لماذا ندرس التاريخ الجـــــــ2ـــــــزء
(. لماذا ندرس التاريخ . ؟؟.. ! ) ؟ الجـــــــ2ـــــــزء
===== =====
...
ومن دراستنا للتاريخ نكتشف امور اهم مثل
عظمة الله سبحانه وتعالى:
من قرأ التواريخ وجد أن مصرِّفها عظيم حكيم يَدَعُ الظالم؛ فإذا أخذه لم يفلته وإن طال الزمان وكاد اليأس يدخل أهل الإيمان، كما أنه ـ سبحانه ـ رتب سنناً كونية فيها حِكَم بالغة، وعبر لا تتبدل بتبدل الزمان والمكان بل تعيد نفسها.
فالدولة المتجبرة الظالمة لا بد أن تسقط وتدول وإن رأى الناس بُعد ذلك؛ فكم من دولة كانت تضم بين أجنحتها بلاداً كبيرة وخلقاً عظيماً؛ فلما طغت وظلمت نفسها ورعيتها وجيرانها سقطت وتفرق حكامها وأهلها شذر مذر، فلم يبق لنا منها إلا الذكر والأحداث المسطرة في بطون الكتب، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فالفراعنة بنوا حضارة لا زالت تبهر العقل بأهراماتها؛ أين هي؟ لقد ذهبت مع من ذهب وأصبحنا نتعجب من هلاكها واندثارها بمقدار تعجبنا من براعتها وعظمتها.
وما الاتحاد السوفييتي منا ببعيد لقد هوى في ساعة كان الكل يعتقد بُعدها، وتفرقت دوله التي جمعتها الشيوعية الظالمة، وسيتبعه ـ إن شاء الله ـ دولة أصبحت ترى الظلم والعدوان حقاً لها ولا تأبه بغير مصالحها، فتذيق المسلمين صنوف القتل والدمار والذل والمهانة، وقد نرى ذلك بعيداً ولكنه قريب جداً بمقياس التاريخ.
? حفظ هوية الأمة:
إن هذا السبب من أهم أسباب دراسة التاريخ في هذا الزمان؛ فهذا التاريخ يحفظ هوية الأمة؛ فمن ليس له تاريخ فهويته مبتورة وليس له جذور؛ فالشجرة إن كانت من غير جذور لا شك أنها ستموت وتقتلعها الرياح، ونرى أثر ذلك فيمن تدثروا بلباس العصرية والإنسانية؛ فهم أصبحوا تابعين للغرب؛ لأنهم انْبَتُّوا عن تاريخهم؛ وهذا ما يريده ويسعى إليه الأعداء؛ ففي الشام أحيا لهم الأعداءُ الفينيقيين والكنعانيين فأصبحوا يفتخرون بهم وينتمون إليهم، بل يربطون حقوقنا في أرض فلسطين السليبة بهم. وفي مصر أحيا الأعداءُ الفراعنةَ بل نقبوا عن آثارهم وأصبحوا يسمون أهل مصر بأحفاد الفراعنة، وأصبحوا يتحدثون عن حضارة مصر ذات الخمسة آلاف سنة. وفي العراق تغنوا بالآشوريين وشريعة حمورابي التي يجعلونها أول قانون مدني على ظهر البسيطة، وتحدثوا عن الحضارة البابلية وغيرها من الحضارات التي قامت في العراق. وفي جزيرة العرب بعثوا ممالك اليمن من مملكة معين إلى مملكة سبأ.
وفي المغرب العربي نفخوا الروح في القومية الأمازيغية وحرصوا على أن يدوِّنوا لغتهم وأن يوجدوا لهم تاريخاً قبل الإسلام، رغم أنهم مسلمون ويعدُّون أنفسهم عرباً كما يعدهم العرب منهم نظراً للتمازج الذي حدث بينهم منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً.
وجميع ما أحيوا من تواريخ البلاد الإسلامية تواريخ أقوام طغاة ظالمين كانوا يشركون بالله فأهلكهم بذنوبهم فأصبحوا في ذمة التاريخ، ولكن كما يقال في المثل: «لأمرٍ ما جدع قصير أنفه» إنهم بهذا يقطعون صلتهم بتاريخهم المرتبط بالإسلام، ويحاولون أن يصلوهم بمن عاش في هذه الأرض في العصور الغابرة من الأمم الكافرة لينسلخوا من الإسلام، بل ليرتبطوا بالكفر ممثلاً في تاريخهم الجديد المزعوم. ونجد صدى ذلك ظاهراً في المناهج الدراسية التي تولي عناية كبيرة بتاريخ الأرض لا تاريخ سكانه. ففي مصر يدرس الطلاب تاريخ الفراعنة بشكل مطول في حين يُختزل التاريخ الإسلامي بدءاً من السيرة النبوية إلى التاريخ العثماني في صفحـات عــديـدة لا توازي ما كتب عن الفراعنة أو القومية التي أطلت برأسها في أوائل القرن الماضي.
وسارعت أمريكا إلى تغيير مناهج التاريخ في العراق حتى لا يُتخذ مظهراً للعداء لأمريكا أو أن يطغى عليها التشدد الديني والراديكالية المتطرفة، كما تريد أن يغدو منهج التاريخ في المدارس العراقية مركِّزاً على الأدوار الحضارية والاجتماعية، ودور العراق منذ القدم في بناء الحضارة الإنسانية(1).
هذه الأساليب الشيطانية أنتجت في مجتمعاتنا كل منبتٍّ عن دينه وأصله وتاريخه، فأصبح يتبرأ من حضارة الإسلام ليقع منتكساً في أحضان الحضارات الكافرة من أولها حتى الحضارة الغربية، ونتاجها كل فكر مسموم يهدم أساس المجتمع المسلم ينفثونه في كتبهم ومقالاتهم.
وشاهدنا تركيا التي انسلخت من تاريخها الإسلامي الزاهر ونبشت ما يسمى تاريخاً للبدو الترك قبل إسلامهم وتكوينهم لدول عظيمة أهمها وأعظمها الدولة العثمانية. لقد تعلقوا بأوروبا؛ فهم منذ ثلاثين عاماً يطرقون أبواب الاتحاد الأوروبي فلم يقبلهم ولم يعترفوا بتاريخهم الجديد، فأضاعوا ماضيهم وحاضرهم.
أما دولة المسخ دولة يهود فقد انتسخت لها تاريخاً من سراديب التاريخ تدرِّسه لأبنائها يقوم على صهينة التاريخ؛ بحيث تأخذ من التاريخ الإنساني ما يناسبها وتلبسه لباساً يهودياً يقوم على ادعاء الحق في فلسطين وغيرها، ووجوب بناء الهيكل(2).
? الحكم على الدنيا:
يقول ابن الأثير(3): إن العاقل اللبيب إذا تفكر فيها ورأى تقلُّب الدنيا بأهلها وتتابع نكباتها إلى أعيان قاطنيها، وأنها سلبت نفوسهم وذخائرهم، وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم، فلم تُبقِ على جليل ولا حقير، ولم يسلم من نكدها غني عشقها وذاب فيها، ولا فقير زهد فيها وأعرض عنها وأقبل على التزود للآخرة، ورغب في دار تنزهت عن هذه الخصائص».
فانظر إلى سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم - ؛ ففيها المثل الأعلى على احتقار الدنيا. يقول -صلى الله عليه وسلم - وقد دعاه أحد أصحابه إلى بعض اللين في العيش: «ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها»(4).
وهذا طلحة بن عبيد الله ـ رضوان الله عليه ـ يُؤتى إليه بمال كثير فيفرقه وهو في مجلسه ولم يبقَ معه قليل ولا كثير منه(5).
أما عمر بن عبد العزيز فقد ترك الدنيا وترك معها أولاده وليس لهم مال وهو الخليفة وبيده الخزائن والأمر والنهي(6).
والإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ عرف الدنيا وحقارتها وأنها لا تساوي عند الله جناج بعوضة فأعرض عنها، وكان يعيش على الخبز رغم جوائز الخليفة التي يتمنى منه أن يقبلها.
وما الإمام ابن باز، والإمام الألباني ـ رحمهما الله ـ ببعيدين عنا تركا الدنيا وهما لا يملكان من حطامها شيئاً، رغم أنهما يستطيعان جمع الكثير بدون سؤال.
? قراءة الأحداث:
ذلك أن أحداث التاريخ تتكرر؛ فهي سنن كونية تتكرر مرات ومرات؛ فما يجري أمامك لا شك أنه قد جرى نظيره قبل ذلك. يقول البيهقي(7): «لا توجد حادثة لم يحدث مثلها من قبل».
ويقول ابن الأثير(8): «إنه لا يحدث أمر إلا تقدم هو أو نظيره».
ويقول نيو توكررش(9): «إن التاريخ كله تاريخ الحاضر».
وفي عالمنا المعاصر نوقن أن نهاية الحضارة الغربية قريبة قرباً تاريخياً؛ فقد دفعت حضارات وإمبراطوريات كبيرة ثمن انغماسها في الشهوات والملذات واطِّراح الأخلاق، ناهيك عن التوحيد، كالإمبراطورية الرومانية، والبيزنطية، والفرعونية، كما هوت دول؛ لأنها تعجرفت وتجبرت وتعدت على غيرها ورأت أن لا شــيء فوقهــا كما تفعـل أمريكا اليـوم فـي العالم. يقــول ـ سبحانه ـ عن قوم عاد: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ --* وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ --* وَإذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ}.
[الشعراء: 128 - 130].
فصب الله عليها شآبيب العقاب فأصبحت كأمسٍ الذاهب.
ولا نشك لحظة أن التاريخ يعيد نفسه في صحوة الأمة ورجوعها إلى قيادة العالم نحو التوحيد والسلام؛ فقد أفاقت قبل تسعمائة سنة على غزو صليبي هادر أكل الأخضر واليابس، فلملمت أطرافها وطردتهم شر طردة، بل نقلت المعركة إلى عقر دارهم، فقرع أبطالها أبواب فيينا في معقل النصرانية الوثنية أوروبا، وها نحن اليوم نرى إرهاصات تلك الصحوة ولعلها تؤتي ثمارها قريباً فنرى المستعمر المتسلط المتبجح يهرب كما هرب من تسعة قرون.
? التخلق بالصبر والتأسي بالصابرين:
وهو سبب مهم؛ فالصبر حث عليه ديننا. يقول ـ تعالى ـ: {إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]، وإمام الصابرين نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم - .
يقول ابن الأثير(1): ومنها التخلق بالصبر والتأسي، وهما من محاسن الأخلاق؛ فإن العاقل إذا رأى أن مصاب الدنيا لم يسلم منه نبي مكرَّم ولا ملك معظم ولا أحد من البشر علم أنه يصيبه ما أصابهم وينوبه ما نابهم، ولهذه الحكمة وردت القصص في القرآن المجيد.
ويقول الثعلبي(2): ومنها قصص التهذيب والتأديب لأمته -صلى الله عليه وسلم - ، ومنها قصص التأسي بهم فيما أثنى الله عليهم به.
وقد كابد المرسلون المشاق من تكذيب وامتهان وازدراء، وقتل منهم في سبيل الدعوة من قُتل؛ فهم الأسوة والقدوة لنا.
وفي قصة يوسف ـ عليه السلام ـ أكبر دليل على عاقبة الصبر؛ فقد صبر وتمنى السجن ودخله مدة حتى أذن الله بخروجه منصوراً مؤيداً. قال ـ تعالى ـ: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} [يوسف: 111].
والتاريخ مليء بقصص الصابرين؛ فهذا الوزير المهلبي(3) يتمنى الموت من الفقر والإقلال وسوء الحال فيقول:
ألا موت يباع فأشتريهِ فهذا العيش ما لا خير فيهِ
إذا أبصرت قبراً من بعيدٍ وددت لو انني مما يليهِ
ويتمنى أن يأكل لحماً وكان معه صديق له فاشترى لحماً وأطعمه إياه، وتدور الأيام ويتولى المهلبي الوزارة والأمر والنهي حتى إن مائدته مليئة بأصناف الطعام ويأكل كل لقمة بمعلقة من زجاج.
? معرفة نعم الله وتقديرها:
من قرأ التاريخ وهو في دَعَةٍ علم مقدار ما قاساه من قبله من الشدائد وشظف العيش وكَلَب الزمان وانعدام الأمن والأمان، فلا بد أن يعرف مقدار نِعَم الله التي لا تحصى، فيقدرها بالشكر للمنعم الوهاب.
ولذلك كان الصحابة ممن أدرك الشدة والعناء مستحضرين لها دائماً؛ فقد بكى سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ وقد رأى ما يعيش فيه وتذكر مصعب بن عمير ـ رضي الله عنه ـ لمَّا لم يجدوا له كفناً يواري جميع بدنه(4).
فقد مرَّت على البلاد المعروفة الآن بالسعودية والخليج قرون شداد، المعيشة قاسية، والأمن معدوم. كانوا يهاجرون للعمل في البلدان المجاورة والبعيدة أعمالاً يستنكفون منها الآن، فلما دار الزمان صب الله عليهم من نعمه فأصبحت بلادهم مطلب الكثيرين، ونعموا بسعة العيش ونضارته وبالأمن والاستقرار. فيجب عليهم شكر هذه النعم؛ لأن تاريخهم القريب إذا قرؤوهُ فلا شك أنهم لا يودون التفكير فيه ناهيك عن العيش فيه؛ فبالشكر تدوم النعم: {وَإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].
? التشبه بالصالحين والأعلام:
يقول السخاوي(5) عن فوائد علم التاريخ: «التشبه بذوي المروآت والأجواد والوفاء والفرسان والشجعان».
إن من أسباب هداية الإنسان التأثر بغيره ممن سبقه من أهل الصلاح والتقوى والمروءة في جميع جوانب حياتهم؛ فإذا اطَّلع على سِيَرهم وأحوالهم تاق إلى التشبه بهم ومحاكاتهم فتحول إلى إنسان آخر، وهذا يساعد المربين فيجعلون التاريخ مدرسة تربوية ينهل منها المربون في كل زمان. فكم من مسلم تأثر بسيرهم وحاول أن يسير على خطاهم، وكم تأثر مسلم بضروب الشجاعة والإقدام التي يقرؤها، فترسخ فيه روح الحماس والشجاعة، لذلك حرص الناس بجميع مذاهبهم على السِيَر والتراجم، وصنف المسلمون فيها كتباً لا حصر لها.
(. لماذا ندرس التاريخ . ؟؟.. ! ) ؟ الجـــــــ2ـــــــزء
===== =====
...
ومن دراستنا للتاريخ نكتشف امور اهم مثل
عظمة الله سبحانه وتعالى:
من قرأ التواريخ وجد أن مصرِّفها عظيم حكيم يَدَعُ الظالم؛ فإذا أخذه لم يفلته وإن طال الزمان وكاد اليأس يدخل أهل الإيمان، كما أنه ـ سبحانه ـ رتب سنناً كونية فيها حِكَم بالغة، وعبر لا تتبدل بتبدل الزمان والمكان بل تعيد نفسها.
فالدولة المتجبرة الظالمة لا بد أن تسقط وتدول وإن رأى الناس بُعد ذلك؛ فكم من دولة كانت تضم بين أجنحتها بلاداً كبيرة وخلقاً عظيماً؛ فلما طغت وظلمت نفسها ورعيتها وجيرانها سقطت وتفرق حكامها وأهلها شذر مذر، فلم يبق لنا منها إلا الذكر والأحداث المسطرة في بطون الكتب، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فالفراعنة بنوا حضارة لا زالت تبهر العقل بأهراماتها؛ أين هي؟ لقد ذهبت مع من ذهب وأصبحنا نتعجب من هلاكها واندثارها بمقدار تعجبنا من براعتها وعظمتها.
وما الاتحاد السوفييتي منا ببعيد لقد هوى في ساعة كان الكل يعتقد بُعدها، وتفرقت دوله التي جمعتها الشيوعية الظالمة، وسيتبعه ـ إن شاء الله ـ دولة أصبحت ترى الظلم والعدوان حقاً لها ولا تأبه بغير مصالحها، فتذيق المسلمين صنوف القتل والدمار والذل والمهانة، وقد نرى ذلك بعيداً ولكنه قريب جداً بمقياس التاريخ.
? حفظ هوية الأمة:
إن هذا السبب من أهم أسباب دراسة التاريخ في هذا الزمان؛ فهذا التاريخ يحفظ هوية الأمة؛ فمن ليس له تاريخ فهويته مبتورة وليس له جذور؛ فالشجرة إن كانت من غير جذور لا شك أنها ستموت وتقتلعها الرياح، ونرى أثر ذلك فيمن تدثروا بلباس العصرية والإنسانية؛ فهم أصبحوا تابعين للغرب؛ لأنهم انْبَتُّوا عن تاريخهم؛ وهذا ما يريده ويسعى إليه الأعداء؛ ففي الشام أحيا لهم الأعداءُ الفينيقيين والكنعانيين فأصبحوا يفتخرون بهم وينتمون إليهم، بل يربطون حقوقنا في أرض فلسطين السليبة بهم. وفي مصر أحيا الأعداءُ الفراعنةَ بل نقبوا عن آثارهم وأصبحوا يسمون أهل مصر بأحفاد الفراعنة، وأصبحوا يتحدثون عن حضارة مصر ذات الخمسة آلاف سنة. وفي العراق تغنوا بالآشوريين وشريعة حمورابي التي يجعلونها أول قانون مدني على ظهر البسيطة، وتحدثوا عن الحضارة البابلية وغيرها من الحضارات التي قامت في العراق. وفي جزيرة العرب بعثوا ممالك اليمن من مملكة معين إلى مملكة سبأ.
وفي المغرب العربي نفخوا الروح في القومية الأمازيغية وحرصوا على أن يدوِّنوا لغتهم وأن يوجدوا لهم تاريخاً قبل الإسلام، رغم أنهم مسلمون ويعدُّون أنفسهم عرباً كما يعدهم العرب منهم نظراً للتمازج الذي حدث بينهم منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً.
وجميع ما أحيوا من تواريخ البلاد الإسلامية تواريخ أقوام طغاة ظالمين كانوا يشركون بالله فأهلكهم بذنوبهم فأصبحوا في ذمة التاريخ، ولكن كما يقال في المثل: «لأمرٍ ما جدع قصير أنفه» إنهم بهذا يقطعون صلتهم بتاريخهم المرتبط بالإسلام، ويحاولون أن يصلوهم بمن عاش في هذه الأرض في العصور الغابرة من الأمم الكافرة لينسلخوا من الإسلام، بل ليرتبطوا بالكفر ممثلاً في تاريخهم الجديد المزعوم. ونجد صدى ذلك ظاهراً في المناهج الدراسية التي تولي عناية كبيرة بتاريخ الأرض لا تاريخ سكانه. ففي مصر يدرس الطلاب تاريخ الفراعنة بشكل مطول في حين يُختزل التاريخ الإسلامي بدءاً من السيرة النبوية إلى التاريخ العثماني في صفحـات عــديـدة لا توازي ما كتب عن الفراعنة أو القومية التي أطلت برأسها في أوائل القرن الماضي.
وسارعت أمريكا إلى تغيير مناهج التاريخ في العراق حتى لا يُتخذ مظهراً للعداء لأمريكا أو أن يطغى عليها التشدد الديني والراديكالية المتطرفة، كما تريد أن يغدو منهج التاريخ في المدارس العراقية مركِّزاً على الأدوار الحضارية والاجتماعية، ودور العراق منذ القدم في بناء الحضارة الإنسانية(1).
هذه الأساليب الشيطانية أنتجت في مجتمعاتنا كل منبتٍّ عن دينه وأصله وتاريخه، فأصبح يتبرأ من حضارة الإسلام ليقع منتكساً في أحضان الحضارات الكافرة من أولها حتى الحضارة الغربية، ونتاجها كل فكر مسموم يهدم أساس المجتمع المسلم ينفثونه في كتبهم ومقالاتهم.
وشاهدنا تركيا التي انسلخت من تاريخها الإسلامي الزاهر ونبشت ما يسمى تاريخاً للبدو الترك قبل إسلامهم وتكوينهم لدول عظيمة أهمها وأعظمها الدولة العثمانية. لقد تعلقوا بأوروبا؛ فهم منذ ثلاثين عاماً يطرقون أبواب الاتحاد الأوروبي فلم يقبلهم ولم يعترفوا بتاريخهم الجديد، فأضاعوا ماضيهم وحاضرهم.
أما دولة المسخ دولة يهود فقد انتسخت لها تاريخاً من سراديب التاريخ تدرِّسه لأبنائها يقوم على صهينة التاريخ؛ بحيث تأخذ من التاريخ الإنساني ما يناسبها وتلبسه لباساً يهودياً يقوم على ادعاء الحق في فلسطين وغيرها، ووجوب بناء الهيكل(2).
? الحكم على الدنيا:
يقول ابن الأثير(3): إن العاقل اللبيب إذا تفكر فيها ورأى تقلُّب الدنيا بأهلها وتتابع نكباتها إلى أعيان قاطنيها، وأنها سلبت نفوسهم وذخائرهم، وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم، فلم تُبقِ على جليل ولا حقير، ولم يسلم من نكدها غني عشقها وذاب فيها، ولا فقير زهد فيها وأعرض عنها وأقبل على التزود للآخرة، ورغب في دار تنزهت عن هذه الخصائص».
فانظر إلى سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم - ؛ ففيها المثل الأعلى على احتقار الدنيا. يقول -صلى الله عليه وسلم - وقد دعاه أحد أصحابه إلى بعض اللين في العيش: «ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها»(4).
وهذا طلحة بن عبيد الله ـ رضوان الله عليه ـ يُؤتى إليه بمال كثير فيفرقه وهو في مجلسه ولم يبقَ معه قليل ولا كثير منه(5).
أما عمر بن عبد العزيز فقد ترك الدنيا وترك معها أولاده وليس لهم مال وهو الخليفة وبيده الخزائن والأمر والنهي(6).
والإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ عرف الدنيا وحقارتها وأنها لا تساوي عند الله جناج بعوضة فأعرض عنها، وكان يعيش على الخبز رغم جوائز الخليفة التي يتمنى منه أن يقبلها.
وما الإمام ابن باز، والإمام الألباني ـ رحمهما الله ـ ببعيدين عنا تركا الدنيا وهما لا يملكان من حطامها شيئاً، رغم أنهما يستطيعان جمع الكثير بدون سؤال.
? قراءة الأحداث:
ذلك أن أحداث التاريخ تتكرر؛ فهي سنن كونية تتكرر مرات ومرات؛ فما يجري أمامك لا شك أنه قد جرى نظيره قبل ذلك. يقول البيهقي(7): «لا توجد حادثة لم يحدث مثلها من قبل».
ويقول ابن الأثير(8): «إنه لا يحدث أمر إلا تقدم هو أو نظيره».
ويقول نيو توكررش(9): «إن التاريخ كله تاريخ الحاضر».
وفي عالمنا المعاصر نوقن أن نهاية الحضارة الغربية قريبة قرباً تاريخياً؛ فقد دفعت حضارات وإمبراطوريات كبيرة ثمن انغماسها في الشهوات والملذات واطِّراح الأخلاق، ناهيك عن التوحيد، كالإمبراطورية الرومانية، والبيزنطية، والفرعونية، كما هوت دول؛ لأنها تعجرفت وتجبرت وتعدت على غيرها ورأت أن لا شــيء فوقهــا كما تفعـل أمريكا اليـوم فـي العالم. يقــول ـ سبحانه ـ عن قوم عاد: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ --* وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ --* وَإذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ}.
[الشعراء: 128 - 130].
فصب الله عليها شآبيب العقاب فأصبحت كأمسٍ الذاهب.
ولا نشك لحظة أن التاريخ يعيد نفسه في صحوة الأمة ورجوعها إلى قيادة العالم نحو التوحيد والسلام؛ فقد أفاقت قبل تسعمائة سنة على غزو صليبي هادر أكل الأخضر واليابس، فلملمت أطرافها وطردتهم شر طردة، بل نقلت المعركة إلى عقر دارهم، فقرع أبطالها أبواب فيينا في معقل النصرانية الوثنية أوروبا، وها نحن اليوم نرى إرهاصات تلك الصحوة ولعلها تؤتي ثمارها قريباً فنرى المستعمر المتسلط المتبجح يهرب كما هرب من تسعة قرون.
? التخلق بالصبر والتأسي بالصابرين:
وهو سبب مهم؛ فالصبر حث عليه ديننا. يقول ـ تعالى ـ: {إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]، وإمام الصابرين نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم - .
يقول ابن الأثير(1): ومنها التخلق بالصبر والتأسي، وهما من محاسن الأخلاق؛ فإن العاقل إذا رأى أن مصاب الدنيا لم يسلم منه نبي مكرَّم ولا ملك معظم ولا أحد من البشر علم أنه يصيبه ما أصابهم وينوبه ما نابهم، ولهذه الحكمة وردت القصص في القرآن المجيد.
ويقول الثعلبي(2): ومنها قصص التهذيب والتأديب لأمته -صلى الله عليه وسلم - ، ومنها قصص التأسي بهم فيما أثنى الله عليهم به.
وقد كابد المرسلون المشاق من تكذيب وامتهان وازدراء، وقتل منهم في سبيل الدعوة من قُتل؛ فهم الأسوة والقدوة لنا.
وفي قصة يوسف ـ عليه السلام ـ أكبر دليل على عاقبة الصبر؛ فقد صبر وتمنى السجن ودخله مدة حتى أذن الله بخروجه منصوراً مؤيداً. قال ـ تعالى ـ: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} [يوسف: 111].
والتاريخ مليء بقصص الصابرين؛ فهذا الوزير المهلبي(3) يتمنى الموت من الفقر والإقلال وسوء الحال فيقول:
ألا موت يباع فأشتريهِ فهذا العيش ما لا خير فيهِ
إذا أبصرت قبراً من بعيدٍ وددت لو انني مما يليهِ
ويتمنى أن يأكل لحماً وكان معه صديق له فاشترى لحماً وأطعمه إياه، وتدور الأيام ويتولى المهلبي الوزارة والأمر والنهي حتى إن مائدته مليئة بأصناف الطعام ويأكل كل لقمة بمعلقة من زجاج.
? معرفة نعم الله وتقديرها:
من قرأ التاريخ وهو في دَعَةٍ علم مقدار ما قاساه من قبله من الشدائد وشظف العيش وكَلَب الزمان وانعدام الأمن والأمان، فلا بد أن يعرف مقدار نِعَم الله التي لا تحصى، فيقدرها بالشكر للمنعم الوهاب.
ولذلك كان الصحابة ممن أدرك الشدة والعناء مستحضرين لها دائماً؛ فقد بكى سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ وقد رأى ما يعيش فيه وتذكر مصعب بن عمير ـ رضي الله عنه ـ لمَّا لم يجدوا له كفناً يواري جميع بدنه(4).
فقد مرَّت على البلاد المعروفة الآن بالسعودية والخليج قرون شداد، المعيشة قاسية، والأمن معدوم. كانوا يهاجرون للعمل في البلدان المجاورة والبعيدة أعمالاً يستنكفون منها الآن، فلما دار الزمان صب الله عليهم من نعمه فأصبحت بلادهم مطلب الكثيرين، ونعموا بسعة العيش ونضارته وبالأمن والاستقرار. فيجب عليهم شكر هذه النعم؛ لأن تاريخهم القريب إذا قرؤوهُ فلا شك أنهم لا يودون التفكير فيه ناهيك عن العيش فيه؛ فبالشكر تدوم النعم: {وَإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].
? التشبه بالصالحين والأعلام:
يقول السخاوي(5) عن فوائد علم التاريخ: «التشبه بذوي المروآت والأجواد والوفاء والفرسان والشجعان».
إن من أسباب هداية الإنسان التأثر بغيره ممن سبقه من أهل الصلاح والتقوى والمروءة في جميع جوانب حياتهم؛ فإذا اطَّلع على سِيَرهم وأحوالهم تاق إلى التشبه بهم ومحاكاتهم فتحول إلى إنسان آخر، وهذا يساعد المربين فيجعلون التاريخ مدرسة تربوية ينهل منها المربون في كل زمان. فكم من مسلم تأثر بسيرهم وحاول أن يسير على خطاهم، وكم تأثر مسلم بضروب الشجاعة والإقدام التي يقرؤها، فترسخ فيه روح الحماس والشجاعة، لذلك حرص الناس بجميع مذاهبهم على السِيَر والتراجم، وصنف المسلمون فيها كتباً لا حصر لها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق