تاريخ حضارة أجدادنا الصالحين 14
القرن الثامن الهجري وما بعده
عزُّ الدين الجلدكي
أما النصف الأوَّل من القرن الثامن الهجري والنصف الأوَّل من القرن الرابع عشر الميلادي فيمثِّله عالم الكيمياء هو عزُّ الدين الجلدكي (ت 1363م) صاحب كتاب (التقريب في أسرار التركيب)، وهو الذي فَصَل الذهب عن الفضة بوساطة حامض النتريك، وهي طريقة ما تزال تُستخدَم، ولها شأن في تقدير عيارات الذهب في المشغولات والسبائك الذهبية[1].
ومنذ بداية القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي بدأ منحنى الحضارة العلمية الإسلامية يتوقَّف ثم يأخذ اتجاه آخر نحو الهبوط والانحدار، وإن بقي أثر تلك الحضارة بارزًا في أوروبا حتى القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر الميلادي، وقد تخلل هذه الفترة بعض الإنجازات والابتكارات القليلة.
آق شمس الدين بن حمزة
فمن ذلك ما كان من أمر الشيخ آق شمس الدين بن حمزة (ت 1459م) أحد أعلام الحضارة الإسلامية في عهدها العثماني، ونموذجًا فريدًا في تعانق العلوم الشرعية مع العلوم الحياتية، وعَلَم بارِز من علماء النبات والطبِّ والصيدلة، وهو أحد شيوخ الخليفة العثماني محمد الفاتح، عُدَّ خبيرًا أوَّلاً في زمنه في مجال صُنْعِ الأدوية من النبات، واهتمَّ اهتمامًا خاصًّا بالأمراض المعدية، وألَّف في ذلك كتابًا بالتركية بعنوان (مادة الحياة)، وضع فيه لأول مرة تعريف الميكروب، ولم يكن الميكروسكوب قد ظهر بعدُ[2].
ولا يمكن هنا تجاهل العالم الجغرافي الفذِّ، والقائد البحري العثماني الذي كان سيد البحار: بيري ريس، واسمه الكامل محيي الدين بن محمد الريس (ت 960هـ - 1513م)؛ فله الفضل في رسم أقدم خريطة لأمريكا!!
وهذه الخريطة اكتشفها المستشرق الألماني[3]Kahle عندما عثر عليها في مكتبة (توب كابي سراي) بإستانبول، ونشرها على العالم سنة 1929م، بعد تحقيق علمي دُولي استمرَّ عدَّة سنوات؛ فقد أذهلت هذه الخريطة العالم كله وحيَّرت العلماء، وهي في الواقع أكثر من خريطة مفردة؛ فهي تُبيِّن المحيط الأطلسي؛ في الشرق ترى إسبانيا والساحل الإفريقي, وفي الغرب ترى القارة الأمريكية بسواحلها، وجزرها، وموانيها، وحيواناتها، وسكانها الهنود الحمر، الذين يرسمهم عُرَاة وهم يرعَوْن الغنم.
وفي 26 أغسطس سنة 1956م عُقِدَت في جامعة جورج تاون بالولايات المتحدة الأمريكية ندوة إذاعية عن خرائط البيري ريس، اتَّفق كلُّ الجغرافيين فيها بأن خرائط البيري ريس لأمريكا: "اكتشاف خارق للعادة"[4].
وإن أعجب ما في خرائط بيري ريس أنها عادت لتَشغل العلماء بعد عصر رحلات الفضاء وتصوير الأرض من الأقمار الصناعية، فقد كان الاعتقاد الأوَّل لدى علماء الخرائط في أمريكا وأوروبا في القرن العشرين أن الخرائط غير دقيقة, وبها أخطاء في الرسم حسب أحدث معلوماتهم عن الشاطئ الأمريكي, ولكنهم فوجئوا بعد ظهور أوَّل صورة مأخوذة من القمر الصناعي لهذه المناطق أن خرائط محيي الدين الريس أدقُّ مِن كل ما عرَفوه وتصوَّروه, وأنها تُطابق تمامًا صور القمر الصناعي, وأن معلوماتهم هي التي كانت خاطئة.
وعلى إثر ذلك عكف فريق من العلماء في وكالة الفضاء الأمريكية على إعادة دراسة الخرائط مُقَطَّعة بعد تكبيرها عدَّة مرَّات، فكانت المفاجأة الثانية، وهي أن الريس قد وضع في خرائطه القارة السادسة في القطب الجنوبي والمسمَّاة Antartica قبل اكتشافها بأكثر من قرنين، كما أنه وصف جبالها ووديانها التي لم تُكتشف حتى سنة 1952م[5].
كما لا يمكن أيضًا تجاهل تقي الدين الدمشقي (ت 1525م)، الذي ساهم في بناء مرصد إسطنبول؛ فقد اخترع المضخَّة ذات الأُسْطُوانات الستِّ، وهي فكرة المحرِّكات الانفجارية في جوهرها[6].
وهكذا كانت قصة العلوم في الحضارة الإسلامية.. مفخرة للإنسانية، ومنارة للعالم أجمع.. وذلك يومَ أن بزغ المسلمون في كل أنواع المعرفة، ينهَلُون منها ويغترفون، لا يعيقهم عائق، ولا يقف في طريقهم حاجز.. فمن مبادئ الإسلام انطلقوا، وبتشجيع ذوي السلطان وأولي الأمر تثبَّتوا.. ليُورِثُوا أُمَّتهم حضارة عَلَتْ على العلياء، وأبت على الأعداء، وقادت البشرية جمعاء، وكانت سببًا مباشرًا في بناء الأمم والحضارات اللاحقة!
__________________________
المراجع:::
[1
] انظر شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 524.
[2] انظر محمد حرب: العثمانيون في التاريخ والحضارة ص 461، 466.
[3] الملاحةوعلوم البحار عند العرب ص 138.
[4] انظر محمد حرب: العثمانيون في التاريخ والحضارة ص 472.
[5] انظر المصدر السابق ص 473، 474، وعن اكتشافات بيري ريس انظر الرابط:
إسلام ست / العلوم / العلوم الإسلامية
[6] انظر شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 532.
القرن الثامن الهجري وما بعده
عزُّ الدين الجلدكي
أما النصف الأوَّل من القرن الثامن الهجري والنصف الأوَّل من القرن الرابع عشر الميلادي فيمثِّله عالم الكيمياء هو عزُّ الدين الجلدكي (ت 1363م) صاحب كتاب (التقريب في أسرار التركيب)، وهو الذي فَصَل الذهب عن الفضة بوساطة حامض النتريك، وهي طريقة ما تزال تُستخدَم، ولها شأن في تقدير عيارات الذهب في المشغولات والسبائك الذهبية[1].
ومنذ بداية القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي بدأ منحنى الحضارة العلمية الإسلامية يتوقَّف ثم يأخذ اتجاه آخر نحو الهبوط والانحدار، وإن بقي أثر تلك الحضارة بارزًا في أوروبا حتى القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر الميلادي، وقد تخلل هذه الفترة بعض الإنجازات والابتكارات القليلة.
آق شمس الدين بن حمزة
فمن ذلك ما كان من أمر الشيخ آق شمس الدين بن حمزة (ت 1459م) أحد أعلام الحضارة الإسلامية في عهدها العثماني، ونموذجًا فريدًا في تعانق العلوم الشرعية مع العلوم الحياتية، وعَلَم بارِز من علماء النبات والطبِّ والصيدلة، وهو أحد شيوخ الخليفة العثماني محمد الفاتح، عُدَّ خبيرًا أوَّلاً في زمنه في مجال صُنْعِ الأدوية من النبات، واهتمَّ اهتمامًا خاصًّا بالأمراض المعدية، وألَّف في ذلك كتابًا بالتركية بعنوان (مادة الحياة)، وضع فيه لأول مرة تعريف الميكروب، ولم يكن الميكروسكوب قد ظهر بعدُ[2].
ولا يمكن هنا تجاهل العالم الجغرافي الفذِّ، والقائد البحري العثماني الذي كان سيد البحار: بيري ريس، واسمه الكامل محيي الدين بن محمد الريس (ت 960هـ - 1513م)؛ فله الفضل في رسم أقدم خريطة لأمريكا!!
وهذه الخريطة اكتشفها المستشرق الألماني[3]Kahle عندما عثر عليها في مكتبة (توب كابي سراي) بإستانبول، ونشرها على العالم سنة 1929م، بعد تحقيق علمي دُولي استمرَّ عدَّة سنوات؛ فقد أذهلت هذه الخريطة العالم كله وحيَّرت العلماء، وهي في الواقع أكثر من خريطة مفردة؛ فهي تُبيِّن المحيط الأطلسي؛ في الشرق ترى إسبانيا والساحل الإفريقي, وفي الغرب ترى القارة الأمريكية بسواحلها، وجزرها، وموانيها، وحيواناتها، وسكانها الهنود الحمر، الذين يرسمهم عُرَاة وهم يرعَوْن الغنم.
وفي 26 أغسطس سنة 1956م عُقِدَت في جامعة جورج تاون بالولايات المتحدة الأمريكية ندوة إذاعية عن خرائط البيري ريس، اتَّفق كلُّ الجغرافيين فيها بأن خرائط البيري ريس لأمريكا: "اكتشاف خارق للعادة"[4].
وإن أعجب ما في خرائط بيري ريس أنها عادت لتَشغل العلماء بعد عصر رحلات الفضاء وتصوير الأرض من الأقمار الصناعية، فقد كان الاعتقاد الأوَّل لدى علماء الخرائط في أمريكا وأوروبا في القرن العشرين أن الخرائط غير دقيقة, وبها أخطاء في الرسم حسب أحدث معلوماتهم عن الشاطئ الأمريكي, ولكنهم فوجئوا بعد ظهور أوَّل صورة مأخوذة من القمر الصناعي لهذه المناطق أن خرائط محيي الدين الريس أدقُّ مِن كل ما عرَفوه وتصوَّروه, وأنها تُطابق تمامًا صور القمر الصناعي, وأن معلوماتهم هي التي كانت خاطئة.
وعلى إثر ذلك عكف فريق من العلماء في وكالة الفضاء الأمريكية على إعادة دراسة الخرائط مُقَطَّعة بعد تكبيرها عدَّة مرَّات، فكانت المفاجأة الثانية، وهي أن الريس قد وضع في خرائطه القارة السادسة في القطب الجنوبي والمسمَّاة Antartica قبل اكتشافها بأكثر من قرنين، كما أنه وصف جبالها ووديانها التي لم تُكتشف حتى سنة 1952م[5].
كما لا يمكن أيضًا تجاهل تقي الدين الدمشقي (ت 1525م)، الذي ساهم في بناء مرصد إسطنبول؛ فقد اخترع المضخَّة ذات الأُسْطُوانات الستِّ، وهي فكرة المحرِّكات الانفجارية في جوهرها[6].
وهكذا كانت قصة العلوم في الحضارة الإسلامية.. مفخرة للإنسانية، ومنارة للعالم أجمع.. وذلك يومَ أن بزغ المسلمون في كل أنواع المعرفة، ينهَلُون منها ويغترفون، لا يعيقهم عائق، ولا يقف في طريقهم حاجز.. فمن مبادئ الإسلام انطلقوا، وبتشجيع ذوي السلطان وأولي الأمر تثبَّتوا.. ليُورِثُوا أُمَّتهم حضارة عَلَتْ على العلياء، وأبت على الأعداء، وقادت البشرية جمعاء، وكانت سببًا مباشرًا في بناء الأمم والحضارات اللاحقة!
__________________________
المراجع:::
[1
] انظر شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 524.
[2] انظر محمد حرب: العثمانيون في التاريخ والحضارة ص 461، 466.
[3] الملاحةوعلوم البحار عند العرب ص 138.
[4] انظر محمد حرب: العثمانيون في التاريخ والحضارة ص 472.
[5] انظر المصدر السابق ص 473، 474، وعن اكتشافات بيري ريس انظر الرابط:
إسلام ست / العلوم / العلوم الإسلامية
[6] انظر شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 532.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق