السبت، 24 سبتمبر 2016

حرب الارمادا


حرب الارمادا



في صيف عام 1588 أرسل ملك اسبانيا الأرمادا الإسبانية، أو الأسطول الحربي الإسباني ، الذي كان يعد واحداً من أكبر الأساطيل الحربية في العالم في حينها، لغزو بريطانيا، والإطاحة بعرش الملكة إليزابت الأولى وإقامة نظام حكمٍ موالٍ للإسبان على التربة البريطانية، وكان التنافس الديني والتجاري والاستعماري بين بلاده وبين انجلترا هو الدافع الحقيقي وراء تلك المعركة التي تكمن أهميتها في أنها أحكمت سيطرة بريطانيا البحرية على أعالي البحار، وأنهت الحلم الإسباني في أن تصبح إسبانيا قوة عظمى مرة وإلى الأبد.



قوة استعمارية

كانت إسبانيا في نظر العالم في تلك الأيام قوة استعمارية، فقد كانت تفرض سيطرتها على هولندا في القارة الأوروبية، وتحتل مساحات شاسعة من الأميركتين، وتستغل ثروات دول غنية فيها مثل المكسيك وأميركا الوسطى والبيرو. وكان فيليب الثاني قد ضم البرتغال إلى بلاده أيضاً، ووضع يده على المصادر البرتغالية الكبيرة في افريقيا وآسيا. وكانت جيشه، لاسيما سلاح المشاة يعد من أقوى الجيوش في أوروبا، ويقوده دوق بارما (أليساندرو فرانيس)، أعظم الضباط العسكريين في عصره.

ولكن الملك فيليب كان يعرف أيضاً ما لا يعرفه غيره، وهو أن عدد سكان اسبانيا صغير بالمقارنة مع عدد سكان فرنسا، وأن معظم بلاده كانت إما أراضي قاحلة أو مرتفعات جبلية، وكانت معظم المصادر التي يحتاج إليها لتمويل جيشه الضخم، تأتي من الأميركتين، وكانت بعض الشهور تمر دون أن يتمكن من دفع رواتب جنوده، وكثيراً ما كان الجنود يثورون، الأمر الذي زاد من تعقيد الأوضاع الإسبانية في هولندا،وجعل من وأد الثورة التي نشبت فيها ضد الاستعمار الإسباني، عملاً شبه مستحيل على الرغم من أن دوما بارما بنفسه كان يقود الجيش الإسباني فيها.

وعلى الرغم من أن بارما حقق عدداً من الانتصارات في حربه مع الثوار، فإن الثوار لم يستكينوا، لأن حافزهم على الثورة ديني أكثر منه سياسي، فقد كانوا يدينون بالكالفينية، وهو مذهب مسيحي بروتستانتي أسسه المصلح الفرنسي دون كالفن في القرن السادس عشر، وكانت قوات الملك فيليب الثاني من الكاثوليك، ما يعني أن الحرب بين الإسبان والثوار الهولنديين كانت ذات طابع طائفي ،وتميزت بكل ما تميزت به كافة الحروب الطائفية التي شهدتها أوروبا في تلك الفترة، من سفك للدماء وحرق للكنائس ونهب للمتلكات وقتل للأشخاص، لاسيما رجال الدين الذين كانوا يتعرضون للإبادة من قبلكل أطراف النزاع. ولم يكن الهولنديون نداً لمشاة فيليب، ولكنهم كانوا يمتلكون سفناً صغيرة تستطيع الإبحار في المياه الضحلة وتستطيع عبور الأنهار ومجاري المياه إلى أماكن لا تستطيع السفن الإسبانية أن تصل إليها.

كان فيليب إذن مشغولاً جداً في هولندا ولم يكن يستطيع خوض حرب أخرى جديدة مع الإنجليز.

ولم يكن الأمر مختلفا جداً بالنسبة للملكة البريطانية إليزابيت الأولى-أو هذا ما كانت تدّعيه- فقد كانت الخزينة البريطانية خاوية، ولم يكن مجلس النواب البريطاني على استعداد للتصويت على قانون لفرض ضرائب جديدة لتمويل الحرب،الملكة كانت تستطيع أن تموّل أي حرب من حسابها الخاص، فقد كانت لا تفوت فرصة واحدة لكسب المال، وكانت شريكة رجل الأعمال البريطاني جون هوكنز في تجارة العبيد، وكان ذاك أحد أسباب التوتر مع إسبانيا، لأن تجارة العبيد كانت في إسبانيا محتكرة من قبل الدولة.

كانت ملكة انجلترا وشريكها جون هوكنز يأخذان حصة من سوق العبيد التي يعتبرها الملك الإسباني فيليب الثاني له دون غيره، ومع ارتفاع حدة التوتر بين البلدين ذهبت الملكة إليزابيث

الأولى إلى أبعد حد ممكن في استفزاز الإسبان، وتحالفت حتى مع القراصنة الذين كانوا يغيرون على السفن الإسبانية المحملة بالكنوز من الأميركتين، وعلى السفن الإسبانية في القنال البريطاني، الأمر الذي جعل من عمليات إمداد القوات الإسبانية في هولندا أمراً محفوفاً بالمخاطر وبالغ الصعوبة، ولهذا لم يكن مستغرباً أن تبادر السلطات الإسبانية في هولندا إلى الإلحاح في دعوة الملك فيليب إلى غزو انكلترا ووضع حد لهجمات القراصنة على على السفن الإسبانية، ولكن فيليب استمر في تردده بشأن الخوض في حرب مع انجلترا.

وفي انجلترا نفسها، ارتفعت أصوات دعاة الحرب مع إسبانيا في أوساط السلك العسكري والتجار بشكل متزايد ، ولكن الملكة لم تعرهم آذاناً صاغية، وفي هذا الصدد كتب المؤرخ وليام كامدن قائلاً: كان القراصنة وتجار العبيد، يسعون إلى الحصول على تغطية قانونية لأعمالهم، ويريدون أيضاً دعماً إضافياً على مستوى حكومي وقومي. وشكّل أتباع الكالفينية في انجلترا مجموعة أخرى ومؤثرة من المجموعات الداعية إلى الحرب. فقد كانت إنجلترا في تلك الأيام منقسمة على المستوى الديني، ما بين الكالفينيين والكاثوليك والروم الكاثوليك، وكان الكالفينيون يرغبون في مد يد العون إلى أقرانهم في القارة الأوروبية، لاسيما إلى الثوار الهولنديين والكالفينيين الفرنسيين، غير أن التعدد الديني في انجلترا كان سبباً آخر من الأسباب التي تكمن وراء نأي الملكة البريطانية بنفسها ووببلادها عن الحرب مع أية دولة أوروبية أخرى.

مساندة الثوار

غير أن الانتصارات الجديدة التي حققها دوق بارما في هولندا أثارت حفيظة الملكة إليزابيث الأولى التي خشيت أن تؤول السيادة في هولندا في نهاية المطاف إلى الفرنسيين، فعمدت إلى اطالة أمد الثورة ضد الإسبان أطول فترة ممكنة،الأمر الذي أثار حنق الملك الإسباني، فقام بدعم مؤامرة كاثوليكية للإطاحة بالملكة، وبذا أصبح الملك الإسباني العدو الأول لبريطانيا في نظر مليكتها إليزابيث الأولى التي سارعت إلى الدخول في تحالف مع كاثرين دوميديس،الوصية على عرش فرنسا، وخاضت الدولتان معركتين بحريتين فاشلتين مع اسبانيا، كانت الأولى في عام 1582، والثانية في العام الذي يليه،.

واستمرت العلاقات بين اسبانيا وبريطانيا في التردي، وأرسلت الملكة إليزابيث بفرانسيس دريك وبحارته المرتزقة لنهب جزر الهند الغربية الإسبانية، ثم أرسلت 5000 جندي بقيادة إيرل أوف ليستر لمساعد الثوار الهولنديين ضد الإسبان. واضطر فيليب إلى الأخذ بنصيحة قائد بحريته سانتا كروز بإرسال أسطول ضخم ، ومن ثم غزو انجلترا مباشرة عن طريق البحر، ووافق فيليب الخطة أخيراً،ولكنه عدّلها جزئياً، حيث أمر بأن يقوم الأسطول الإسباني بالإبحار إلى هولندا والاستعانة بقوات دوق بارما المتمركزة هناك، ومن ثم عبور القنال وغزو الساحل البريطاني.

ولكن المركيز سانتا كروز، الذي يعد واحداً من ألمع الضباط البحريين، مات في الثلاثين من يناير 1588 ، وقام الملك فيليب الثاني بالاستعاضة عنه بدوق مدينا سيدونيا الذي لم يسبق له أن خدم لا في الجيش ولا في البحرية، محله، ويبدو اختياره تم لمجرد أنه كان أحد أهم النبلاء في إسبانيا.

أسطول ضخم

وأصدر فيليب أوامره إلى الدوق بإعداد أسطول ضخم من أجل الإبحار به شمالاً في القنال الإنجليزي ومن ثم الانتقال بجيش دوق بارما، من هولندا إلى الساحل الإنجليزي، وضرب أية قوة بحرية أو غير بحرية تعترض سبيله. وتطلّب الإعداد للحملة جهداً هائلاً حيث بعث فيليب إلى المانيا وإيطاليا بمن يشتري له منهما كل ما تحتاجه الحملة من مدافع ودروع وبارود وقذائف وطلقات وسيوف، بل وكل ما كانت تدعو إليه الحاجة من السلاح. كما استأجر مراكب من عدة دول أوروبية لنفس الغرض، واستخدم بالإضافة إلى 22 سفينة إسبانية وبرتغالية عملاقة، عدداً كبيراً من السفن التجارية التي تم تحويلها إلى سفن حربية.

وتم تحميل سفن الشحن الثقيلة بمدافع الحصار والمعدات الضرورية للمعركة، بما فيها المدافع والمتفجرات والخيول والبغال والذخيرة، وكان مجرد تحميل تلك المواد مهمة بالغة الصعوبة، وتضمنت الحمولة 11 مليون رطل من البسكويت، و600000 رطل من اللحم المملح، و40000 جالون من زيت الزيتون، و14000 برميل من الخمر. وسافر مع الأسطول 6 جراحين و 6 أطباء، و180 رجل دين و19 قاضيا و 50 موظفا إداريا تم اختيارهم بحرص لتأليف حكومة في انجلترا بعد احتلالها.

في شهر يوليو من عام 1588 تحركت مئة وستون سفينة وعلى متنها 30000 رجل لتنفيذ أوامر الملك، وفي الوقت نفسه تجمّع أسطول إنجليزي كبير في ميناء بليموث بانتظار وصول الأخبار عن الاسطول الاسباني، وفي التاسع عشر من يوليو شوهد الأسطول الإسباني بمحاذاة موقع يقال «ذي ليزارد»، في أقصى جنوب انجلترا، ، فانطلق الأسطول الإنجليزي، وكان بقيادة كل من فرانسيس دريك وتشارلز هوارد، متعقباً الأسطول الإسباني ، بينما كان الأسطول الإسباني يبحر على شكل هلال مكتظ بالسفن لمنح كل سفينة فرصة الدفاع عن السفن المحاذية لها،وخلال الأسبوع التالي اشتبك الأسطولان في مناوشتين محدودتين، استكشف فيهما الإنجليز مواطن القوة والضعف لدى الأرمادا، ولكنهم لم يتمكنوا من كسر تشكيلة الأسطول الإسباني. عند جزيرة «وايت» شن الإنجليز هجوماً شاملاً على الأرمادا، وقاد سير فرانسيس دريك أكبر المجموعات الهجومية، وحقق الإنجليز بعض النجاح، ولكن قائد الأسطول الإسباني نجح أيضاً في تعزيز قطع أسطوله التي تعرضت للإصابة، وتمكن بالتالي من المحافظة على تشكيلة الأسطول ، ولكن على الرغم من أن الإنجليز فشلوا في تمزيق تشكيلة السفن الإسبانية، فإن الهجوم حال دون استخدام الإسبان للجزيرة كميناء للرسو، واضطروا إلى استئناف الإبحار شمالاً حتى قبل حصولهم عن خبر حول جاهزية القوات التي كانوا يعتزمون حملها معهم من هولندا. وفي السابع والعشرين من يوليو، رست الأرمادا في ميناء كاليه الفرنسي، وانشغل قائد الأسطول الإسباني في الاتصال بدوق ببارما من هناك، ولكن في منتصف ليلة 28 يوليو أضرم الإنجليز النار في 8 سفن حارقة (سفن كانت تُعبّأ بمواد سريعة الاشتعال وترسل في اتجاه سفن العدو، بعد إضرام النار فيها، لتفريقها أو لنشر الذعر في قلوب بحارتها)، وأرسلوها في اتجاه الأسطول الإسباني، وخشي عدد كبير من قباطنة السفن الإسبانية أن تصل النار إلى سفنهم، فقطعوا مراسيهم وتفرقوا خارج الميناء، ونجح الانجليز بهذه الطريقة في كسر تشكيلة السفن الإسبانية، على الرغم من ان النار لم تصل سوى إلى سفينة واحدة. وما إن انتهى هجوم السفن الحارقة حتى حاول قائد الاسطول الإسباني أن يجمّع سفنه على مقربة من ميناء «غريف لاينز» عند الزاوية الشمالية الغربية من فرنسا، خاصة أن اتجاه الرياح حال دون الرسو في كاليه مرة أخرى، ومع عودة الإنجليز إلى مهاجمته مستخدمين هذه المرة كامل سفنهم التي تتميز بصغر حجمها وسرعتها وقدرتها على المناورة، تلقى القائد الإسباني خبراً مزعجاً وهو أن بارما وقواته لن تكون جاهزة عند الشاطئ قبل ستة أيام.

في التاسع من أغسطس، وبعد تعرضه لخسائر كبيرة، وعدم توافر الرياح المواتية، قرر قائد الأسطول الإسباني التخلي عن فكرة غزو بريطانيا، ووضع خطة للعودة إلى إسبانيا، وقاد أسطوله شمالاًً في حركة التفاف حول الجزر البريطانية من أجل العودة إلى إسبانيا عن طريق المحيط الأطلسي، ولاحق الانجليز الأرمادا حتى وصولها إلى مكان يدعى «فورث أوف فورث» ثم عادوا من حيث أتوا، وعند وصول الأرمادا إلى محاذاة إيرلندا تعرضت لإعصار قوي أدى إلى جنوح ما لايقل عن 24 سفينة إلى الشاطئ ، ولكن البحّارة الذين نجوا بحياتهم من الإعصار قُتلوا بحراب قوات الملكة إليزابيت الثانية الذين كانوا في انتظارهم على الشاطئ.

خلال الأسابيع القليلة التالية عادت 67 سفينة فقط من سفن الأرمادا إلى اسبانيا، وكانت السفن نفسها وأطقمها في حالة يرثى لها، وخسر الإسبان في المعركة حوالي 50 سفينة وأكثر من 5000 رجل، ولكن معظم السفن التي غرقت كانت من السفن التجارية التي تم تطويرها إلى سفن حربية، وليست سفناً تابعة للبحرية الإسبانية.

أما الانجليز ففقدوا 50 إلى 100 رجل فقط، وحوالي 400 جريح، واستمروا لفترة طويلة في اعتبار انتصارهم على الأرمادا واحداً من أعظم الانتصارات البحرية في تاريخهم.

تقبلوا تحياتي
القلم أمانه .... والكلمه سلاح ...
فإن لم تكن كاتبا يفيد غيره ... فكن قارئا جيد يفيد نفسه ...

آمل الفائدة للجميع وشكرا لكم
منقول للفائدة العلمية
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق