالإضافة إلى ملحق من 15 صفحة يتضمن أشعارا أخرى للشاعر مبثوثة في مصادر الأدب المختلفة ولم ترد في المخطوطة المعتمدة .
ويبلغ عدد أبيات الديوان قرابة 6 ألف بيت [5935] ، وهو بذلك يعد من أغزر الشعراء الأندلسيين شعرا بل من أكثر شعراء العربية إنتاجا .
ويعتبر موضوع المدح الموضوع الغالب على قصائد الديوان ، إذ لانعثر على أعمال مستقلة عن المدح سوى بعض الآثار القليلة التي توشك أن تضيع في زحمة المدح.
موسى ابن أبي الغسان ... الرمز



عندما وصلت دولة الإسلام بالأندلس لمرحلة الاحتضار النهائي، وبلغت الروح الحلقوم كانت غرناطة هي معقل الإسلام الأخير، والتي ضرب عليها الصليبيون الأسبان حصارًا شديدًا طيلة سبعة أشهر حتى فنيت الأقوات ومن قبلها العزائم والهمم عدا موسى بن أبي الغسان الذي حاول أن يثير العزائم ويوقظ الهمم من أجل الدفاع عن المدينة حتى الموت، وعدم الموافقة على تسليمها بالسلام لأعداء الإسلام وقام أمير غرناطة أبو عبد الله بدعوة أكابر الجماعة بالبلد في قصر الحمراء للتباحث في الموافقة على شروط تسلمي البلد للصليبيين واسمع للرواية التاريخية المؤثرة التي تصف ما جرى .

[اجتمع الزعماء في بهو الحمراء ليوقعوا عهد التسليم وليحكموا على دولتهم بالذهاب، وعلى أمتهم بالفناء والمحو عندئذ لم يملك كثير منهم نفسه من البكاء والعويل، ولكن موسى بن أبي الغسان لبث وحده صامتًا عابسًا ثم قال وهو يستثير عزائمهم [اتركوا العويل للنساء والأطفال فنحن رجال لنا قلوب لم تخلق لإرسال الدمع ولكن لتقطر الدماء، وإني لأرى أن روح الشعب قد خبت حتى ليستحيل علينا أن ننقذ غرناطة، ولكن ما زال ثمة بديل للنفوس النبيلة ذلك هو موت مجيد، فلنمت دفاعًا عن حرياتنا وانتقامًا لمصائب غرناطة، وسوف تحتضن أمنا الغبراء أبناءها أحرارًا من أغلال الفاتح وعسفه، ولئن لم يظفر أحدنا بقبر يستر رفاته فإنه لن يعدم سماء تغطيه وحاشا لله أن يقال إن أشراف غرناطة خافوا أن يموتوا دفاعًا عنها].
ثم صمت موسى وساد المجلس سكون الموت وعندها قال الأمير الخائر الضعيف أبو عبد الله وصاح [الله أكبر لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا راد لقضاء الله تالله لقد كتب عليّ أن أكون شقيًا وأن يذهب الملك على يدي] وصاحت الجماعة على أثره [الله أكبر ولا راد لقضاء الله] وكرروا جميعًا أنها إرادة الله، ولتكن ولا مفر من قضائه ولا مهرب] لاحظ استخدام القضاء والقدر في تبرير خوفهم وجبنهم عن نصرة الإسلام وحالهم كحال الجبرية الذين يقولون إننا مجبرون على المعاصي] .
وعندما رأى موسى بن أبي الغسان أن محاولاته ذهبت أدراج الرياح نهض مغضبًا ثم قال لهم مقولته الشهيرة.
نبوة موسى : قال لهم [لا تخدعوا أنفسكم ولا تظنوا أن النصارى سيوفون بعهدهم ولا تركنوا إلى شهامة ملكهم إن الموت أقل ما نخشى فأمامنا نهب مدننا وتدميرها تدنيس مساجدنا وتخريب بيوتنا وهتك نسائنا وبناتنا وأمامنا الجور الفاحش والتعصب الوحشي والسياط والأغلال وأمامنا السجون والأنطاع والمحارق، هذا ما سوف نعاني من مصائب وعسف وهذا ما سوف تراه على الأقل تلك النفوس الوضيعة التي تخشى الآن الموت الشريف أما أنا فوالله لن أراه] .
بطل حتى النهاية :
لله درك يا موسى عندما بررت بيمينك فلم تراه، خرج موسى غاضبًا من مجلس المهانة والضعف والخور دون أن يرمق أحدًا أو يفوه بكلمة ثم ذهب إلى داره وغطى نفسه بسلاحه واقتعد جواده المحبوب [غارب]، واخترق شوارع غرناطة حتى خرج منها إلى معسكر الجيش الصليبي فلقيته سرية منهم مكونة من خمسة عشر فارسًا على ضفة نهر [شنيل] فانقض موسى عليهم كالأسد، وأخذ يمضي فيهم طعنًا وضربًا وأثخنته الجراح، ولكنه استمر في القتال كأنه ما يشعر بالألم جراحاته،كثيرة وكانت ضرباته ثائرة قاتلة، وهكذا لبث يبطش بالفرسان الصليبيين حتى أفنى معظمهم غير أنه أصيب في النهاية بجرح خطير ثم قتل جواده فسقط على الأرض، ولكنه ركع على ركبتيه واستل خنجره وأخذ يناضل عن نفسه حتى الرمق الأخير، ولم يرد أن يقع أسيرًا في يد خصمه بل رضي بالشهادة والقتال حتى مات رحمه الله .
(مفكرة الاسلام)

وحده موسى بن ابي الغسان اختار الاحتجاج على تسليم غرناطة، ووحده حمل السيف والدرع وخرج من الحمراء الى حمراء اخرى. وحده موسى بن أبي الغسان اختار الطريق السهل وترك للملك الصغير الاختيار الأصعب، وتحقق لموسى الخلاص يوم بدأت المعاناة في غرناطة وجبال الجنوب وبلنسية والمرية في الساحل الشرقي.
الرميكية زوجة المعتمد
الرميكية ‏هى اشهر امرأة فى تاريخ نساء الأندلس بلا منازع وأم اميرته وزوجت امير الأندلس واشبيلية ‏المعتمد ابن عباد الذى لابد أن يكون لنا ان شاء الله معه وقفة
ورغم أن الرميكية جارية إلا أنها خطفت قلب وعقل الأمير ابن عباد وبل وخطفت اسمه فقد كانت ‏تلقب باعتماد فلقب نفسه بالمعتمد واشتهر بهذا الأسم وقصة معرفة ابن عباد بالرميكية مشهورة فقد ‏
‏(ركب المعتمد بن عباد في النهر ومعه ابن عمار وزيره وقد زردت الريح النهر. فقال ابن عباد ‏لابن عمار: أجز:‏
‏ صنع الريح من الماء زرد ‏
فأطال ابن عمار الفكرة، وأفحم، ولم يأت بشيء!! فقالت امرأة من الغاسلات:‏
أي درع لقتال لو جمدْ ‏
تعجب ابن عباد من حسن ما أتت به مع عجز ابن عمار، ونظر إليها فرأى صورة حسنة، ‏فأعجبته، فسألها: أذات زوج؟ قالت لا. فتزوجها، وهي الرميكية ) 1.‏
‏(كان المعتمد كثيراً ما يأنس بها، ويستظرف نوادرها، ولم تكن لها معرفة بالغناء، وإنما كانت ‏مليحة الوجه، حسنة الحديث، حلوة النادر، كثيرة الفكاهة، لها في كل ذلك نوادر محكية)2‏
‏(وقد روي أنّها رأت ذات يوم بإشبيلية نساء البادية يبعن اللبن في القرب وهنّ رافعات عن سوقهنّ في ‏الطين، فقالت له: أشتهي أن أفعل أنا وجواريّ مثل هؤلاء النساء، فأمر المعتمد بالعنبر والمسك والكافور ‏وماء الورد، وصيّر الجميع طيناً في القصر، وجعل لها قرباً وحبالاً من إبريسم، وخرجت هي وجواريها ‏تخوض في ذلك الطين، فيقال: إنّه لمّا خلع وكانت تتكلّم معه مرّة فجرى بينهما ما يجري بين الزوجين، ‏فقالت له: والله ما رأيت منك خيراً، فقال لها: ولا يوم الطين؟ تذكيراً لها بهذا اليوم الذي أباد فيه من ‏الأموال مالا يعلمه إلاّ الله تعالى، فاستحيت وسكتت) 3 ‏

وقد تذكر المعتمد هذا اليوم وهوا فى سجنه فى أغمات فأنشد يقول

فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورا
فساءك العيدُ في أغمات مأسورًا
ترى بناتك في الأطمارِ جائعة
يغزلْن للناس لا يملكْنَ قِطميرا
برزْن نحوَك للتسليمِ خاشعةً
أبصارُهنَّ حسيراتٍ مكاسيرا
يطأْنَ في الطين والأقدام حافية
كأنها لم تطأْ مسكا وكافورا[/poem]


اما الوزير ابن عمار الذى كان مع ابن عباد ساعة ان اعجب بالرميكية فقد انقلب على المعتمد ونازعه ‏ملكه ثم هجا ابن عمار المعتمد والرميكية فقال:‏
تخيرتها من بنات الهـجـان
رميكية ما تساوي عقـالا‏
فجاءت بكل قصير العـذار
لئيم النجارين عمـاً وخـالا
قصار القدود ولـكـنـهـم
أقاموا عليها قروناً طـوالا
أتذكر أيامنـا بـالـصـبـا
وأنت إذا لحت كنت الهلالا
أعانق منك القضيب الرطيب
وأرشف من فيك ماءً زلالا
وأقنع منك بدون الـحـرام
فتقسم جهدك أن لا حـلالا
سأهتك عرضك شيئاً فشـيئاً
وأكشف سترك حالاً فحـالاولم تنسى الرميكية هذا الهجاء من ابن عمار وكادت له كيدا فعلمت أن المعتمد قد تمكن من ابن ‏عمار وانه مسجون فى القصر أن المعتمد ربما يعفوا عنه ( إلى أن كان ليلة يشرب، فذكرته ‏الرميكية به، وأنشدته هجاءه فيه، وقالت له: قد شاع أنك تعفو عنه، وكيف يكون ذلك بعد ما ‏نازعك ملكك، ونال من عرض حرمك؟ وهذان لا تحتملهما الملوك. فثار عند ذلك، وقصد البيت ‏الذي هو فيه، فهش إليه ابن عمار، فضربه بطبرزين شق به رأسه، ورجع إلى الرميكية، وقال: قد ‏تركته كالهدهد)4‏
وحبست الرميكية مع المعتمد ابن عباد فى أغمات وماتت قهرا على الحال التى وصلت اليها ‏حيث كانت تغزل هى وبناتها لتقتات وقهرها وما رأت من ذل وهوان وانها كانت تخوض فى ‏الطين وتلبس الثياب الرثة وماتت قبل زوجها ودفنت بأغمات ‏
عبد الرحمن الناصر

إنه (عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم الربضي، بن ‏هشام بن عبد الرحمن (الداخل) أبو المطرف، الناصر لدين الله الأمير الثامن من أمراء ‏الدولة الأموية بالأندلس. أمه أم ولد اسمها (ماريا) أو (مزنة) كما تسميها الروايات العربية. ‏أول من تلقب بالخلافة من رجال الدولة الأموية، تسمى بها لما رأى ما آلت إليه الخلافة ‏العباسية من وهن. خلف جده عبد الله بعهد منه، وكان عمه المطرف قد قتل أباه ظلما، ‏لأن أباه كان المرشح لولاية العهد، فأراد أن يزيحه ليظفر بها ولما علم جده عبد الله بما ‏لحق أباه من ظلم جعل ولاية العهد إليه، وتولى تربيته ونال نصيبا كبيرا من رعايته، كان ‏جزاء عمه القتل، فقد قتله أبوه عبد الله، بعد أن تأكد من براءة أخيه مما عزاه إليه. بويع ‏عبد الرحمن بالخلافة بعد وفاة جده عبد الله سنة 300هـ ولم يكن قد تجاوز الثالثة ‏والعشرين من عمره، فكان أول من بايعه بالإمارة أعمامه لحب جده له ولزهدهم بها، لما ‏كان يحيط بها من أخطار. فقد كانت الأندلس مضطربة بالمخالفين ونيران المتغلبين، وقد ‏تمكّن عبد الرحمن من إخماد تلك النيران، وخاض غمار حروب طويلة، فأخضع العصاة وصفا ‏له الملك، وجدّد دولة الأندلس وأخضع حكامها لسلطانه) (1) ، وقد ولد عبد عبد الرحمن ‏الناصر فى 22 رمضان سنة 277 هجرية الموافق 7 يناير 891 ميلادية رجل عظيم ولد فى ‏شهر عظيم ( وكانت خلافته خمسين سنة وستة أشهر، وله من العمر يوم مات ثلاث ‏وسبعون سنة، وترك أحد عشر ولدا، وكان أبيض حسن الوجه، عظيم الجسم، طويل ‏الظهر، قصير الساقين، وهو أول من تلقب بأمير المؤمنين من أولاد الأمويين الداخلين إلى ‏المغرب، وذلك حين بلغه ضعف الخلفاء بالعراق، وتغلب الفاطميين ببلاد المغرب، فتلقب ‏بأمير المؤمنين قبل موته بثلاث وعشرين سنة. ولما توفي قام بالأمر من بعده ولده الحكم، ‏وتلقب بالمستنصر، ومن جملة أولاد الناصر عبد الله، وكان شافعي المذهب ناسكا شاعرا، ‏ولا يعرف في الخلفاء أطول مدة من الناصر الأموي - فإنه مكث خمسين سنة - سوى ‏المستنصر بن الحاكم الفاطمي صاحب مصر، فإنه مكث ستين سنة،( 2)‏
ولقد جاهد عبد الرحمن الناصر جهادا عظيما وابلى بلاءًً حسناًً حتى تمكن من السيطرة ‏على الحكم وقام بتأمين الأندلس من ملوك النصارى وقد قضى عشرين سنة حتى ‏استطاع أن يؤمن البلاد ويخضع ملوك النصارى وقدموا له فروض الطاعة بعدما خافوا على ‏انسفهم وبلادهم وعلموا أنهم أمام رجل مختلف ي
وكان لعبد الرحمن الناصر الفضل فى ازدهار الأندلس وتقدمه فى كافة المجالات من علم ‏وعمارة وتجارة وفنون وأنشأ فى الانلدس حضارة مازلت تنير اوربا كلها ويعتز بها الأسبان ‏وإن كانوا يفعلون ذلك على استحياء فالرجل هو منشأ اول مدرسة للطب فى اوربا وأسس ‏الكثير من المدارس والمساجد (وأنشأ مدينة (الزهراء) سنة 325هـ وبنى فيها (قصر ‏الزهراء) باسم جارية كان يهواها. حمل إلى المدينة الرخام من أقطار الغرب، وأقام فيها ‏أربعة آلاف وثلاثمائة سارية، وأهدى له ملك الفرنجة أربعين سارية من رخام، وجلب الرخام ‏الأخضر والوردي من إفريقية، وجلب لها حوضا من ذهب من القسطنطينية وحوضا صغيرا ‏عليه صورة أسد وصورة غزال وصورة عقاب وصورة ثعبان، وكلها من الذهب المرصع ‏بالجواهر، استغرق بناء القصر والمدينة ست عشرة سنة وكان ينفق عليها في كل سنة ‏ثلث دخل الأندلس، وكان دخل الأندلس يومئذ خمسة ملايين وأربعمائة وثمانين ألف ‏درهم، وقد أحرقت المدينة بما فيها في حدود سنة أربعمائة (أيام الفتنة) ودرست معالمها ‏ورسومها. قامت بينه وبين الامبراطور البيزنطي قسطنطين السابع سفارات تبادلا فيها ‏الهدايا. وفي سنة 337هـ أرسل إليه الامبراطور كتبا طبية، وكان من جملتها نسخة ‏مكتوبة بالإغريقية من كتاب (ديوسقوريدس)في الحشائش والنباتات الطبية، وأرسل معه ‏راهبا يدعى(نيقولا)لكي يقوم بتحديد أنواع النباتات والحشائش المذكورة في الكتاب.) (1) ‏
‏(وهي عديمة النظير في الحسن غرم عليها من الأموال ما لا يحصى) (4)‏
وفي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر من بعده أصبحت قرطبة ‏في أوج تألقها الحضاري والثقافي ، فنافست قرطبة آنذاك بغداد عاصمة العباسيين ‏والقسطنطينية عاصمة البيزنطيين والقاهرة عاصمة الفاطميين، ووصل سفراء البلاط ‏القرطبي بلادًا بعيدة جدًا كالهند والصين، وتقاطر على قرطبة مبعوثون ومندوبون عن ‏أباطرة البيزنطيين وألمانيا وملوك كل من فرنسا وإيطاليا والممالك الأخرى في أوروبا ‏وشمال أسبانيا، وزعماء البربر ورؤساء القبائل الأفريقية
‏(لكنها بلغت أوج ازدهارها في ظل "عبد الرحمن الناصر" أول خليفة أموي في الأندلس بعد ‏أن اتخذ منها عاصمة لدولته وجعلها كبرى المدن الأوروبية في عهده وأكثرها أخذًا بأسباب ‏الثقافة.. لقد أصبحت قرطبة مقر خليفة المسلمين في العالم الغربي.. كانت قرطبة ‏العاصمة الكبرى لإسبانيا، يَفِد إليها الملوك والسفراء يقدمون للخليفة فروض الطاعة ‏والولاء، فقد كانت الدولة المسيحية حتى القرن الحادي عشر الميلادي أشبه بالمحمية ‏للدولة الإسلامية.. وفي هذا العهد نافست قرطبة بأُبَّهَتِها وعمرانها وحالتها الثقافية ‏كبريات المدن الإسلامية كالقاهرة ودمشق وبغداد والقيروان حتى أطلق عليها الأوروبيون ‏‏"جوهرة العالم) (3)‏
مسجد قرطبة
و يعد المسجد الجامع أهم تحفة معمارية أنشئت في عهد عبد الرحمن الداخل ، ولا ‏يزال مسجد قرطبة الجامع باقيًا حتى اليوم بكل أروقته الإسلامية ومحاريبه، وقد تحول ‏إلى كاتدرائية بعد الاستيلاء على قرطبة ، بعد إزالة كثير من قباب المسجد وزخارفه ‏الإسلامية ولكنه مازال محتفظا باسمه مسجد قرطبة حتى اليوم ‏
عبد الرحمن الناصر والمنذر بن سعيد
كان أن تأخر المطر فى السقوط على الأندلس وكاد يهلك الحرث والنسل فأرسل عبد ‏الرحمن الناصر برسول للمنذر ابن سعيد أن يؤم الناس لصلاة الاستسقاء (قال المنذر بن ‏سعيد للرسول الذي جاءه: ماذا يصنع الخليفة الآن؟ قال الرسول للمنذر: إن الخليفة الآن ‏قد لبس أخشن الثياب وافترش التراب، وأخذ التراب فوضعه على رأسه ووجهه ولحيته، ‏وبكى بين يدي الله –عزّ وجل- واعترف بذنوبه، وإني سمعته بأذني يقول: يا رب هذه ‏ناصيتي بيدك، أتُرَاك تعذب عبادك بسببي؟ أتراك تعذب هذا الخلق لأجلي؟ يا رب إنني لا ‏أعجزك ولا أفوتك فارحم عبادك وبهائمك وبلادك، فلما رأى المنذر بن سعيد فعلاً أن ‏الخليفة قد غير وأصلح وتاب وأقبل على الله وأناب وصدق مع ربه –عزّ وجل- قال: يا غلام ‏احمل الممطرة، فقد أذن الله –عزّ وجل- سقيانا؛ إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء، ‏وخرج فاستسقى، فلما صعد المنبر ورأى الناس قد شخصوا إليه بأبصارهم يرمقونه، ‏وينظرونه غلبه البكاء فقال: سلام عليكم، تم وقف شبه الحسير، كأنه لا يستطيع أن ‏يتكلم، مع أن هذا لم يكن من عادته، ثم بكى، ثم استرسل يقول: سلام عليكم، (كتب ‏ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور ‏رحيم) ثم ظل يكررها حتى ضج الناس بالبكاء والتوبة، ثم تمم الخطبة فسقي الناس، وهو ‏في مجلسهم ذاك.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم

تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق