مظاهرات الطلبة على كوبرى عباس..والمطالبة بعودة دستور 1923
بدأ عام 1935 بداية ساخنة، وقعت إرهاصاتها أواخر عام 1934، حينما دعا الوفد المصرى أعضاء لجانه وأنصاره إلى عقد مؤتمر عام للنظر فى شؤون البلاد التشريعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وبالفعل انعقد المؤتمر بالزمالك، يومى 9 و10 يناير عام 1935، ليكون أول مؤتمر عام للوفد المصرى، حضره خمسة وعشرون ألفا من أنحاء مصر، وكان من أعظم المؤتمرات الوطنية شأناً وأهمية.
خطب فى هذا المؤتمر من الرجال يوسف الجندى، ومحمد صفوت باشا، والدكتور على أيوب، ومحمد توفيق دياب، وأحمد ثابت موافى، وإبراهيم عبدالهادى باشا، وعباس العقاد، وعزيز ميرهم. ومن النساء ايستر فهمى ويصا، ونور حسن.
وكان من أهم ما قرره المؤتمر عودة دستور 1923 كاملاً، وعلى إثر ذلك سادت حالة وطنية عامة فى مصر، كان مطلبها الأساسى هو عودة دستور 1923، ووقفت الوزارة فى خندق الشعب، ورفعت معه نفس المطلب.
وفى أبريل سنة 1935، رفع توفيق نسيم باشا تقريراً إلى الملك فؤاد، يتضمن اقتراحات وزارية تتعلق بعودة الحياة الدستورية، بأى من الوسيلتين: عودة دستور 1923 أو الدعوة لتشكيل لجنة وطنية لوضع دستور ترضاه البلاد، فقبل الملك فؤاد بالوسيلة الأولى، وهى عودة دستور 1923، غير أن الحكومة البريطانية عارضت عودة الدستور، وقام المندوب السامى بإبلاغ رئيس الوزراء بمذكرة شفهية، مفادها أن الحكومة البريطانية لا تعارض وجود حياة دستورية، على أن يحدث هذا فى الوقت الملائم. وبدا الاعتراض البريطانى كما لو كان اعتراضاً على التوقيت، أما التوقيت المناسب كما رأته بريطانيا، فكان توصيفه وتحديده مطاطاً، إذ قال المندوب السامى إنه لا بد أن يكون الدستور موافقاً لحاجات البلاد، وكان الاعتراض البريطانى برمته بمثابة تدخل سافر فى شؤون البلاد.
وفى التاسع من نوفمبر سنة 1935، ألقى وزير الخارجية البريطانى، السير صمويل هور، خطبة فى «جولد هول» بلندن، وتحدث فى سياقها عن الدستور المصرى قائلاً: إنه عندما استشيرت الحكومة البريطانية بشأنه، نصحت بعدم عودة دستور 1923 أو دستور 1930، إذ قد ظهر أن الأول غير صالح للعمل، والثانى لا يتوافق ورغبات الأمة. وكان لهذا التصريح وقع الصدمة فى نفوس المصريين، وأجج بداخلهم حالة الغليان، كما أثار السخط فى الأوساط الوطنية والشعبية، بعد أن عرف الجميع من سياقه أن الحكومة المصرية هى التى قبلت التدخل ولم ترفضه من البداية.
على إثر ذلك اندلعت المظاهرات، التى بدأت فى القاهرة، وامتدت إلى ربوع مصر ومحافظاتها، احتجاجاً على التدخل البريطانى السافر.
وفى مناسبة عيد الجهاد يوم 13 نوفمبر، وفى مواجهة هذه الغضبة الشعبية والوطنية، تصدت قوات الأمن لها بإطلاق النار، ووقعت أحداث دامية، وسقط أول شهيد، وهو إسماعيل محمد الخالع، حيث أصابته رصاصة أودت بحياته فى الحال وكان عاملاً يعمل فى السرادق المخصص للاحتفالات.
وفى اليوم التالى، الخميس الموافق 14 نوفمبر، تأججت المظاهرات وتواصلت، وكان أهمها المظاهرة الكبرى، التى قام بها طلبة جامعة الملك فؤاد (القاهرة حالياً)، وبدأت من ساحة الجامعة، متجهة إلى قلب العاصمة، فقابلها البوليس بالأعيرة النارية. وهى المظاهرة التى ما زالت محفورة فى وجدان كل مصرى باسم «مظاهرة كوبرى عباس»، وسقط فيها عدد من الطلاب الشهداء، ومنهم: محمد عبدالمجيد مرسى، الطالب بكلية الزراعة، ومحمد عبدالحكم الجراحى الطالب بكلية الآداب، وعلى طه عفيفى الطالب بكلية دار العلوم الذى أصيب فى السادس عشر من نوفمبر عام 1935 وتوفى متأثراً بجراحه. كما سقط فى طنطا الشهيد عبدالحليم عبدالمقصود شبكة، الطالب بالمعهد الدينى بطنطا.
وفى مظاهرة كوبرى عباس سقط الطالب إبراهيم شكرى الطالب بالسنة الثانية بكلية الزراعة، مثخناً بجراحه إلى جوار الشهيد عبدالحكم الجراحى والشهداء الآخرين، وتم نقلهم إلى مستشفى قصر العينى، وهناك اكتشف الأطباء أن إبراهيم شكرى مازال على قيد الحياة، ليكتسب من حينها لقب «الشهيد الحى»، ويصبح وزير الزراعة لاحقا ثم مؤسس حزب العمل.
وظلت المظاهرات المتأججة تتواصل حتى الثامن والعشرين من نوفمبر، الذى أعلن كإضراب عام حداداً على أرواح الشهداء، فأغلقت المتاجر، واحتجبت الصحف، وعطلت الأعمال، ودخلت العاصمة فى حداد رهيب، جدد ذكرى ثورة 1919.
وكان لهذا الشعور الوطنى الجارف فضل عظيم فى تحقيق الائتلاف بين الأحزاب، بينما أقام الطلبة نصباً تذكارياً لشهداء الجامعة فى فنائها، ونقشت أسماؤهم على قاعدته، واحتفلوا يوم السبت 7 ديسمبر عام 1935 بإزاحة الستار عنه.
واستمرت المظاهرات وتجددت الدعوة إلى توحيد الصفوف لمواجهة اللحظة التاريخية العصيبة إلى أن عاد العمل بدستور 1923 فى 12 ديسمبر 1935 بموافقة الملك فؤاد.
وقد أرخت الصحافة لهذه المظاهرات عبر متابعات مستمرة، بل لعبت بعض الصحف دورا وطنيا مهما فى هذه المظاهرات، ومنها جريدة الجهاد لصاحبها توفيق دياب، التى ساندت انتفاضة 1935 وكانت تستقبل وفود الطلاب.
وفى جريدة الأهرام وعلى الصفحة الأولى فى الخامس عشر من نوفمبر 1935، أى فى اليوم التالى لاندلاع المظاهرة نقرأ متابعة مطولة لمجريات مظاهرة الطلبة تحت عنوان «مظاهرات أمس فى القاهرة».. إضراب طلبة الجامعة والمدارس– اشتراك الوفد المصرى فى تشييع جنازة القتيلين ....إلخ».
وتحت عنوان فرعى فى التغطية يقول «نجل شكرى باشا» نقرأ: «ومن بين الطلبة الذين أصيبوا من رصاص الكونستابلات أحد طلبة كلية الهندسة، وهو نجل صاحب السعادة محمود شكرى باشا، مدير بنك التسليف الزراعى، وقد سقط متأثرا برصاصة أحد الكونوستابلات، وظل يردد بصوت مرتفع «تحيا مصر حرة دائما».
ويذكر أن إبراهيم شكرى حينما قرر الحصول على مقر لإقامته لاحقا اختار بيتاً يقع على مقربة من كوبرى عباس، ومازالت أسرته تقيم هناك إلى الآن، بل إنه أوصى قبل وفاته بأن يدفن– حين يلقى ربه – إلى جوار عبدالحكم الجراحى، فكان له ما أراد بفضل جهود ابنه المهندس أحمد شكرى.
وكان إبراهيم شكرى يرى فى مظاهرات الطلبة على كوبرى عباس عام 1935 أنها ثورة سقطت بين ثورتين، «1919 و1952»، حيث لم تحظ بما تستحقه من الدراسة والاهتمام، مثلما حظيت الانتفاضات الثورية الشعبية الأخرى
بدأ عام 1935 بداية ساخنة، وقعت إرهاصاتها أواخر عام 1934، حينما دعا الوفد المصرى أعضاء لجانه وأنصاره إلى عقد مؤتمر عام للنظر فى شؤون البلاد التشريعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وبالفعل انعقد المؤتمر بالزمالك، يومى 9 و10 يناير عام 1935، ليكون أول مؤتمر عام للوفد المصرى، حضره خمسة وعشرون ألفا من أنحاء مصر، وكان من أعظم المؤتمرات الوطنية شأناً وأهمية.
خطب فى هذا المؤتمر من الرجال يوسف الجندى، ومحمد صفوت باشا، والدكتور على أيوب، ومحمد توفيق دياب، وأحمد ثابت موافى، وإبراهيم عبدالهادى باشا، وعباس العقاد، وعزيز ميرهم. ومن النساء ايستر فهمى ويصا، ونور حسن.
وكان من أهم ما قرره المؤتمر عودة دستور 1923 كاملاً، وعلى إثر ذلك سادت حالة وطنية عامة فى مصر، كان مطلبها الأساسى هو عودة دستور 1923، ووقفت الوزارة فى خندق الشعب، ورفعت معه نفس المطلب.
وفى أبريل سنة 1935، رفع توفيق نسيم باشا تقريراً إلى الملك فؤاد، يتضمن اقتراحات وزارية تتعلق بعودة الحياة الدستورية، بأى من الوسيلتين: عودة دستور 1923 أو الدعوة لتشكيل لجنة وطنية لوضع دستور ترضاه البلاد، فقبل الملك فؤاد بالوسيلة الأولى، وهى عودة دستور 1923، غير أن الحكومة البريطانية عارضت عودة الدستور، وقام المندوب السامى بإبلاغ رئيس الوزراء بمذكرة شفهية، مفادها أن الحكومة البريطانية لا تعارض وجود حياة دستورية، على أن يحدث هذا فى الوقت الملائم. وبدا الاعتراض البريطانى كما لو كان اعتراضاً على التوقيت، أما التوقيت المناسب كما رأته بريطانيا، فكان توصيفه وتحديده مطاطاً، إذ قال المندوب السامى إنه لا بد أن يكون الدستور موافقاً لحاجات البلاد، وكان الاعتراض البريطانى برمته بمثابة تدخل سافر فى شؤون البلاد.
وفى التاسع من نوفمبر سنة 1935، ألقى وزير الخارجية البريطانى، السير صمويل هور، خطبة فى «جولد هول» بلندن، وتحدث فى سياقها عن الدستور المصرى قائلاً: إنه عندما استشيرت الحكومة البريطانية بشأنه، نصحت بعدم عودة دستور 1923 أو دستور 1930، إذ قد ظهر أن الأول غير صالح للعمل، والثانى لا يتوافق ورغبات الأمة. وكان لهذا التصريح وقع الصدمة فى نفوس المصريين، وأجج بداخلهم حالة الغليان، كما أثار السخط فى الأوساط الوطنية والشعبية، بعد أن عرف الجميع من سياقه أن الحكومة المصرية هى التى قبلت التدخل ولم ترفضه من البداية.
على إثر ذلك اندلعت المظاهرات، التى بدأت فى القاهرة، وامتدت إلى ربوع مصر ومحافظاتها، احتجاجاً على التدخل البريطانى السافر.
وفى مناسبة عيد الجهاد يوم 13 نوفمبر، وفى مواجهة هذه الغضبة الشعبية والوطنية، تصدت قوات الأمن لها بإطلاق النار، ووقعت أحداث دامية، وسقط أول شهيد، وهو إسماعيل محمد الخالع، حيث أصابته رصاصة أودت بحياته فى الحال وكان عاملاً يعمل فى السرادق المخصص للاحتفالات.
وفى اليوم التالى، الخميس الموافق 14 نوفمبر، تأججت المظاهرات وتواصلت، وكان أهمها المظاهرة الكبرى، التى قام بها طلبة جامعة الملك فؤاد (القاهرة حالياً)، وبدأت من ساحة الجامعة، متجهة إلى قلب العاصمة، فقابلها البوليس بالأعيرة النارية. وهى المظاهرة التى ما زالت محفورة فى وجدان كل مصرى باسم «مظاهرة كوبرى عباس»، وسقط فيها عدد من الطلاب الشهداء، ومنهم: محمد عبدالمجيد مرسى، الطالب بكلية الزراعة، ومحمد عبدالحكم الجراحى الطالب بكلية الآداب، وعلى طه عفيفى الطالب بكلية دار العلوم الذى أصيب فى السادس عشر من نوفمبر عام 1935 وتوفى متأثراً بجراحه. كما سقط فى طنطا الشهيد عبدالحليم عبدالمقصود شبكة، الطالب بالمعهد الدينى بطنطا.
وفى مظاهرة كوبرى عباس سقط الطالب إبراهيم شكرى الطالب بالسنة الثانية بكلية الزراعة، مثخناً بجراحه إلى جوار الشهيد عبدالحكم الجراحى والشهداء الآخرين، وتم نقلهم إلى مستشفى قصر العينى، وهناك اكتشف الأطباء أن إبراهيم شكرى مازال على قيد الحياة، ليكتسب من حينها لقب «الشهيد الحى»، ويصبح وزير الزراعة لاحقا ثم مؤسس حزب العمل.
وظلت المظاهرات المتأججة تتواصل حتى الثامن والعشرين من نوفمبر، الذى أعلن كإضراب عام حداداً على أرواح الشهداء، فأغلقت المتاجر، واحتجبت الصحف، وعطلت الأعمال، ودخلت العاصمة فى حداد رهيب، جدد ذكرى ثورة 1919.
وكان لهذا الشعور الوطنى الجارف فضل عظيم فى تحقيق الائتلاف بين الأحزاب، بينما أقام الطلبة نصباً تذكارياً لشهداء الجامعة فى فنائها، ونقشت أسماؤهم على قاعدته، واحتفلوا يوم السبت 7 ديسمبر عام 1935 بإزاحة الستار عنه.
واستمرت المظاهرات وتجددت الدعوة إلى توحيد الصفوف لمواجهة اللحظة التاريخية العصيبة إلى أن عاد العمل بدستور 1923 فى 12 ديسمبر 1935 بموافقة الملك فؤاد.
وقد أرخت الصحافة لهذه المظاهرات عبر متابعات مستمرة، بل لعبت بعض الصحف دورا وطنيا مهما فى هذه المظاهرات، ومنها جريدة الجهاد لصاحبها توفيق دياب، التى ساندت انتفاضة 1935 وكانت تستقبل وفود الطلاب.
وفى جريدة الأهرام وعلى الصفحة الأولى فى الخامس عشر من نوفمبر 1935، أى فى اليوم التالى لاندلاع المظاهرة نقرأ متابعة مطولة لمجريات مظاهرة الطلبة تحت عنوان «مظاهرات أمس فى القاهرة».. إضراب طلبة الجامعة والمدارس– اشتراك الوفد المصرى فى تشييع جنازة القتيلين ....إلخ».
وتحت عنوان فرعى فى التغطية يقول «نجل شكرى باشا» نقرأ: «ومن بين الطلبة الذين أصيبوا من رصاص الكونستابلات أحد طلبة كلية الهندسة، وهو نجل صاحب السعادة محمود شكرى باشا، مدير بنك التسليف الزراعى، وقد سقط متأثرا برصاصة أحد الكونوستابلات، وظل يردد بصوت مرتفع «تحيا مصر حرة دائما».
ويذكر أن إبراهيم شكرى حينما قرر الحصول على مقر لإقامته لاحقا اختار بيتاً يقع على مقربة من كوبرى عباس، ومازالت أسرته تقيم هناك إلى الآن، بل إنه أوصى قبل وفاته بأن يدفن– حين يلقى ربه – إلى جوار عبدالحكم الجراحى، فكان له ما أراد بفضل جهود ابنه المهندس أحمد شكرى.
وكان إبراهيم شكرى يرى فى مظاهرات الطلبة على كوبرى عباس عام 1935 أنها ثورة سقطت بين ثورتين، «1919 و1952»، حيث لم تحظ بما تستحقه من الدراسة والاهتمام، مثلما حظيت الانتفاضات الثورية الشعبية الأخرى


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق