الثلاثاء، 2 أغسطس 2016

لمصلحة من تغييب دور الأتراك العثمانيين في معركة وادي المخازن؟

لمصلحة من تغييب دور الأتراك العثمانيين في معركة وادي المخازن؟





معركة وادي المخازن هي المعركة التي يسميها أهل المغرب بـ "معركة الملوك الثلاثة" ويقصد بهم: السلطان أبو مروان عبد الملك المعتصم, سلطان المغرب، والسلطان المخلوع الخائن أبو عبد الله المتوكل، وحليفه الملك البرتغالي سباستيان الجالس على عرش لشبونة..!
وهذه المعركة التي دارت رحاها عند بقايا مدينة (القصر الكبير) بين طنجة وأغادير, على الساحة الواسعة, المطلة على ساحل المحيط الأطلسي، وذلك في يوم الاثنين 30 جمادى الأولى، عام 986 هـ، الموافق 4 غشت 1578م، - أي بعد سقوط غرناطة بحوالي 86 سنة - انتهت باستشهادالأول - نحسبه كذلك - وبمصرع الثاني والثالث، وبإبادة الجيش البرتغالي وحلفائه الصليبيين، إلا القليلين الذين فروا من ساحة المعركة للنجاة بجلوهم.
ولقد كان الأتراك العثمانيون حاضرين بقوة في هذه المعركة. فالمعركة في مضمونها وفي حقيقتها، كانت معركة إسلامية – صليبية، ولم تكن معركة مغربية – برتغالية - كما يحاول المؤرخون الوطنيون والقومجيون تصويرها، ولذلك فهم يغضون الطرف عن دور العثمانيين في هذه المعركة الفاصلة.
فالجيش البرتغالي لم يكن وحده في هذا المعركة، إنما كان يتضمن مقاتلين صليبيين متطوعين ينتمون إلى العديد من الدول الأوروبية، وكانت راية الصليب حاضرة بقوة، لأنها كانت عبارة عن حملة صليبية مدعومة من قبل البابا في روما وحظيت بمباركته. وكان فيه أيضا مقاتلون مغاربة خونة من أنصار الملك المخلوع أبوعبد الله المتوكل.
وبالمقابل فإن الجيش المغربي ( السعدي )، عندما خاض المعركة، كان مدعوما من قبل العثمانيين، بفرقة كاملة قومها بضعة آلاف من الانكشارية المحترفين الأشداء الذين كان اسمهم يرعبالأوروبيين. وكان مزودا من قبلهم بعدد من المدافع المتطورة، والتي كان يشرف عليها قادة عثمانيون. وكان لهذه المدفعية دور خطير في سحق الجيش البرتغالي. كما كان في هذا الجيش مقاتلون متطوعون من تونس والجزائر ومن عموم بلاد المغرب الكبير.
وكل هذا طبعا لا يقلل من دور المغاربة، وبسالتهم وشجاعتهم، ومن الدور البطولي والتضحيات النادرة لسلطان المغرب القائد العامللجيش، أبو مروان المعتصم، ولأخيه أبي العباس أحمد القائد الميداني للمعركة.
"فكانت هذه المعركة - كما يقول المؤرخ الفرنسي ( هنري طيراس) - المعركةالفاصلة في تاريخ الصراع بين المسيحية والإسلام أنزلت ضربة بالطموح البرتغالي وفككتأوصال مملكة البرتغال لأن الدون سبستيان مات بدون وارث فخلفه خاله ( فيليب الثاني) ملك اسبانيا التي اندمجت فيها البرتغال أزيد من ( ستين سنة)".
ومن الغريب أنه في حين يصر البعض على التعمية على دور العثمانيين في هذه المعركة، ولا يتحدثون عنها كمعركة بين أهل الإسلام وأهل الصليب، نجدهم يركزون وهم بصدد الحديث عن العلاقات العثمانية السعدية، على نقطة واحدة يكررونها تفرق ولا توحد، وتذم ولا تحمد، وهي قولهم أن دولة الخلافة العثمانية قد عجزت أن تسيطر على المغرب الأقصى، ويحسبون أن في هذا فخرا، وكأن دولة الخلافة العثمانية إنما جاءت إلى بلاد المغرب لضم الأرض واحتلال البلاد والعباد.
وهذا طبعا غير صحيح، فا لعثمانيون إنما قدموا إلى بلاد المغرب في مهمة جهادية، قدموا إليها نجدة لأهاليها وبناء على طلب من زعمائها المحليين، في ليبيا وتونس والجزائر.
ولذلك فقد احترم العثمانيون استقلال المغرب الأقصى، ونزلوا عند رغبة حكامه، ولم يحاولوا فرض سيطرتهم عليه بدعوى وحدة الأمة. ولم يدعموا الصراع الداخلي بين السعديين، إلا في بعض الحالات التي تخوفوا فيها من قيام تحالف سعدي- أسباني. وحدث أن نزع بعض الحكام السعيديين للتحالف مع الأسبان أو البرتغاليين لكسب الصراع مع خصومهم، كما فعل أبو عبد الله المتوكل المذكور أعلاه.
ويؤكد أحد المؤرخين "أن الرهان العثماني حول ضم المغرب كان يتوخى النموذج الجزائري، أي أن الباب العالي كان يسعى إلى أخذها برغبة ومباركة من السلاطين المغاربة وهو ما لم يحصل أبدا" فكيف إذن يقال أن العثمانيين قد عجزوا عن بسط سيطرتهم على المغرب الأقصى؟! وما هي دوافع هذا القول ياترى؟!
والواقع أن العلاقات بين المملكة السعدية، والدولة العثمانية، لم تكن دوما سيئة ، بل أن التعاون ساد بينهما في كثير من الأحيان. بل إنه بعد معركة وادي المخازن تحسنت العلاقات بين الطرفين،مما جعل الملك السعدي، يقتفي أثر المرابطين فينصرف إلى توسيع مملكته جنوب الصحراء الكبرى في بلدان السودان الغربي. وذلك في سنة999 هـ/ 1591م وهو ماأدى إلى مضاعفة موارد الدولة من الذهب - وإن لم يرفعها إلى مستوى دولة المرابطين،
الدولة الإسلامية النموذجية العملاقة في تاريخ المغرب الكبير.
وإذا سلمنا جدلا بأن المغرب الأقصى قد جابه العثمانيين في بعض الفترات ووقف دون بسط نفوذهم عليه، فهذه المجابهة لم تكن تمثلا لإرادة الشعب المغربي المسلم، وإنما كانت تمثل النظام السياسي السعدي القائم، وذلك حفاظا على سلطانه ومركزه ومصالحه. - لكننا في حقيقة الأمر لم نسمع إنه كان هناك مجابهات كبيرة بين الطرفين -.
ومن المعروف أن شعبية العثمانيين كانت كبيرة لدى المسلمين (السنة ) في كل مكان، بما في ذلك مسلمي المغرب الأقصى، لدرجة أن الضغوط الشعبية إلى جانب الشعوربالواجب كانت أحيانا تفرض على الملك السعدي حشدالمتطوعين من المغرب الأقصى، وإرسالهم مع ممثلين عنه للجهاد تحت راية العثمانيين.
هذا والله من وراء القصد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق