المجتمع الأندلسي في القرنين الرابع والخامس الهجريين
من خلال شهادة المؤرِّخ المعاصر (ابن حَيَّان القرطبي)
عاش ابن حَيَّان القرطبي في الفترة ما بين (377 – 469 هـ / 987 – 1076 م)، وهي فترة عامرة بالأحداث السياسية؛ حيث شهدت سيطرةَ الدولة العامرية، ثم عصرَ الفتنة، وسقوطَ الخلافة الأُمَوية، وقيامَ دول الطوائف، وتفاقمَ الخطر النصراني، وتعاظمَ دور اليهود، واندلاعَ النزاعات العرقية والطائفية[1]؛ وجميعها أحـداث أثَّرت بلا شك في خبرتـه التاريخية وتركت آثاراً واضحـة في ثنـايا أعماله؛ حيث رصـد بدقة مرحلـة الفتن والاضطـرابات المتتالية في الأندلـس فصوَّر الوضـع العام بأن الرعيـة «عدموا الراعي العَنُـوف منذ حِقَـب، فنبـذوا السلاح وكلِفـوا بالترْقيح»[2]، ونافسوا في النَّشَبِ، وعطَّلـوا الجهاد، وقعـدوا فوق الآرائك مقعـد الجبابرة»[3]، وتولـى الأمر «جمـاعة من الأغمـار، كانـوا عصابةً يحل بها الفَتاءُ[4]، ويذهب بها العُجْبُ»[5].
وكان الوضع في الأندلس في تلك الفترة قد تغيـر تغيُّراً جذرياً؛ فبعدما كانت الخلافـة تجمع بين السلطتين الزمنية والروحية، جاء الحاجب[6] المنصـور ابن أبي عامر (370 - 392هـ / 980 – 1001 م)[7]، وأبناؤه من بعـده[8] فانتزعـوا منهـا السلطة الزمنية[9]، وكـانت وفـاة عبد الملك (المُظَفَّر)[10] بن المنصور العامري فاتحـة لفتـرة مضطـربة من تاريخ الأندلس[11] بدأت بعبد الرحمن (شنجول)[12] الذي «ساء تصرفه وأنفق الأموال في غير وجهها، ونُسِب إليه أباطيل القول والفعل، واستعان بالعسكر للتحرر من نفوذ العامة[13]، وانتهى الأمر بقتله[14]؛ ففتح على الأندلس باباً لم يُسَد إلا بانهيار الدولة كلها، وكان ذلك إيذاناً ببداية نهاية دولة الإسلام في الأندلس.
وكانت تلك الأزمة «جديرة بأن تشحذ العقول الذكية، وتنتج مفكرين مخلصين يصطبغ تفكيرهم بالمرارة ويحاولون البحث عن علة ذلك الداء الذي أوتي منه بلدهم، ومحاولة تكوين مشروع سياسي اقتصادي اجتماعي»[15]، ومن هنا ظهر هذا الجيل من أبناء قُرْطُبَة من أمثال ابن حَيَّان وابن حَزْم، وابن شُهَيْد[16] ممن حاول كلٌّ منهم في ميدان علمه تقصِّي الحقيقة والبحثَ عن علاج لمحنة بلدهم[17]؛ ولذا نلمح في كتابات ابن حَيَّان التاريخية شيوعَ روح النقد لديه؛ فنراه يعبِّر عن رأيه بوضوح؛ ففي أيام دولة الخليفة «سليمان المستعين»[18]، وبداية «الفتنة البربرية» يذكر أنها كانت: «شِداداً نَكِدات صعاباً مَشؤومات، كريهات المبدأ والفاتحة، قبيحة المُنْتَهَى والخاتمة...»[19].
ويشير ابن حَيَّان في نصوصه إلى النهب الذي حدث بقُرْطُبَة، واجتياح التدمير بلا حساب أحياء قُرْطُبَة؛ وهو ما كان له أبلغ الأثر في تكوين فكره السياسي، وانعكس ذلك في كتاباته التي اتسمت بالحدة والحزن؛ فقد كان يعتقد أن الأندلس ينبغي أن تحتل مكان الصدارة في العالم الإسلامي، وتُشيعَ هذه الروح في كل كتاباته[20].
وقد زاد من اضطراب الأوضاع في الأندلس - لا سيما قُرْطُبَة - اقتحام البربر[21] لها[22]، ونشر الدمار بها، ودفعت قُرْطُبَة ثمن مقاومتها أنهاراً من الدماء، وقُتِل كثير من أهلها[23]، ودخلت البلاد بعدها في سلسلة من الأحداث[24] واضطربت الأوضاع، واستمرت النزاعات التي شارك فيها البربر والصقالبة[25] وأهل قُرْطُبَة أنفسهم، وهو ما جعل ابن حَيَّان يكن للبربر كراهية شديدة تشيع على ظاهر صفحات تاريخه؛ فهو يندد بقسوتهم وحقدهم الدفين على الدولة الأندلسية، ورغبتهم في نقض بناء الحضارة الأندلسية منذ أول لحظة يتهيأ لهم فيها ذلك[26] وقد تتبع ابن حَيَّان تلك الأحداث في تفصيل دقيق.
وانتهت هذه المرحلة في سنة 417 هـ / 1026 م، حين أجمع أهل قُرْطُبَة برئاسة الوزير أبي الحَزْم بن جَهْوَر على رد الأمر إلى بني أُمَيَّة[27]، واتفقوا على مبايعة هشام بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر[28]، وتلقب بالمستظهر[29]. وبعد ذلك خرج عليه، محمد بن عبد الملك (المُسْتَكْفي) سنة 414 هـ / 1023 م، ويذكر ابن حَيَّان عن الخليفة المستكفي قوله: «ولم يكن هذا المستكفي من هذا الأمر في وِرْدٍ ولا صَدَر، وإنما أرسله الله - تعالى - على أهل قُرْطُبَة محنة وبلية»[30]، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على متابعة ابن حَيَّان للأحداث ورصدها بصورة شبه يومية وبطريقة ناقدة.
ونتيجة لتلك الأحداث تقلصت بالضرورة قوة السُلطة في الداخل[31]، وهو ما انعكس أيضاً على فكر ابن حَيَّان؛ فحاول مثل غيره من المؤرخين النابهين من أمثال ابن حَزْم أن يعمل على تحقيق وحدة الأندلس وتقوية سلطة الخلافة من جديد[32]؛ فنراه يعتدُّ «بالجماعة» أو وحدة الأندلس؛ ولذا كان يستخدم كلمة الجماعة مراراً وتكراراً فيقول: «سلطان الجماعة» و «إمام الجماعة» و «أمير الجماعة»[33].
وبينما كان البناء السياسي للأندلس يتصدع شيئاً فشيئاً أثناء فترة الصراع على الخلافة بين من ادَّعاها من أفراد البيت الأُمَوي ومن أعقبوهم من بني حَمُّود[34]، انهار البناء السياسي جملة، وضاعت الوحدة، وتفرق أمر الجماعة[35]، وفي تلك الأثناء اجتمع شيوخ قُرْطُبَة والوزراء برئاسة أبي الحزم بن جَهْوَر واتفقوا على خلع المُعْتَدِّ بالله (آخر خلفاء بني أمية) وإبطال رسم الخلافة جملة[36]، ونودي في الأسواق والأرباض؛ ألَّا يبقَ بقُرْطُبَة أحد من بني أُمَيَّة، وألا يكنفهم أحد من أهل المدينة، وانتهى بذلك أمر بني أُمَيَّة في الأندلس وزالت خلافتهم وانقطعت الدعوة لهم[37]، وأثَّرت تلك الواقعة تأثيراً بالغاً في فكر ابن حَيَّان، وجعلته يتابع مصير دويلات الطوائف، ويرصد العديد من الوقائع، وركز على انفراط وحدة الأندلس وتفرُّق ملكها إلى دويلات طائفية[38]، واقتسامهم ألقاب الخلافة؛ فوصفهم ابن حَيَّان بأنهم: «أُمراء الفرقة الهمل[39]الذين هم ما بين فشل وَوَكَل»[40].
أما في قُرْطُبَة فقد اجتمع كبار أهلها بعد إلغاء الخلافة، وأسندوا الأمر إلى ابن جَهْوَر، وكان مشهوراً عندهم بجدارته وكفاءته لتقلد هذا المنصب[41]، وابتكر لأهل قُرْطُبَة نظاماً جديداً للحكم قائماً على الشورى، ورأى ابن حَيَّان أنه لم يستبد بالسلطة كما استبد غيره من ملوك الطوائف، وإنما كون مجلساً للحكم من شيوخ أهل قُرْطُبَة وانتخب أميناً لهذا المجلس، وكان لا يصرِّف أمراً إلا بعد الرجوع إلى جماعة الشيوخ هؤلاء[42]، وكان من جراء ذلك أن اختار ابن حَيَّان المقام في قُرْطُبَة في ظل الجَهاوِرَة؛ لأنهم في نظره خير بيئة يستطيع فيها أن يسجل أحداث عصره، وفيها استطاع أن يعبِّر عن سلبيات المجتمع الأندلسي؛ خاصة بعد تمزق الأندلس على هذا النحو، وقد انتقد ملوك الطوائف في عصره؛ خاصة في تربُّص بعضهم لبعض، واستعانتهم بالنصارى لتنفيذ مخططاتهم.
وعلى الصعيد الاقتصادي وبعد انهيار الخلافة ثم سقوطها حدثت الانتكاسة وعم الكساد الاقتصادي[43] وتدهور العمران، وحفل العصر بالأزمات إلى حدِّ المجاعة وأفل نجم قُرْطُبَة عمرانياً وبشرياً، وصور ابن حَيَّان الوضع قائلاً: «... وطمست أعلام قصر الزهراء[44]... فطوي بخرابها بساط الدنيا وتغير حسنها؛ إذ كانت جنة الأرض، فعدا عليها قبل تمام المائة من كان أضعف قوة من فارة المسك، وأوهن بنية من بعوضة النمروذ، والله يسلط جنوده على من يشاء، له العزة والجبروت»[45].
وتحولت المدن التجارية المزدهرة إلى قلاع وحصون عسكرية[46]، وهو الأمر الذي لقي تنديد ابن حَيَّان، ويشيع ذلك في صفحات كتابه «المتين» ومثال ذلك ما أشار إليه في فطنة بالغة عن سوء الأحوال الاقتصادية نتيجة الوضع المتردي في بمدينة بَطَلْيَوْس[47] نتيجة النزاع بين المعتضِد بن عَبَّاد والأَفْطَس، فقال: «بقيت بَطَلْيَوْس مدةً خالية الدكاكين والأسواق من استئصال القتل لأهلها في وقعة ابن عَبَّاد هذه بفتيان أغمارٍ إلا الشيوخ والكهول الذين أصيبوا يومئذٍ. فاستدللت بذلك على فشو المصيبة»[48]؛ فتوقع برؤية ثاقبة عما سيحل بعد ذلك من كوارث اقتصادية.
