السبت، 27 أغسطس 2016

تاريخ حضارة أجدادنا الصالحين 8


تاريخ حضارة أجدادنا الصالحين 8



والى الآن نحن فى القرن الرابع الهجرى

ونبدا فى ::::

القرن الخامس الهجرى



لقصه العلوم


النصف الأوَّل من القرن الخامس الهجري

أبو الريحان البيروني

أما الفترة العلمية من النصف الأوَّل من القرن الخامس الهجري والنصف الأوَّل من القرن الحادي عشر فيمثِّلها أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني (ت 440هـ / 1048م)، العالم الموسوعي الذي كان لمؤلَّفاته اليَدُ الطُولَى في صناعة أمجاد عصر النهضة والثورة الصناعية في العالم الغربي؛ فقد حدَّد بدقَّة خطوط الطول ودوائر العرض، وناقش مسألة ما إذا كانت الأرض تدور حول محورها أم لا، وسبق في ذلك جاليليو وكوبرنيكوس[1]! كما وضع البيروني قاعدة حسابية لتسطيح الكرة، أي نَقَلَ الخطوط والخرائط من الكرة إلى سطح مُسطَّح وبالعكس؛ وبهذا سهَّل رسم الخرائط الجغرافية[2]وصفه المستشرق الألماني سخاو بقوله: "أعظم عقلية عرَفها التاريخ". وقد[3].

والبيروني يكاد يكون قد ألَّف في كل فروع المعرفة التي عهدها عصره، ومن أبرز ما قام به أنه توصل إلى تحديد الثقل النوعي لـ 18 عنصرًا مركَّبًا بعضها من الأحجار الكريمة، وفي ظاهرة الجاذبية كان البيروني من الروَّاد الذين قالوا بأن للأرض خاصية جذب الأجسام نحو مركزها، وقد تناول ذلك في آراء بثَّها في كتب مختلفة، وأشهر آرائه في ذلك ضمنها كتابه (القانون المسعودي)، ومن مؤلَّفاته الأخرى الرائدة: الصيدلة في الطب، والجماهر في معرفة الجواهر، ومفاتيح الرحمة ومصابيح الحكمة، والآثار الباقية، وتحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن، والعمل بالأسطرلاب، وتحقيق منازل القمر[4].

ابن الهيثم "أبو البصريات"


وقد عاصر البيرونيَّ علماءُ أعلامٌ طارت شهرتهم وإنجازاتهم في الآفاق؛ الأمر الذي يجعل من القرن الخامس الهجري بصفة عامَّة قمَّة أوج وازدهار الحضارة الإسلامية في المشرق والمغرب، وكان منهم في المشرق الإسلامي - على سبيل المثال - ابن الهيثم (430هـ / 1038م)، العالم المسلم الفذُّ الذي سلك الطريقة المثلى في إجراء البحث العلمي، وقال بالأخذ بالاستقراء، والقياس، والتمثيل، وضرورة الاعتماد على النمط المتَّبع في البحوث العلمية الحديثة، وقد وضَّح ذلك من خلال مقدِّمة كتابه (المناظر).
وابن الهيثم في طريقة البحث العلمي لم يَسْبِق بيكون إلى طريقته الاستقرائية فحسب، بل سما عليه سموًّا كبيرًا، ولقد كان أوسع منه أُفقًا وأعمق تفكيرًا؛ تقول زيغريد هونكه: "والواقع أن روجر باكون، أو باكوفون فارولام، أو ليوناردو دا فنشي، أو جاليليو، ليسوا هم الذين أسَّسوا قواعد البحث العلمي؛ إنما السابقون في هذا المضمار كانوا من العرب، والذي حقَّقه ابن الهيثم لم يكن إلا علم الطبيعة الحديث، بفضل التأمُّل النظري والتجرِبة الدقيقة"[5].
وتُعَدُّ أعمال ابن الهيثم العلمية فتحًا جديدًا ووثبة خطيرة في عالم البصريات وفسيولوجية الإبصار، وكانت أعماله هي الأساس الذي بنى عليه علماء الغرب جميع نظرياتهم في هذا الميدان، وكان في طليعة العلماء الأجانب الذين اعتمدوا على نظريَّاته - بل أغاروا عليها ونسبوها لأنفسهم - روجر بيكون وفيتلو وعلماء آخرون، ولا سيما في بحوثهم الخاصَّة بالمجهر والتلسكوب والعدسة المكبرة[6].
فقد بدأ ابن الهيثم أوَّلاً بمناقشة نظريات إقليدس وبطليموس في مجال الإبصار، وأظهر فساد بعض جوانبها، ثمَّ في أثناء ذلك قدَّم وصفًا دقيقًا للعين وللعدسات وللإبصار بواسطة العينين، ووصف أطوار انكسار الأشعة الضوئية عند نفوذها في الهواء المحيط بالكرة الأرضية بعامَّة، وخاصَّة إذا نفذ من جسم شفاف كالهواء، والماء، والذرَّات العالقة بالجو، فإنه ينعطف - أي ينكسر - عن استقامته[7].
وقد بحث في (الانعكاس) وتبيين الزوايا المترتبة على ذلك، كما تطرَّق إلى شرح أن الأجرام السماوية تظهر في الأفق عند الشروق قبل أن تصل إليه فعلاً، والعكس صحيح عند غروبها، فإنها تبقى ظاهرة في المجال الأفقي بعد أن تكون قد احتجبت تحته، وهو أوَّل من نوَّه باستخدام الحجرة السوداء التي تُعتَبَر أساس التصوير الفوتوغرافي[8].
والكتاب الذي خلَّد اسمَ ابن الهيثم عبر القرون هو "كتاب المناظر"، والذي يوضِّح تصوُّر البصريات كنظرية أوَّليَّة في الإبصار، مختلفة جذريًّا عن فرض الشعاع المرئي الذي حافظ عليه التقليد الرياضي منذ إقليدس وحتى الكندي[9].

الزهراوي الأندلسي

ومن العلماء الأعلام الذين عاصروا البيروني، ولكن في المغرب الإسلامي (الأندلس): خلف بن عباس الزهراوي الأندلسي (ت 427هـ / 1036م)، والذي كان لكتابِهِ (التصريف لمن عجز عن التأليف) الفضل في أن أصبح من كبار جرَّاحي العرب المسلمين، وأستاذ علم الجراحة في العصور الوسطى وعصر النهضة الأوروبية حتى القرن السابع عشر، ومن خلال دراسة كُتُبِهِ تبيَّن أنه أوَّل من وصف عملية تفتيت الحصاة في المثانة، وبحث في التهاب المفاصل، وفي السلِّ وغيرها[10].

ابن سينا "الشيخ الرئيس"

كما عاصر البيروني أيضًا الشيخ الرئيس ابن سينا (ت 428هـ / 1037م)، والذي ظلَّ لسبعة قرون متوالية المرجع الرئيسي في علم الطب، وبقي كتابه (القانون) في الطب العمدة في تعليم هذا الفن حتى أواسط القرن السابع عشر في جامعات أوروبا[11]! ويُعَدُّ ابن سينا أوَّل من وصف التهاب السَّحايا الأوَّليِّ وصفًا صحيحًا، ووصف أسباب اليرقان، ووصف أعراض حصى المثانة، وانتبه إلى أثر المعالجة النفسانية في الشفاء[12].

_____________________________________________


المراجع::::


[1] انظر الصفدي: الوافي بالوفيات 1/1070، والزركلي: الأعلام 5/314، وعبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص 340، وموسوعة العرب: أبو الريحان البيروني ص26.
[2] عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص 459، وجلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص397.
[3] راجع كتاب نوابغ المسلمين 2/53، 64، 65.
[4] انظر الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب، إشراف محمد كامل حسين ص 400 - 402، وعلي بن عبد الله الدفاع: روائع الحضارة العربية الإسلامية ص 203 - 206 و 312، 313.
[5] زيغريد هونكه: شمس العرب تسطع على الغرب ص 148، 149.
[6] المصدر السابق، الصفحة نفسها.
[7] انظر جلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص 302.
[8] انظر محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص 138.
[9] انظر المصدر السابق ص 147، وجلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص 305، وعلي عبد الله الدفاع: العلوم البحتة في الحضارة العربية والإسلامية ص 317.
[10] طبقات الأطباء 1/333، وشوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 513.
[11] انظر شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 511.
[12] الصفدي: وفيات الأعيان 1/152، وتاريخ حكماء الإسلام، 27، ودائرة المعارف الإسلامية 1/102، والحضارة العربية الإسلامية لشوقي أبو خليل ص 511

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق