تركيا واستعادة الإرث التاريخي
بقلم خالد حسن
العسكر في تركيا اليوم ليس هو اللاعب الوحيد الذي يصنع الخيارات الإستراتيجية لأنقرة، هناك تيار واعد يبشر بما أسماه البعض بـ"العلمانية الهادئة"، ربما يقصد بها ما عبر عنه المفكر عبدالوهاب المسيري بالعلمانية الجزئية في مقابل العلمانية الشاملة، هذا التيار خاض معركة الهوية في السابق بروح "أكثر انفعالية واندفاعية"، حسب وصف بعض قيادات حزب العدالة والتنمية التركي، وربما كان لصرامة الزعيم نجم الدين أربكان تأثير على طابع الصراع المحتدم حول الهوية، فيما تبنى من خرجوا عن عباءته ووصايته وأبويته، وأبرزهم الثنائي أوردوغان وغل، خطة أكثر "مرونة" و"تنازلا"، كسبت بها بعض عقول أمريكا وقلوب أوروبا وأربكت العسكر، ولو إلى حين.وما عاد الوزراء والمسئولون التنفيذيون والصحافيون والمهتمون يمرون سريعاً بأنقرة في طريقهم إلى آسيا أو إيران، فتركيا أوردوغان تعد العدة، لأن تصبح لاعبا رئيسيا في الصراعات الإستراتيجية للقرن الحادي والعشرين.
تركيا اليوم، أكثر يقظة واستيعابا وإدراكا لتوزيع القوة الدولية، إنها تريد أن تنجز الأكثر بالأقل المتوفر. ويبدو أنها مزيج من المحافظة على القيم المحورية لتركيا ما قبل أتاتورك، مع عدم التنكر لفترته وتحديثه للجيش والدولة، في الوقت الذي تقوم فيه بتعديلات ضرورية من أجل رفع مستوى القوة النسبية للبلاد إلى أقصى درجة ممكنة، وإعادة هادئة لرموز الهوية ما قبل الكمالية، مع البحث عن مصادر جديدة للقوة، ومنها قوة استعادة الهوية وتماسكها.
تركيا اليوم تملك الأدوات اللازمة لتعزيز موقعها الخاص والمؤثر، باعتبارها من أقوى الدول المؤثرة في المنطقة، إضافة إلى إيران.ومن خلال متابعة المرحلة "الأوردوغانية"، تبدو أنقرة قادرة على تشكيل بيئتها الإستراتيجية من موقع مؤثر داخل مجالها الجغرافي السياسي، من خلال ثنائية البناء الاقتصادي والحد من النفوذ العسكري الطاغي.
ولهذا، وحسب المتابعين لما يدور في مراكز صناع القرار في الحزب الحاكم في أنقرة، فإن الانشغال منصب على إعادة الهيكلية اللازمة لوضع الاقتصاد على المسار الصحيح، واعتماد سياسة أمنية صارمة مع دعاة الانفصال والاختراق الاستخباراتي، خاصة من الجارة العراق، وشراكة أوثق مع الولايات المتحدة، وتعامل "ألين" مع قضية الأكراد، بما يحقق قدرا من التعددية الثقافية والاختراق ببعض الخصوصيات.
ويتوقع أن تستمر تركيا في ظل حزب العدالة والتنمية في إعادة تقويم قوتها الوطنية لتواكب البيئة الإقليمية والدولية المتغيرة، وربما البحث عن مصادر جديدة للقوة، للحفاظ على دورها وموقعها. ويأمل بعض المنصفين في أوروبا أن تكافأ تركيا في عهد أوردوغان، وأن تصحح "خطاياها المسيحية"، من خلال فتح أبواب الاتحاد الأوروبي لأنقرة.
بل إن بعض الكتاب الأوروبيين اعتبر أن العام 1492م، يمثل حقبة السواد في التاريخ الأوروبي، عندما قام التاج الإسباني باسم الاعتقاد الديني، بطرد المسلمين واليهود من الأرض الإسبانية، لكن انتصار "الأصولية الدينية المسيحية" كان قصيرا، إذ بعد 25 عاما، نقل مارتن لوثر نظرياته إلى باب الكتدرائية، وأطلق العنان لحرب دينية في قلب أوروبا، استمرت على مدى أكثر من مائة عام.
ولدى أوروبا اليوم، كما يدعو هؤلاء، فرصة للتكفير عن خطاياها التاريخية، والاعتراف بمركزية إرث المسلمين في قلب أوروبا، وأول خطوة في ذات الاتجاه تشجيع تركيا على سلك الطريق المؤدي إلى الاتحاد الأوروبي، ويرون بأن ميلاد التيار المسيحي الديمقراطي اعتُبر أحد أكبر الإبداعات السياسية في أوروبا خلال القرن العشرين، حيث مكن من "الصلح" بين الإيمان الديني والديمقراطية العلمانية بعد الحرب. ولا يمكن لأوروبا أبدا أن تطالب بأن تكون كيانا دينيا واحدا.
ويمكن لـ"ديمقراطية إسلامية" في تركيا ـ على حد تعبير عدد من الكتاب الأوروبيين ـ أن تسمح لأوروبا بمد الجسور شرقا نحو العالم الإسلامي، تماما كما عليها أن تمد الجسور غربا نحو الأطلسي بأمريكيتيه الشمالية والجنوبية، هكذا يطالب بعض من أنصفوا حزب العدالة من الأوروبيين. وهكذا يريدها المرشح الرئاسي لحزب العدالة عبد الله غل، فلكل الحق بالتعبير عن معتقده الديني، وهو حق لا يندرس ولا يخضع لقبضة العسكر، لكن السياسة "تعلو الجميع". ومع أن تركيا أوردوغان تظل منحازة إلى الولايات المتحدة، بسبب الشكوك المتنامية إزاء بيئتها الخارجية، فإن أنقرة السياسية تظل مستقلة ومتنوعة.
لكن في المقابل، فإن واشنطن تدرك على أن عهد الضغط الأجنبي على تركيا قد ولى، على الأقل في عهد أوردوغان، وبدلا من فرض إستراتيجيات ثم توقع مصادقة تركيا عليها، فإن الاتجاه الذي يدعو إلى أخذ المصالح الإستراتيجية لأنقرة بعين الاعتبار، يتعزز يوما بعد يوم في دوائر صنع القرار من غير المحافظين الجدد، ويرى أنه من الضروري أن تكيف واشنطن سياساتها مع تركيا تدخل حقبة جديدة من إعادة النهوض واستعادة الإرث بهدوء مع تنازلات "مغرية".
لسنا هنا في معرض التقويم، وإنما هي قراءة وصفية لحالة تركيا اليوم، أما ما يجب أن يكون فهو متروك للتفاعلات والاحتكاكات والقراءة التحليلية المستوعبة، وأما الإعجاب بهذا الأنموذج أو ذاك، والحديث عن "نجاح" ما يروج له البعض من "علمانية هادئة"، فهذا نتجاوزه ولا نتوقف عنده، إذ الإغراق في التصنيفات والولع بالمصطلحات يضعفان الفكرة ويشتتان الذهن، إذ الاندفاع في مثل هذه القضايا يخل بالتحليل العميق، وهو أقرب إلى التسطيح والاستهلاك والإثارة، فلم نستعجل الحكم والتقويم؟ وليس الأمر ثنائية قطبية: إما الانبهار وإما الصدمة، وبينهما مجال فسيح للنظر والتأمل والتحليل.
المصدر : مجلة العصر
بقلم خالد حسن
العسكر في تركيا اليوم ليس هو اللاعب الوحيد الذي يصنع الخيارات الإستراتيجية لأنقرة، هناك تيار واعد يبشر بما أسماه البعض بـ"العلمانية الهادئة"، ربما يقصد بها ما عبر عنه المفكر عبدالوهاب المسيري بالعلمانية الجزئية في مقابل العلمانية الشاملة، هذا التيار خاض معركة الهوية في السابق بروح "أكثر انفعالية واندفاعية"، حسب وصف بعض قيادات حزب العدالة والتنمية التركي، وربما كان لصرامة الزعيم نجم الدين أربكان تأثير على طابع الصراع المحتدم حول الهوية، فيما تبنى من خرجوا عن عباءته ووصايته وأبويته، وأبرزهم الثنائي أوردوغان وغل، خطة أكثر "مرونة" و"تنازلا"، كسبت بها بعض عقول أمريكا وقلوب أوروبا وأربكت العسكر، ولو إلى حين.وما عاد الوزراء والمسئولون التنفيذيون والصحافيون والمهتمون يمرون سريعاً بأنقرة في طريقهم إلى آسيا أو إيران، فتركيا أوردوغان تعد العدة، لأن تصبح لاعبا رئيسيا في الصراعات الإستراتيجية للقرن الحادي والعشرين.
تركيا اليوم، أكثر يقظة واستيعابا وإدراكا لتوزيع القوة الدولية، إنها تريد أن تنجز الأكثر بالأقل المتوفر. ويبدو أنها مزيج من المحافظة على القيم المحورية لتركيا ما قبل أتاتورك، مع عدم التنكر لفترته وتحديثه للجيش والدولة، في الوقت الذي تقوم فيه بتعديلات ضرورية من أجل رفع مستوى القوة النسبية للبلاد إلى أقصى درجة ممكنة، وإعادة هادئة لرموز الهوية ما قبل الكمالية، مع البحث عن مصادر جديدة للقوة، ومنها قوة استعادة الهوية وتماسكها.
تركيا اليوم تملك الأدوات اللازمة لتعزيز موقعها الخاص والمؤثر، باعتبارها من أقوى الدول المؤثرة في المنطقة، إضافة إلى إيران.ومن خلال متابعة المرحلة "الأوردوغانية"، تبدو أنقرة قادرة على تشكيل بيئتها الإستراتيجية من موقع مؤثر داخل مجالها الجغرافي السياسي، من خلال ثنائية البناء الاقتصادي والحد من النفوذ العسكري الطاغي.
ولهذا، وحسب المتابعين لما يدور في مراكز صناع القرار في الحزب الحاكم في أنقرة، فإن الانشغال منصب على إعادة الهيكلية اللازمة لوضع الاقتصاد على المسار الصحيح، واعتماد سياسة أمنية صارمة مع دعاة الانفصال والاختراق الاستخباراتي، خاصة من الجارة العراق، وشراكة أوثق مع الولايات المتحدة، وتعامل "ألين" مع قضية الأكراد، بما يحقق قدرا من التعددية الثقافية والاختراق ببعض الخصوصيات.
ويتوقع أن تستمر تركيا في ظل حزب العدالة والتنمية في إعادة تقويم قوتها الوطنية لتواكب البيئة الإقليمية والدولية المتغيرة، وربما البحث عن مصادر جديدة للقوة، للحفاظ على دورها وموقعها. ويأمل بعض المنصفين في أوروبا أن تكافأ تركيا في عهد أوردوغان، وأن تصحح "خطاياها المسيحية"، من خلال فتح أبواب الاتحاد الأوروبي لأنقرة.
بل إن بعض الكتاب الأوروبيين اعتبر أن العام 1492م، يمثل حقبة السواد في التاريخ الأوروبي، عندما قام التاج الإسباني باسم الاعتقاد الديني، بطرد المسلمين واليهود من الأرض الإسبانية، لكن انتصار "الأصولية الدينية المسيحية" كان قصيرا، إذ بعد 25 عاما، نقل مارتن لوثر نظرياته إلى باب الكتدرائية، وأطلق العنان لحرب دينية في قلب أوروبا، استمرت على مدى أكثر من مائة عام.
ولدى أوروبا اليوم، كما يدعو هؤلاء، فرصة للتكفير عن خطاياها التاريخية، والاعتراف بمركزية إرث المسلمين في قلب أوروبا، وأول خطوة في ذات الاتجاه تشجيع تركيا على سلك الطريق المؤدي إلى الاتحاد الأوروبي، ويرون بأن ميلاد التيار المسيحي الديمقراطي اعتُبر أحد أكبر الإبداعات السياسية في أوروبا خلال القرن العشرين، حيث مكن من "الصلح" بين الإيمان الديني والديمقراطية العلمانية بعد الحرب. ولا يمكن لأوروبا أبدا أن تطالب بأن تكون كيانا دينيا واحدا.
ويمكن لـ"ديمقراطية إسلامية" في تركيا ـ على حد تعبير عدد من الكتاب الأوروبيين ـ أن تسمح لأوروبا بمد الجسور شرقا نحو العالم الإسلامي، تماما كما عليها أن تمد الجسور غربا نحو الأطلسي بأمريكيتيه الشمالية والجنوبية، هكذا يطالب بعض من أنصفوا حزب العدالة من الأوروبيين. وهكذا يريدها المرشح الرئاسي لحزب العدالة عبد الله غل، فلكل الحق بالتعبير عن معتقده الديني، وهو حق لا يندرس ولا يخضع لقبضة العسكر، لكن السياسة "تعلو الجميع". ومع أن تركيا أوردوغان تظل منحازة إلى الولايات المتحدة، بسبب الشكوك المتنامية إزاء بيئتها الخارجية، فإن أنقرة السياسية تظل مستقلة ومتنوعة.
لكن في المقابل، فإن واشنطن تدرك على أن عهد الضغط الأجنبي على تركيا قد ولى، على الأقل في عهد أوردوغان، وبدلا من فرض إستراتيجيات ثم توقع مصادقة تركيا عليها، فإن الاتجاه الذي يدعو إلى أخذ المصالح الإستراتيجية لأنقرة بعين الاعتبار، يتعزز يوما بعد يوم في دوائر صنع القرار من غير المحافظين الجدد، ويرى أنه من الضروري أن تكيف واشنطن سياساتها مع تركيا تدخل حقبة جديدة من إعادة النهوض واستعادة الإرث بهدوء مع تنازلات "مغرية".
لسنا هنا في معرض التقويم، وإنما هي قراءة وصفية لحالة تركيا اليوم، أما ما يجب أن يكون فهو متروك للتفاعلات والاحتكاكات والقراءة التحليلية المستوعبة، وأما الإعجاب بهذا الأنموذج أو ذاك، والحديث عن "نجاح" ما يروج له البعض من "علمانية هادئة"، فهذا نتجاوزه ولا نتوقف عنده، إذ الإغراق في التصنيفات والولع بالمصطلحات يضعفان الفكرة ويشتتان الذهن، إذ الاندفاع في مثل هذه القضايا يخل بالتحليل العميق، وهو أقرب إلى التسطيح والاستهلاك والإثارة، فلم نستعجل الحكم والتقويم؟ وليس الأمر ثنائية قطبية: إما الانبهار وإما الصدمة، وبينهما مجال فسيح للنظر والتأمل والتحليل.
المصدر : مجلة العصر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق