الجمعة، 2 سبتمبر 2016

وفي للبرامكه ..


وفي للبرامكه ..





الكاتب / طارق بن عبد الله الجبير


رفعت قصة إلى المأمون منسوبة إلى محمد بن عبد الله يمت فيها بحرمة ، ويزعم أنه من أهل النعمة والقدر وأنه مولى ليحيى بن خالد وأنه كان ذا ضيعة واسعة ونعمة جليلة وأن ضياعه قبضت فيما قبض للبرامكة ، وزالت نعمه بحلول النقمة عليهم.
فدفعها المأمون إلى وزيره أحمد بن أبي خالد ، وأمره أن يضم الرجل إلى نفسه وأن يجري عليه ويحسن إليه ، ففعل به ذلك وصلحت حاله وصار نديماً للوزير أحمد بن أبي خالد لا يفارقه
فتأخر عنه ذات يوم لمولود ولد له فبعث الوزير يطلبه فاحتجب عنه ، فغضب عليه الوزير غضبأ شديداً وأمر بحبسه وتقييده وإلباسه جبة صوف ، فمكث كذلك أياماً .
وذات يوم سأل المأمون وزيره عنه ، فقص عليه قصته وعظم جرمه وشكا ما يراه عليه من أحلام اليقظة ومدحه نفسه بما ليس فيه.
فأمر المأمون بإحضاره فاحضر في صوفة فأقبل عليه المأمون بالتوبيخ مصغراً لقدره مسفهاً لرأيه وعظم في عينه إحسان الوزير احمد بن أبي خالد إليه ، مع طعن على البرامكة و وضع منهم ، فأطال جداً في ذلك.
فقال محمد بن عبد الله : يا أمير المؤمنين ، لقد صغرت من البرامكة غير مصغر وذممت منهم غير مذموم ولقد كانوا شفاء أسقام دهرهم وغياث أجادب عصرهم ( غياث اجادب عصرهم : أي أنهم كانوا يغيثون اشد الناس فقراً في عصرهم ) وكانوا مفزعاً للملهوفين وملجأً للمظلومين ، وإن أذن لي أمير المؤمنين حدثته ببعض أخبارهم ليستدل بذلك على صدق قولي فيهم ، ويقف على جميل أخلاقهم ، ومحمود مذاهبهم في عصرهم وأفعالهم الشريفة وأياديهم النفيسة.
فقال المأمون : هات ما عندك
فقال محمد بن عبد الله : ليس بإنصاف أن أحدثك وأنا مقيد في جبة من الصوف.
فأمر المأمون بفك قيوده ففكت قيوده
فقال محمد بن عبد الله : يا أمير المؤمنين ألم الجبة يحول بيني وبين الحديث. فأمر المأمون له بثياب حسنة وقال له : هات حديثك
قال محمد بن عبد الله : نعم يا أمير المؤمنين ، كان ولائي وانقطاعي إلى الفضل فقال لي الفضل يوماً بمحضر من أبيه وأخيه جعفر : ويحك يا محمد أني أحب أن تدعوني دعوة إلى بيتك كما يدعو الصديق صديقه والخليل خليله.
فقلت : جعلت فداك شأني أصغر من ذلك ، ومالي يعجز عنه وباعي يقصر عن ذلك وداري تضيق منه وقوتي لا تقوم له .
فقال الفضل : دع عنك ذلك ، لا بد لنا من أن نزورك في بيتك.
فطلبت منه ا، يعفيني من دعوته لنفسه عندي ، فرأيته جاداً في ذلك مقيماً عليه وسأله أبوه وأخوه الإعفاء ، وأعلماه قصور يدي عن بلوغ ما يجب له ويشبه مثله . فقال لهما : لن اقتنع باعتذاره حتى يدعوني وأياكما لا رابع معنا .
فأقبل علي يحيى وقال : قد أبى أن يعفيك وإن لم يكن غيرنا مدعواً فأقعدنا على أثاث بيتك ولا تكن في استحياء منا وأطعمنا من طعام أهلك فنحن به راضون وعليه شاكرون.
فقال محمد بن عبد الله للفضل : جعلت فداك إن كنت قد عرضت علي ذلك وأبيت إلا هتكي وفضيحتي ، فأرجو أن تؤجلني حتى أتأهب واستعد.
فقال يحيى : نوافق على التأجيل على أن تحدد لتلك الدعوة أجلاً .
فقال محمد بن عبد الله : الموعد بعد سنة
فقال له الفضل : ويحك هل معنا أمان من الموت إلى سنة.
فقال يحيى : أفرطت في الأجل ولكني أحكم بينكما بما أرجو أن لا يرده أبو العباس واقبله أنت ايضاً.
فقال محمد بن عبد الله : أحكم وفقك الله للصواب وتفضل علي بالفسح في المدة
فقال يحيى : قد حكمت أن يكون موعدنا عنك بعد شهرين .
يقول محمد بن عبد الله : فخرجت من عندهم وبدأت بإصلاح داري وإصلاح أثاث بيتي وآنيته واشتريت ما اتجمل به من فرش وأثاث وغير ذلك والفضل في ذلك لا يزال يذكرني بالموعد ويعد الأيام علي ، حتى إذا كانت الجمعة التي تجب فيها الدعوة قال لي : يا محمد قد قرب الوقت و لا أحسب أنه قد بقي عليك الا الطعام .
فقلت للفضل : أجل يا سيدي.
فأمرت باتخاذ الطعام على غاية ما انبسطت به يدي و مقدرتي ، وجاءني رسوله عشية اليوم الذي صبيحته الدعوة ، فقال لي : الى اين بلغت؟ وهل تأذن بالركوب؟ قلت : نعم بكروا.
فبكر الفضل ويحيى وجعفر ومعهم أولادهم وفتيانهم.
فلما دخلوا أقبل علي الفضل وقال : يا محمد أن أول ما ابدأ به النظر الى نعمتك كلها صغيرها وكبيرها فقم بنا الى الدار حتى أدور فيها وأقف عليها.
فقمت معه وطاف في المجلس ثم خرج الى الخزائن وصار الى الاصطبلات ونظر الى صغير نعمتي وكبيرها ثم توجه الى المطبخ فأمر بكشف القدور كلها وأبصر قدراً منها فأقبل على أبيه وقال : هذه قدرك التي تعجبك ولن ابرح دون أن تأكل منها فدعا برغيف فغمسه في القدر وناول أباه ثم فعل ذلك بأخيه ودعا بخلال (خلال الدار ما حوالي جدرها وما بين بيوتها)
وخرج الى الدار وقف في صحنها . مسرحاً طرفه في فنائها وبنائها وسقوفها وأروقتها ثم أقبل الفضل علي وقال : يا محمد من جيرانك؟ قلت : عن يميني فلان ابن فلان وعن شمالي فلان ابن فلان ، وفي ظهر داري رجل كبير يبدو أنه من علية القوم الأثرياء جداً لا يفتر في بنائه ولا يقصر.
فقال الفضل بن يحيى : هل تعرفه؟
قلت : لا
فقال الفضل بن يحيى : ما كان ينبغي لك في قدرك ومحلك من هذه الدولة أن يجترئ أحد أن يشتري شيئاً في جوارك إلا بأمرك وأن ترضى لنفسك إلا بجار تعرفه.
فقلت: لم يمنعني من ذلك إلا ما كنت فيه من الشغل بهذه الدعوة المباركة.
فقال الفضل بن يحيى : اين الحائط الذي يتصل بداره؟
فأشرت الى الحائط .
فقال الفضل بن يحيى: احضروا لي بناءً فعلى الفور أحضروا له بناءً وقال الفضل للبناء : افتح ها هنا باباً .
فقال يحيى البرمكي ( أبو الفضل ) وابنه جعفر : ننشدك بالله إلا تهجم على قوم لا تعرفهم . فأبى الفضل إلا أن يفتح الباب.
فلما رأيته قد رد أخاه وأباه أمسكت عن مسألته ففتح الباب ودخل و أدخلني معه ،
فدخلت داراً حار بصري فيها من حسنها وانتهينا الى رواق فيه مائة مملوك عليهم لبس واحد عليهم الأقبية من الديباج وإذا شيخ قد خرج فقبل الشيخ يد الفضل بن يحيى فقال له الفضل : مر بنا ننظر في مرافق هذه الدار فما دخلنا مجلساً إلا رأيناه قد فرش بما لا يحيط به الوصف .
ثم قال للشيخ : مر بنا الى مكان الدواب فدخلنا اصطبلاً فيه أربعمائة من البغال وغيرها فكان بناء ذلك الاصطبل أحسن بناءً من داري .
ثم خرج نحو دور النساء والشيخ بين يديه فلما انتهى الى الباب وقف الشيخ ودخل الفضل وأنا معه حتى دخلت بعض تلك الدور فإذا فيها مائة خادمة قد اقبلن في حليهن وحللهن فوقفن بين يديه.
فقال لي الفضل بن يحيى: يا محمد هذه الدار أفضل أم دارك ؟
فقلت يا سيدي وما أنا ؟ وما داري ؟ هذه تصلح للأمير لا غيره.
فقال الفضل بن يحيى : يا محمد هذه الدار بما فيها من الدواب والرقيق والفرش والأثاث والأواني لك ولك عندي زيادة.
فقلت في نفسي: ما يصنع هذا الرجل أيهب لي ملك غيره.
فعلم ما في نفسي وقال: لا تحدث نفسك يا محمد واستمع إلي:
اني لما سألتك هذه الدعوة تقدمت الى القهرمان بشراء هذه الأرض وطلبت أن تبنى ويعجل في بنائها والانتهاء منه ووضعت لك في الدار ما ترى فبارك الله لك فيها.
وانصرف بي الى أبيه وأخيه وحدثهما بما جرى فرأيت أخاه جعفراً قد غضب من ذلك وتغير وجهه تغيراً عرفته وأقبل على أبيه يشكو الفضل ويقول : يتفرد بمثل هذه المكرمة من دوني فلو أخبرني لكي أشاركه في بنائها وتجهيزها واهدائها لمحمد بن عبد الله لكانت يداً أشكرها منه .
فقال الفضل: يا أخي بقي لك منها قطبها فقال جعفر : وما هو ؟.
فقال الفضل : أن مولانا هذا لا يتهيأ له ضبط هذه الدار بما فيها إلا بدخل جليل فأعطه ذلك.
فقال جعفر: فرجت عني يا أخي فرج الله عنك فدعا من وقته بصكوك لخمس قرى واحتمل عني خراجها، فخرجوا عني وأنا أيسر أهل زماني.
فهل تلومني يا أمير المؤمنين على ذكرهم والإشادة بفضلهم!
فقال المأمون : ذهب القوم والله بالمكارم ! ثم أمر لمحمد بمائة ألف درهم وأمر وزيره احمد بن أبي خالد برد مرتبته وتصييره في جملة خواصه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق