الثلاثاء، 2 أغسطس 2016

لماذا ندرس التاريخ . الجـــ1ــزء

لماذا ندرس التاريخ . الجـــ1ــزء



(. لماذا ندرس التاريخ . ؟؟.. ! ) ؟ الجـــــــ1ـــــــزء
===== =====



يقول القاضي الأرجاني:

إذا علم الإنسان أخبار من مضى --*--*--* توهَّمْتَه قد عاش من أول الدهرِ

خلق الله الإنسان وجعل له عمراً لا يساوي شيئاً في مقابل الأزمان والعصور التي عاشها أسلافه منذ بدء الخليقة. هذه الأزمان الطويلة ولَّدت لدى الإنسان حنيناً إلى معرفة ما كان عليه أسلافه، وكيف كانت حياتهم، والأحداث التي أثرت على حياتهم وغيرت مجرياتها؛ لذلك تولد علم التاريخ.

وهو من العلوم القديمة قِدَم الخليقة، نُقل بالرواية حتى عرف الإنسان الكتابة فدوَّنه، واهتمت به الأمم فلا تجد أمة تحيا من دون تاريخ.

يقول ابن الأثير(1): «لقد رأيت جماعة ممن يدعي المعرفة والدراية، ويظن بنفسه التبحر في العلم والرواية يحتقر التواريخ ويزدريها، ويُعرِض عنها ويلغيها ظناً منه أن غاية فائدتها إنما هو القصص والأخبار، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار؛ وهذا حال من اقتصر على القشر دون اللب نظره، ومن رزقه الله طبعاً سليماً وهداه صراطاً مستقيماً علم أن فوائدها كثيرة ومنافعها الدنيوية والأخروية جمة غزيرة».

ويقول ابن خلدون(2): «إن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جَمُّ الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم والأنبياء في سِيَرهم، والملوك في دولهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يروم أحوال الدين والدنيا».

وقد نحا المسلمون في تاريخهم منحى شرعياً حين ربطوه بالقضاء والقدر، واعتقدوا الحكمة الإلهية في حوادثه سواء كانت خفية أو ظهرت وتبينت

أسباب دراسة التاريخ والفوائد المرجوة من ذلك:

--* أخذ العظة والعبرة:

لقد ورد في القرآن الكريم تاريخ كثير؛ فقد قص - سبحانه وتعالى - علينا قصصاً كثيراً عن الأنبياء والمرسلين، والطغاة المتجبرين أبانت حال المرسلين - عليهم السلام - وما كابدوا من مشقة وعنت وتكذيب واستهزاء وقتل في سبيل إيصال الرسالة الإلهية إلى الخلق. وما آل إليه مصير المكذبين؛ فقد سلط الله عليهم العقوبات الدنيوية التي أهلكتهـم شــر مَهْـلك، فصاروا مثلاً لمـن بعـدهـم. يقـول شعيب - عليه السلام - محذراً قومه: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} [هود: 89]، ويقول - سبحانه - محذراً الكافرين: {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9].

كما بين - سبحانه - مصير الطغاة والمتجبرين كفرعون وهامان وقارون؛ فهذا فرعون بعد أن أدركه الغرق وحانت ساعة الاحتضار وهو في ذل وصَغار يقول - تعالى - في شأنه: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْـمُسْلِمِينَ} [يونس: 90]، بعد أن كان يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}. [النازعات: 24].

وبين - سبحانه - ما جرى للأمم المكذبة في مواضع كثيرة من القرآن.

فمن عرف مصير الطغاة والمتجبرين وما جرى للأمم السابقة المكذبة اتعظ وأخذ العبرة إذا كان ذا لب.

وفي التاريخ كَمٌّ هائل من الحوادث التي حطَّتْ العالي وأنزلته من ذراه إلى الذل والمهانة؛ فهذا مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية بعد أن كان خليفة أمرُهُ مطاع يُلاحَق ويُقتل، فتسرع هرة إلى لسانه فتآكل هذا اللسان الذي كان يأمر وينهى، فأصبح في فم هرة تلوكه، ويقول عن ذلك القائد عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس الذي حُمل إليه رأسه(3): «لو لم يُرِنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في فم هرة لكفانا ذلك».

أما محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم والواثق مَنْ كان له الأمر والنهي فيُلقى في تنور مليء بالمسامير، فلا يستطيع أن يتحرك، وتوقَد عليه النار مرة بعد مرة حتى يَهْلك في قعر هذا التنور الذي أعده ليعذب به أعداءه ومن لا يثق فيهم ممن هم حوله وحول الخليفة(4).

وشاه إيران (محمد رضا بهلوي) الذي اكتوى بظلمه وجبروته الملايين يصبح طريداً بين البلدان كلٌّ يرفضه ولا يود استقباله، فيموت حسرة وندامة قبل أن يموت حقاً.

والأمثلة كثيرة متوافرة في كتب التاريخ. يقول ابن الأثير عن ذلك(5): «إن الحكام ومن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سِيَر أهل الجور والعدوان رأوها مدونة في الكتب يتناقلها الناس، ونظروا إلى ما أعقبت من سوء الذكر وقبيح الأحدوثة، وخراب البلاد وهلاك العباد وذهاب الأموال وفساد الأحوال استقبحوها وأعرضوا عنها واطَّرحوها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق