الجمعة، 2 سبتمبر 2016

العقيدة العسكرية الإسلامية


العقيدة العسكرية الإسلامية

بقلم اللواء الركن

محمد جمال الدين محفوظ

ماهية العقيدة العسكرية

يعبر اصطلاح »العقيدة العسكرية« [1] عن السياسة العسكرية المرسومة التي تعبر عن وجهات النظر الرسمية للدولة في أمور الصراع المسلح، ويشمل كل ما يتعلق بطبيعة الحرب وغايتها (من وجهة نظرها) وطرق إدارتها، والأسس الجوهرية لإعداد البلاد والقوات المسلحة للحرب. وعلى هذا الأساس فإن العقيدة العسكرية لأية دولة تقوم بصياغتها القيادة السياسية والعسكرية العليا، ذلك لأننا في عصر لا تقتصر فيه الحروب على القتال بين الجيوش في ميدان القتال، بل إن الدولة برمتها »تدخل الحرب« بكل قدرتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية بالإضافة إلى قوتها المسلحة.
وتتحول عناصر العقيدة العسكرية للدولة إلى قوانين ومبادئ ونظريات تدرس لقادة ورجال الجيش في الكليات والمعاهد والمدارس العسكرية المختلفة، كما يتم التدريب عليها في وقت السلم سواء في خلال التدريب اليومي أو المناورات السنوية، وأخيراً تطبق هذه القوانين والمبادئ والنظريات عملياً في الحرب إذا نشبت بين دولة وأعدائها، وتعد الحرب في هذه الحالة بوتقة اختبار لسلامة العقيدة العسكرية ونظرياتها، وهذا مبدأ معروف في العلم العسكري، حتى إذا انتهت الحرب شرع كل طرف في استخلاص الدروس المستفادة وإدخال ما يلزم من تحسين وتطوير لنظرياته ومبادئه الحربية.
وبديهي أن يكون لكل دولة عقيدتها العسكرية الخاصة بها وذلك بالنظر لظروفها الاقتصادية والجغرافية وأهدافها السياسية إلى غير ذلك من العوامل الاستراتيجية.
الإسلام وتنظيم شؤون الحرب

والواقع أن الإسلام باعتباره حضارة كاملة، وأنه نظم كافة أمور الحياة ديناً ودنيا، قد عالج أمور الحرب باعتبارها ظاهرة اجتماعية، ووضع خير المناهج والمبادئ بكل ما يتصل بها من حيث أهدافها وقوانينها وآدابها. والباحث المحقق لا يجد في الإسلام كل ما تحتويه النظريات العسكرية المعمول بها في الشرق أو الغرب فحسب، بل إنه ليكتشف بالتحليل والمقارنة أن نظريات الإسلام الحربية تتجاوز تلك النظريات وتتفوق عليها سواء من الناحية الفنية البحتة أو من حيث نبل المقاصد والأهداف.
وقد نشأت في المدينة بعد الهجرة أول مدرسة عسكرية في تاريخ العرب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قائدها ومعلمها الأول، وعلى أساس مبادئ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة القولية والعملية والتقريرية قامت نظريات العسكرية الإسلامية في مختلف شؤون الحرب والقتال[2]، مثل: أسباب الحرب وأهدافها –آداب الحرب- بناء الجيش القوي – بناء المقاتل – إعداد القادة – التدريب على القتال – الحرب النفسية – المخابرات والأمن ومقاومة الجاسوسية – الانضباط والجندية وتقاليدها – بناء الروح المعنوية وإرادة القتال – إعداد الأمة للحرب – الصناعة الحربية واقتصاديات الحرب... الخ
وهكذا تكوّن أول جيش في تاريخ الإسلام والمسلمين، وتعلم رجاله في المدرسة العسكرية الإسلامية على يد قائدها ومعلمها الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أذِنَ اللهُ لهم بالقتال طبّقوا ما تعلموه في المعركة فكانوا مضرب الأمثال في الكفاية القتالية والشجاعة والعبقرية الحربية، وكانوا دائماً منصورين على أعدائهم بإذن الله.
وجملة القول أن تنظيم الإسلام لأمور الحرب قامت عليه وعلى نظرياته المدرسةُ العسكرية الإسلامية كما قام أيضاً جيش الإسلام بقادته ورجاله، ودخل الجيش الإسلامي »بوتقة الحرب« فماذا كانت النتيجة؟
انجازات العسكرية الإسلامية في التاريخ

إن أعظم الأدلة التي تبرز النتائجَ التي حققتها العسكرية الإسلامية شهادةُ التاريخ.. فلقد حققت الجيوش الإسلامية من المهام والانجازات ما أصبح من الحقائق التاريخية التي لا تنازع والتي نذكر منها على سبيل المثال:

أولاً – تأمين الدعوة وقيام الدولة الإسلامية:

وهذا ما حققه جيش الإسلام في عصر النبوة، الذي حارب فيه المسلمون أكثر من عدو، فقد حاربوا المشركين واليهود والروم، وكانوا في كل معاركهم يواجهون عدواً متفوقاً عليهم في العدد والعدة، لكن نصر الله كان حليفهم.

ثانياً – الفتوحات الإسلامية:

وفي أقل من مائة عام امتدت الفتوحات الإسلامية من حدود الصين شرقاً إلى شاطئ الأطلسي غرباً، وقد بلغ عدد القادة الفاتحين في أيام الفتح الإسلامي ستة وخمسين ومائتي قائد (256) منهم ستة عشر ومائتا (216) من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم مؤسس المدرسة العسكرية الإسلامية ومعلمها الأول، وأربعون من التابعين بإحسان رضي الله عنهم.

ولو أردنا أن نلخص ما ينطوي عليه هذا الانجاز العظيم في تاريخ المسلمين في كلمة واحدة فإننا نقول إن معناه الواضح هو أن »العسكرية الإسلامية« قد هزمت كلا من العسكرية الفارسية والعسكرية البيزنطية.

ثالثاً – إتقان الحرب البحرية:

ولقد أتقن العرب – أبناء البادية – بناء الأساطيل وفنون الحرب البحرية، وبلغوا درجة من الكفاية استطاعوا بها هزيمة أسطول بيزنطة وهو أعظم قوة بحرية في زمانهم. يقول ابن خلدون: »إن المسلمين تغلبوا على لجة بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط) وإن أساطيلهم سارت فيها جائية وذاهبة من صقلية إلى تونس، والرومان والصقالبة والفرنجة تهرب أساطليهم أمام البحرية العربية، ولا تحاول الدنو من أساطيل المسلمين التي ضريت[3] عليه كضراء الأسد على فريسته«.

رابعاً – القدرة على الحرب في جبهتين:

ومن أعظم إنجازات العسكرية الإسلامية أن الأمة الإسلامية الناشئة استطاعت أن تفتح جبهتين وأن تدير دفة الحرب في كل منهما بكل كفاية واقتدار، وكان ذلك في مواجهة أعظم قوتين عالميتين في ذلك الوقت هما فارس وبيزنطة.. وذلك مثل فريد في التاريخ الحربي لم تبلغه أقوى الأمم وأعظمها خبرة في الحروب..

فالمعروف من وجهة نظر فن الحرب أن الحرب في جبتهين من أصعب المواقف التي تواجه القيادة، فهي تنطوي على مشكلات بالغة الصعوبة والتعقيد وتتطلب كفاية إلى أقصى حد في الإدراة والتخطيط والقتال، ويكفي أن نعلم أن العسكرية الألمانية لم تهزم في الحرب العالمية الثانية (1939-1945) إلا حين فتح الحلفاء أمامها جبهة ثانية للقتال.

خامساً – اتقان كل أشكال العمليات الحربية:

ولقد أثبت المسلمون عملياً أنهم – طبقاً للمعايير المقررة في العلم العسكري – قادرون على القيام بجميع العمليات الحربية على اختلاف أشكالها ومستوياتها بكفاية عالية مثل الدفاع والهجوم والمطاردة والانسحاب والقتال في المدن والقرى ومهاجمة المواقع الحصينة والحصار واقتحام الأسوار وعبور الأنهار ومسير الاقتراب الطويل وأعمال الوقاية والحراسة وأعمال المخابرات والحرب النفسية ومفازر (دوريات) الاستطلاع والقتال والإغارة.. الخ.

ويقول كلاوزفير: »يمكن للقوات العسكرية المدربة جيداً أن تقوم بجميع الأعمال الحربية..«

سادساً – الحرب فوق مختلف أنواع الأراضي:

والمعروف أن أساليب القتال تختلف طبقاً لطبيعة الأرض التي يجري فوقها القتال، فهناك مثلاً فرق كبير بين القتال في الأراضي الصحراوية والقتال في الأراضي الزراعية وهكذا.. ويحتاج كل نوع من هذه الأراضي إلى إعداد خاص للقوات التي تقاتل عليه من حيث التدريب والتسليح وتشكيلات القتال..

ولقد أثبت المسلمون قدرتهم الفائقة على القتال فوق مختلف أنواع الأراضي، فلقد حاربوا فوق الأراضي الصحراوية والجبلية والزراعية، وحاربوا داخل المدن والقرى وواجهوا الموانع المائية كالأنهار فعبروها، هذا فضلاً على الحرب البحرية.

سابعاً – مواجهة كل أشكال التنظيم الحربي:

حارب المسلمون أشكالاً مختلفة من أشكال التنظيم الحربي، فقد واجهوا الجيوش المنظمة وغير المنظمة، وحتى الجيوش المنظمة لم تكن على نمط واحد من التنظيم، فبدهي أن تنظيم جيوش فارس كان مختلفاً عن تنظيم جيوش بيزنطة، فضلاً عن اختلاف نظريات كل جيش في إدارة المعارك. وعلى الرغم مما ينطوي عليه ذلك من مشاكل معقدة فإن المسلمين استطاعوا أن يقهروا أعداءهم على اختلاف تنظيماتهم.. كذلك أثبت المسلمون قدرتهم وكفايتهم في إدارة البلاد المفتوحة وهو أمر ينطوي على الكفاية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية بالإضافة إلى الكفاية العسكرية..

دراسة العسكرية الإسلامية واجب حضاري

أرأيت عظمة الإنجازات العسكرية الإسلامية؟

أليس في كل ذلك ما يستحق الدراسة على النحو الذي يتكافأ وقدر هذه الأمة وبطولاتها الخالدة؟

أليس من الأمور الغريبة التي تلفت النظر أن رجال العسكرية في كثير من الدول العربية والإسلامية لا يدرسون إلا ما يُنقل إليهم من الغرب أو الشرق من نظريات حربية وأعمال قادة وتاريخ حربي؟

إن أخطر ما يترتب على ذلك من آثار هو أن يرسخ في الأذهان الاعتقاد الخاطئ بأنه ليس للإسلام نظريات حربية، ولا أعمال قادة، ولا تاريخ حربي يستحق الدراسة، وهو أمر لا تخفى بواعثه على الفطن »والمؤمن كيّس فطن«، فإن ترسيخ هذا الاعتقاد هو جانب من الحرب الحضارية التي تستهدف طمس معالم الحضارة الإسلامية، ومنع قيامها من جديد، كما تستهدف طمس معالم العسكرية الإسلامية التي هي بحق أحد الجوانب الرائدة من حضارة الإسلام.

من أجل ذلك فإن واجب الأمة الإسلامية وهي تسعى نحو بناء نهضتها الحضارية الشاملة أن تتصدى لكل محاولة تستهدف تحويل أبنائها عن مقوماتهم الأساسية وقطعهم عن كل ما هو أصيل من حياتهم، وتحويل اتجاهاتهم بعيداً عن كل ما يتصل بالقيم والدين والأخلاق والكيان النفسي الذاتي.. يقول إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: »كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ويقول: يا بني إنها شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها«.



[1] لفظ »العقيدة العسكرية« تعريب كلمة (Doctrine) وهي لاتينية الأصل وتعني: »النظرية العملية والفسلفية«. وقد ورد في المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية أن »العقيدة« هي الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده.
[2] انظر كتابنا »المدخل إلى العقيدة والاستراتجية العسكرية الإسلامية« للتعرف على نظريات العسكرية الإسلامية.
[3] ضَرِيَ عليه: يعني لزمه أو أولع به. والمراد أن أساطيل المسلمين كانت دائماً تلاحق وتطارد أساطيل الأعداء.

الاحتفال بالمولد [1]


الاحتفال بالمولد [1]

للأستاذ علي الطنطاوي (رحمه الله)
المستشار في محكمة النقض
- 1 -

رأيت للاحتفال بالمولد في دمشق صوراً شتى. الصورة الأولى قديمة جداً، ولكنها لا تزال واضحة في نفسي.

كنت صغيراً، وكنا نسكن في «العقيبة»، في دار من هذه الدور المتلاصقة المتداخلة، المبنية من اللبن والطين، على غير هندسة ولا نظام، وكان أهل الحارة كلهم كأبناء الأسرة الواحدة، يتشاركون في الأثاث والمواعين، ويتقاسمون الأفراح والأتراح، فجاء جيراننا يوماً يستعيرون منا السجاد والمصابيح والكراسي، يحملونها إلى دارهم، فعجبتُ وسألتُ، فقالوا: أن عندهم «مولد».

وصعدت العشية على «الطبلة»، -«الطبلة» في عامة أهل الشام جدار رقيق من أعواد الخشب تسترها طبقة من الطين- وجعلتُ أنظر ماذا في بيت الجيران، فإذا أنا أرى الغرف و«المَشرَقة» قد فرشت كلها بالسجاد، وعلقت فيها الأضواء، لا أعني الكهرباء، فلم تكن قد دخلت يومئذ البيوت، ولكن «الكازات» من كل لون وشكل، من «الشمعدانات» التي توضع على «الكِتْبِيّات» وذوات المرايا التي تركز على الحيطان، و«الكازات» الكبيرة التي تعلّق كالثريات. وامتلأت الدار بعشرات من النساء يختلن بجديد الثياب، ثم وضعت في وسط المجلس أوعية كبيرة فيها أوراق ملونة ملفوفة على هيئة الورد، وجاءت امرأة كبيرة فقعدت في الصدر، وجعلت تقرأ شيئاً لم أكن أدري ما هو، وكلما سكتت سكتة غنت الحاضرات غناء رخواً ممططاً، ثم وزعت الأوراق، وأرسل إلينا منها، فرأيت فيها الفستق «الملبّس» بالسكر.. وعلمت بعدُ أن الذي قرأته هو «مولد العروس».

وكان المولد يُقرأ كلما ولد مولود، أو قدم مسافر، أو شفي مريض، أو قضيت حاجة، وربما نذروه نذراً، وربما وصلوه بـ«ليلية»، و«الليلية» في عُرف تلك الأيام، حفلة غناء وطرب، يغني فيها من يحسن الغناء من القريبات والصديقات، وإن كانت في دار الموسرين الذين لا يبالون الخلق والدين، دعوا بعض المغنيات المحترفات، وكنّ قليلات، ومن غير المسلمات.

- 2 -

ومرت أيام فسمعت يوماً ضجة من المئذنة، لا هي بالأذان «المشروع» ولا هي بالتذكير «المبتدع»، وتبينت في الضجة غناء مستعجل الأداء، متوثب النغمة، حفظت منه هذه الكلمات:

طه[2] ياحبيبي سلام عليك – سلام عليك

يا مسكي وطيبي سلام عليك – سلام عليك

فسألت أمي، ما هذا؟ فقالت: مولد!

قلت: أين الأضواء؟ وأين الملبس؟ وأين النساء؟

قالت: هذا مولد المئذنة.

فعرفت أن المولد نوعان، وأن مولد المئذنة غير مولد البيت. وعلمت بعد ذلك، أن من أراد تلاوة هذا المولد، أعطى المؤذن شيئاً من المال، فصعد المنارة فصدح به، وبما قام به الواحد أو الجماعة، ولكل من ذلك سعر، ولا تزال هذه البدعة المؤذية في بعض الأحياء إلى الآن، يأتي بها المؤذن في أي ساعة من ليل أو نهار، لا يبالي بنائم يوقظه، ولا بمريض يزعجه، ولا بمشغول يعطله، ولا بدين يشرع فيه ما لم يأذن به الله!

- 3-

ولما كبرت ودخلت المدرسة، قال لي رفاقي يوماً:

-امشِ إلى الأموي نحضر المولد.

قلت: مولد النساء، أو مولد المئذنة؟

قالوا: لا هذا ولا ذلك، ولكن مولد الجامع.

وذهبت أنظر إلى ضرب ثالث من الموالد، فوجدت على باب الجامع حرساً شديداً، يأذنون للرجال، ويمنعون النساء والأولاد، فمشينا إلى الباب الثاني فمُنعنا، ووجدنا باب العمارة ما عليه إلا «حسكي»[3] واحد، فغافلناه ودخل واحد منا، فلحقه الحسكي يطرده، فدخل الباقون، وصاح بنا ولحقنا، فاحتمينا بالحرم.

ووجدنا الناس متحلقين تحت القبة، وأوعية الملبّس في الوسط، وكانت كبيرة، وكانت كثيرة، وحضر الحكام والوزراء فقعدوا على السدة اليمنى مما يلي المحرات، وجاء الضباط الفرنسيون (وكان ذلك في أعقاب ميسلون) فصعدوا من الدرج الدوار إلى السدة العليا، التي يقوم عليها المؤذنون، وجاء شيخ فقرأ مثلما قرأت المرأة في مولد البيت، ولكنه كان (كما علمت بعد) مولداً آخرا اسمه (مولد البرزنجي)، وكان كلما قرأ فصلاً من فصوله المسجّعة، قال:

عطر اللهم قبره الكريم بعرف شذيّ من صلاة وتسليم

اللهم صلي وسلم وبارك عليه.

ثم غنى المغنون قصائد فيها ذكر الوصل والهجر، والحب والجمال، وأشياء من هذه البابة[4] قالوا إنها مدح للرسول صلى الله عليه وسلم!

فلما بلغ خبر الولادة – وبدأت سيرته صلى الله عليه وسلم، لم يسرد سيرته كما ينتظر كل عاقل أن يكون، قطع الكلام ووقف وقام الناس يقرؤون الصلاة الإبراهيمية بنغمة عجيبة...

ثم داروا بالملبّس، وتزاحم الناس عليه – وتكاثروا، حتى ألقوا الصرر على الأرض، وألقوا بأنفسهم عليها، والفرنسيون ينظرون إلينا ويضحكون علينا...

- 4 -

ثم صرت أذهب مع أبي[5] وجماعة العلماء من إخوانه، إلى دارالسيد محمد بن جعفر الكتاني، وكان يسكن في دار من دور الأمراء الجزائريين، في زقاق النقيب في العمارة، وكانت قاعات الدار كلها، وصحنها وإيوانها، تمتلئ يوم المولد بالناس، وفي كل قاعة جفنة عظيمة (منسف) فوقه خروف كامل، فكان الناس يدخلون فيأكلون وينصرفون، ويجيء غيرهم، ويجدد الخروف. وكان الشيخ يقرأ شيئاً من الشفاء للقاضي عياض أو نحوه من الكتب، فكان لوناً جديداً من ألوان الاحتفال بالمولد.

- 5 -

ثم كانت سنة 1925، وكانت البلاد تتمخض بالأحداث، وتتشوف إلى الثأر لموقعة ميسلون، وكان حادث (أدهم خنجر) والتجائه إلى حمى (سلطان الأطرش)، وخفر الحكومة جوار سلطان، وهجومه على المخفر وانتزاعه البلد من الدرك، وجاء يوم المولد على أثر ذلك، ولم يكن الشاميون يحتفلون به احتفالاً شعبياً من قبل، ولكنهم وجدوا فيه في ذلك العام منفذاً لغضبهم المكتوم، فتسابقت أحياء دمشق إلى إخراج المظاهرات الكبيرة، وكان هتافها أول الأمر:

صلى الله على محمد صلى [الله] عليه وسلم

على النغمة المعروفة، ينقسم المتظاهرون قسمين، هذا يقول جملة، وذلك يرد بالجملة الأخرى، ثم أخذوا يهتفون بالاستقلال، وبالدعوة إلى الثورة، وأنا أحفظ من هتافهم يومئذ قولهم:

قم يا «سراي»[6] وارحل عنا عندنا رجال بارودهم غنّى

واشتد الهياج ومزقت الأعلام الفرنسية وديست، وكان صدام وعراك وجرحى، فلما كان الليل بدأ الثوار يخرجون إلى الغوطة، فكان يوم المولد مولد الثورة.

- 6 -



وفي ربيع الأول منه 1350هـ، أرادت جمعية الهداية الإسلامية (وكان قد مرّ على إنشائها شهور) أن تحتفل بيوم المولد، فاقترحتُ عليها لوناً جديداً من الموالد، هو أن أعدّ محاضرة ألقيها إلقاء بدلاً من المولد المسجع الذي يتغنى به غناء، ووافق أعضاؤها بعد تردد، وكان الحفلة في قاعة المحاضرات في المجمع العلمي العربي، ومهدت لذكر الولادة، وحملت الناس على الوقوف وقراءة الصلاة الإبراهيمية على نحو ما ألفوا في المولد.

وقد طبعت هذه المحاضرة ووزعت على الحاضرين، ونجحت التجربة، ولكنها لم تتكرر.

- 7 -

ومنذ سنة 1920 أخذ الاحتفال بالمولد شكلاً آخر، فصار مباراة بين الأحياء في نصب الأقواس الكبيرة في مدخل كل حي، والأقواس الصغيرة أمام كل دكان، وتزيينها بأغصان الشجر وبالسجاد، وبمصابيح الكهرباء تشغل الليل كله، وكانت الحركة الوطنية على أشدها، يديرها رجال الكتلة الوطنية، ويحركها الطلاب. وكنت ريئس لجان طلبة دمشق، فكان أسبوع المولد سلسلة حفلات في كل حي حفلة يتصدرها كلها الوطنيون. أذكر منهم هاشم الأتاسي وشكري القوتلي وزكي الخطيب ولطفي الحفار وإخوانهم. وكان خطباؤهم من الكهول هؤلاء الزعماء والشيخ بهجة البيطار وجودة المارديني، وكنت أخطب بيها أنا وطائفة من الشباب.

وتحول الاحتفال من «موالد» وملبس وغناء، إلى اجتماعات وطنية تنتهي دائماً بمظاهرات صاخبة وصدام مع قوى الانتداب.

- 8 -

وفي سنة 1943 كان المدير العام للأوقاف صديقنا الكبير جميل الدهان، فاقترحت عليه أن يجعل الاحتفال الرسمي بالمولد في جامع بني أمية، محاضرة في سيرته، وقصيدة في مدحه، وكان ذلك، وألقيتُ أنا المحاضرة والشاعر أنور العطار القصيدة، وافتتح الحفلة شيخ القراء الشيخ محمد الحلواني، والقارئ الشيخ عبده العربيني، رحمهما الله، ولكن لم يتركوا المولد والغناء جملة، بل أبقوا فصلاً منه، يقرأ على الأسلوب القديم، واستمر العمل على ذلك إلى اليوم.

- 9 -

ولما تم الاستقلال، واستقرت الحال، كثر المتعلمون، المطلعون على ما كان عليه السلف، فعلموا أن الاحتفال بالمولد ليس قربة لذاته، وليس عبادة من العبادات المقصودة، ولكنه باب للدعوة إلى الله، والتذكير به، ولم يكن السلف يحتفلون به، لأنه ليس عيداً شرعياً، فالأعياد في الإسلام اثنان: الفطر والأضحى، لا ثالث لهما، ولأنهم كانوا يذكرون الله دائماً، ويتدارسون سيرة رسوله في كل يوم، فلم يكونوا يحتاجون إلى يوم معين يجعلونه للتذكير والدرس.

ورأى هؤلاء المتعلمون أن سيرة كل عظيم تبدأ بمولد، وقراء هذه الموالد يختمون إذا ذكر المولد. وإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف أنه نبي، وما كان يدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولما جاءه الوحي لم يعرف ما هو حتى خبّره به ورقة بن نوفل، وهذه الموالد تزعم أن جدّه عرف أنه نبي، وأمه عرفت أنه نبي، حتى الوحوش عرف نبأ نبوته عند ولادته وتباشرت به.

ورجعوا إلى كتب الحديث، يقابلون ما في هذه الموالد عليها، فرأوا أن أكثر هذه الأخبار التي ترويها الموالد لم يصحّ به الخبر عن رسول الله.

ونظروا في هذه الأغاني التي يدعونها الأناشيد النبوية، فرأوا في بعضها الكفر وفي بعضها ما هو قلة أدب وإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وفتحوا كتب الفقه ينظرون ما حكمها فرأوا فيها كراهيتها والتنفير منها. فتركوا ذلك كله، وجعلوا حفلات المولد محاضرات في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخطباً تصف عظمته، وقصائد في تمجيده، ولعل هذه المحاضرات تنسق وترتب حتى تستوعب السيرة كلها، فتجمع هذه الحفلات المتفرقة، في أسبوع يخصص كل سنة لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، على نحو ما كان في «أسبوع المتنبي» و«أسبوع المعري» و«أسبوع الجاحظ» وغيرهم، ممن كانوا هم وأمثالهم جميعاً ثمرة الروضة التي غرسها محمد.

- 10 -

على أن الاحتفال الحق بمولد الرسول، إنما يكون بالاقتداء به، والاهتداء بهديه، والرجوع إلى الكتاب الذي نزل عليه، والوقوف عند حدوده، وإحلال حلاله، وتحريم حرامه، وأن يكون في كل بيت كتاب في سيرته، يقرأ الأب فصلاً منه كل ليلة على أولاده حتى يسلكوا سبيله، ويتخلقوا بأخلاقه، فيكون العمر كله احتفالاً بذكرى المولد، وتعظيماً لها.

هذا هو الطريق، فإن لم تسلكه – كان ما يلقي الخطباء في هذه الحفلات، وما يسمع الناس منها، حجة عليه. نسأل الله التوفيق في الدنيا والنجاة في الآخرة.

[1] مجلة حضارة الإسلام، العدد الثالث، ص 29-36 ، آب 1961م
[2] طه ليس من أسماء الرسول. فمن سمى ولده طه أو ياسين، فكأنما سماه حا ميم أو ألف لام ميم.
[3] الحسكي خادم الأموي خاصة، وهي كلمة عامية لعلها منسوبة الحسكة وهي الشمعدان عند المغاربة..
[4] من هذه البابة أي من هذا القبيل.
[5] توفي رحمه الله في شعبان سنة 1343 هـ.
[6] الجنرال سراي المفوض السامي الأحمق المجرم الذي أمر بضرب دمشق بالمدافع.

يكاد زيتها يضيء نظريه علميه


يكاد زيتها يضيء نظريه علميه



وصف لنا المولى تبارك وتعالى نوره بأنه كالزيت الذي يضيء



ولو لم



تمسسه نار، فهل كشف



العلماء شيئاً يخص الزيت والطاقة التي يحملها هذاالزيت، وهل





يمكن أن



يضيء...



هنالك آية عظيمة في كتاب الله تبارك وتعالى يحدثنا عن نفسه





فيقول: (اللَّهُ



نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ



فِي




زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُكَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ



زَيْتُونَةٍ لَا



شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ



عَلَى نُورٍ



يَهْدِي اللَّهُ



لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ



عَلِيمٌ) [النور

: 35].




في هذه الآية يحدثنا ربنا تبارك وتعالى عن نوره ويشبّه لنا هذا





النور بذلك



النور المنبعث من مصباح وقوده الزيت، وهذا الزيت يكاد يبث



الأشعة



الضوئية (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ)، فكيف يمكن للزيت أن يضيء



دون أن تمسّه



النار؟هنالك اكتشاف علمي مهم حدث منذ عدة سنوات، عندما



لاحظ العلماء



وجود ترددات كهربائية يطلقهاجسم الإنسان، ثم تابعوا البحث



فوجدوا أن



الأشياء من حولنا تطلق ترددات أيضاً، فكل شيء في هذا الكون



يهتز



بصورة مذهلة، وكأنه يسبح خالقه ولكننا لا نفقه هذاالتسبيح!


والمقصود بالترددات أي اهتزازات محددة تحدث داخل





الشيء،فكلنا يعلم



أن كل شيء من حولنا مصنوع من الذرات وهذه الذرات دائمة



الاهتزاز،



ولذلك فإن اهتزاز الذرات يسبب إحداث مجال كهربائي



ومغنطيسي، وهو



ما كشف عنه العلماء حديثاً.



فقد وجد الدكتور Royal R. Rife أن الأغذية تتمتع بترددات





كهرطيسية



يمكن قياسها، ووجد أن الزيوت تمتاز بأعلى هذه الترددات، وقد



وجد أن



التردد الذي يبثه الإنسان أكثر من 60 ذبذبة بقليل، وأن هنالك



أغذية مثل



المعلبات ليس فيها أي تردد، أما الأعشاب الجافة فلها تردد



بحدود 20



ذبذبةفي الثانية.




ولكن المفاجأة بالنسبة له أنه وجد أن أعلى الترددات موجودة





في الزيت!



حيث يصل التردد فيه إلى 320ذبذبة في الثانية. وهذه الترددات



تشبه



ترددات الضوء الذي نراه ولكن أعيننا لاتستطيع رؤية هذه



الترددات لأن



الله تعالى قد حجبها عنا. فنحن نستطيع رؤية مجال محدد من



الترددات



الضوئية والصوتية، ولكن الترددات العالية وتلك المنخفضة لا



نستطيع



رؤيتها، إنما نستطيع قياسها بالأجهزة.


ولذلك فقد عبّر القرآن عن هذه الحقيقة بقوله تعالى: (يَكَادُ زَيْتُهَا





يُضِيءُ)،



فقد خص الله الزيت دون سائر المخلوقات أو النباتات بهذه



الميزة، ميزة



الإضاءة، ولكننا لا نراها! وقد وجد العلماء أن كمية الطاقة في



زيت



الزيتون بشكل خاص كبيرة جداً حتى إن هذه الطاقة هي السبب



في أن





زيت الزيتون يستطيع شفاء أكثر من مئة مرض، منها السرطان.



يختزن زيت الزيتون طاقة كبيرةفي داخله، وعندما يتناول


الإنسان زيت



الزيتون أو يدهن به جسمه فإن هذه الطاقة تؤثرعلى خلايا



الجسم وترفع



من طاقتها،وبالتالي ترفع من مقاومة هذه الخلايا للأمراض،



ولذلك أمرنا



النبي الكريم أن نأكل الزيت وندّهن به.


وهنا يمكنني القول بأن هذه الآية تمثل سبقاً علمياً في الحديث





عن الزيت



وأن هذا الزيت يكاد يضيء،والحقيقة إن الزيت يبث إضاءة



ولكن غير



مرئية، ولذلك فإن النور الذي يطلقه الزيت ولانراه والنور الذي



يطلقه



الزيت بعد احتراقه يشكل نوراً مضاعفاً،ولذلك قال تعالى: (نُورٌ



عَلَى



نُورٍ).



وقد يقول قائل: كيف تفسر نور الزيت بالذبذبات الكهرطيسية





التي يحملها



وهذه الذبذبات لا تُرى بينما النور يُرى، وأقول إننا لا نرىكل



النور بل



نرى جزءاً ضئيلاً منه، والدليل على ذلك أن نور الله تعالى يملأ



السموات



والأرض ولكننا لا نراه، ولكن نستطيع أن نحس به وندركه وأن

نستمد

منه

الهدى والإيمان والقرب من الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن يهدينا لنوره وأن يجعل لنا نوراً نمشي به في

الظلمات

إنه سميع مجيب.

الأسرة القرمانلية


الأسرة القرمانلية



هي أسرة حكمت ليبيا لمدة قرن وربع تقريباً. حيث في سنة (1711 م) قاد أحمد القرمانلي ثورة شعبية أطاحت بالوالي. وكان أحمد هذا ضابطا في الجيش التركي وقرر تخليص البلاد من الحكام الفاسدين ووضع حد للفوضى. ولما كان الشعب الليبي قد ضاق ذرعا بالحكم الصارم المستبد فقد رحب بأحمد القرمانلي الذي تعهد بحكم أفضل، وقد وافق السلطان على تعيينه باشا على ليبيا ومنحه قدرا كبيرا من الحكم الذاتي . ولكن القرمانليين كانوا يعتبرون حتى الشؤون الخارجية من اختصاصهم، كانت ليبيا تمتلك أسطولا قويا مكنها من أن تتمتع بشخصية دولية وأصبحت تنعم بنوع من الاستقلال.

أسس أحمد القرمانلي أسرة حاكمة استمرت في حكم ليبيا حتى (1835 م) ويعتبر يوسف باشا أبرز ولاة هذه الأسرة وأبعدهم ثرا.

كان يوسف باشا حاكما طموحا أكد سيادة ليبيا على مياهها الإقليمية وطالب الدول البحرية المختلفة برسوم المرور عبر تلك المياه. كما طالب في سنة (1803 م) بزيادة الرسوم على السفن الأمريكية تأمينا لسلامتها عند مرورها في المياه الليبية. وعندما رفضت الولايات المتحدة تلبية طلبه استولى على إحدى سفنها. الأمر الذي دفع الأمريكيين إلى فرض الحصار على طرابلس وضربها بالقنابل. ولكن الليبيين استطاعوا مقاومة ذ لك الحصار وأسروا إحدى السفن الأمريكية (فيلادلفيا- عام 1805 م-) الأمر الذي جعل الأمريكيين يخضعون لمطالبهم. وبذلك استطاع يوسف باشا أن يملأ خزائنه بالأموال التي كانت تدفعها الدول البحرية تأمينا لسلامة سفنها. ولكن يوسف باشا ما لبث أن أهمل شؤون البلاد وانغمس في الملذات والترف ولجأ إلى الاستدانة من الدول الأوروبية.

كان السلطان العثماني قد بدأ يضيق بيوسف باشا وبتصرفاته، خاصة عندما رفض يوسف مساعدة السلطان ضد اليونانيين (1829 م) وفي هذه الأثناء قامت ضد القرمانليين ثورة عارمة بقيادة عبد الجليل سيف النصر. واشتد ضغط الدول الأوروبية على يوسف لتسديد ديونه. ولما كانت خزائنه خاوية فرض ضرائب جديدة، الأمر الذي ساء الشعب وأثار غضبه، وانتشر السخط وعمت الثورة وأرغم يوسف باشا على الاستقالة تاركا الحكم لابنه علي وكان ذلك سنة (1832 م).. ولكن الوضع في البلاد كان قد بلغ درجة من السوء استحال معها الإصلاح. وعلى الرغم من أن السلطان محمود الثاني ( 1808-1839) اعترف بعلي واليا على ليبيا فإن اهتمامه كان منصبا بصورة أكبر على كيفية المحافظة على ما تبقى من ممتلكات الإمبراطورية خاصة بعد ضياع بلاد اليونان والجزائر (1830 م). وبعد دراسة وافية للوضع في طرابلس قرر السلطان التدخل مباشرة واستعاد سلطته. وفي26 مايو 1835 م وصل الأسطول التركي طرابلس والقي القبض على علي باشا ونقل إلى تركيا. وانتهى بذلك حكم القرمانليين في ليبيا.

من حيل الحروب في المعارك الإسلامية 2 البط الآدمي


من حيل الحروب في المعارك الإسلامية 2

البط الآدمي

للأستاذ عبد القادر طليمات

كان انتصار فارس الإسلام سعد بن أبي وقاص وجنده البواسل على رستم، قائد الفرس الأشهر، وجيشه الذي لا يغلب في معركة القادسية، المفتاح الذي فتح للجند الإسلامي أبواب العراق وفارس، حيث أخذ سعد وجنده، بعد القادسية، ينتصرون على الجيوش الفارسية، انتصاراً اثرَ انتصار، ويتوغلون في بلادهم، يحطمون كل قوة تعترض طريقهم، أو تقف في سبيلهم، فيسقط العدو ما بين قتيل وجريح وأسير، أما من كتبت له الحياة، فكان يفر نجاة بنفسه لا يلوي على شيء.

وكان مما نجا من قواد الفرس في معركة القادسية، قائد مشهور يعرف بالهرمزان، ففر إلى الأهواز، مقر حكمه ومركز عصبيته. وهناك حدثته نفسه أنه يستطيع الوقوف في وجه المسلمين، إذا جمع إلى عصبيته وأهله، فلولَ الجند الفارسي الهارية، وتهيأ له أنه بهذا الجيش يستطيع أن يحطم القوة الإسلامية الفتية، فوقف للجند الإسلامي ليصد تدفقه العارم، ولكن القتال العنيف من الجانبين حطم أمله في الانتصار على المسلمين، ففر هو الآخر بمن ثبت معه إلى رامهرمز، ليجرب حظه مرة أخرى، عساه يستطيع الانتصار على عدوه ولو مرة، ولكن عندما لحقه المسلمون وأحاطوا به، تبين له أن لا طاقة له بقتال من باعوا أرواحهم في سبيل الله والحق، فطلب الصلح منهم، ورضي أن يكون تابعاً لهم، يجمع لهم جزية بلاده التي فتحوها بالسيف والتي لم يفتحوها.

وكان لانتصارات المسلمين المتتابعة، وقع أليم في نفس يزدجرد ملك فارس، الذي كان يفر من بلد إلى بلد كلماسمع بانتصار المسلمين وهزيمة جيوشه التي انتصرت على جيوش الامبراطورية البيزنطية أكثر من مرة، حتى استقر في مرو، وقد ظن أنه قد أمن على نفسه بها، فأخذ يكاتب أهل فارس ويحمسهم، ويثير أحقادهم على المسلمين، الذي استولوا على العراق العربي كله، وكادوا أن يأخذوا العراق العجمي جميعه أيضاً، ثم يتدفقوا منه إلى بلاد فارس نفسها. أرسل يزدجرد بكل هذا إلى أهل فارس، وأرسل إليهم يلومهم ويعنفهم لضعفهم أمام المسلمين، وكان مما قاله لهم: "يا أهل فارس لقد رضيتم أنه قد غلبكم العرب على السواد وما والاه والأهواز، ثم لم يرضوا بعد ذلك حتى توردوكم في بلادكم وعقر داركم." فحرك تعنيف يزدجرد أهل مرو فتحمسوا له، وداخلهم نشاط عجيب، ثم أخذوا يراسلون البلاد التي خضعت للمسلمين يثيرون عليهم أهلها، وأوعزوا إلى أهل الأهواز بالانتقاض والثورة، وأن يجتمعوا جميعاً على الهرمزان، ينقادون إليه في الحرب، فلبوا جميعاً النداء، واجتمعوا على حرب المسلمين بقيادة الهرمزان.

نقض الهرمزان صلحه مع المسلمين وغدر بهم، بعد أن اجتمعت عليه جيوش فارس، وبعد أن وصلت الامدادات الفارسية إلى "تستر" واستقرت بها. وما أن علم سعد بن أبي وقاص قائد جيوش الفتح بغدر الهرمزان ونقضه الصلح، حتى أرسل البطل العظيم النعمان بن مقرن المزني –بطل معركة نهاوند بعد ذلك- ليطفئ ثورة الأهواز وليستطلع خبر الهرمزان. وما كاد الهرمزان يعلم بخروج النعمان إليه حتى استعد لقتاله، وقد امتلأت نفسه بالأمل في الانتصار عليه بما اجتمع عليه –على الهرمزان- من جيوش كثيرة العدد والعدة، والتقى الجمعان عند "اربك" بالقرب من تستر، ولكن لم يثبت الهرمزان طويلاً أمام النعمان، فقد كان قتال النعمان مر المذاق لم يستطع الهرمزان أن يتذوقه، فانهزم وفرّ بمن معه من جنده إلى تستر، وقد قوى عزمه على قتال المسلمين فيها، بما اجتمع فيها من المقاتلة.



سار المسلمون إلى تستر لفتحها وتأديب الهرمزان الغادر. وعلى الجيش الإسلامي قواد ماهرون أمثال أبي موسى الأشعري، وأبي سبرة بن رهم، والنعمان بن مقرن المزني. وفي الجيش أبطال مغاوير، أمثال: البراء بن مالك، ومجزأة بن ثور وأخيه كعب، وربعي بن عامر، وأمثال منهم كثيرون، وفيه أيضاً فدائيون أشاوس، كان لهم أجمل الأثر في فتح هذه المدينة العاصية.

وصل المسلمون إلى تستر فوجدوها كما لم يتوقعوها، وجدوا أن الهرمزان جعل منها حصناً حصيناً لا يرام، وقلعة قوية بعيدة المنال، فقد جعل الهرمزان حول المدينة خندقاً ملأه بالمقاتلة من أهل الجبال وفلول الأهواز، أما أسوارها فقد اعتلاها الجند الفارسي والكل متحفز للدفاع عنها، أما من بقي في الخندق، فقد أخذوا على عاتقهم حمايته، ومنه المسلمين من اختراقه، وقد صدق من في الخندق في القتال والدفاع عن خندقهم، وردوا المسلمين عنه في كل زحف زحفوه عليهم، حتى بلغت زحوف المسلمين نحواً من ثمانين زحفاً في عدة أشهر، لم يستطيعوا خلالها فتح ثغرة فيه، فشجع هذا الفشل من في الخندق وظنوا أن الضعف بالمسلمين، فعزموا على مواجهتهم في معركة فاصلة، يقفون فيها وجهاً لوجه. ومن ثم خرجوا من خندقهم متكاتفين، وزحفوا على المسلمين زحفاً شديداً، تلقاه المسلمون بصبر وشجاعة، ودار القتال بين الفريقين حاراً عنيفاً استمات فيه المسلمون استماتة تدعو إلى العجب، ثم لم يلبث الفرس أنْ بانَ لهم خطأ ما قدروا بعدما سقط منهم قتلى وجرحى لا يحصون عداً، فلم يستطيعوا الثبات أكثر مما ثبتوا، فأطلق من نجا منهم من سيوف المسلمين أقدامه فاراً إلى المدينة يحمي نفسه فيها، فلحقهم المسلمون واخترقوا الخندق لينفذوا من إلى المدينة، ولكن أسوارها المنيعة ورماتها الحاذقين حال بينهم وبين النفوذ إليها، فالتفوا حولها يحاصرونها حتى يأذن الله بالنصر.

استمر حصار المسلمين للمدينة مدة طويلة، ولكن هذا الحصار لم يوثر على من في المدينة فلم يظهر عليهم الضعف، أو يبدو منهم الميل إلى التسليم. وبينما المسلمون في حصارهم يدبرون الخطط ويتشاورون جاء إلى النعمان رجل فارسي يستأمنه على نفسه على أن يدله على مدخل يدخل المسلمون منه إلى المدينة، فأمنه النعمان على نفسه، فأشار عليه أن يدخلوا المدينة من مجرى الماء الذي يموّن المدينة، والذي يمرّ من تحت أحد أسوارها، فسرعان ما أرسل النعمان إلى أبي موسى الأشعري يخبره بما أشار الفارسي، وكان أبو موسى يرابط بجنده عند مدخل الماء هذا، واستقر رأي النعمان وأبي موسى على تنفيذ الخطة، ولكن تنفيذها فيه الخطورة كل الخطورة، فإنه كان على من يدخل المدينة عن طريق المجرى أن يسبح فيه وينفذ منه إلى داخل المدينة، ومن هذا الذي يخاطر بحياته، ويفدي نفسه ويقوم بهذا العمل الجبار؟ وأخذ النعمان وأبو موسى في رجالهما: من يغامر بحياته، فيدخل المدينة من مجرى الماء، ويفتح للمسلمين أبوابها؟ فتقدم الفدائيون الأشاوس: عامر بن عبد قيس، وكعب بن ثور وأخوه مجزأة، وحسكة الحبطي، وسويد بن ثعلبة، وورقاء بن الحارث، وبشر بن ربيعة الخثعمي، ونافع بن زيد الحميري، وعبد الله بن بشر الهلالي. ولما رأى المسلميون هؤلاء الفدائيون يقدمون أرواحهم رخيصة في سبيل الله، أخذوا يتدافقون ويقدمون أنفسهم للقيام بهذا العمل الجليل، حتى كاد أن يصبح الجيش كله من الفدائيين.

انتظر الفدائيون حتى أرخى الليل سدوله، واستعدوا لتنفيذ المهمة الخطيرة، وهنا تقدم سويد بن ثعلبة وعبد الله بن بشر ليكونا طليعة جيش "البط الآدمي"، فنزلا إلى الماء بسلاحهما وتبعهما أصحابهما من الفدائيين، وأخذوا يسبحون جميعاً في الماء "مثل البط"[1] حتى اخترقوا فتحة السور، ثم أخذ كل من يخرج من المجرى ينفض الماء عن نفسه، وكلما خرجت جماعة اتجهت إلى أحد أبواب المديننة، حتى إذا خرجوا جميعاً انقضوا في لحظة واحدة على حراس الأبواب فأطاحوا بأعناقهم، ثم فتحوا الأبواب على مصاريعها، ثم ارتفعت أصواتهم بالنداء الإلهي "الله أكبر" ينادون على الجيش، وكان الجند على أتم استعداد للهجوم السريع عند سماعهم تكبير إخوانهم الفدائيين، فما كادت تخترق آذانهم أصوات التكبير حتى أجابوهم بترديد تكبيرهم، ثم زحفوا كالهبوب العاصف نحو الأبواب فدخلوها.

أما الفرس فقد روعهم النداء، وراعهم زحف الجيش نحو الأبواب المفتوحة، فحاولوا صد الجيش الزاحف بالنشاب، ولكن ماذا يفعل النشاب في قلوب مؤمنة؟ ودارت في المدينة معركة طاحنة انتهت بهزيمة الفرس هزيمة منكرة، فقتل من قتل، وأسر من أسر، وفر من فر. أما الهرمزان فقد تحصن في قلعة المدينة بعد أن رأى بعينه فناء جيشه، وخيبة مسعاه، وأخذ يرمي المسلمين بالنشاب ليشفي غله وحقده، ولكن المسلمين لم يبالوا بنشابه، والتفوا حول القلعة وتهيؤوا للاستيلاء عليها، فأسقط في يد الهرمزان، وتأكدت له هزيمته فاشترى حياته بالأسر، فقد عرض أن يستسلم للجيش المنتصر، بشرط أن لا يقضي أحد في أمره سوى الخليفة عمر بن الخطاب، فقبلوا شرطه، وسلم نفسه، فاستولى المسلمون على المدينة والقلعة، بعد أن سقط كثير من المسلمين قتلى، ومن بينهم من "البط الآدمي" الفدائيان: مجزأة بن ثور والبراء بن مالك.



القاهرة: عبد القادر طليمات
ليسانس في التاريخ من جامعة عين شمس
حضارة الإسلام، المجلد الثاني، العددالثاني، آب/أغسطس 1961، ص57-61


[1] هذا تعبير المؤرخ ابن الأثير نفسه. انظر فتح تستر في "الكامل في التاريخ".

من حيل الحروب في المعارك الإسلامية 1 البطيخة البشرية


من حيل الحروب في المعارك الإسلامية 1

البطيخة البشرية


للأستاذ عبد القادر طليمات



هذا حديث يتصل بالحروب الصليبية في القرون الوسطى، جرت حوادثه سنة 647 هـ، فقد كان يراود الصليبيين حلم الاستيلاء على مصر، فجردوا لها حملة بحرية، تفوق ما سبق من حملات في عدة أمر: في كثرة عدد الغزاة عدداً يفوق حد التصور، وفي ضخامة الأسطول ضخامة لا شك في انتصاره، ثم –وهذا أهم ما في الأمر- أن قائد الحملة، ملك يديس فرنسي، هو لويس التاسع، وما ظنك يا قارئي العزيز، بأحاسيس وانفعالات غزاة يقودهم ملك من جنسهم، مشهور في بلاده بالتقوى، ويطلقون عليه لقب قديس، ولا ينادونه إلا بالقديس لويس.

خرج القديس لويس من بلاده بأسطوله الضخم وغزاته الكثيرين، قاصداً مصر، مركز المقاومة الإسلامية ضد أطماع الصليبيين، وتحدثه نفسه بالانتصار في الحملة انتصاراً لا شك فيه، الانتصار الذي يملك فيه مصر من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها.

ووصل القديس وأسطوله وغزاته إلى دمياط، واستولوا عليها لسبع بقين من صفر، وهكذا تحققت أولى خطواته بالانتصار، ثم سرب بأسطوله في النيل، وقد قدر هو وشياطينه وأسطوله أن الطريق قد فتح أمامهم إلى مصر، فلن يجدوا مقاومة، وظلوا في سربهم وقد ملأ الفرح قلوبهم، وهم لا يقدرون أن "المنصورة" التي انهزم فيها طغاة الحملة السابقة تنتظرهم بأبطالها لتعيد الدرس الذي ألقته على من سبقهم.

فما كاد شعب مصر يعلم بسقوط دمياط حتى نفر عن ساق واحدة: الفلاحون والعربان والتجار والعمال للجهاد، حتى اللصوص، خرجوا مع الجند، لا ليسرقوا الجند أو إخوانهم أبناء بلدهم، وإنما ليسرقوا الصليبيين، ويذبحوهم ذبح النعاج.

ورتب الملك الصالح أيوب معسكراته لجيشه النظامي، وترك أبناء الشعب لحريتهم يفتكون بأعدائهم، أو يخطفونهم ويبعثون بهم إلى القاهرة ليحتفل بهم أهلها بالطريقة التي تروق لهم.

وشاء الله للصالح أيوب ألا يشهد بنفسه انتصار مصر على فرنسا، فقد كان مريضاً قبل إغارة الفرنسيين، ثم أخذ يشتد به المرض، حتى قضي عليه وهو يستعد للدفاع عن الدين والوطن، في نصب شعبان من نفس السنة، فتسلم الملك ابنه الملك المعظم تورانشاه.

وظن الملك القديس الصليبي أن موت الملك الصالح أيوب بشرى خير لانتصاره المؤكد على المصريين، فتحرك بشياطينه وأسطوله من دمياط، وتوغل في النيل جنوباً إلى القاهرة، وكانت تلوح أمام عينيه ألوية النصر تخفق فوق رأسه، وهو لا يحسب للمصريين حساباً، ولا يتوقع ما سوف يحدث في المدينة المنصورة من جلل الأحداث وأعظم الخطوب بالنسبة للحملة كلها، وبالنسبة له خاصة، وأنه سيؤول أمره إلى أن يصير حبيس بيت القاضي ابن لقمان، وأسير الطواشي صبيح فيبيع نفسه بيع السوائم للمصريين.

استمر القديس الصليبي في أحلامه وهو على ظهر أسطوله الذي يجري في النيل، وهو يود أن يسابق الريح، والرجالة تسير في البر مع الأسطول، وفيما هو سابح في حلمه الشيطاني، فوجئ بصوت كهزيم الرعد، أنْ: قف، إلى أين أيها الواغل الغافل، فإنك لن تخطو بزعانفك بعد ذلك خطوة واحدة. وتنبه الحالم من غفوته، وأخذ يسرح الطرف ليعرف أين هو من بلاد مصر، ولما قيل له أنه في مدينة المنصورة حام حوله نذير الشؤم فتطير، وأحس بالغصة تكاد تخنقه، لولا أن التف حوله أذنابه يشجعونه، ويعيدون الثقة إلى نفسه.

ودارت الحرب بين أصحاب الحق وسراق الحقوق، ونشبت المعارك العنيفة بين المعسكرين، كل يجاهد للانتصار، وكل يعمل للغلبة، ولنترك الجيوش تتصارع بطرقها المعروفة، لنتجه إلى الشعب الذي خرج مع جهده يشد أزره ويحمل معه عبء حماية البلاد من اللصوص.

حين كان الجيش الإسلامي يواجه قوات القديس الصليبي، كان الشعب من خلف الجيش يجاهد بأسلوبه وطريقته، فقد كان الشعب من أهالي البلاد التي على الشاطئ يخطفون الصليبيين كما يخطف الرضيع الذي لا يملك لنفسه دفعاً، حتى خطفوا منهم جمعاً كبيراً، وكلما خطفوا جماعة أرسلوهم إلى القاهرة ليستقبلهم القاهريون استقبالاً يليق بهم كقراصنة ولصوص، حتى امتلأت محابس مصر بهم. أما من لا يستطيعون إرساله فكانوا يقضون عليه في مكانه، حتى قتلوا بطريقتهم عدداً أكبر وأضخم مما أسروا. وكانوا كلما نذر بهم الفرنج، يلقون بأنفسهم في الماء، ويسبحون إلى أن يصيروا على الشاطئ الإسلامي.

وجميع حيل الخطف معروفة، وقد استنفد المسلمون حيلهم فما أصبحت تجوز على الصليبيين، فقد عرفوا حيلهم، واكتشفوا طرق خداعهم لهم، فتوقفت حركة الخطف، واطمأن الصليبيون على أرواحهم من الخطافين، فأخذوا ينتشرون أفراداص على الشاطئ يستمتعون بمنظر النيل الجميل تحت أشعة القمر الفضية.

وفي ليلة مقمرة انفرد صليبي بنفسه، تائهاً في أحلامه، ولعلها أحلام الشباب، يفكر في محبوبته، أو لعلها أحلام القراصنة فهو يُمني نفسه بغنيمة ثمينة من أموال المسلمين، أو لعله ولعله، وفجأة... لمح بطيخة تطفو على سطح الماء، آتية من الشاطئ الإسلامي، وتتجه نحوه كأنها تقصده بالذات، فانفرجت أساريره، وانفرجت شفتاه عن ابتسامة الرضا، فهو في ليلة من ليالي صيف مصر الحار، ولعله، عندما لمح البطيخة العائمة، أحس بالعطش فجأة فهو في حاجة إليها، فأخذ يتابعها بنظره وهي تقترب منه،ولكن سرعتها أخذت تخفّ، وجريها يبطئ مما يدل على أنها لن تواصل سيرها حتى ترسو على الشاطئ، فخشي الصليبي أن يغير تيار الماء خط سيرها، فتضيع من يده، فشمّر عن ساقيه ودلاهما في الماء، حتى استقرتا على القاع. سار سيراً خفيفاً حتى لا يزعج البطيخة فتنفر منه، فلما أصبحت في متناول يده، يد يديه ليتناولها بهما، فما شعر إلا وقد جذبته البطيخة من يديه ودفعت به إلى الماء بعد أن كممت فمه، ثم سبحت به عائدة إلى الشاطئ الإسلامي، فتناوله منها من كان ينتظر على الشاطئ من المسلمين، ثم تصرفوا فيه كما شاؤوا، وانتظرت البطيخة قليلاً حتى أشار إليها بعد المسلمين إلى صليبي آخر منفرد يناجي نفسه، أو يناجي قديسه، وسبحت البطيخة ناحية الصليبي المنفرد، وأخذت تقترب منه وتجذب أنظاره إليها، ونجحت البطيخة في إغرائه بالإمساك بها. وخطا في الماء خطوات ومدّ يديه ليقبض عليها، فإذا بالبطيخة الشيطانة تقبض عليه وتجذبه إليها في عنف وقسوة وتكمم فمه، وتسحبه إلى المسلمين، ليروا فيه رأيهم، حتى إذا أسلمته إلى المسلمين عادت لتقتنص غيره.

لا أ ريد أن أثقل عليك –يا أخي القارئ الكريم- فأذكر لك عدد المرات التي نجحت فيها هذه البطيخة العجيبة في تضليل الصليبيين ولكن حسبي أن أقول لك أن الصليبيين خيل إليهم أنهم اكتشفوا حيلة البطيخة الشيطانة حين دخل في روعهم أنها عفريت من عفاريت نيل الفراعنة، يتقمص شكل بطيخة ليصيدهم ويسلمهم إلى حلفائهم المسلمين، فداخلهم الرعب والفزع فانقطعوا عن الانفراد بأنفسهم إلى جانب النيل، وتركوا الاستسلام لأحلامهم بين الخضرة والماء في الليالي المقمرة أو المظلمة، وقبعوا في خيامهم لا يجرؤون على الخروج منها...

وبعد، فما هي قصة هذه البطيخة التي استطاعت أن تقتنص عشرات من الصليبيين جنود الملك القديس؟

لقد قلت من قبل أن حيل المسلمين في خطف الصليبيين قد عرفها الصليبيون كلها فأصبحوا في منجاة منها. ولكن عزّ على فلاح من فلاحي مصر أن يترك أعداءه يستمتعون بخيرات بلاده، ويقاتلون إخوانه، شامخين بأنوفهم حيث يقاتلون تحت راية قديسهم، ويحتمون بأسطولهم الضخم، فأخذ يفكر في حيلة لخطفهم لم تخطر في بال أمهر الخاطفين، واستلقى على ظهره، وأغمض عينيه، وزوى ما بين حاجبيه حتى تجعدت جبهته، وكانت الليلة مقمرة، يضفي القمر بأشعته الفضية على الكون المحيط به جلالاً وروعة، ولكن قريحته لم تسعفه بحيلة جديدة، ففتح عينيه، واعتدل في جلسته، ثم أحس بعطش جعل حلقه جافاً، فقام متكاسلاً، وسار بضع خطوات، ثم انحرف إلى غيط قريب منه، واقتلع من أرضه بطيخة ليطفئ بها عطشه، وكانت البطيخة كبيرة وكبيرة جداً، ولك يكن يريدها كذلك، بل يريدها بطيخة صغيرة تكفيه وحدة، وهز كتفيه، وخرج من الغيط، وعاد إلى مكانه على الشاطئ، ثم استل سكينه فشق بها البطيخة نصفين، تناول أحدهما دون أن يقطعه وأفرغ ليه الأحمر في جوفه ثم أصبح أمامه مفرغاً كالطاسة، وهنا علت ابتسامة الفرح وجهه، ثم تطورت الابتسامة حتى أصبحت قهقهة عالية خارجة من أعماق قلبه، فقد هدته هذه الطاسة البطيخة إلى حيلة لم يسبقه إليها أحد، ومد يده إليها ثم غطى بها رأسه، فإذا برأسه كالبطيخة، فلينزل إذن إلى النيل وليسبح تحت الماء، وليتقدم إلى كل صليبي منفرد ليغرر به، فإن الصليبي عندما يرى رأسه البطيخة سوف يظن أنها بطيخة حقيقية، فيمد إليها يديه ليأخذها، فيأخذه هو إلى حتفه. وجرب الفلاح تغريره بأعدائه مرات ومرات، حتى ظن الصليبيون أنهم اكتشفوا أمره فأبطلوا حيلته.

نعود إلى الجيشين المتحاربين، حيث انتهى الصراع الدامي بانتصار المسلمين، وأسر الملك القديس وحبسه في بيت القاضي فخر الدين إبراهيم بن لقمان –كاتب الإنشاء- الذي وكل بحفظه الطواشي صبيح المعظمي، ثم باع نفسه من السلطان تورانشاه بالتنازل عن دمياط، وباع أسرى رجاله منه أيضاً بمليون قطعة من العملة الذهبية الفرنسية.

وكفى الله المسلمين شر الفرنسيين وقديسهم. وإذا كان التاريخ قد احتفل بالانتصار الحربي وسجله بين دفتيه، فإنه احتفل أيضاً بهذه البطيخة البشرية المجهولة فسجل مجهودها في هذه المعركة الخالدة.

حضارة الإسلام، المجلد الثاني، العدد الثالث، أيلول 1961- ربيع الأول 1381 ص65-69

الهجرة النبوية معناها وأهدافها


الهجرة النبوية معناها وأهدافها



بقلم الأستاذ: نبيه عبد ربه

يعتبر حادث الهجرة فيصلاً بين مرحلتين من مراحل الدعوة الإسلامية، هما المرحلة المكية والمرحلة المدنية، ولقد كان لهذه الحادث آثار جليلة على المسلمين، ليس فقط في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن آثاره الخيرة قد امتدت لتشمل حياة المسلمين في كل عصر ومصر، كما أن آثاره شملت الإنسانية أيضاً، لأن الحضارة الإسلامية التي قامت على أساس الحق والعدل والحرية والمساواة هي حضارة إنسانية، قدمت، ولا زالت تقدم للبشرية أسمى القواعد الروحية والتشريعية الشاملة، التي تنظم حياة الفرد والأسرة والمجتمع، والتي تصلح لتنظيم حياة الإنسان كإنسان بغض النظر عن مكانه أو زمانه أو معتقداته.

فسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم لا تحد آثارها بحدود الزمان والمكان، وخاصة أنها سيرة القدوة الحسنة والقيادة الراشدة قيادة محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وما نتج عن هذه الهجرة من أحكام ليست منسوخة ولكنها تصلح للتطبيق في كل زمان ومكان ما دام حال المسلمين مشابهاً للحال التي كانت عليها حالهم أيام الهجرة إلى يثرب.

وعلى هذا فإن من معاني الهجرة يمكن أن يأخذ بها المسلمون في زماننا هذا، بل إن الأخذ بها ضرورة حياتية، لأن الهجرة لم تكن انتقالاً مادياً من بلد إلى آخر فحسب، ولكنها كانت انتقالاً معنوياً من حال إلى حال، إذ نقلت الدعوة الإسلامية من حالة الضعف إلى القوة ومن حالة القلة إلى الكثرة، ومن حالة التفرقة إلى الوحدة، ومن حالة الجمود إلى الحركة.

فالهجرة تعني لغة ترك شي إلى آخر، أو الانتقال من حال إلى حال، أو من بلد إلى بلد، يقول تعالى: »والرجزَ فاهجرْ« (المزمل 5)، وقال أيضاً: »واهجرهم هجراً جميلاً« (المزمل 10)، وتعني بمعناها الاصطلاحي الانتقال من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وهذه هي الهجرة المادية، أما الهجرة الشعورية فتعني الانتقال بالنفسية الإسلامية من مرحلة إلى مرحلة أخرى بحيث تعتبر المرحلة الثانية أفضل من الأولى كالانتقال من حالة التفرقة إلى حالة الوحدة، أو تعتبر مكملة لها كالانتقال بالدعوة الإسلامية من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة.

فالهجرة المادية من بلد لا يحكم بالإسلام إلى بلد تحكمه شريعة القرآن ليست منسوخة، بل هي واجبة على جميع المسلمين إذا خشوا أن يفتنهم الذين كفروا في دينهم وعقيدتهم، لأن هدف المسلم في الحياة أن يعيش في مجتمع يساعده على طاعة الله والالتزام بأوامره وأحكامه، أو على الأقل لا يحارب بعقيدته، لأن الفتنة في الدين هي الفتنة الكبرى، فالله تبارك وتعالى يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولكن لا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، أو كمال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتتم هجرة المسلم من بلد إلى آخر لعدة أهداف:

- فقد يهاجر المسلم فراراً بدينه وعقيدته، حتى لا يرده الحكام الكافرون إلى الكفر، كما فعل بعض مسلمي الجمهوريات الإسلامية حينما هاجروا من بلادهم فراراً من الشيوعية الملحدة. يقول تعالى: »يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون« (العنكبوت 56)، ويقول صلى الله عليه وسلم: »من فر بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبراً منها وجبت له الجنة وكان رفيقاً لأبيه إبراهيم.«
- وقد يهاجر المسلم فراراً من ظلم اجتماعي أو اقتصادي لحق به وخشي إن لم يهاجر أن يمتد ذلك الظلم إلى دينه، يقول تعالى: »والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون« (النحل 41) وقال تعالى: »ومن يهاجر في سبيل الله يجدْ في الأرض مراغماً كثيراً وسعة، ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموتُ فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً« (النساء 100).
وروى الإمام أحمد عن أبي يحيى مولى الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »البلاد بلادُ الله والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيراً فأقم.« وقد توعد القرآن الكريم المسلمين الذين لم يهاجروا إلى المدينة بعد أن هاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما توعد الأعراب الذين آمنوا ولم يهاجروا إلى المدينة حرصاً على أموالهم وديارهم، فقال تعالى: »إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً« (النساء 98). وكانت نتيجة ذلك أن بعض هؤلاء فتن في دينه واضطر إلى إظهار التقية، ولكن هذه التقية كانت جائزة يوم أن لم تكن للإسلام دولة، أما بعد أن هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأقام فيها دولة الإسلام، فلم يعد لهؤلاء عذر، بل وجبت عليهم الهجرة، ولهذا نجد القرآن الكريم لا يفرض علىالمسلمين ولاية هؤلاء، لأنهم ليسوا أعضاء في المجتمع الإسلامي، وإذا كانت تربطهم بالمسلمين رابطة العقيدة، فإن نصرتهم تكون بناء على طلب منهم، يقول تعالى: »والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق« (الأنفال 72).
ويتحتم على المسلم أن يهاجر من أرض الشرك إلى أرض الإسلام حينما تقوم الدولة الإسلامية ويتكون المجتمع الإسلامي، والهجرة هنا حسب مقتضيات الحال، إذ أن الهدف هنا تدعيم الدولة الإسلامية الجديدة بقوى بشرية وتقنية وعلمية، ولكن تقدير هذا كله متروك لقادة هذه الدولة، لأن الهجرة العشوائية قد تترك آثاراً سلبية على هذه الدولة فتصبح عقبة في طريق قوتها وانطلاقها.
أما الهجرة الشعورية، فتعني اصطلاحاً انكار ومعاداة كل ما لا يرضي الله أو يخالف شريعة الله، ويظهر المسلم هذا العداء بكل الوسائل الممكنة، بالجوارح أو باللسان أو بالقلب، ويعمل على تغييرها بكل الامكانات المتاحة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: »من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان.« وأساس هذه الهجرة النية، ولهذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: »إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه«. ومن هذا نرى الشارع الحكيم قد حدد نوعين من الهجرة لا ثالث لهما: هجرة إلى الله، وهجرة لغير الله، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: »الهجرة خصلتان، إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرة أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة.«
إذا كانت الهجرة المادية تجب في بعض الأحوال، فإن الهجرة الشعورية واجبة على كل حال وفي كل حين، لأنها تتعلق بهجر ما لا يرضي الله تعالى، وهي قائمة إلى أن تقوم الساعة. ورد في صحيح مسلم أن مجاشع بن مسعود السلمي قال: جئتُ بأخي أبي معبد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح، فقلت: يا رسول الله بايعه على الهجرة. فقال صلى الله عليه وسلم: »قد مضت الهجرةُ بأهلها« قال مجاشع: فبأي شيء تبايعه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »على الإسلام والجهاد والخير«. ويقول صلى الله عليه وسلم: »لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها«. أما قوله صلى الله عليه وسلم: »لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية« فالمراد بها هنا أن لا هجرة واجبة بعد الفتح، وقد زاد مسلم »وإذا استنفرتم فانفروا«.
والمسلم مكلف بأن يهجر كل ما حرم الله، وأن يهاجر إلى ما أحل اله، لأن هذا هو الهدف من استخلافه في الأرض لقوله تعالى: »وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون« (الذاريات 56)، وهل العبادة إلا طاعة الله فيما أمر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر؟ ولهذا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم باب الهجرة على مصراعيه أمام كل راغب فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: »المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه«. (رواه البخاري) وفي رواية (ابن حبان): »المهاجر من هجر السيئات، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده«.
والمعنى الذي حدده المصطفى صلى الله عليه وسلم للهجرة معنى عام، تمتد جذوره إلى أعماق الحياة البشرية، فتقيمها على أسس قويمة، أسس تقوم على أساس الإصلاح والصلاح للحياة الإنسانية، والأمن والاستقرار للنفس البشرية، ولهذا كانت كلمات الحديث الشريف متكاملة في تحديد معنى الهجرة على أساس أنها عبادة ترتبط بعقيدة الإنسان وإيمانه، وعلى أساس أنها عملية بناء وإصلاح تأخذ بيد الإنسانية المعذبة إلى شاطئ الأمان والاطمئنان. فهجر ما نهى الله عنه يعني هجر السيئات والمعاصي والمفاسد القولية منها والفعلية، والتي هي الأساس في فساد البلاد والعباد، ولهذا أكد الحديث على (كف اللسان واليد) إذ أنهما الأعضاء التي تصدر عنها المفاسد القولية والفعلية، وإذا كانت هذه الأعضاء سلاحاً ذا حديثن يمكن أن يصدر عنها الخير كما يمكن أن يصدر عنها الشر، فإن إمكانية صدور الشر عنها أرجح من صدور الخير، ولهذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: »من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت« (متفق عليه).
واللسان اسم العضو الذي يصدر عنه الكلام، وعبر الحديث باللسان عن الكلام ليندرج تحته كل أنواع الكلام، وقدم الحديث اللسان على اليد لأن الإيذاء باللسان أسهل وأشد تأثيراً على النفس من الإيذاء باليد. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: »اهجُ المشركين فإنه أشق عليهم من رشق النبال«. ورحم الله من قال:
جراحاتُ السنانِ لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسانُ
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب اللهُ تعالى بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه« (رواه مالك والترمذي).
واليد اسم العضو الذي تصدر عنه الأفعال، حسية كانت أم معنوية، فالحسية: كالضرب والسرقة والكتابة والاشارة. والمعنوية: كأكل مال الناس بالباطل، والاستيلاء على حقوق الآخرين بغير حق، واليد مظهر السلطة الفعلية، ففيها يحدث الأخذ والمنع، والبطش والقهر، فإذا أضفنا إلى هذين العضوين عضواً ثالثاً هو (الفرج) نجد أن الإسلام أقام الحياة الإنسانية على دعائم قوية من تقوى الله والخلق الحسن والأمان والاطمئنان. وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: »تقوى الله وحسن الخلق«. وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: »الفم والفرج« (رواه الترمذي وابن حبان والبيهقي).
وكان الهدف من الهجرة هدفاً عظيماً، وهو الانتقال بالرسالة الإسلامية من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة، والمؤرخون يقسمون سيرة الدعوة الإسلامية إلى مرحلتين متميزتين: العهد المكي الذي يمثل مرحلة الدعوة، والعهد المدني الذي مثل مرحلة الدولة. ولكنني أرى أن بين هاتين المرحلتين مرحلة انتقالية تمثل مرحلة الثورة، لأنها نقلت الدعوة الإسلامية نقلة هائلة سريعة من مؤحلة كان هدفها تربية الفرد المسلم إلى مرحلة أصبح هدفها تكوين المجتمع المسلم. ومن دعوة كانت مجرد عقيدة وفكرة إلى دعوة أصبحت شريعة ودولة، ومن حركة محدودة الآثار إلى حركة عالمية الأهداف، ومن دعوةأتباعها قلة مستضعفون إلى دعوة أتباعها سادة فاتحون. ولهذا كانت الهجرة ثورة عقائدية، بكل ما تحمله هذه العبارة من معان إيجابية، لأنها غيرت أحوال المسلمين تغييراً جذرياً، فنقلتهم من الضعف إلى القوة، ومن القلة إلى الكثرة، ومن الانحصار إلى الانتشار، ومن الاندحار إلى الانتصار، ولم تقف آثارها عند هذا الحد بل كانت ثورة على كل ما يخالف شريعة السماء وفطرة الإنسان السليمة، فشملت آثارها النواحي العقائدية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
لقد كان هدف المصطفى صلى الله عليه وسلم من هجرته إلى المدينة إيجاد موطئ قدم للدعوة لكي تنعم بالأمن والاستقرار حتى تستطيع أن تبني نفسها من الداخل وتنطلق لتحقيق أهدافها في الخارج، ولقد كانت هذا الهدف أملاً يراود رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال مرة لأصحابه: »رأيتُ في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب ظني إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي يثرب«.
كما كان هدف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهجرة تكثير الأنصار وإيجاد رأي عام مؤيد للدعوة، لأن وجود ذلك يوفر عليها الكثير من الجهود ويذلل في طريقها الكثير من الصعاب، والمجال الخصب الذي تتحقق فيه الأهداف، والمنطلق الذي تنطلق من الطاقات، ولهذا حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث (مصعب بن عمير) إلى المدينة ليعلم الأنصار الإسلام وينشر دعوة الله فيها. ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وجود رأي عام مؤيد للدعوة في المدينة حثّ أصحابه إلى الهجرة إليها وقال لهم: »هاجروا إلى يثرب فقد جعل الله لكم فيها إخواناً وداراً تأمنون بها«.
كما كان هدف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهجرة استكمال الهيكل التنظيمي للدعوة، فقد كان وضعاً أن يكون الرسول القائد في مكة، والأنصار والمهاجرون في المدينة، ولهذا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون بين ظهراني أتباعه، لأن الجماعة بدون قائد كالجسد بلا رأس، ولأن تحقيق أهداف الإسلام الكبرى لا يتم إلا بوجود جماعة مؤمنة منظمة، تغذ السير إلى أهدافها بخطى وئيدة.
فما أحوج المسلمين اليوم إلى هجرة إلى الله ورسوله: هجرة إلى الله بالتمسك بحبله المتين وتحكيم شرعه القويم، وهجرة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، باتباع سنته، والاقتداء بسيرته، فإن فعلوا ذلك فقد بدأوا السسير في الطريق الصحيح، وبدأوا يأخذون بأسباب النصر، وما النصر إلى من عند الله.
ويسألونك متى هو؟ قل عسى أن يكون قريباً.