ولجأ الملوك من أجل إرضاء نزواتهم وتحقيق لذاتهم إلى إثقال كاهل رعاياهم بالضرائب[49]؛ فانعكس ذلك الوضع في كتابات ابن حَيَّان؛ فوصف ذلك الوضع المتردي في مرارة واضحة بقوله: «فما أقول في أرض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع أغذيتها؟ هل هي إلا مشفية[50] على بوارها واستئصالها؟ ولقد طمى العجب من أفعال هؤلاء الأمراء:
أمورٌ لو تدبَّرها حكيم إذن لنهى وهبب ما استطاعا»[51]
وعلى الصعيد الاجتماعي شهد المجتمع الأندلسي في ظل الخلافة والحِجابة مرحلة المزج والانصهار بين العرقيات المتنوعة ليحدث نوع من التجانس لم تشهده الأندلس من قبل؛ إلا أن السخائم العرقية والإقليمية عادت مرة أخرى لتؤثر سلبياً في هذا التجانس، ولتمزق وحدة الأندلس من جديد[52]بظهور النزعة العنصرية؛ ولذا لم يغب عن ابن حَيَّان أيضاً أن يعبر عن تلك النزعة في الأندلس في تلك الفترة؛ وذلك من خلال حديثه عن اجتماع خازنَي بيت المال في عهد الأمير محمد، وهما «عبد الله بن عثمان بن بسيل، ومحمد بن وليد بن غانم «واستدعى الأمر أن يكتب ابن غانم كتاباً قدم نفسه فيه، فما كان من ابن بسيل إلا أن قال له: «والله لا أطبع كتاباً تتقدمني أنت فيه، وأنا شامي وأنت بلدي»[53].
ويشير أيضاً إلى الفتنة بين اليمنية والمضرية، فقال: «وكان ابتداء فتنة أهل الجزيرة وانبعاثها بالمعصية بين اليمانية والمضرية أن أطلق بعضهم على بعض الغارات واستحلوا الحرمات وتخلقوا بأخلاق الجاهلية، واتخذوا الحصون والمعاقل المنيعة فارتقوا اليها وأذلوا البسائط»[54].
وقد كانت هناك طبقة الأُمراء والحكام وذوو الثراء وأصحاب الوظائف الكبرى، وكانوا يمتلكون ثروات طائلة تمثلت في الضياع الواسعة، والقصور الخاصة، وتفننوا في صنوف من البذخ[55]، والناظر إلى روايات ابن حَيَّان يجد أن الغالب عليها تصويره مثالب الطبقة الحاكمة، ولم يغب عنه تصرفات الحكام وشغفهم بالبناء إلى حد الإسراف والبذخ ويتضح هذا فيما نقله عن معاوية بن هشام عند ذكره لقيام الأمير محمد بتحسين قصر الخلافة فيقول: إنه بلغ من تحسينه إياه مبلغاً «تَوَفَّتْ به الكمال، واكتسبت الجمال، فشفيت به أدواء النفوس، وضرب بحسنها المثل»[56].
كما رصد ابن حَيَّان انحراف الحُجاب والوزراء، واستطاع أن يلقي الضوء حول طبيعة حياة الأمراء من خلال المعايشة، وقد أشار إلى ما أصاب أهل الأندلس من نفاق وقلة وفاء وميل مع من يبقى في المنصب، كما لم يغب عنه أن يصور بعض تجاوزات الولاة وظلمهم، كما صور دور الجواري في بلاط حكام الأندلس، وانتقد ما كُنَّ يقمن به من دسائس. وهذه الرؤية النقدية ما كانت لتحدث لولا ظروف عصره التي دفعته إلى ذكر ما وصل إليه حال الأندلس من انقسام وتفكك[57].
كما رصد سوء الأحوال الاقتصادية المترتبة على المنازعات والحروب خاصة بين ملوك الطوائف؛ فنراه يصف ما حدث بمدينة بَطَلْيَوْس نتيجة النزاع بين المعتضِد العَبَّادي والأَفْطَس بأنها «مصيبة»؛ حيث «خلت الدكاكين والأسواق». ويصف القسوة التي استُخدمَت في جمع الضرائب غير الشرعية بمدينة شاطبة بكل أنواع العنف حتى تساقطت الرعية ولم تصمد في وجه هذا الظلم». ومن هنا يتضح مدى اهتمام ابن حَيَّان برصد الجوانب الاقتصادية دون الاقتصار على الجانب السياسي فقط.
مما سبق يتضح لنا أن كتب ابن حَيَّان تناولت بتفصيل دقيق تاريخ المسلمين في الأندلس سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً؛ وهو ما أهَّله لأن يكون حامل لواء التاريخ في الأندلس.
يارب الموضوع يعجبكم
من خلال شهادة المؤرِّخ المعاصر (ابن حَيَّان القرطبي)
عاش ابن حَيَّان القرطبي في الفترة ما بين (377 – 469 هـ / 987 – 1076 م)، وهي فترة عامرة بالأحداث السياسية؛ حيث شهدت سيطرةَ الدولة العامرية، ثم عصرَ الفتنة، وسقوطَ الخلافة الأُمَوية، وقيامَ دول الطوائف، وتفاقمَ الخطر النصراني، وتعاظمَ دور اليهود، واندلاعَ النزاعات العرقية والطائفية[1]؛ وجميعها أحـداث أثَّرت بلا شك في خبرتـه التاريخية وتركت آثاراً واضحـة في ثنـايا أعماله؛ حيث رصـد بدقة مرحلـة الفتن والاضطـرابات المتتالية في الأندلـس فصوَّر الوضـع العام بأن الرعيـة «عدموا الراعي العَنُـوف منذ حِقَـب، فنبـذوا السلاح وكلِفـوا بالترْقيح»[2]، ونافسوا في النَّشَبِ، وعطَّلـوا الجهاد، وقعـدوا فوق الآرائك مقعـد الجبابرة»[3]، وتولـى الأمر «جمـاعة من الأغمـار، كانـوا عصابةً يحل بها الفَتاءُ[4]، ويذهب بها العُجْبُ»[5].
وكان الوضع في الأندلس في تلك الفترة قد تغيـر تغيُّراً جذرياً؛ فبعدما كانت الخلافـة تجمع بين السلطتين الزمنية والروحية، جاء الحاجب[6] المنصـور ابن أبي عامر (370 - 392هـ / 980 – 1001 م)[7]، وأبناؤه من بعـده[8] فانتزعـوا منهـا السلطة الزمنية[9]، وكـانت وفـاة عبد الملك (المُظَفَّر)[10] بن المنصور العامري فاتحـة لفتـرة مضطـربة من تاريخ الأندلس[11] بدأت بعبد الرحمن (شنجول)[12] الذي «ساء تصرفه وأنفق الأموال في غير وجهها، ونُسِب إليه أباطيل القول والفعل، واستعان بالعسكر للتحرر من نفوذ العامة[13]، وانتهى الأمر بقتله[14]؛ ففتح على الأندلس باباً لم يُسَد إلا بانهيار الدولة كلها، وكان ذلك إيذاناً ببداية نهاية دولة الإسلام في الأندلس.
وكانت تلك الأزمة «جديرة بأن تشحذ العقول الذكية، وتنتج مفكرين مخلصين يصطبغ تفكيرهم بالمرارة ويحاولون البحث عن علة ذلك الداء الذي أوتي منه بلدهم، ومحاولة تكوين مشروع سياسي اقتصادي اجتماعي»[15]، ومن هنا ظهر هذا الجيل من أبناء قُرْطُبَة من أمثال ابن حَيَّان وابن حَزْم، وابن شُهَيْد[16] ممن حاول كلٌّ منهم في ميدان علمه تقصِّي الحقيقة والبحثَ عن علاج لمحنة بلدهم[17]؛ ولذا نلمح في كتابات ابن حَيَّان التاريخية شيوعَ روح النقد لديه؛ فنراه يعبِّر عن رأيه بوضوح؛ ففي أيام دولة الخليفة «سليمان المستعين»[18]، وبداية «الفتنة البربرية» يذكر أنها كانت: «شِداداً نَكِدات صعاباً مَشؤومات، كريهات المبدأ والفاتحة، قبيحة المُنْتَهَى والخاتمة...»[19].
ويشير ابن حَيَّان في نصوصه إلى النهب الذي حدث بقُرْطُبَة، واجتياح التدمير بلا حساب أحياء قُرْطُبَة؛ وهو ما كان له أبلغ الأثر في تكوين فكره السياسي، وانعكس ذلك في كتاباته التي اتسمت بالحدة والحزن؛ فقد كان يعتقد أن الأندلس ينبغي أن تحتل مكان الصدارة في العالم الإسلامي، وتُشيعَ هذه الروح في كل كتاباته[20].
وقد زاد من اضطراب الأوضاع في الأندلس - لا سيما قُرْطُبَة - اقتحام البربر[21] لها[22]، ونشر الدمار بها، ودفعت قُرْطُبَة ثمن مقاومتها أنهاراً من الدماء، وقُتِل كثير من أهلها[23]، ودخلت البلاد بعدها في سلسلة من الأحداث[24] واضطربت الأوضاع، واستمرت النزاعات التي شارك فيها البربر والصقالبة[25] وأهل قُرْطُبَة أنفسهم، وهو ما جعل ابن حَيَّان يكن للبربر كراهية شديدة تشيع على ظاهر صفحات تاريخه؛ فهو يندد بقسوتهم وحقدهم الدفين على الدولة الأندلسية، ورغبتهم في نقض بناء الحضارة الأندلسية منذ أول لحظة يتهيأ لهم فيها ذلك[26] وقد تتبع ابن حَيَّان تلك الأحداث في تفصيل دقيق.
وانتهت هذه المرحلة في سنة 417 هـ / 1026 م، حين أجمع أهل قُرْطُبَة برئاسة الوزير أبي الحَزْم بن جَهْوَر على رد الأمر إلى بني أُمَيَّة[27]، واتفقوا على مبايعة هشام بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر[28]، وتلقب بالمستظهر[29]. وبعد ذلك خرج عليه، محمد بن عبد الملك (المُسْتَكْفي) سنة 414 هـ / 1023 م، ويذكر ابن حَيَّان عن الخليفة المستكفي قوله: «ولم يكن هذا المستكفي من هذا الأمر في وِرْدٍ ولا صَدَر، وإنما أرسله الله - تعالى - على أهل قُرْطُبَة محنة وبلية»[30]، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على متابعة ابن حَيَّان للأحداث ورصدها بصورة شبه يومية وبطريقة ناقدة.
ونتيجة لتلك الأحداث تقلصت بالضرورة قوة السُلطة في الداخل[31]، وهو ما انعكس أيضاً على فكر ابن حَيَّان؛ فحاول مثل غيره من المؤرخين النابهين من أمثال ابن حَزْم أن يعمل على تحقيق وحدة الأندلس وتقوية سلطة الخلافة من جديد[32]؛ فنراه يعتدُّ «بالجماعة» أو وحدة الأندلس؛ ولذا كان يستخدم كلمة الجماعة مراراً وتكراراً فيقول: «سلطان الجماعة» و «إمام الجماعة» و «أمير الجماعة»[33].
وبينما كان البناء السياسي للأندلس يتصدع شيئاً فشيئاً أثناء فترة الصراع على الخلافة بين من ادَّعاها من أفراد البيت الأُمَوي ومن أعقبوهم من بني حَمُّود[34]، انهار البناء السياسي جملة، وضاعت الوحدة، وتفرق أمر الجماعة[35]، وفي تلك الأثناء اجتمع شيوخ قُرْطُبَة والوزراء برئاسة أبي الحزم بن جَهْوَر واتفقوا على خلع المُعْتَدِّ بالله (آخر خلفاء بني أمية) وإبطال رسم الخلافة جملة[36]، ونودي في الأسواق والأرباض؛ ألَّا يبقَ بقُرْطُبَة أحد من بني أُمَيَّة، وألا يكنفهم أحد من أهل المدينة، وانتهى بذلك أمر بني أُمَيَّة في الأندلس وزالت خلافتهم وانقطعت الدعوة لهم[37]، وأثَّرت تلك الواقعة تأثيراً بالغاً في فكر ابن حَيَّان، وجعلته يتابع مصير دويلات الطوائف، ويرصد العديد من الوقائع، وركز على انفراط وحدة الأندلس وتفرُّق ملكها إلى دويلات طائفية[38]، واقتسامهم ألقاب الخلافة؛ فوصفهم ابن حَيَّان بأنهم: «أُمراء الفرقة الهمل[39]الذين هم ما بين فشل وَوَكَل»[40].
أما في قُرْطُبَة فقد اجتمع كبار أهلها بعد إلغاء الخلافة، وأسندوا الأمر إلى ابن جَهْوَر، وكان مشهوراً عندهم بجدارته وكفاءته لتقلد هذا المنصب[41]، وابتكر لأهل قُرْطُبَة نظاماً جديداً للحكم قائماً على الشورى، ورأى ابن حَيَّان أنه لم يستبد بالسلطة كما استبد غيره من ملوك الطوائف، وإنما كون مجلساً للحكم من شيوخ أهل قُرْطُبَة وانتخب أميناً لهذا المجلس، وكان لا يصرِّف أمراً إلا بعد الرجوع إلى جماعة الشيوخ هؤلاء[42]، وكان من جراء ذلك أن اختار ابن حَيَّان المقام في قُرْطُبَة في ظل الجَهاوِرَة؛ لأنهم في نظره خير بيئة يستطيع فيها أن يسجل أحداث عصره، وفيها استطاع أن يعبِّر عن سلبيات المجتمع الأندلسي؛ خاصة بعد تمزق الأندلس على هذا النحو، وقد انتقد ملوك الطوائف في عصره؛ خاصة في تربُّص بعضهم لبعض، واستعانتهم بالنصارى لتنفيذ مخططاتهم.
وعلى الصعيد الاقتصادي وبعد انهيار الخلافة ثم سقوطها حدثت الانتكاسة وعم الكساد الاقتصادي[43] وتدهور العمران، وحفل العصر بالأزمات إلى حدِّ المجاعة وأفل نجم قُرْطُبَة عمرانياً وبشرياً، وصور ابن حَيَّان الوضع قائلاً: «... وطمست أعلام قصر الزهراء[44]... فطوي بخرابها بساط الدنيا وتغير حسنها؛ إذ كانت جنة الأرض، فعدا عليها قبل تمام المائة من كان أضعف قوة من فارة المسك، وأوهن بنية من بعوضة النمروذ، والله يسلط جنوده على من يشاء، له العزة والجبروت»[45].
وتحولت المدن التجارية المزدهرة إلى قلاع وحصون عسكرية[46]، وهو الأمر الذي لقي تنديد ابن حَيَّان، ويشيع ذلك في صفحات كتابه «المتين» ومثال ذلك ما أشار إليه في فطنة بالغة عن سوء الأحوال الاقتصادية نتيجة الوضع المتردي في بمدينة بَطَلْيَوْس[47] نتيجة النزاع بين المعتضِد بن عَبَّاد والأَفْطَس، فقال: «بقيت بَطَلْيَوْس مدةً خالية الدكاكين والأسواق من استئصال القتل لأهلها في وقعة ابن عَبَّاد هذه بفتيان أغمارٍ إلا الشيوخ والكهول الذين أصيبوا يومئذٍ. فاستدللت بذلك على فشو المصيبة»[48]؛ فتوقع برؤية ثاقبة عما سيحل بعد ذلك من كوارث اقتصادية.
ولجأ الملوك من أجل إرضاء نزواتهم وتحقيق لذاتهم إلى إثقال كاهل رعاياهم بالضرائب[49]؛ فانعكس ذلك الوضع في كتابات ابن حَيَّان؛ فوصف ذلك الوضع المتردي في مرارة واضحة بقوله: «فما أقول في أرض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع أغذيتها؟ هل هي إلا مشفية[50] على بوارها واستئصالها؟ ولقد طمى العجب من أفعال هؤلاء الأمراء:
أمورٌ لو تدبَّرها حكيم إذن لنهى وهبب ما استطاعا»[51]
وعلى الصعيد الاجتماعي شهد المجتمع الأندلسي في ظل الخلافة والحِجابة مرحلة المزج والانصهار بين العرقيات المتنوعة ليحدث نوع من التجانس لم تشهده الأندلس من قبل؛ إلا أن السخائم العرقية والإقليمية عادت مرة أخرى لتؤثر سلبياً في هذا التجانس، ولتمزق وحدة الأندلس من جديد[52]بظهور النزعة العنصرية؛ ولذا لم يغب عن ابن حَيَّان أيضاً أن يعبر عن تلك النزعة في الأندلس في تلك الفترة؛ وذلك من خلال حديثه عن اجتماع خازنَي بيت المال في عهد الأمير محمد، وهما «عبد الله بن عثمان بن بسيل، ومحمد بن وليد بن غانم «واستدعى الأمر أن يكتب ابن غانم كتاباً قدم نفسه فيه، فما كان من ابن بسيل إلا أن قال له: «والله لا أطبع كتاباً تتقدمني أنت فيه، وأنا شامي وأنت بلدي»[53].
ويشير أيضاً إلى الفتنة بين اليمنية والمضرية، فقال: «وكان ابتداء فتنة أهل الجزيرة وانبعاثها بالمعصية بين اليمانية والمضرية أن أطلق بعضهم على بعض الغارات واستحلوا الحرمات وتخلقوا بأخلاق الجاهلية، واتخذوا الحصون والمعاقل المنيعة فارتقوا اليها وأذلوا البسائط»[54].
وقد كانت هناك طبقة الأُمراء والحكام وذوو الثراء وأصحاب الوظائف الكبرى، وكانوا يمتلكون ثروات طائلة تمثلت في الضياع الواسعة، والقصور الخاصة، وتفننوا في صنوف من البذخ[55]، والناظر إلى روايات ابن حَيَّان يجد أن الغالب عليها تصويره مثالب الطبقة الحاكمة، ولم يغب عنه تصرفات الحكام وشغفهم بالبناء إلى حد الإسراف والبذخ ويتضح هذا فيما نقله عن معاوية بن هشام عند ذكره لقيام الأمير محمد بتحسين قصر الخلافة فيقول: إنه بلغ من تحسينه إياه مبلغاً «تَوَفَّتْ به الكمال، واكتسبت الجمال، فشفيت به أدواء النفوس، وضرب بحسنها المثل»[56].
كما رصد ابن حَيَّان انحراف الحُجاب والوزراء، واستطاع أن يلقي الضوء حول طبيعة حياة الأمراء من خلال المعايشة، وقد أشار إلى ما أصاب أهل الأندلس من نفاق وقلة وفاء وميل مع من يبقى في المنصب، كما لم يغب عنه أن يصور بعض تجاوزات الولاة وظلمهم، كما صور دور الجواري في بلاط حكام الأندلس، وانتقد ما كُنَّ يقمن به من دسائس. وهذه الرؤية النقدية ما كانت لتحدث لولا ظروف عصره التي دفعته إلى ذكر ما وصل إليه حال الأندلس من انقسام وتفكك[57].
كما رصد سوء الأحوال الاقتصادية المترتبة على المنازعات والحروب خاصة بين ملوك الطوائف؛ فنراه يصف ما حدث بمدينة بَطَلْيَوْس نتيجة النزاع بين المعتضِد العَبَّادي والأَفْطَس بأنها «مصيبة»؛ حيث «خلت الدكاكين والأسواق». ويصف القسوة التي استُخدمَت في جمع الضرائب غير الشرعية بمدينة شاطبة بكل أنواع العنف حتى تساقطت الرعية ولم تصمد في وجه هذا الظلم». ومن هنا يتضح مدى اهتمام ابن حَيَّان برصد الجوانب الاقتصادية دون الاقتصار على الجانب السياسي فقط.
مما سبق يتضح لنا أن كتب ابن حَيَّان تناولت بتفصيل دقيق تاريخ المسلمين في الأندلس سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً؛ وهو ما أهَّله لأن يكون حامل لواء التاريخ في الأندلس.
يارب الموضوع يعجبكم


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق