السبت، 24 سبتمبر 2016

الاستراتيجية الجديدة للإمبريالية الأمريكية


الاستراتيجية الجديدة للإمبريالية الأمريكية



أصبحت مواقف الحكومة الأمريكية أحادية الجانب مركزية أكثر فأكثر في الوضع العالمي منذ بداية إدارة بوش. فمنذ انتخابه ندد الرئيس الأمريكي ببروتوكول كيوتو حول ارتفاع حرارة الكوكب. لكن هذا الميل تسارع طبعا منذ 11 سبتمبر 2001.

كانت الذكرى الأولى لتفجيرات نيويورك وواشنطن مطبوعة بنشر وثيقة استراتيجية قومية أمريكية جديدة. وتبدأ كما يلي:" تملك الولايات المتحدة اليوم قوة ونفوذا غير مسبوقين في العالم"، وتنتهي بما يلي:" ستكون قدراتنا قوية بما يكفي لردع خصومنا المحتملين عن محاولة مضاهاة أو تجاوز قوة الولايات المتحدة."

إن هذا الاعتراف الفظ بان الولايات المتحدة تسعى (كما كتب الصحافي المحافظ أناتول ليفن) إلى "سيطرة أحادية الجانب على العالم من خلال تفوق عسكري مطلق" يدحض الفكرة الرائجة جدا حول أن العولمة الاقتصادية مرفقة بأشكال جديدة لـ"حكم عالمي" تزيل التنافس بين القوى الكبرى.

تعتبر النظرية الماركسية حول الإمبريالية النزاعات العسكرية والديبلوماسية بين البلدان مكونات لسيرورة أعم من التنافس الرأسمالي. وكما أوضح ذلك بوخارين، خلال الحرب العالمية الأولى، ثمة ميل إلى انصهار سيرورتين كانتا حتى القرن 19 مستقلتين نسبيا، سيرورة التنافس الجيوسياسي بين الدول و سيرورة تنافس الرساميل.

لم يعد التصنيع المتنامي للحرب يسمح للقوى الكبرى بالسيطرة بلا قاعدة اقتصادية رأسمالية صلبة. ومن جهة أخرى، كان تركز الرساميل وتدويلها يجنحان إلى تحويل التنافس الاقتصادي إلى معارك جيوسياسية. كان كل رأسمال كبير يطلب دعم دولته. هذه النظرية هي التي تفسر على أفضل وجه الإرادة الحربية لدى بوش. طبعا لا تشن الدول حروبا لأسباب اقتصادية فقط. فالحرب في أفغانستان كانت لدواع سياسية في المقام الأول: تأكيد السيطرة العالمية للولايات المتحدة الأمريكية، رغم أن النفاذ إلى مصادر الطاقة بالمنطقة كان عاملا ثانويا. طيلة تاريخ الإمبريالية كله تصرفت القوى الكبرى لدواع معقدة تجمع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية.

بعد الحرب الباردة

تنتج القوة الراهنة للولايات المتحدة الأمريكية، طبعا، عن نهاية الحرب الباردة المفضية إلى هزيمة دون معركة للاتحاد السوفيتي. وبرزت الولايات المتحدة الأمريكية بما هي زعيم عسكري عالمي مسلم به. واتسع نفاذها إلى مناطق جديدة من الكوكب.

لكنها مع ذلك تواجه مجموعتين من الخصوم المحتملين. ففي داخل الكتلة الغربية تغدو اليابان والمانيا، الخاضعتين سياسيا للولايات المتحدة، منافسين اقتصاديين جديين في كل مكان. فبعد تحررهما من اكراهات التكتل ضد الاتحاد السوفيتي، بات بإمكانهما منازعة السيطرة الأمريكية. ويمثل تدخل ألمانيا المستقل في يوغوسلافيا ضد السياسة الأمريكية (التي أرادت بقاء وحدة يوغوسلافيا) مثالا عن ذلك.

المجموعة الثانية خارجة عن الكتلة الغربية. فما تزال روسيا قوة عظمى، تحوز آلاف الرؤوس النووية. وتمثل الصين خطرا أكثر جدية. فما شهدته من نمو اقتصادي سريع منذ تحولها إلى ستالينية السوق في سنوات 1980 أمدها بالموارد للسيطرة في إحدى أكثر مناطق العالم لاإستقرارا. كتب المحلل الأمريكي John Mearsheimer :" إن كيفية أخرى لإبراز القوة الكامنة للصين هي مقارنتها بالولايات المتحدة. يبلغ النتاج الوطني الإجمالي للولايات المتحدة 7900 مليار دولار. إذا لحق النتاج الوطني الإجمالي الفردي للصين بنظيره بكوريا الجنوبية، سيبلغ النتاج الوطني الإجمالي للبلد 10660 مليار دولار. وإذا بلغ النتاج الوطني الإجمالي الفردي بالصين نصف نظيره باليابان، سيصل النتاج الوطني الإجمالي للصين 2.5 مرة نظيره الأمريكي"… ويبدي آخرون في إدارة بوش شكوكا أكبر حول قدرات الصين على منازعة الهيمنة الأمريكية. لكن على كل حال، تتعزز نزعة التوسع الأمريكية وتحاول مد سيطرتها إلى كل مناطق العالم.

تمثل النجاح الرئيسي لإدارة كلينتون في الحفاظ على الهيمنة الأمريكية بأوربا وآسيا. وقد ساعد الظرف الاقتصادي كثيرا على تيسير مهمته. فقد شهد الاقتصاد الأمريكي، طوال القسم الأكبر من سنوات 1990،ازدهارا متسارعا بينما ركد الاقتصاد الألماني، وكان اقتصاد اليابان يجتاز أخطر انكماش شهده بلد رأسمالي كبير منذ سنوات 1930.

كان تجديد القوة الاقتصادية الأمريكية هذا مرفقا بتدخلات كلينتون العسكرية.و أكد قصف الحلف الأطلسي لصربيا عام 1995 و1999 تبعية الاتحاد الأوربي للقيادة السياسية والعسكرية الأمريكية حتى في تدبير أزمات خلفيته الخاصة.

كان لتوسيع حلف الأطلسي نحو الشرق، المنجز خلال حرب البلقان عام 1999، ثلاث وظائف. فقد كان يوطد سيطرة الولايات المتحدة، ويضفي شرعية على تغلغل الحلف الأطلسي، في آسيا الوسطى، ويبدأ تكتيكا جديدا لتطويق روسيا التي باتت من جديد مصدر تخوف أمريكي بسبب ضعف احتمال تحولها إلى ديمقراطية ليبرالية مزدهرة تكون مصدرا لمنافذ تجارية كبيرة.

كانت إدارة كلينتون تسعى إلى أهداف سيطرتها مع بناء تحالفات مع قوى أخرى. وقد أوضح برزيزنسكي، مستشار جيمي كارتر سابقا، على نحو جديد دوافع الإدارة الأمريكية. فقد أوضح في كتابه "رقعة الشطرنج الكبيرة" آن الولايات المتحدة تنهج سياسة " فرق تسد" قائلا: "على المدى القصير، من مصلحة أمريكا توطيد وتأبيد التعددية الجغرافية الراهنة بالقارة الأوربية-الآسيوية. فذلك يتيح المناورة والتلاعب من أجل منع انبثاق تحالف معاد للولايات المتحدة … وفي المدى المتوسط( زهاء 20سنة) يجب أن يعوض ذلك تدريجيا بمحاولة إبراز شركاء أهم…من شأنهم أن يشكلوا عند الاقتضاء، وبقيادة أمريكية، نظاما أمنيا أكثر تعاونا في المنطقة الأوربية-الآسيوية".

هكذا كان الدفع بتوسيع حلف الأطلسي والاتحاد الأوربي جزءا من استراتيجية للحفاظ على الهيمنة الأمريكية بالقارة الأوربية الآسيوية. كما كتب محافظ أمريكي:" يفضل الأمريكيون التصرف بدعم وموافقة بلدان أخرى إن أمكن ذلك. لكن لهم قدرة التصرف بمفردهم عند الحاجة".

على هذا النحو بدأت الولايات المتحدة الحرب في البلقان عام 1999 دون رجوع إلى مجلس أمن الأمم المتحدة. وقبل ذلك كان كلينتون أطلق حملة قصف ضد العراق عام 1998 بدعم من بريطانيا والكويت وحدهما. إن غطرسة الدولة الأمريكية هي التي جعلت سامويل هونتنغتون، الخادم المخلص للدولة الأمريكية، يكتب:" تجد الولايات المتحدة نفسها أكثر فأكثر وحيدة في العالم. تندد الولايات المتحدة بانتظام بمختلف الدول المارقة لكن أمريكا تصبح، بنظر بلدان عديدة القوة العظمى المارقة"

عقيدة بوش:" الهجوم المضاد الاستباقي"

باتت القوة العظمى المارقة منفلتة. فقد أتاحت هجمات 11 سبتمبر لبوش السير بعيدا في استراتيجية التدخل الأمريكي أحادى الجانب. وبرز احتقاره بجلاء بموقفه إزاء حلف الأطلسي. صرح هذا الأخير، يوم 12 سبتمبر 2001، لأول مرة في تاريخه، أن الهجمات ضد الولايات المتحدة تشكل هجوما ضد كل الدول الأعضاء". ومع ذلك لم يستعمله بوش في حربه ضد أفغانستان. ولم تخصص الوثيقة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لحلف الأطلسي سوى ثلاث فقرات.

يعكس الانعطاف أحادى الجانب، في المقام الأول، الضربة الرمزية الخطيرة التي تلقتها الولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر. كان أمرا أساسيا أن تنظم الولايات المتحدة انتقامها الخاص دون دعوة"إطفائيين دوليين". كان جليا، بعد سقوط كابول في نوفمبر 2001، أن إدارة بوش تستعمل "الحرب ضد الإرهاب" لتبرير استراتيجية جيوسياسية أكثر عدوانية بقصد القضاء على بعض الأخطار وإفزاع العالم برمته.

تمثلت المرحلة الأولى في توسيع كبير لهدف الحرب، أعلنه بوش في خطابه حول " حالة الاتحاد" في يناير 2002. إذ أوضح أن "الهدف يتمثل، علاوة على ضرب شبكات الإرهاب، في منع الأنظمة الداعمة للإرهاب من تهديد أمريكا أو أصدقائها… بأسلحة دمار شامل". وسمى العراق وإيران وكوريا الشمالية " محور الشر". وأضاف نائب كاتب الدولة جون بولتون ليبيا وسوريا وكوبا بما هي "دول تدعم الإرهاب وتصنع ،أو من شأنها أن تصنع، أسلحة دمار شامل"

وفي يونيو 2002، أعلن بوش عقيدته ووصفتها صحيفة فاينانشل تايمز بأنها "عقيدة عمل استباقي جديدة كليا".

" لا يعني الردع شيئا ضد شبكات غامضة من الإرهابيين الذين ليس لديهم ما يدافعون عنه من أمم ومواطنين... ولا يمكننا الدفاع عن أمريكا بالأمل وحده. ولا يمكننا الثقة في أقوال المستبدين الذين يوقعون باحتفال اتفاقات الحد من انتشار السلاح النووي ولا يلتزمون بها. إذا انتظرنا التجسد المادي للتهديدات، سنكون قد انتظرنا أكثر من اللازم. يجب أن نحمل الحرب إلى العدو ونخل بتحضيراته ونواجه أسوأ الأخطار قبل بروزها… إن السبيل الوحيد إلى الأمن هو سبيل الفعل".

وسيكون أول امتحانات هذه العقيدة هو العراق. فمنذ 1991 تمثلت السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط في عزل العراق وإيران معا. وكانت غاية العقوبات الاقتصادية وعمليات القصف منع نظام صدام حسين من تعزيز نفسه. وواجهت هذه السياسة في نهاية سنوات 1990 مشاكل ديبلوماسية. إذ بدا الروس والفرنسيون يهتمون أكثر فأكثر بعلاقاتهم مع العراق. وبقصد الحفاظ على عزله اضطرت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى إطلاق مبادرات أحادية الجانب مثل حملات قصف مكثفة. بوش واليمين الجمهوري

لكن ما مصدر عقيدة بوش ؟ إ، إدراكا أفضل للأمر يستدعي دراسة عن كثب لإدارته. إن بوش الابن أقرب، من الناحية الإيديولوجية، إلى رونالد ريغن. كان هذا الأخير سمى الاتحاد السوفيتي "إمبراطورية الشر" ، ورخص لوكالة المخابرات المركزية دعم حركات حرب غوار يمينية ضد الأنظمة القائمة في نيكاراغوا و أنغولا وأفغانستان.

كان تشيني ورامسفيلد وفولففيتز، الشخصيات المحورية حاليا في إدارة بوش الابن، على الهامش في إدارة بوش الأب. اليمين المتشدد الذي كان أقلية أصبح أغلبية. ويتميز هذا اليمين بالاعتقاد أن التفوق الأمريكي سيكون عما قريب موضع منازعة ببروز خصوم جدد من المرتبة الأولى. وهذا ما يحدو ببوش إلى السعي لمنع بروز هكذا خصوم. كتب زالماي خالد زاد، المستشار الخاص لبوش:" من الأساسي أن تكون أمريكا مستعدة لاستعمال القوة إن اقتضى الحال لتمنع بشكل نهائي وابدي بروز منافس شامل".

هذا الانشغال مصحوب بثقة كبيرة في قدرة الولايات المتحدة على الانتصار، وهي ثقة منغرسة في الآن ذاته في "النصر الأمريكي"، المتمثل في سقوط الاتحاد السوفيتي وفي نجاح الإستراتيجية الأمريكية بالعراق عام 1990 وفي أفغانستان عام 2001.اعتقدت عصابة بوش أنه بعد إطاحة طالبان أصبح كل شيء ممكنا.

هذه المعتقدات هي أساس نفاذ الصبر المميز لادارة بوش وعزمها على تفادي المساطر المعتبرة طويلة وبيروقراطية. ويمثل احتقارها للأمم المتحدة مثالا واضحا. ويقدم جون بلتون هذا الموقف جيدا :"لا وجود للأمم المتحدة. ثمة مجموعة دولية يمكن قيادتها من طرف القوة العظمى الوحيدة المتبقية وهي أمريكا عندما يلائمنا ذلك وعندما يمكننا إقناعهم بالاقتفاء" الإمبريالية والليبرالية

تعتقد إدارة بوش، بسبب رؤيتها للعالم، أن فرصة نادرة سنحت منذ 11 سبتمبر متمثلة في إمكان استعمال التفوق العسكري الأمريكي لتحسين موقع الرأسمالية الأمريكية على المدى الطويل. تسعى الولايات المتحدة إلى اكثر من هزم شبكات بن لادن. ففي الوثيقة الرسمية حول الأمن القومي يمكن قراءة ما يلي:" نحن واعون بالتجدد الممكن لأشكال منافسة قديمة بين القوى العظمى. وثمة قوى عظمى محتملة كثيرة في طور تحول داخلي-لاسيما روسيا والهند والصين."

وتوجه نفس الوثيقة تحذيرا جديا للصين:" لم يتخذ القادة الصينيون بعد القرارات الأساسية المقبلة المتعلقة بطبيعة الدولة. إن الصين بسعيها لتطوير قدرة عسكرية متقدمة… سلكت طريقا متجاوزا لن يؤدي في آخر المطاف سوى إلى عرقلة سعيها الخاص إلى أن تكون قوة قومية". في الجوهر لا يحق لغير الولايات المتحدة الأمريكية تطوير "قدرة عسكرية متقدمة". وتؤكد اللجنة الجمهورية للدفاع :" يجب ألا نخجل من التفوق النووي الأمريكي، على العكس، سيكون عنصرا أساسيا للحفاظ على القيادة الأمريكية لعالم أشد تعقيدا وأكثر فوضى". ليس مفاجئا، بعد تصريحات من هذا القبيل، تخوف روسيا والصين أن تكون غاية إقدام الولايات المتحدة على الانسحاب من اتفاق الدفاع المضاد للصواريخ وإقامة نظام"حرب النجوم" هي التمكن من الضرب بسلاحها النووي قبل غيرها. صرح فولففيتز، مشيرا إلى الأنظمة المضادة للصواريخ، قائلا :" أخيرا يمكن للولايات المتحدة تطوير دفاعاتها ضد الصواريخ دون إكراه اتفاق مضت عليه 30 سنة وموقع مع بلد لم يعد له وجود."



وفي أمكنة أخرى أتاحت "الحرب ضد الإرهاب" للولايات المتحدة الأمريكية إقامة مجموعة قواعد عسكرية في آسيا الوسطى- وهي منطقة جديدة بالنسبة لها، وإرسال قواتها من جديد إلى الفليبين التي ُسحبت منها خلال سنوات 1990. ليس الحفاظ على السيطرة العسكرية الأمريكية الهدف الوحيد للاستراتيجية الكبيرة لادارة بوش. إنها تسعى أيضا إلى فرض النموذج الانجلو-أمريكي من الرأسمالية اللبرالية على العالم برمته. يؤكد بوش في تقديمه لوثيقة الاستراتيجية القومية للأمن:" انتهت الصراعات الكبرى للقرن العشرين بين الحرية والتوتاليتارية بنصر حاسم لقوى الحرية وبنموذج مستديم وحيد لنجاح أمة: الحرية والديمقراطية والسوق الحرة." إنه بالفعل نمط خاص جدا من النزعة الأممية التي تترك للشعوب حرية اختيار "النموذج الوحيد المستديم"، الرأسمالية الليبرالية.

منقول

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق