المذلات العربية واسطورة وطأة التاريخ (2)
د.الطيب بيتي العلوي
"كان العالم في عصرلويس الرابع عشرمقبلا على الدراسات الاغريقية،أما الآن،فقدأقبل على الدراسات الشرقية العربية" . فيكتورهوغو" في مقدمة قصائده "الشرقيات "Les ortienatles
جملة قالها "هوغو"في القرن التاسع عشر،ابان أوج الحركة الرومانسية الفرنسية المهيجة للمخيال الأوروبي في كره الشرق، التي كان يمثلها "شاتوبريان" لدعم حملة" نابوليون"في حملته الصليبية(بدون صليب) لبيت المقدس بمباركة بابا الفاتيكان،والنخب الفرنسية زمنها
وفي القرن الواحد والعشرين ،..عادت الدراسات الشرقية العربية في الغرب واسرائيل أقوى مما كانت عليه في المرحلة الكولونيالية ،بهدف اعادة احكام تطويق الشرق من كل أركانه ،وماعلى العرب اليوم الا أن يتساءلوا :
ماذا يقدمه خبراء "الاستشراق السياسي" الجدد من الأوروبيين(الذين معظمهم من الديانة اليهودية) لمراكز البحوث الاستراتيجية'الجيو-بولتيكية".الغربية،وما هوالدورالذي يقوم به المشرفون على دراسات "الاسلاميات" Islamologie،من العرب والمسلمين في الغرب؟وما تأثيرهذه الدراسات على القرارات السياسية الغربية والاسرائيلية في الشأن العربي -الاسلامي؟وماذا يستفيد منها العرب والمسلمون؟
تمهيد
هل ماتت الأمة العربية؟
لم يكن لأعداء العروبة والاسلام قبل بالقوة الحربية الضاربة أوالفكرية للعرب والمسلمين منذ فجرالاسلام ،ولاالفتوحات العربية-الاسلامية المبكرة–العمرية، التي أربكت النظريات الحربية والتاكتية والمعلوماتية المتعارف عليها آنذاك، تلك القوة البدوية الفتية التي لا تمتلك من "تقنيات"عسكرية أوأسرارتاكتية،سوى رصيدها الايماني،وحماسها الديني،وشجاعة بدوها العرب الأسطورية،كما وصفهم الجاسوس لقيصرالروم"انهم فقط رهبان بالليل وجنود بالنهار،و"ملكهم"–عمر-ينام على الرمال تحت قيظ الشمس قريرالعين بدون حرس،و يغط في سباته لأنه يعدل بين رعيته حتى وهم نيام"فوصل أولئك البدوالى حدود الصين،ونشروا حضارتهم الجديدة،ومفاهيمها الكوسمولوجية الثورية الانقلابية على مفاهيم تلك العصور،في أقصرظرف زمن تاريخي قياسي لكل الحضارات السابقة ،وهوأقل من عشرين عاما –ولم تخبوشعلة هذه "الانقلابية"الى اليوم في نظر"الاستشراق السياسي" الذي ما فتأ يحذرمن"عودة العرب والمسلمين" الى ساحاته وخلفياته الحضارية السابقة، بالاهابة الى الدعوة الى "صراع الحضارات"بدل حوارها ـ وتكثيف بؤرالصراعات والحروب والاقتتالات فيه قدرالمستطاع،كلما تماست مصالح الغرب الاستعماري مع مصالحه الجشعة في المنطقة العربية،.. تلك الخلفية الحضارية التي عجزالعرب على تعريب لسانها من حوض"سيكيانغ"بالصين و"جاكارطا"الى باقي كل جنوب شرق آسيا، ومن "نواكشوط "بموريطانيا، معقل انطلاقة أكبرامبراطورية اسلامية لملثميي قبائل صنهاجة الأمازيغيين في شرق العالم الاسلامي،امتدت حدودها من ليبيا الى النيجير،التي تعرب لسانها,اصبح أكثر قصاحة من لسان لني يعرب،(أولم يقل رسول الاسلام بن العربية غربية اللسان وان العجمة عجمة اللسان ومن كان لسانه عربيا فهو عربي ومن كان لسانه أعجميا فهو أعجمي. وأحبوا العرب لحبي لهم وأنا منهم؟) ونشرت "دولة المبراطين" الاسلام في أداني وأقاصي افريقيا السوداء على المذهب المالكي، وحاربت ما عداه،بعد ترجيع أصداء القلاقل المذهبية التي هزت أركان الدولة العربية العباسية في مشرق العالم الاسلامي التي أطاحت بها الى حيث اللاعودة،..
كما أنه ما كان لهؤلاء الأعداء الحضاريين للعرب والمسلمين أفكارا قادرة على مقاومة أفكارالعرب الأوائل الكونية"الانقلالبية"الجديدة، التي جاءت لتغييرالمفاهيم المتعارف عليها في ذلك الزمان كتصورات معرفية كونية جديدة،لو لم يحطم العرب أنفسهم بأنفسهم–وما يزالون- ما لم يتخلصوا من خرافات وأساطيروأوهام،وتنظيرات فلسفات القاء اللوم"على الآخرين"سواء أكانوا صليبيين، أومغولا او تتترا، أوامبرياليين،حيث يتم تكرار نفس"التحايل" المتواتر التاريخي الابلة والمقيت بالدعوة الى التنادي بالتنديد والتحذيرمن الأطماع الفارسية "المجوسية والصفوية "والمد الشيعي الباطني،وكأن عالم "التسنن السلفوي التكفريي" جنة المتقين على الارض ،وكأن"الأسرلة والصهينة"والتطبيع مع "الهسترات الزولوجية والايروتوتيكيات الجديدة" التي تتم في الخفاء والعلن في القاهرة، وشرم الشيخ، والحمامات، ومراكش، وطنجة ،وأغاديروالصويرة،عبر المهرجانت السنيمائية والثقافية والسياحية هي من الأهداف السامية الصالحة لهذه الأمة، قصد "تطوير" الذهنيات" و"تنوير " العقليات" للمزيد من التطبيع والتغريب، وكأن "الأمركة" التي تتم علانية في المدارين والخافقين ليست بزحف"وبائي محقق"على البشرية،وأن عودة الاتراك العثمانيين السنيين بطرقهم الصوفية، خطرعلى"الهويات الفولكورية البخورية المشبوهة" في بلدان أعراب الخليج ،وتهديدا لأصوليات اللوبيات( الأمازيغية-اليهودية الجديدة) بالمغرب العربي
ولولم تكن اسلاميات المعتزلة أوالفكر(الشيع-معتزلي)، ثم لاحقا نظريات الغزالي، وابن رشد، وابن سيناء، والتوحيدي، وابن تيمة، وابن القيم، في الالهيات ،التي نقلت وترجمت الى اللاتينية ،عبر قساوسة ورهبان عرب من مسيحيي بلاد الشام في مجالات الدراسات الثيولوجية الكنسية، لما استمرت المسيحية نفسهامدة أطول عندما اسفادت الكنيسة مبكرا من أساليب علم الكلام وعلوم المناظرات والجدل لعلماء المسلمين الأوائل،
ولولم تكن حواشي وتفسيرات وتعليقات العرب والمسلمين للتراث الاغريقي، لما فهم الغرب المعاصر فكره الاغريقي ولا ماضيه التليد ،حيث ظل لقرون يخلط ما بين أفلاطون ،وأفلوطين،عندما كانت الترجمة على أشدها في اسبانيا، حيث أنشئت مدارس بتمامها في الأديرة وخارجها، لترجمة كتب جامعات قرطبة، وطليطلة، وغرناطة،واشبيلية،وكان النقل والترجمة أغزر كما،وأطول مدة في الفردوس المفقود، فلم يجل العرب عن اسبانيا الافي عام 1610وبقيت كتبهم وترجماتهم متداولة بين أيدي الأوربيين،وهكذا نقلت جامعات فرنسا وانجلترا،وايطاليا واسبانيا،علوم العرب وعلوم اليونان التي ترجمها العرب بدقة وامانة ومنهجية علمية،وبدون تحريف -لا كما فعل الغرب لا حقا،لما قام به من تحريف وتزويروتفريغ كل المحتويات الروحية العربية بعد نقلها(عندما حولوا "لوغاريتمات "الخوارزمي" كتفسير روحي للكون"الماكروكوزم" أو"الجرم الأكبر" لفهم "الميكروكوزم " "أو" الجرم الأصغر" أي الانسان،فحولها الغرب الى مجرد "تقنيات" بلهاء ميكانيكبة حسابية فارغة،بل وترجمناها بحماقة "لوغاريتم " بدل مصطلحها الاصلي " خوارزميات 'وندرسها خطئا لابنائنا منذ ما يسمى ب"عصر نهضتنا وترجمتنا"كما نسب الغرب معظم اكتشافات العرب الي نصابين وأفاقين من عندهم، وهوما يتم حاليا في فلسطين المحتلة أمام أنظارالغرب عجزما يسمي بمركز الدراسات الفلسطينية الذي لا يزال أسير"ديناصورات" الستالينية الحمراء ، و"السورياليات الأدونيسية"التي لا تنظر الى تراثها الى بعيون "الشكية الديكارتية" البلهاء و"الفلوتيرية " الرعناء التي لم يعد لها أي ذكر في الغرب من لشبونة الى سيدني الافي أذهان هؤلاء النرجيسيين الغافلين،حيث يشاركون المحتل الصهيوني الغاصبعمدا أو جهلا- في تثبيت دعائم "حداتة آل صهيون" في قرصنة وتزويرالتراث الفلسطيني(معمارا ولباسا وحضارة وعادات معيشية عاشها ومارسها الفلسطينون على متداد الهلال الخصيبو ما بين الدلتيين(دلتا الفرات النيل) -كما يجري حاليا بالقدس الشريف-
كماأن الخلافات في القضايا العالمية من قضايا الحضارة،هي حرب شاملة.،ومن أسلحتها الوقائع العسكرية ،والمواجهات الفكرية،واثارة الشكوك، والشائعات،وافساد عقائد الأمم ،بالريب والأراجيف والتدليس والتشكيك والتقزيم والتحقير،وتلك الوسائل التي هي من حسن الفطن، ومن نجاعة الحروب-كما يقول الفرنسيون- يقوم باصطناعها الأعداء المحليون، والخارجيون، ليبلغوا في أوقات الشدة واليأس،والاحباط والقنوط ،أوالافراط والتفريط ،التي تمر بها الأمة ما لا تبلغه الجيوش الجرارة المظفرة...، وهذا ما شهدته الأمة العربية بالأمس، وتشهده اليوم
كيف تحلل العرب والمسلمون كقوة ضاربة؟
واستطرادا لما سبق في الجزءالأول من هذا المبحث أضيف -نزولا عند طلب بعد القراء في التفصيل في ذكرالأسباب المباشرة في تفكك القوة العربية الضاربة منذ زمن الرشيد -فأقول :
لقد دب الوهن في منطقة الشرق الأوسط ،منذ أن بدأ العرب يتناحرون فيما بينهم،وقتل خلفائهم(الفتنة الكبرى) ،وذبح أبناءبنت نبيهم،(مأساة كربلاء)،وأقاموا دولا وأسقطوا أخرى(من الدولة الأموية الى المماليك)،وسملوا عيون خلفاء(كما حدث للقاهر،والمتقي والمستكفي،)،وأرسلوا بعضهم يتوسلون في الطرقات (كما حدث للراضي بن المقتدر) الىأن جلل الظلام بغداد "مدينة السلام"، بعد أن لم يبق للخلفاء العرب غيرالاسم من سنة 334 الى 656للهجرة، يوم دمر"هولاكو" مدينة السلام، بخيانة الوزير"ابن العقلمي" فدخلها وقتل الخليفة "المستعصم" وقتل الوزيرالخائن، وتنتهي بذلك أعظم دولة عرفتها القرون الوسطى، حيث يقول المؤوخ "ابن الطلطقي"(فانظر،منذ عهد المتوكل الى عهد المقتفي، ما جرى على واحد واحد من الخلفاء من القتل والخلع والنهب بسبب تغير جنده ورعيته،.فهاذا سمل، وذلك قتل والآخر عزل)،..
ومع ذلك لم تجرؤ قط بيزنطة القوية العدوالوحيد آنذاك، استغلال الخلافات الداخلية في خلق تهديد حقيقي للوجود العربي-الاسلامي...، ولكن الغزو الصليبي والطوفان المغولي كانا تهديدا فعليا للوجود لهذا الوجود،وكان تهديدا يحمل خطر الابادة الجسمانية الجماعية للعرب والمسلمين في عقر دارهم، فكان رد الفعل الطبيعي، هو ظهورالعسكريين المحترفين، وبقهرهم للصليبيين والتتار، حين انتقلت اليهم السلطة بحكم اتفاقية غيرحرة،أو ثمرة تعاقد أوعقد، انما هي اتفاقية طبيعية يمليها حب البقاء، وهي اتفاقية شرسة بشعة، نستطيع أن نقول فيهامانشاء، ولكنها كانت أساس العلاقة بين العرب الواهنين والعسكريين من العجم الحديثي العهد بالاسلام ، مند"قطز"الى"الغوري"مع تلك الأعراق الغيرالعربية التي لم تتشرب تعاليم الاسلام الحقة،فمال ميزان العدالة الى حيث اللاعودة الى يومنا هذا،... فتتابعت الدويلات الجديدة القائمة على كره العنصرالعربي ( الذي وهنت أواصره بسبب تناسل أمراء بني العباس، وتكاثر ذريتهم من العجميات- من تتقاسم دولة الخلافة الكبرى من الاغالبة(190-333) بافريقيا الشمالية('بتونس) الى الدولة السامانية في عهد المستعين(248)الى الدولة الصفرية بسجستان في عهد المعتز (252) الى الطولونية(245-292) والاخشيدية بمصر (317-342) الى الدولة الحمدانية(رغم انها عربية قحة) بالشام (317-394) الى الدولة البويهية 323-423) وغيرها ..
وقد تعدى هذا الفساد الى العلماء والفقهاء والنخب أنفسهم ، فأحسن فيهم الوصف،الصوفي الكبير،والكيماوي المعروف "ذي النون المصري"(المتوفى عام 245للهجرة) حيث وصفهم قائلا :" كان الرجل من أهل العلم يزداد بعلمه بغضا للدنيا وتركا لها ،واليوم يزداد بعلمه حبا للدنيا وطلبا لها ،وكان الرجل ينفق ماله على علمه ، واليوم يكسب الرجل بعلمه مالا وفيرا، وكان يرى على صاحب العلم زيادة في باطنه وظاهره ، واليوم يرى على كثير من أهل العلم فساد الباطن والظاهر" كلمة قالها ذي النون في أواسط القرن الثاني الهجري حين نبه الخواص(وهو الاصطلاح السائد في كلام العرب قديما لما يطلق عليه اليوم بالنخبة) فقال : "اذا كانت توبة العوام عن الذنوب فان توبة الخواص هي عن الغفلة، وما أرى علاماءنا و نخبنا اليوم الا ويزداون غفلة وانحرافا
وكان الفقهاء أنفسهم مختلفين فيما بين أنفسهم، ثم فيما بينهم وبين رجال الحديث، وكان هؤلاء جميعا في جانب، وفي جوانب أخرى أرباب الملل والنحل والمذاهب،مع انحياز الكتاب والشعراء والخلفاء والوزراء الى هؤلاء أو أولائك، مع تبدل الأهواء الدنوية وتبادل التهم،والميل الى حيثما مالت رياح السلطة والمال والقوة والجبروت، مما جعل رجلا مؤرخا مثل" المقدسي"-وكان –حنفيا-يخرج عن النزاهة العلمية واصفا معارضي الحنفية قائلا".. فلما رأيت بغداد من فقهاء أبي حنيفة، الا رأيت أربعة :الرياسة مع لباقة فيها(يقصد القاضي أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة ) والحفظ والخشية والورع،.. وفي أصحاب مالك أربعا : النقل والبلادة والديانة والسنة، وفي أصحاب الشافعي : النظروالشغب والمروءة والحمق ،وفي أصحاب داوود (امام أهل الظاهر): الكبر والحدة والكلام واليسار،وفي أصحاب المعتزلة :اللطافة والدراية والفسق والسخرية ، وفي الشيعة : البغضة والفتنة واليسار والصيت
وهكذا صارت بغداد بعد الانحطاط العباسي (أكبر عاصمة "كوسموبوليتية"عرفها التاريخ حتى العصور الوسطى) كصندوق الدنيا الذي يحتوي العجائب والعرائب مما يعجب ولا يعجب،بعد أن نشرت جناحيها على امبراطورية خرافية الاتساع ،تنبض بعجائب خلقها منذ نشأتها الى زمن المعتصم..
وفي ظلال التسامح العباسي المفرط ،انتشرالاستهتاروالمجانة والاستخفاف، فغدا الماجنون يتزندقون خلاعة،أويتعاجمون ظرافة،ورفرفت أجنحة الخمروالغناء ،والعجم والتعاجم، والزندقة والتزندق،على مجتمع فيه من أشتات من العرب والفرس والترك والسودان والكرد والسريان والهنود، ومن السمر والبيض والسود، ومن المسلمين والنصاري والمجوس
وبعد أن كانت الوحدة العربية الاسلامية مطلوبة لذاتها من خلال التعدد في الأقاليم، والانسجام الذي كان مأمولا من خلال التنوع في الأجناس الذين كانوا شعوبا وقبائل ليتعارفوا –حسب النص القرآني- بالالتقاء على مزايا العقيدة الواحدة، وسجايا الاسلام التي بفضلها اتسعت الرقعة العربية،..اذا بقصور خلفاء بني العباس منذ الرشيد، صارت نفسها مباءة للانفصام والانقسام، وتعدد الحكام وتنوع المشارب والأهواء وتكاثر الخلافات :ففي عهد الرشيد : حكم البرامكة، وفي عهد الأمين : حكم المجون والتفسخ، وفي عهد المأمون : تنقل الأمرالى الفرس،ثم فتح الخليفة على نفسه ثغرات في أكثر الجبهات، ومكن للشعوبيين بانفتاحه الفكري غير المحدود، وغضبه العنيف على معارضيه من المحدثين،وميله الغريب عن العرب وكرهه لهم.....،
ومع أن بيت الحكمة كانت مفخرته العلمية الكبرى، وصبوة نفسه وعقله الأولى، ومع ذلك ولى عليها سهل بن هارون وهو فارسي،-ولاضير في ذلك- الا أنه كان يعلم أنه كان شعوبيا كارها للعرب،يؤلف الـتآليف ضدهم،
ولما آل الأمرالى المعتصم قدم الحكم لقمة سائغة للترك، فازدردوه، وحقرواكل ذرية آل بني العباس من بعده، مما جعل أحد أئمة الورع والزهد "بشر بن الحارث" يقول :"بغداد ضيقة على المتقين، لا ينبغي لمؤمن أن يقيم بها"
وهكذا لم تعد الزندقة تنغض الرؤوس، وتبلبل الأفكارفحسب، بل شهرت رماحها ، فظهر"بابك الخرمي" ليدعي الألوهية، وليس فقط النبوة،حيث جمع أطراف الزندقة من المانوية والمزدكية والزرادشتية والمسلمية(نسبة الى أبي مسلم الخراساني) والى الراوندية والمقنعية، فقامت حروبا طويلة معهم الى ان تم القضاء عليهم، فتتابعت على المأمون مهاب الخطرمن الداخل والخارج، حيث ثار العرب في مصر، ثم انضم الأقباط الى الثوار، فحروبه مع الرومان، غيرأنه جعل أهم حروبه هي مسألة "خلق القرآن" التي حولها الى قضية الدولة الأولى، وموضوعا لامتحان الفقهاء والولاة، ومحاسبتهم على ما يضمرون، ..هذا الامتحان الذي يعبرعنه " بمحنة العراقيين"في زمنه التي كانت بمثابة "محاكم تفتيش"،حيث كان يتم اختبار الأفكارمن طرف ولاته المقربين، صيرها التاريخ محنة عباسية كبرى ...
وهكذا تجمعت على عاتق الدولة العربية لبني العباس في أواخر عهدها مواريث الفساد الشخصي والاجتماعي والسياسي من الآباء ،كما تتراكم الأقساط المؤجلة، فتحل يوم الحساب ،ولم تكن صدفة، ولكن كان منطق التاريخ أن تنتهي،وتبدئ قرون الدمار على العرب في منطقة الشرق الأوسط الذي لاراد له
استشراء الفساد في المجتمع الاسلامي بعد سقوط الدولة العباسية في الشرق العربي ونتائجه المباشرة :
ولم يقتصرالفساد فقط في المنطقة على الحكام والخلفاء..،فقد سرت آثاره في المجتمع كله، بما فيه المجتمع العلمي،من تنازع العناصر وضعف الأخلاق، فلم تبق الميادين العلمية والفقهية ميدان جدال ونظر، بل صارت ميادين معارك وملق، ولنسمع صيحة الزاهد الورع "سفيان الثوري –شيخ ابن حنبل الروحي- الذي ما تزال صيحته تسري على كل الحكام العرب وساستهم منذذلك الحين الى اليوم ، حين صاح بها في عهد أسبق وأتقى ،مخاطبا بها الخليفة العباسي :"....واقعد أجنادك الظلمة القتلة دون بابك وسترك،يظلمون الأناس ولا ينصفون، ويشربون الخمر ويحدون الشارب، ويزنون ويجلدون الزاني، ويسرقون ويقطعون يد السارق، ويقتلون وينكلون ولا يقتلون القاتل.." وهكذا كانت سير الساسة العرب،وما يزالون، يطبقون الأحكام الشرعية في غير موضعها، ويتخذونها ذريعة للتلسط على الرقاب والعباد،
ولقد كان للتغيير الذي طرأ على تكوين المجتمع العربي بالمشرق-بسبب أخطاء العرب المتكررة- أخطر من آثار الحروب الصيلبية والغزوالمغولي،عندما انتقلت السلطة الى طبقة العسكريين المحترفين(وهم الانكشاريون) في حين لم تعرف الأمة العربية –الاسلامية نظام الجيوش المحترفة، بل كان يدعى للجهاد ،فيخرج له كل قادرراغب، مما جعل فقيه القوميين العرب الأستاذ الحصري القول" بأن الانكشارية أول جيش دائم في التاريخ الاسلامي، وأن المماليك كانوا أيضا أول محاربين محترفين ".. وتلك كانت صنعتهم الأساسية التي يشترون من أجلها، ويتفرغون لها بعد تخطي مرحلة الطفولة التي يستخدمون فيها في الأغراض المنزلية والمؤامرات السياسية والتسليات البريئة والشاذة، ومراقبة الخدم والحشم والحريم ،ويتم خلالها تلقين الولاء والتدريب على فنون القتال،وسرعان ما يتحول المملوك الأمرد المخصي الى قاتل محترف صنديد، وتوكل له مهام الدفاع عن البلد عند الحروب ونهبها عند السلم، فتمت لهم السيطرة على أسيادهم في الخفاء غالبا وفي العلن تمظهرا
وقد أدي الطرفان التزاماتهما كاملة :قهر المماليك لويس القديس،وطردوا الصليبيين من الشام وقهروا جحافل التتار، . وخلصوا ثغورالسلمين من قراصنة الفرنج أكثر من مرة،ودفع الفلاحون والتجارالأرزاق والأتوات والمكوس والنفقة والمشاهرة والمجامعة، الانه منذ النصف الثاني للقرن الخامس عشراختلت الاتفاقية،عندما جرى على المماليك حكم التاريخ الذي لايرحم،فتحللوا كقوة محاربة قادرة على صد الخطرالمتفاقم،بظهوردول الافرنج الناهضة، بعد استأصال الاسلام الى غيررجعة من الأندلس، وظهور سفن البرتغال السريعة والمتفوقة ميكانيكيا على سفن المسلمين العتيقة والثقيلة، والمتميزة خصوصا بعصبية بحارتها الدينية المشحونة والملتهبة ضد المسلمين،مقابل عصبية العرب الخابية ونضوب معينهم الديني،حتى أنه كان عربيا ذلك الذي قادهم حول رأس الرجاء الصالح ،فطوقوا حضارته ،و ما يزال المؤرخون والمحققون الغرب يرددونها ، كأحد أهم الأسباب في التفوق الغرب الكاثوليكي على الشرق الاسلامي
-------------------
د.الطيب بيتي العلوي
"كان العالم في عصرلويس الرابع عشرمقبلا على الدراسات الاغريقية،أما الآن،فقدأقبل على الدراسات الشرقية العربية" . فيكتورهوغو" في مقدمة قصائده "الشرقيات "Les ortienatles
جملة قالها "هوغو"في القرن التاسع عشر،ابان أوج الحركة الرومانسية الفرنسية المهيجة للمخيال الأوروبي في كره الشرق، التي كان يمثلها "شاتوبريان" لدعم حملة" نابوليون"في حملته الصليبية(بدون صليب) لبيت المقدس بمباركة بابا الفاتيكان،والنخب الفرنسية زمنها
وفي القرن الواحد والعشرين ،..عادت الدراسات الشرقية العربية في الغرب واسرائيل أقوى مما كانت عليه في المرحلة الكولونيالية ،بهدف اعادة احكام تطويق الشرق من كل أركانه ،وماعلى العرب اليوم الا أن يتساءلوا :
ماذا يقدمه خبراء "الاستشراق السياسي" الجدد من الأوروبيين(الذين معظمهم من الديانة اليهودية) لمراكز البحوث الاستراتيجية'الجيو-بولتيكية".الغربية،وما هوالدورالذي يقوم به المشرفون على دراسات "الاسلاميات" Islamologie،من العرب والمسلمين في الغرب؟وما تأثيرهذه الدراسات على القرارات السياسية الغربية والاسرائيلية في الشأن العربي -الاسلامي؟وماذا يستفيد منها العرب والمسلمون؟
تمهيد
هل ماتت الأمة العربية؟
لم يكن لأعداء العروبة والاسلام قبل بالقوة الحربية الضاربة أوالفكرية للعرب والمسلمين منذ فجرالاسلام ،ولاالفتوحات العربية-الاسلامية المبكرة–العمرية، التي أربكت النظريات الحربية والتاكتية والمعلوماتية المتعارف عليها آنذاك، تلك القوة البدوية الفتية التي لا تمتلك من "تقنيات"عسكرية أوأسرارتاكتية،سوى رصيدها الايماني،وحماسها الديني،وشجاعة بدوها العرب الأسطورية،كما وصفهم الجاسوس لقيصرالروم"انهم فقط رهبان بالليل وجنود بالنهار،و"ملكهم"–عمر-ينام على الرمال تحت قيظ الشمس قريرالعين بدون حرس،و يغط في سباته لأنه يعدل بين رعيته حتى وهم نيام"فوصل أولئك البدوالى حدود الصين،ونشروا حضارتهم الجديدة،ومفاهيمها الكوسمولوجية الثورية الانقلابية على مفاهيم تلك العصور،في أقصرظرف زمن تاريخي قياسي لكل الحضارات السابقة ،وهوأقل من عشرين عاما –ولم تخبوشعلة هذه "الانقلابية"الى اليوم في نظر"الاستشراق السياسي" الذي ما فتأ يحذرمن"عودة العرب والمسلمين" الى ساحاته وخلفياته الحضارية السابقة، بالاهابة الى الدعوة الى "صراع الحضارات"بدل حوارها ـ وتكثيف بؤرالصراعات والحروب والاقتتالات فيه قدرالمستطاع،كلما تماست مصالح الغرب الاستعماري مع مصالحه الجشعة في المنطقة العربية،.. تلك الخلفية الحضارية التي عجزالعرب على تعريب لسانها من حوض"سيكيانغ"بالصين و"جاكارطا"الى باقي كل جنوب شرق آسيا، ومن "نواكشوط "بموريطانيا، معقل انطلاقة أكبرامبراطورية اسلامية لملثميي قبائل صنهاجة الأمازيغيين في شرق العالم الاسلامي،امتدت حدودها من ليبيا الى النيجير،التي تعرب لسانها,اصبح أكثر قصاحة من لسان لني يعرب،(أولم يقل رسول الاسلام بن العربية غربية اللسان وان العجمة عجمة اللسان ومن كان لسانه عربيا فهو عربي ومن كان لسانه أعجميا فهو أعجمي. وأحبوا العرب لحبي لهم وأنا منهم؟) ونشرت "دولة المبراطين" الاسلام في أداني وأقاصي افريقيا السوداء على المذهب المالكي، وحاربت ما عداه،بعد ترجيع أصداء القلاقل المذهبية التي هزت أركان الدولة العربية العباسية في مشرق العالم الاسلامي التي أطاحت بها الى حيث اللاعودة،..
كما أنه ما كان لهؤلاء الأعداء الحضاريين للعرب والمسلمين أفكارا قادرة على مقاومة أفكارالعرب الأوائل الكونية"الانقلالبية"الجديدة، التي جاءت لتغييرالمفاهيم المتعارف عليها في ذلك الزمان كتصورات معرفية كونية جديدة،لو لم يحطم العرب أنفسهم بأنفسهم–وما يزالون- ما لم يتخلصوا من خرافات وأساطيروأوهام،وتنظيرات فلسفات القاء اللوم"على الآخرين"سواء أكانوا صليبيين، أومغولا او تتترا، أوامبرياليين،حيث يتم تكرار نفس"التحايل" المتواتر التاريخي الابلة والمقيت بالدعوة الى التنادي بالتنديد والتحذيرمن الأطماع الفارسية "المجوسية والصفوية "والمد الشيعي الباطني،وكأن عالم "التسنن السلفوي التكفريي" جنة المتقين على الارض ،وكأن"الأسرلة والصهينة"والتطبيع مع "الهسترات الزولوجية والايروتوتيكيات الجديدة" التي تتم في الخفاء والعلن في القاهرة، وشرم الشيخ، والحمامات، ومراكش، وطنجة ،وأغاديروالصويرة،عبر المهرجانت السنيمائية والثقافية والسياحية هي من الأهداف السامية الصالحة لهذه الأمة، قصد "تطوير" الذهنيات" و"تنوير " العقليات" للمزيد من التطبيع والتغريب، وكأن "الأمركة" التي تتم علانية في المدارين والخافقين ليست بزحف"وبائي محقق"على البشرية،وأن عودة الاتراك العثمانيين السنيين بطرقهم الصوفية، خطرعلى"الهويات الفولكورية البخورية المشبوهة" في بلدان أعراب الخليج ،وتهديدا لأصوليات اللوبيات( الأمازيغية-اليهودية الجديدة) بالمغرب العربي
ولولم تكن اسلاميات المعتزلة أوالفكر(الشيع-معتزلي)، ثم لاحقا نظريات الغزالي، وابن رشد، وابن سيناء، والتوحيدي، وابن تيمة، وابن القيم، في الالهيات ،التي نقلت وترجمت الى اللاتينية ،عبر قساوسة ورهبان عرب من مسيحيي بلاد الشام في مجالات الدراسات الثيولوجية الكنسية، لما استمرت المسيحية نفسهامدة أطول عندما اسفادت الكنيسة مبكرا من أساليب علم الكلام وعلوم المناظرات والجدل لعلماء المسلمين الأوائل،
ولولم تكن حواشي وتفسيرات وتعليقات العرب والمسلمين للتراث الاغريقي، لما فهم الغرب المعاصر فكره الاغريقي ولا ماضيه التليد ،حيث ظل لقرون يخلط ما بين أفلاطون ،وأفلوطين،عندما كانت الترجمة على أشدها في اسبانيا، حيث أنشئت مدارس بتمامها في الأديرة وخارجها، لترجمة كتب جامعات قرطبة، وطليطلة، وغرناطة،واشبيلية،وكان النقل والترجمة أغزر كما،وأطول مدة في الفردوس المفقود، فلم يجل العرب عن اسبانيا الافي عام 1610وبقيت كتبهم وترجماتهم متداولة بين أيدي الأوربيين،وهكذا نقلت جامعات فرنسا وانجلترا،وايطاليا واسبانيا،علوم العرب وعلوم اليونان التي ترجمها العرب بدقة وامانة ومنهجية علمية،وبدون تحريف -لا كما فعل الغرب لا حقا،لما قام به من تحريف وتزويروتفريغ كل المحتويات الروحية العربية بعد نقلها(عندما حولوا "لوغاريتمات "الخوارزمي" كتفسير روحي للكون"الماكروكوزم" أو"الجرم الأكبر" لفهم "الميكروكوزم " "أو" الجرم الأصغر" أي الانسان،فحولها الغرب الى مجرد "تقنيات" بلهاء ميكانيكبة حسابية فارغة،بل وترجمناها بحماقة "لوغاريتم " بدل مصطلحها الاصلي " خوارزميات 'وندرسها خطئا لابنائنا منذ ما يسمى ب"عصر نهضتنا وترجمتنا"كما نسب الغرب معظم اكتشافات العرب الي نصابين وأفاقين من عندهم، وهوما يتم حاليا في فلسطين المحتلة أمام أنظارالغرب عجزما يسمي بمركز الدراسات الفلسطينية الذي لا يزال أسير"ديناصورات" الستالينية الحمراء ، و"السورياليات الأدونيسية"التي لا تنظر الى تراثها الى بعيون "الشكية الديكارتية" البلهاء و"الفلوتيرية " الرعناء التي لم يعد لها أي ذكر في الغرب من لشبونة الى سيدني الافي أذهان هؤلاء النرجيسيين الغافلين،حيث يشاركون المحتل الصهيوني الغاصبعمدا أو جهلا- في تثبيت دعائم "حداتة آل صهيون" في قرصنة وتزويرالتراث الفلسطيني(معمارا ولباسا وحضارة وعادات معيشية عاشها ومارسها الفلسطينون على متداد الهلال الخصيبو ما بين الدلتيين(دلتا الفرات النيل) -كما يجري حاليا بالقدس الشريف-
كماأن الخلافات في القضايا العالمية من قضايا الحضارة،هي حرب شاملة.،ومن أسلحتها الوقائع العسكرية ،والمواجهات الفكرية،واثارة الشكوك، والشائعات،وافساد عقائد الأمم ،بالريب والأراجيف والتدليس والتشكيك والتقزيم والتحقير،وتلك الوسائل التي هي من حسن الفطن، ومن نجاعة الحروب-كما يقول الفرنسيون- يقوم باصطناعها الأعداء المحليون، والخارجيون، ليبلغوا في أوقات الشدة واليأس،والاحباط والقنوط ،أوالافراط والتفريط ،التي تمر بها الأمة ما لا تبلغه الجيوش الجرارة المظفرة...، وهذا ما شهدته الأمة العربية بالأمس، وتشهده اليوم
كيف تحلل العرب والمسلمون كقوة ضاربة؟
واستطرادا لما سبق في الجزءالأول من هذا المبحث أضيف -نزولا عند طلب بعد القراء في التفصيل في ذكرالأسباب المباشرة في تفكك القوة العربية الضاربة منذ زمن الرشيد -فأقول :
لقد دب الوهن في منطقة الشرق الأوسط ،منذ أن بدأ العرب يتناحرون فيما بينهم،وقتل خلفائهم(الفتنة الكبرى) ،وذبح أبناءبنت نبيهم،(مأساة كربلاء)،وأقاموا دولا وأسقطوا أخرى(من الدولة الأموية الى المماليك)،وسملوا عيون خلفاء(كما حدث للقاهر،والمتقي والمستكفي،)،وأرسلوا بعضهم يتوسلون في الطرقات (كما حدث للراضي بن المقتدر) الىأن جلل الظلام بغداد "مدينة السلام"، بعد أن لم يبق للخلفاء العرب غيرالاسم من سنة 334 الى 656للهجرة، يوم دمر"هولاكو" مدينة السلام، بخيانة الوزير"ابن العقلمي" فدخلها وقتل الخليفة "المستعصم" وقتل الوزيرالخائن، وتنتهي بذلك أعظم دولة عرفتها القرون الوسطى، حيث يقول المؤوخ "ابن الطلطقي"(فانظر،منذ عهد المتوكل الى عهد المقتفي، ما جرى على واحد واحد من الخلفاء من القتل والخلع والنهب بسبب تغير جنده ورعيته،.فهاذا سمل، وذلك قتل والآخر عزل)،..
ومع ذلك لم تجرؤ قط بيزنطة القوية العدوالوحيد آنذاك، استغلال الخلافات الداخلية في خلق تهديد حقيقي للوجود العربي-الاسلامي...، ولكن الغزو الصليبي والطوفان المغولي كانا تهديدا فعليا للوجود لهذا الوجود،وكان تهديدا يحمل خطر الابادة الجسمانية الجماعية للعرب والمسلمين في عقر دارهم، فكان رد الفعل الطبيعي، هو ظهورالعسكريين المحترفين، وبقهرهم للصليبيين والتتار، حين انتقلت اليهم السلطة بحكم اتفاقية غيرحرة،أو ثمرة تعاقد أوعقد، انما هي اتفاقية طبيعية يمليها حب البقاء، وهي اتفاقية شرسة بشعة، نستطيع أن نقول فيهامانشاء، ولكنها كانت أساس العلاقة بين العرب الواهنين والعسكريين من العجم الحديثي العهد بالاسلام ، مند"قطز"الى"الغوري"مع تلك الأعراق الغيرالعربية التي لم تتشرب تعاليم الاسلام الحقة،فمال ميزان العدالة الى حيث اللاعودة الى يومنا هذا،... فتتابعت الدويلات الجديدة القائمة على كره العنصرالعربي ( الذي وهنت أواصره بسبب تناسل أمراء بني العباس، وتكاثر ذريتهم من العجميات- من تتقاسم دولة الخلافة الكبرى من الاغالبة(190-333) بافريقيا الشمالية('بتونس) الى الدولة السامانية في عهد المستعين(248)الى الدولة الصفرية بسجستان في عهد المعتز (252) الى الطولونية(245-292) والاخشيدية بمصر (317-342) الى الدولة الحمدانية(رغم انها عربية قحة) بالشام (317-394) الى الدولة البويهية 323-423) وغيرها ..
وقد تعدى هذا الفساد الى العلماء والفقهاء والنخب أنفسهم ، فأحسن فيهم الوصف،الصوفي الكبير،والكيماوي المعروف "ذي النون المصري"(المتوفى عام 245للهجرة) حيث وصفهم قائلا :" كان الرجل من أهل العلم يزداد بعلمه بغضا للدنيا وتركا لها ،واليوم يزداد بعلمه حبا للدنيا وطلبا لها ،وكان الرجل ينفق ماله على علمه ، واليوم يكسب الرجل بعلمه مالا وفيرا، وكان يرى على صاحب العلم زيادة في باطنه وظاهره ، واليوم يرى على كثير من أهل العلم فساد الباطن والظاهر" كلمة قالها ذي النون في أواسط القرن الثاني الهجري حين نبه الخواص(وهو الاصطلاح السائد في كلام العرب قديما لما يطلق عليه اليوم بالنخبة) فقال : "اذا كانت توبة العوام عن الذنوب فان توبة الخواص هي عن الغفلة، وما أرى علاماءنا و نخبنا اليوم الا ويزداون غفلة وانحرافا
وكان الفقهاء أنفسهم مختلفين فيما بين أنفسهم، ثم فيما بينهم وبين رجال الحديث، وكان هؤلاء جميعا في جانب، وفي جوانب أخرى أرباب الملل والنحل والمذاهب،مع انحياز الكتاب والشعراء والخلفاء والوزراء الى هؤلاء أو أولائك، مع تبدل الأهواء الدنوية وتبادل التهم،والميل الى حيثما مالت رياح السلطة والمال والقوة والجبروت، مما جعل رجلا مؤرخا مثل" المقدسي"-وكان –حنفيا-يخرج عن النزاهة العلمية واصفا معارضي الحنفية قائلا".. فلما رأيت بغداد من فقهاء أبي حنيفة، الا رأيت أربعة :الرياسة مع لباقة فيها(يقصد القاضي أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة ) والحفظ والخشية والورع،.. وفي أصحاب مالك أربعا : النقل والبلادة والديانة والسنة، وفي أصحاب الشافعي : النظروالشغب والمروءة والحمق ،وفي أصحاب داوود (امام أهل الظاهر): الكبر والحدة والكلام واليسار،وفي أصحاب المعتزلة :اللطافة والدراية والفسق والسخرية ، وفي الشيعة : البغضة والفتنة واليسار والصيت
وهكذا صارت بغداد بعد الانحطاط العباسي (أكبر عاصمة "كوسموبوليتية"عرفها التاريخ حتى العصور الوسطى) كصندوق الدنيا الذي يحتوي العجائب والعرائب مما يعجب ولا يعجب،بعد أن نشرت جناحيها على امبراطورية خرافية الاتساع ،تنبض بعجائب خلقها منذ نشأتها الى زمن المعتصم..
وفي ظلال التسامح العباسي المفرط ،انتشرالاستهتاروالمجانة والاستخفاف، فغدا الماجنون يتزندقون خلاعة،أويتعاجمون ظرافة،ورفرفت أجنحة الخمروالغناء ،والعجم والتعاجم، والزندقة والتزندق،على مجتمع فيه من أشتات من العرب والفرس والترك والسودان والكرد والسريان والهنود، ومن السمر والبيض والسود، ومن المسلمين والنصاري والمجوس
وبعد أن كانت الوحدة العربية الاسلامية مطلوبة لذاتها من خلال التعدد في الأقاليم، والانسجام الذي كان مأمولا من خلال التنوع في الأجناس الذين كانوا شعوبا وقبائل ليتعارفوا –حسب النص القرآني- بالالتقاء على مزايا العقيدة الواحدة، وسجايا الاسلام التي بفضلها اتسعت الرقعة العربية،..اذا بقصور خلفاء بني العباس منذ الرشيد، صارت نفسها مباءة للانفصام والانقسام، وتعدد الحكام وتنوع المشارب والأهواء وتكاثر الخلافات :ففي عهد الرشيد : حكم البرامكة، وفي عهد الأمين : حكم المجون والتفسخ، وفي عهد المأمون : تنقل الأمرالى الفرس،ثم فتح الخليفة على نفسه ثغرات في أكثر الجبهات، ومكن للشعوبيين بانفتاحه الفكري غير المحدود، وغضبه العنيف على معارضيه من المحدثين،وميله الغريب عن العرب وكرهه لهم.....،
ومع أن بيت الحكمة كانت مفخرته العلمية الكبرى، وصبوة نفسه وعقله الأولى، ومع ذلك ولى عليها سهل بن هارون وهو فارسي،-ولاضير في ذلك- الا أنه كان يعلم أنه كان شعوبيا كارها للعرب،يؤلف الـتآليف ضدهم،
ولما آل الأمرالى المعتصم قدم الحكم لقمة سائغة للترك، فازدردوه، وحقرواكل ذرية آل بني العباس من بعده، مما جعل أحد أئمة الورع والزهد "بشر بن الحارث" يقول :"بغداد ضيقة على المتقين، لا ينبغي لمؤمن أن يقيم بها"
وهكذا لم تعد الزندقة تنغض الرؤوس، وتبلبل الأفكارفحسب، بل شهرت رماحها ، فظهر"بابك الخرمي" ليدعي الألوهية، وليس فقط النبوة،حيث جمع أطراف الزندقة من المانوية والمزدكية والزرادشتية والمسلمية(نسبة الى أبي مسلم الخراساني) والى الراوندية والمقنعية، فقامت حروبا طويلة معهم الى ان تم القضاء عليهم، فتتابعت على المأمون مهاب الخطرمن الداخل والخارج، حيث ثار العرب في مصر، ثم انضم الأقباط الى الثوار، فحروبه مع الرومان، غيرأنه جعل أهم حروبه هي مسألة "خلق القرآن" التي حولها الى قضية الدولة الأولى، وموضوعا لامتحان الفقهاء والولاة، ومحاسبتهم على ما يضمرون، ..هذا الامتحان الذي يعبرعنه " بمحنة العراقيين"في زمنه التي كانت بمثابة "محاكم تفتيش"،حيث كان يتم اختبار الأفكارمن طرف ولاته المقربين، صيرها التاريخ محنة عباسية كبرى ...
وهكذا تجمعت على عاتق الدولة العربية لبني العباس في أواخر عهدها مواريث الفساد الشخصي والاجتماعي والسياسي من الآباء ،كما تتراكم الأقساط المؤجلة، فتحل يوم الحساب ،ولم تكن صدفة، ولكن كان منطق التاريخ أن تنتهي،وتبدئ قرون الدمار على العرب في منطقة الشرق الأوسط الذي لاراد له
استشراء الفساد في المجتمع الاسلامي بعد سقوط الدولة العباسية في الشرق العربي ونتائجه المباشرة :
ولم يقتصرالفساد فقط في المنطقة على الحكام والخلفاء..،فقد سرت آثاره في المجتمع كله، بما فيه المجتمع العلمي،من تنازع العناصر وضعف الأخلاق، فلم تبق الميادين العلمية والفقهية ميدان جدال ونظر، بل صارت ميادين معارك وملق، ولنسمع صيحة الزاهد الورع "سفيان الثوري –شيخ ابن حنبل الروحي- الذي ما تزال صيحته تسري على كل الحكام العرب وساستهم منذذلك الحين الى اليوم ، حين صاح بها في عهد أسبق وأتقى ،مخاطبا بها الخليفة العباسي :"....واقعد أجنادك الظلمة القتلة دون بابك وسترك،يظلمون الأناس ولا ينصفون، ويشربون الخمر ويحدون الشارب، ويزنون ويجلدون الزاني، ويسرقون ويقطعون يد السارق، ويقتلون وينكلون ولا يقتلون القاتل.." وهكذا كانت سير الساسة العرب،وما يزالون، يطبقون الأحكام الشرعية في غير موضعها، ويتخذونها ذريعة للتلسط على الرقاب والعباد،
ولقد كان للتغيير الذي طرأ على تكوين المجتمع العربي بالمشرق-بسبب أخطاء العرب المتكررة- أخطر من آثار الحروب الصيلبية والغزوالمغولي،عندما انتقلت السلطة الى طبقة العسكريين المحترفين(وهم الانكشاريون) في حين لم تعرف الأمة العربية –الاسلامية نظام الجيوش المحترفة، بل كان يدعى للجهاد ،فيخرج له كل قادرراغب، مما جعل فقيه القوميين العرب الأستاذ الحصري القول" بأن الانكشارية أول جيش دائم في التاريخ الاسلامي، وأن المماليك كانوا أيضا أول محاربين محترفين ".. وتلك كانت صنعتهم الأساسية التي يشترون من أجلها، ويتفرغون لها بعد تخطي مرحلة الطفولة التي يستخدمون فيها في الأغراض المنزلية والمؤامرات السياسية والتسليات البريئة والشاذة، ومراقبة الخدم والحشم والحريم ،ويتم خلالها تلقين الولاء والتدريب على فنون القتال،وسرعان ما يتحول المملوك الأمرد المخصي الى قاتل محترف صنديد، وتوكل له مهام الدفاع عن البلد عند الحروب ونهبها عند السلم، فتمت لهم السيطرة على أسيادهم في الخفاء غالبا وفي العلن تمظهرا
وقد أدي الطرفان التزاماتهما كاملة :قهر المماليك لويس القديس،وطردوا الصليبيين من الشام وقهروا جحافل التتار، . وخلصوا ثغورالسلمين من قراصنة الفرنج أكثر من مرة،ودفع الفلاحون والتجارالأرزاق والأتوات والمكوس والنفقة والمشاهرة والمجامعة، الانه منذ النصف الثاني للقرن الخامس عشراختلت الاتفاقية،عندما جرى على المماليك حكم التاريخ الذي لايرحم،فتحللوا كقوة محاربة قادرة على صد الخطرالمتفاقم،بظهوردول الافرنج الناهضة، بعد استأصال الاسلام الى غيررجعة من الأندلس، وظهور سفن البرتغال السريعة والمتفوقة ميكانيكيا على سفن المسلمين العتيقة والثقيلة، والمتميزة خصوصا بعصبية بحارتها الدينية المشحونة والملتهبة ضد المسلمين،مقابل عصبية العرب الخابية ونضوب معينهم الديني،حتى أنه كان عربيا ذلك الذي قادهم حول رأس الرجاء الصالح ،فطوقوا حضارته ،و ما يزال المؤرخون والمحققون الغرب يرددونها ، كأحد أهم الأسباب في التفوق الغرب الكاثوليكي على الشرق الاسلامي
-------------------


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق