يهود العراق في العصر العباسي
كان يهود العراق منذ قيام الخلافة العباسية حتى وفاة هارون الرشيد (762-809م) يتمتعون بحرية تامة وبحياة آمنة، ثم لمّا وقعت حروب وفتن بين الأمين والمأمون وأصحابهما سادت الفوضى ودام الاضطراب الذي شمل كل أطراف العراق إلى سنة 813م حين انتهى حكم الخلافة إلى المأمون، فلحق بالناس الأذى بسبب الفتن والاضطرابات الشيء الكثير وأصاب من بين ما أصاب اليهود.
ولما وُلِّيَ المأمون الخلافة أبدى تسامحاً ليس تجاه اليهود فقط، بل شمل هذا التسامح كل الرعايا فاستفاد الشعب من مواهبهم العلمية على اختلاف أديانهم وتباين مذاهبهم وأطلق الحرية التامة في النشر والكلام، وقد أسَّس في عهده المركز العلمي المشهور المعروف ببيت الحكمة الذي كان ينقطع إليه الباحثون من كل فج، وقد ألحق به خزانة للكتب عامرة، وفي ذلك يقول بارون في كتابه (تاريخ اليهود الاجتماعي والديني): "لقد أدت الفتوحات الإسلامية منذ القرن السابع الميلادي إلى توحيد مناطق واسعة من إفريقية وآسيا هيأت لليهود محيطاً غنياً بالعدد والأهمية ليس في العراق وحده، بل في إيران وفلسطين ومصر أيضاً، ولم يمض وقت طويل على تأسيس الكوفة حتى انحدروا إليها من الحيرة القريبة منها، ولما أُسِّست بغداد عام 149هـ (763م) قصدها الناس من مختلف الأصقاع واللغات والأديان، وكان منهم اليهود وكان معظم الخلفاء العباسيين يتميز بالتسامح والتساهل فتمتع اليهود مثل غيرهم من السكان بدرجة كبيرة من الاستقرار والطمأنينة والازدهار خلال القرون الأولى من حكم الدولة العباسية".
واستمر يهود العراق في عهد العباسيين على هذا المنوال متقلبين في نعيم العيش حتى عهد المتوكل (847-861م) فكان شديد الوطأة على أهل الذمة؛ إذ أمرهم سنة 849م بأن يلبسوا لباساً يميّزهم عن المسلمين، وأن يركبوا سروجاً تختلف عن سروجهم، وأن يجعلوا على أبواب دورهم علامات خاصة تميز دورهم عن دور المسلمين، كما أمر بهدم معابدهم المحدثة وتسوية قبورهم مع الأرض، وكان نتيجة لذلك أن تعطَّل منصب رأس الجالوت الذي كان يساعد على إدارة شؤون اليهود الداخلية، وفي عهد القادر بالله (991-1031م) أغلقت جميع المدارس اليهودية في العراق، ثم لما تولَّى المقتدي بأمر الله الخلافة (1075-1094م) سار على سيرة المتوكل بالنسبة لمعاملة أهل الذمة، إلا أن الوضع قد تغيّر بعده، إذ أُعيد لليهود في القرن الثاني عشر للميلاد حريتهم وحسن معاملتهم، وذلك على إثر استيلاء السلطان مسعود بن محمد بن مالكشاه سنة 1132م على مقاليد الحكم في بغداد، وقد استمر حكم السلطان مسعود في عهد الخليفة المسترشد بالله (1118-1135م)، واستمر معه حسن معاملة اليهود، فالوصف الذي تركه لنا الرابي بنيامين التطيلي الذي زار العراق في عهد خلافة المستنجد بالله (1160-1170م) يؤيِّد حالة اليهود المزدهرة في هذا العهد، حيث يقول: "ويقيم ببغداد نحو أربعين ألف يهودي، وهم يعيشون بأمان وعز ورفاهية في ظل أمير المؤمنين الخليفة، وبين يهود بغداد عدد كبير من العلماء وذوي اليسار، ولهم فيها ثمانية وعشرون كنيساً، قسم منها في جانب الرصافة، ومنها في جانب الكرخ على الشاطئ الغربي من نهر حدقل (دجلة) الذي يمر في المدينة فيشطرها شطرين.
وكنيس رأس الجالوت بناء جسيم، فيه الأساطين الرخام المنقوشة بالأصباغ الزاهية المزوقة بالفضة والذهب، وتزدان رؤوس الأساطين بكتابات من المزامير بحروف من ذهب، وفي صدر الكنيس مصطبة يصعد إليها بعشر درجات من رخام، وفوقها الأريكة المخصصة لرأس الجالوت
يارب الموضوع يعجبكم
كان يهود العراق منذ قيام الخلافة العباسية حتى وفاة هارون الرشيد (762-809م) يتمتعون بحرية تامة وبحياة آمنة، ثم لمّا وقعت حروب وفتن بين الأمين والمأمون وأصحابهما سادت الفوضى ودام الاضطراب الذي شمل كل أطراف العراق إلى سنة 813م حين انتهى حكم الخلافة إلى المأمون، فلحق بالناس الأذى بسبب الفتن والاضطرابات الشيء الكثير وأصاب من بين ما أصاب اليهود.
ولما وُلِّيَ المأمون الخلافة أبدى تسامحاً ليس تجاه اليهود فقط، بل شمل هذا التسامح كل الرعايا فاستفاد الشعب من مواهبهم العلمية على اختلاف أديانهم وتباين مذاهبهم وأطلق الحرية التامة في النشر والكلام، وقد أسَّس في عهده المركز العلمي المشهور المعروف ببيت الحكمة الذي كان ينقطع إليه الباحثون من كل فج، وقد ألحق به خزانة للكتب عامرة، وفي ذلك يقول بارون في كتابه (تاريخ اليهود الاجتماعي والديني): "لقد أدت الفتوحات الإسلامية منذ القرن السابع الميلادي إلى توحيد مناطق واسعة من إفريقية وآسيا هيأت لليهود محيطاً غنياً بالعدد والأهمية ليس في العراق وحده، بل في إيران وفلسطين ومصر أيضاً، ولم يمض وقت طويل على تأسيس الكوفة حتى انحدروا إليها من الحيرة القريبة منها، ولما أُسِّست بغداد عام 149هـ (763م) قصدها الناس من مختلف الأصقاع واللغات والأديان، وكان منهم اليهود وكان معظم الخلفاء العباسيين يتميز بالتسامح والتساهل فتمتع اليهود مثل غيرهم من السكان بدرجة كبيرة من الاستقرار والطمأنينة والازدهار خلال القرون الأولى من حكم الدولة العباسية".
واستمر يهود العراق في عهد العباسيين على هذا المنوال متقلبين في نعيم العيش حتى عهد المتوكل (847-861م) فكان شديد الوطأة على أهل الذمة؛ إذ أمرهم سنة 849م بأن يلبسوا لباساً يميّزهم عن المسلمين، وأن يركبوا سروجاً تختلف عن سروجهم، وأن يجعلوا على أبواب دورهم علامات خاصة تميز دورهم عن دور المسلمين، كما أمر بهدم معابدهم المحدثة وتسوية قبورهم مع الأرض، وكان نتيجة لذلك أن تعطَّل منصب رأس الجالوت الذي كان يساعد على إدارة شؤون اليهود الداخلية، وفي عهد القادر بالله (991-1031م) أغلقت جميع المدارس اليهودية في العراق، ثم لما تولَّى المقتدي بأمر الله الخلافة (1075-1094م) سار على سيرة المتوكل بالنسبة لمعاملة أهل الذمة، إلا أن الوضع قد تغيّر بعده، إذ أُعيد لليهود في القرن الثاني عشر للميلاد حريتهم وحسن معاملتهم، وذلك على إثر استيلاء السلطان مسعود بن محمد بن مالكشاه سنة 1132م على مقاليد الحكم في بغداد، وقد استمر حكم السلطان مسعود في عهد الخليفة المسترشد بالله (1118-1135م)، واستمر معه حسن معاملة اليهود، فالوصف الذي تركه لنا الرابي بنيامين التطيلي الذي زار العراق في عهد خلافة المستنجد بالله (1160-1170م) يؤيِّد حالة اليهود المزدهرة في هذا العهد، حيث يقول: "ويقيم ببغداد نحو أربعين ألف يهودي، وهم يعيشون بأمان وعز ورفاهية في ظل أمير المؤمنين الخليفة، وبين يهود بغداد عدد كبير من العلماء وذوي اليسار، ولهم فيها ثمانية وعشرون كنيساً، قسم منها في جانب الرصافة، ومنها في جانب الكرخ على الشاطئ الغربي من نهر حدقل (دجلة) الذي يمر في المدينة فيشطرها شطرين.
وكنيس رأس الجالوت بناء جسيم، فيه الأساطين الرخام المنقوشة بالأصباغ الزاهية المزوقة بالفضة والذهب، وتزدان رؤوس الأساطين بكتابات من المزامير بحروف من ذهب، وفي صدر الكنيس مصطبة يصعد إليها بعشر درجات من رخام، وفوقها الأريكة المخصصة لرأس الجالوت
يارب الموضوع يعجبكم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق