التحولات الدينية الكبرى ومفاهيم التبشير والارتداد
يلاحظ في المقالات التي نشرت في «الحياة» والصحافة العربية حول الردة خلال الأسابيع الماضية أنها تتابعت حول مناسبة محددة، ألا وهي ردة عبدالرحمن الأفغاني الذي أثار الاهتمام الكبير في العالم، وتدخل لأجله رؤساء ورؤساء حكومات ووزراء في أوروبا والولايات المتحدة.
ومع أن هذه الحال الفردية انتهت إلى ما انتهت إليه، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تثيرنا الحال الفردية (حال عبد الرحمن الأفغاني) ولا تهمنا الحالات الجماعية؟ وبعبارة أخرى يمكن أن يكون السؤال: هل ما يحدث في آسيا وأفريقيا هو «ردة» تستحق الويل والثبور، وما يحدث في أوروبا لدى المسلمين هو غير ذلك؟
في أوروبا الشرقية لدينا حوالى ثلاثين مليون من المسلمين الذين اعتنقوا الإسلام منذ قرون عدة، ولهم تراثهم الحضاري الذي يعتزون به كما ولهم تجربتهم المبكرة في التواصل مع القيم والمؤسسات الديموقراطية الأوروبية. وتجدر الإشارة إلى أنه لدينا من هؤلاء حوالى عشرة ملايين مسلم في أوروبا الجنوبية الشرقية (شبه جزيرة البلقان)، حيث أن نسبتهم في كل دولة تتراوح من حال إلى أخرى. وهكذا فهم يشكلون 95 في المئة في كوسوفو و70 في المئة في ألبانيا ونحو 45 في المئة في مكدونيا، ونحو 45 في المئة في البوسنة، ونحو 25 في المئة في الجبل الأسود و12 في المئة في بلغاريا، إلخ.
ولكن مشكلة الإسلام والمسلمين في البلقان، التي عانوا منها كثيراً، تكمن في أن الآخر لا يرى إسلامهم، إلا من خلال التاريخ/ التوسع العثماني ولا يرى مستقبلهم إلا في الاتجاه المعاكس/ الارتداد إلى ما كانوا عليه بعد أن انحسر الوجود العثماني عن أوروبا في 1913.
وفي هذا الإطار يلاحظ أن كل حرب مع الدولة العثمانية (وآخرها حرب البلقان 1912-1913) كانت تصاحبها دعوة المسلمين إلى الارتداد عن «دين الأتراك» الذي حملوه إلى أوروبا من آسيا، ولكن هذه الدعوة كانت للأسف مصحوبة غالباً بالعنف وليس باللطف.
ولكن عشية الحرب الأخيرة في البوسنة 1991-1995 برزت دعوة خطيرة كانت تقول بـ «تخوين» المسلمين الذين اعتنقوا الإسلام قبل قرون عدة، مما يبرر التعامل معهم كـ «خونة». وللأسف كان ممن روّج ونشر هذه الدعوة المستشرق الصربي ميرولوب يفتيتش خلال 1989-1990، مما أرسى الأساس النفسي للانقضاض على المسلمين في البوسنة باعتبارهم يمثلون «الخيانة» في الماضي و «الخطر» على الواقع والمستقبل. وقد وسع المستشرق يفتيتش هذه النظرة/ الدعوة في كتابه اللاحق «من البيان الاسلامي الى الحرب الدينية في البوسنة» (1993) الذي جاء ليبرر ما كان يحصل من مجازر للمسلمين في البوسنة. ولكن في الوقت الذي كان المسلمون في البوسنة ينقذون بمعجزة، ويعودون للتمسك أكثر بكثير بهويتهم الإسلامية، نجد أن مشكلة «التخوين» تلوح من جديد لدى جيرانهم الألبان.
فقد خرجت ألبانيا (الدولة الأوروبية الوحيدة بغالبية مسلمة) في 1990 من عزلتها الطويلة عن العالم وعن أوروبا ذاتها، بعد أن ألغى النظام الشيوعي الدين بمرسوم في 1967، لتواجه بدورها مشكلة الدين والهوية. فقد اندفع بعض المثقفين أو «المستشرقين» بالمفهوم السعيدي لافتعال أكثر من صدمة لدى الغالبية بالحديث عن دور الإسلام في «عزلة» الألبان عن أوروبا خلال الحكم العثماني الذي استمر نحو 500 سنة، وعن «الحاجة» إلى الارتداد إلى الدين القديم/ المشترك مع أوروبا حتى يمكن للألبان أن يندمجوا بسرعة في أوروبا التي فصلوا عنها بسبب الدين القادم من آسيا!
ومع أن بعض هذه الأفكار أطلقها الكاتب المعروف إسماعيل كاداريه منذ لجوئه إلى باريس في نهاية 1989، وجعل بعض المثقفين العلمانيين يعودون مسلمين في الرد عليه، إلا أن هذا الموضوع (الردة أو الارتداد الجماعي) يكتسب الآن دلالة كبيرة. فمن يتابع السجالات العنيفة بين كبار المثقفين الألبانيين في هذه الأيام (إسماعيل كاداريه ورجب تشوسيا وماكس فيلو وغيرهم) حول الدين والهوية يكتشف كأن الألبان أضاعوا هويتهم ولم يكتشفوا هذا الضياع إلا في هذه الأيام.
فقبل أسابيع عدة نشر إسماعيل كاداريه كتيباً بعنوان «الألبان والهوية الأوروبية» أكد فيه دور المسيحية (والثقافة المسيحية بالتحديد) في الهوية الأوروبية للألبان. وقد رد عليه بعد أيام عدة الأكاديمي الكوسوفي المعروف رجب تشوسيا، الذي رفع من حدة النقاش عندما اتهم كاداريه بتهميشه لمشاعر النصف الآخر للشعب الألباني (كوسوفو)، وأكد أن الإسلام لا يشكل عائقاً أمام الألبان (في كوسوفو 95 في المئة من الألبان هم مسلمون) للشعور بهويتهم الأوروبية.
ومع أن هذا «النقاش» بين أكبر مثقفين أوروبيين في القرن العشرين كان يمكن أن يكون مفيداً أكثر لولا رد كاداريه النزق واتهامه لتشوسيا بأمور لا تليق به، إلا أن ما أفسد هذا «النقاش» بين هذين المثقفين (المسلمين بالاسم على الأقل) هو دخول مثقف ثالث على الخط ألا وهو الرسام الألباني المعروف ماكس فيلو.
ومع أن ماكس فيلو كان قد مسّ هذا الموضوع مساً رقيقاً في كتابه «خط تيودوسيوس» الذي صدر في تيرانا خلال 1996، إلا أنه في هذه المرة دخل في شكل أساء فيه إلى الموضوع وإلى نفسه. فقد انتقل «النقاش» الآن مع فيلو إلى اتهام للإسلام ذاته بالتخلف ككل شيء يأتي من الشرق، وكأن المسيحية لم تأتِ من الشرق أيضاً، واتهامه للمسلمين بـ «الخيانة» لأنهم اعتنقوا الإسلام منذ قرون عدة، ومع الاتهام بـ «الخيانة» يصبح الارتداد الحد الأدنى للاعتذار عما حدث في الماضي!
ولكن المشكلة هنا تكمن في أن فيلو وغيره يوحون بأنهم يتحدثون باسم أوروبا «الصامتة»، ومن هنا فإن بعض ردود الفعل على فيلو ركزت عند هذه النقطة بالذات. وهكذا يقول أحد المعقبين على فيلو (جريدة «شكولي» عدد 23/6/2006) حول رأيه بأن «الارتداد» يمكن أن يمحو «الخيانة» بأن إذا كان هذا هو المطلوب فهو وصمة عار على أوروبا، وهو بالتأكيد ليس من مصلحة أوروبا «الصامتة» التي تدع أمثال فيلو يتحدثون باسمها.
يلاحظ في المقالات التي نشرت في «الحياة» والصحافة العربية حول الردة خلال الأسابيع الماضية أنها تتابعت حول مناسبة محددة، ألا وهي ردة عبدالرحمن الأفغاني الذي أثار الاهتمام الكبير في العالم، وتدخل لأجله رؤساء ورؤساء حكومات ووزراء في أوروبا والولايات المتحدة.
ومع أن هذه الحال الفردية انتهت إلى ما انتهت إليه، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تثيرنا الحال الفردية (حال عبد الرحمن الأفغاني) ولا تهمنا الحالات الجماعية؟ وبعبارة أخرى يمكن أن يكون السؤال: هل ما يحدث في آسيا وأفريقيا هو «ردة» تستحق الويل والثبور، وما يحدث في أوروبا لدى المسلمين هو غير ذلك؟
في أوروبا الشرقية لدينا حوالى ثلاثين مليون من المسلمين الذين اعتنقوا الإسلام منذ قرون عدة، ولهم تراثهم الحضاري الذي يعتزون به كما ولهم تجربتهم المبكرة في التواصل مع القيم والمؤسسات الديموقراطية الأوروبية. وتجدر الإشارة إلى أنه لدينا من هؤلاء حوالى عشرة ملايين مسلم في أوروبا الجنوبية الشرقية (شبه جزيرة البلقان)، حيث أن نسبتهم في كل دولة تتراوح من حال إلى أخرى. وهكذا فهم يشكلون 95 في المئة في كوسوفو و70 في المئة في ألبانيا ونحو 45 في المئة في مكدونيا، ونحو 45 في المئة في البوسنة، ونحو 25 في المئة في الجبل الأسود و12 في المئة في بلغاريا، إلخ.
ولكن مشكلة الإسلام والمسلمين في البلقان، التي عانوا منها كثيراً، تكمن في أن الآخر لا يرى إسلامهم، إلا من خلال التاريخ/ التوسع العثماني ولا يرى مستقبلهم إلا في الاتجاه المعاكس/ الارتداد إلى ما كانوا عليه بعد أن انحسر الوجود العثماني عن أوروبا في 1913.
وفي هذا الإطار يلاحظ أن كل حرب مع الدولة العثمانية (وآخرها حرب البلقان 1912-1913) كانت تصاحبها دعوة المسلمين إلى الارتداد عن «دين الأتراك» الذي حملوه إلى أوروبا من آسيا، ولكن هذه الدعوة كانت للأسف مصحوبة غالباً بالعنف وليس باللطف.
ولكن عشية الحرب الأخيرة في البوسنة 1991-1995 برزت دعوة خطيرة كانت تقول بـ «تخوين» المسلمين الذين اعتنقوا الإسلام قبل قرون عدة، مما يبرر التعامل معهم كـ «خونة». وللأسف كان ممن روّج ونشر هذه الدعوة المستشرق الصربي ميرولوب يفتيتش خلال 1989-1990، مما أرسى الأساس النفسي للانقضاض على المسلمين في البوسنة باعتبارهم يمثلون «الخيانة» في الماضي و «الخطر» على الواقع والمستقبل. وقد وسع المستشرق يفتيتش هذه النظرة/ الدعوة في كتابه اللاحق «من البيان الاسلامي الى الحرب الدينية في البوسنة» (1993) الذي جاء ليبرر ما كان يحصل من مجازر للمسلمين في البوسنة. ولكن في الوقت الذي كان المسلمون في البوسنة ينقذون بمعجزة، ويعودون للتمسك أكثر بكثير بهويتهم الإسلامية، نجد أن مشكلة «التخوين» تلوح من جديد لدى جيرانهم الألبان.
فقد خرجت ألبانيا (الدولة الأوروبية الوحيدة بغالبية مسلمة) في 1990 من عزلتها الطويلة عن العالم وعن أوروبا ذاتها، بعد أن ألغى النظام الشيوعي الدين بمرسوم في 1967، لتواجه بدورها مشكلة الدين والهوية. فقد اندفع بعض المثقفين أو «المستشرقين» بالمفهوم السعيدي لافتعال أكثر من صدمة لدى الغالبية بالحديث عن دور الإسلام في «عزلة» الألبان عن أوروبا خلال الحكم العثماني الذي استمر نحو 500 سنة، وعن «الحاجة» إلى الارتداد إلى الدين القديم/ المشترك مع أوروبا حتى يمكن للألبان أن يندمجوا بسرعة في أوروبا التي فصلوا عنها بسبب الدين القادم من آسيا!
ومع أن بعض هذه الأفكار أطلقها الكاتب المعروف إسماعيل كاداريه منذ لجوئه إلى باريس في نهاية 1989، وجعل بعض المثقفين العلمانيين يعودون مسلمين في الرد عليه، إلا أن هذا الموضوع (الردة أو الارتداد الجماعي) يكتسب الآن دلالة كبيرة. فمن يتابع السجالات العنيفة بين كبار المثقفين الألبانيين في هذه الأيام (إسماعيل كاداريه ورجب تشوسيا وماكس فيلو وغيرهم) حول الدين والهوية يكتشف كأن الألبان أضاعوا هويتهم ولم يكتشفوا هذا الضياع إلا في هذه الأيام.
فقبل أسابيع عدة نشر إسماعيل كاداريه كتيباً بعنوان «الألبان والهوية الأوروبية» أكد فيه دور المسيحية (والثقافة المسيحية بالتحديد) في الهوية الأوروبية للألبان. وقد رد عليه بعد أيام عدة الأكاديمي الكوسوفي المعروف رجب تشوسيا، الذي رفع من حدة النقاش عندما اتهم كاداريه بتهميشه لمشاعر النصف الآخر للشعب الألباني (كوسوفو)، وأكد أن الإسلام لا يشكل عائقاً أمام الألبان (في كوسوفو 95 في المئة من الألبان هم مسلمون) للشعور بهويتهم الأوروبية.
ومع أن هذا «النقاش» بين أكبر مثقفين أوروبيين في القرن العشرين كان يمكن أن يكون مفيداً أكثر لولا رد كاداريه النزق واتهامه لتشوسيا بأمور لا تليق به، إلا أن ما أفسد هذا «النقاش» بين هذين المثقفين (المسلمين بالاسم على الأقل) هو دخول مثقف ثالث على الخط ألا وهو الرسام الألباني المعروف ماكس فيلو.
ومع أن ماكس فيلو كان قد مسّ هذا الموضوع مساً رقيقاً في كتابه «خط تيودوسيوس» الذي صدر في تيرانا خلال 1996، إلا أنه في هذه المرة دخل في شكل أساء فيه إلى الموضوع وإلى نفسه. فقد انتقل «النقاش» الآن مع فيلو إلى اتهام للإسلام ذاته بالتخلف ككل شيء يأتي من الشرق، وكأن المسيحية لم تأتِ من الشرق أيضاً، واتهامه للمسلمين بـ «الخيانة» لأنهم اعتنقوا الإسلام منذ قرون عدة، ومع الاتهام بـ «الخيانة» يصبح الارتداد الحد الأدنى للاعتذار عما حدث في الماضي!
ولكن المشكلة هنا تكمن في أن فيلو وغيره يوحون بأنهم يتحدثون باسم أوروبا «الصامتة»، ومن هنا فإن بعض ردود الفعل على فيلو ركزت عند هذه النقطة بالذات. وهكذا يقول أحد المعقبين على فيلو (جريدة «شكولي» عدد 23/6/2006) حول رأيه بأن «الارتداد» يمكن أن يمحو «الخيانة» بأن إذا كان هذا هو المطلوب فهو وصمة عار على أوروبا، وهو بالتأكيد ليس من مصلحة أوروبا «الصامتة» التي تدع أمثال فيلو يتحدثون باسمها.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق