تاريخ قورينى من اسرة باتوس الى النفوذ الرومانى
أولاً: تأسيس قورينى في القرن السابع ق.م. حتى سقوط أسرة باتوس :-
إن الاستيطان الإغريقي لإقليم قورينى إتخذ منذ البداية هيئة الإستيطان الزراعي. فقد كان الباعث أصلاً على إنشاء مستوطنة في ليبيا ضيق جزيرة ثيرا الإغريقية بأهلها، وحلاً لمشكلة الجفاف، الذي أصاب جزيرتهم. ويروي هيرودت في كتابه الرابع عن المرحلة التمهيدية لإستقرار الإغريق في ليبيا أنه عندما ذهب وفد من الجزيرة لإستشارة "وحي دلفي" عن علاج لمشكلتهم أجابتهم الكاهنة أنه يجب أن يؤسسوا مستوطنة في ليبيا حيث تكثر الأغنام وأن أحوالهم سوف تتحسن نتيجة لذلك.
http://www.jeel-libya.com/articles/3254_1.gif
خريطة (1) لشرق ليبيا (إقليم المدن الخمس) Hellenica, Information about Greece and Cyprus, Michael Lahanas
وقد وصف هيرودت رحيل الجماعة الصغيرة العدد لاستكشاف ليبيا في سفينتين من ذوات الخمسين مجذافاً وأبحروا إلى جزيرة بلاتيا في خليج بومبا قرب الساحل الليبي وكيف أنهم بدافع من اليأس عادوا إلى ثيرا بعد أن مكثوا هناك مدة سنتين لم يطب لهم خلالها العيش إطلاقاً. ولكن أهل ثيرا منعوا نزولهم بساحل الجزيرة، وهذا يعني إصرار أهل ثيرا على إنشاء مستوطنة قورينى على الرغم من أن لوحة المؤسسين تنص على أنه من حق مواطن ثيرا المهاجر إلى قورينى استعادة حقوقه المدنية والمشاركة في ملكية الأسرة إذا ما عاد إليها خلال مدة خمس سنوات إذا فشل المستوطنون في إنشاء المستوطنة أو اضطروا إلى الجلاء عنها. ولكن القرار تضمن النص على أن من تبعث به ثيرا إلى ليبيا ويرفض الإبحار فانه يُحكم عليه بالإعدام وتؤول ممتلكاته إلى الدولة.
ويمكن إدراك الأهمية التي كانت ثيرا تعلقها على إنشاء قورينى. ولذلك عند إستشارة "وحي دلفي" مرة أخرى، الذي أكد على أهمية ليبيا الاقتصادية وأنهم لم ينزلوا في ليبيا ذاتها. فاقتنع المهاجرون بهذه النصيحة وانتقلوا إلى موقع أكثر ملاءمة على الساحل جنوب بلاتيا يدعى ازيريس.
http://www.jeel-libya.com/articles/3254_2.gif
صورة (1) نبع الإله أبوللو بمدينة قورينى www.garyounis.edc
وهناك عاش المستوطنون الإغريق ست سنوات أدركوا خلالها أنه لازالت هناك مواقع إلى الغرب على الهضبة العالية أكثر ملاءمة. ولما كانت علاقتهم بالسكان المحليين حسنة فقد ساعدوهم في الإنتقال إلى الموقع الذي أسست فيه مدينة قورينى سنة 631 ق.م. عند مكان أطلق عليه أهل ثيرا اسم نبع أبوللو حيث قالوا لهم هنا أيها الإغريق تجدون المكان المناسب لإقامتكم لأنه يوجد هنا ثقب في السماء. فسرهم المنظر الطبيعي العام إذ لم يكن يختلف كثيراً عن بيئة بلادهم الأصلية، بل كان يفضل مدينة ثيرا المجدبة، فكانت هنا التربة الزراعية المناسبة والمراعي الوفيرة والطقس الملائم.
وشاءت ظروفهم الحسنة أن يكون الليبيون على روح من الود والمسالمة معهم. وهكذا أقام الإغريق مستوطنتهم أو بالأحرى مملكتهم بزعامة المؤسس الذي كان يدعى باتوس لمدة ثمانية أجيال يتبادلون اسمى باتوس واركسيلاوس تحقيقاً لنبوءة وحي دلفي، التي أشارت "أنه لثمانية أفراد من أسرة باتوس أربعة منهم يدعون باتوس وأربعة يدعون اركسيلاوس يمنح لوكسياس ملك قورينى وينصحهم بألا يتجاوزا ذلك".
قامت المستوطنة قورينى على أساس زراعي بالدرجة الأولى، ثم تجاري بعد ذلك، لتصبح في وقت قصير دولة مدينة متكاملة الأركان المتعارف عليها لقيام دولة، وذلك بدليل منشآتها الدستورية، منذ زمن مبكر من قيامها وعلاقاتها مع غيرها من مدن المنطقة أو مدن العالم الإغريقي أو الروماني فيما بعد.
باتوس الأول (639-599ق.م) :
حكم باتوس الأول 639-599 ق.م. مؤسس مستوطنة قورينى أربعين عاماً. وأشار هيرودت أن حكمه كان معتدلا، وكان قد جمع في يديه كافة الاختصاصات الدينية والمدنية والعسكرية، وقد تمتع بعد وفاته بتقدير وتقديس كبيرين، وقد اتخذت المدينة في عهده تخطيطاً معيناً أذ أقيم معبد لأبوللو بالقرب من النبع الذي عرف باسمه ومُهد طريق مستقيم. وعندما مات أنشئت بالقرب من قبره السوق العامة Agora.
http://www.jeel-libya.com/articles/3254_3.gif
صورة (2) معبد الإله أبوللو بمدينة قورينى Hellenica, Information about Greece and Cyprus, Michael Lahanas
اركسيلاوس الأول (599-583 ق.م) :
ويعتبر حكمه امتداداً لحكم والده. فكانت فترة هانئة، كما كانت المدينة تنمو اقتصادياً بخطى واسعة وثابتة، وذلك على الرغم من أن أولئك المستوطنين لم يتجاوز عددهم الأول (المائتين)، وهذا من جهة أخرى يدل على العلاقات الودية وحسن الجوار لأولئك المستوطنين مع القبائل الليبية، وهو ما يرجحه أيضاً القلاقل التي ظهرت خلال حكم خليفته.
باتوس الثاني (583-570ق.م) :
وقد لقب بالمبارك، وكان قد عمل خلال فترة حكمه على استقدام عناصر جديدة من بلاد الإغريق عن طريق وحي دلفي على وعد باعادة تقسيم الأراضي واستولوا على أراضي الليبيين. بذلك وضع حداً للسلام الذي يسود العلاقات الليبية الإغريقية، فأنشد ادكران الزعيم الليبي فرعون مصر ابريس 588-569 ق.م. المساعدة وكان هذا الإجراء طبيعياً بسبب العلاقات القديمة بين مصر وليبيا، ولاسيما بعد إستقرار الكثير من الليبيين في مصر وتأسيسهم للأسرتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين. فأعد ابريس جيشاً كبيراً وسيره ضد قورينى حيث هزم عند موقع يدعى نبع ثيستس حوالي عام 570 ق.م. وبالتالي بداية العداء بين الإغريق والقبائل الليبية، خاصة مع امتداد السيطرة الإغريقية على معظم إقليم قورينى.
اركسيلاوس الثاني (570-550 ق.م) :
ثالث ملوك هذه الأسرة وقد لقب بالصعب، وحكم مدة عشرين عاماً، ويحدثنا هيرودت بأنه نشب خلاف بينه وبين أخوته، صراع أفضى إلى نزوح هؤلاء الأخوة إلى أخصب بقعة في المنطقة الغربية حيث أسسوا مدينة برقة (المرج). وفي نفس الوقت حرضوا الليبيين على الثورة ضد قورينى، فقاد اركسيلاوس جيشاً ضدهم، ولكن الليبيين انتصروا عليه في معركة ليكون، وبعد هذه النكبة مرض الملك، ولم يلبث أن قتل في مؤامرة عائلية وانتهى الأمر بتولي ابنه باتوس.
http://www.jeel-libya.com/articles/3254_4.gif
صورة (3) قدح "أركسيلاوس الثاني" Hellenica, Information about Greece and Cyprus, Michael Lahanas
باتوس الثالث (550-527ق.م) :
وقد لقب بالأعرج، حيث حكم قورينى لمدة ثلاثة وعشرين سنة، وحاول إصلاح الوضع المتدهور. فأحضر مشرعاً يدعى ديموناكس حيث درس الأوضاع في قورينى وقام بوضع دستور أدى إلى إستقرار الأوضاع في الإقليم. وتتلخص الإصلاحات فيما يلي :-
تقسيم أهالي قورينى إلى ثلاث قبائل تضم الأولى المهاجرين من ثيرا والليبيين المتأغرقين، وتضم الثانية المهاجرين من البلوبونيز وكريت، والثالثة تضم المهاجرين من الجزر الإغريقية الاخرى. ترك للملك السيطرة على بعض الأراضي المقدسة، بالإضافة لمنحه حق شغل بعض المناصب الدينية.
ترك بعض الإمتيازات للشعب عموماً، الإمتيازات الأخرى التي كان يتمتع بها الملك من قبل، مما ساهم في إستقرار الأوضاع طيلة فترة حكم باتوس الثالث.
http://www.jeel-libya.com/articles/3254_5.gif
صورة (4)الجبل الاخضربشرق ليبيا الباكور
اركسيلاوس الثالث (527-519 ق.م) :
هو سادس ملوك الأسرة الباتية، حاول إستعادة الامتيازات الخاصة بالحكم الفردي والتي كان قد تمتع بها أجداده، ولم يشأ الإلتزام بقوانين ديموناكس. وبالتالي تجدد الصراع بين الملكية وخصومها، مما إضطره إلى الهرب إلى جزيرة ساموس، حيث كون جيشاً كبيراً استرد به عرشه، وبعد ذلك ذهب إلى برقة، بعد أن ترك أمه فرتيمي تحكم قورينى، وفي برقة معقل أعداء أسرة باتوس، قتل مع صهره وهو يتجول في السوق العامة، وذلك حوالي عام 519 ق.م. مما جعل والدته تلجأ إلى حاكم مصر الفارسي في ذلك الوقت، الذي جهز حملة برية وبحرية للإنتقام لمقتل حليفهم اركسيلاوس، وتحقيق غرض رئيسي آخر وهو إخضاع القبائل الليبية للسيطرة الفارسية، وتمكن الفرس من إحتلال برقة بالخديعة بعد حصار دام تسعة أشهر، وتمكنت فرتيمي من التنكيل بقتلة إبنها وتدمير المدينة، وبالرغم من كل هذه الأحداث الدامية استمرت الأعمال الفنية في ازدهارها وتطورها، كما لم تكن فترة اضمحلال اقتصادي، بل شهدت المنطقة فترة إزدهار ورخاء تمثل في العديد من تماثيلها ومعابدها.
تاريخ قورينى من اسرة باتوس الى النفوذ الرومانى - منتديات التاريخ الإسلامي
صورة (5) السلفيوم على عملة قورينى Hellenica, Information about Greece and Cyprus, Michael Lahanas
تاريخ قورينى من اسرة باتوس الى النفوذ الرومانى
باتوس الرابع (514-470 ق.م) :
تولى حكم قورينى التي ازدهرت في عهده وازداد ثراؤها. وإليه يعزى إنشاء معبد زيوس، الذي يماثل إتساع معبد البارثنون في أثينا، واقتفى أثر سياسة والده في الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيه قرطاجة والإمبراطورية الفارسية.
اركسيلاوس الرابع (475-449 ق.م) :
آخر ملوك قورينى من الأسرة الباتية، تولى الحكم صغير السن، حيث حكم ما يزيد على ثلث قرن من الزمن، وواجه إضطرابات سياسية في قورينى، لعلها بسبب ضيق الرقعة الزراعية ولعدم العدالة في توزيع الأراضي بينهم، وانتهى الأمر بنشوب الثورة في قورينى، حيث حاول اللجوء إلى مدينة يوسبيريدس (بنغازي) الأمر الذي يوفر له الأمان المنشود، وقتل أثناء ذهابه إلى هذه المدينة وقطُع رأسه وألقى به في البحر وكان ذلك حوالي 440ق.م.
ثانيا : قورينى في العصر الجمهوري (من عام 440 إلى عام 323 ق.م) :-
مع نهاية أسرة باتوس دخل إقليم قورينى مرحلة جديدة في تاريخه، هي فترة إستقلال مدن الإقليم من سيطرة قورينى. ولما كانت مدينة قورينى هي المعقل الأول للملوك ومقرهم الدائم، فإنها كانت تحتل المكانة الأولى بين المدن الإغريقية في إقليم قورينى. ولكن بعد زوال الملكية فإن هذه المدن تخلصت من تبعيتها لقورينى، وأصبحت في صراع مستمر من أجل السلطة داخل الإقليم. ولابد أن الأستقراطية داخل هذه المدن هي التي استأثرت بالسلطة بعد مصرع اركسيلاوس الرابع. وارتبطت هذه المدن فيما بينها بأحلاف كانت في غالبيتها قصيرة الأمد. وكانت المدينتان الأكثر تنافساًعلى السلطة داخل الإقليم هما مدينتا قورينى وبرقة.
وقد كان العداء مستحكماً داخل هذه المدن، بين الأرستقراطية التي سيطرت على السلطة وبين عامة الشعب، الذين ازداد عددهم على مر الزمن. وأدى ذلك إلى قيام ثورة في قورينى حوالي عام 401 ق.م قتل فيها خمسمائة من الأغنياء وفر الكثيرون منهم وانتهى الأمر بقيام نظام ديمقراطي حاول إصلاح الأوضاع.
وكانت القبائل الليبية تتحين الفرصة للإنقضاض على المدن الإغريقية. فقد حاصرت قبيلة الناسامونيس مدينة يوسبيريدس سنة 414 ق.م. ولم ينقذها إلا أسطول إسبرطى كان في طريقه إلى سيراكوز وعصفت به الرياح صدفة إلى المدينة.
ومع بداية القرن الرابع ق.م. كانت مدينة برقة هي المتسلطة على الإقليم كله. ولكن مع منتصف هذا القرن ما لبثت قورينى أن استعادت مكانتها السابقة وذلك بفضل ارتباطها الوثيق بالعالم الإغريقي وكثرة عدد سكانها ونشاطها التجاري.
وفي هذه الأثناء تمكن الإسكندر الأكبر من فتح مصر سنة 332 ق.م. وطرد الفرس منها وأنشأ مدينة الإسكندرية. وفي شتاء سنة 331 ق.م. قام برحلة إلى واحة سيوة لإستشارة وحي أمون. وسار غرباً إلى براتينيوم (مرسى مطروح) التي كانت نقطة إتصال بين الطريق الساحلي والطريق الذي يتجه جنوباً إلى الصحراء. وهناك استقبل مبعوثين من قورينى بهدايا ثمينة من الخيول والعربات تعبيراً عن فرحتهم بطرد الفرس من مصر وإعترافاً بولائهم له وخشية محاولة الإسكندر القيام بغزوهم.
وبعد وفاة الإسكندر سنة 323ق.م. أصبحت مصر من نصيب بطليموس. أما إقليم قورينى فقد جذبت الإضطرابات والصراعات الحزبية داخل مدنها الكثير من المغامرين الذين جاؤوا ينشدون ملكاً خاصاً لهم في هذه المدن. ومن هؤلاء المغامر الإسبرطي ثيبرون، الذي حاول الإستيلاء على الإقليم، حيث نجح في الإستيلاء على أبوللونيا وأرغم السكان على قبول شروطه بدفع 500 تالنت من الفضة ونصف عرباتهم الحربية.
وبعد ذلك أنفذ الرسل إلى بقية مدن الإقليم يطلب منها محالفته. ولكن خلافه مع قائد قواته مناسيكلس بسبب الأسلاب، جعلت مناسيكلس يقنع سكان قورينى بعدم دفع المبلغ المفروض عليهم، وفي نفس الوقت استطاع مناسيكلس الإستيلاء على أبوللونيا وأعاد للتجار حاجياتهم، فحاول ثيبرون التعويض عن هذه الهزيمة بإحتلال توخيرة. وعندما لاحظت القبائل الليبية تسرب قواته إلى الداخل بحثاً عن الطعام أعدت له كميناً محكماً تمكنت فيه من قتل أعداد كبيرة من قواته وأسر أعداد أخرى وهربت باقي القوات إلى السفن الراسية في الميناء حيث تحطم جزء منها.
حاول ثيبرون تعويض خسارته بطلب إمدادات من مرتزقة بلاد الإغريق، حيث حاصر قورينى حصاراً شديداً أدى لنقص الغذاء، مما جعل سكان المدينة يثورون على أغنياءها، وطردهم فلجأ بعضهم إلى ثيبرون والبعض الآخر إلى مصر يستنجدون بواليها بطليموس في إعادتهم إلى المدينة. فاستجاب لهذا النداء، الذي وجده فرصة لضم هذا الإقليم إلى إمبراطوريته، التي كان ينوى تكوينها على أنقاض إمبراطورية الاسكندر. وأرسل معهم قوة برية وبحرية كبيرة بقيادة اوفيلاس. فتحالف مناسيكلس مع ثيبرون ولكن اوفيلاس تمكن من الإنتصار عليهما، واستولى بعد ذلك على كل مدن إقليم قورينى وضمها إلى مصر.
وهكذا فقدت مدن الإقليم إستقلالها وحريتها وأصبحت تابعة لمملكة البطالمة في مصر بعد أن تمتعت بحريتها لفترة تزيد عن القرن. وفي أواخر سنة 322ق.م. جاء بطليموس إلى قورينى وأقام اوفيلاس حاكماً عليها.
ثالثاً:- قورينى في عصر البطالمة من عام 322 ق.م وإلى عام 96 ق.م :-
كان النزاع على السلطة في قورينى بين الحزبان الأرستقراطي والديمقراطي. وعندما كان الديمقراطيون يسيطرون على الوضع داخل قورينى، تمكنوا من طرد الأرستقراطيين الذين لجأوا إلى بطليموس عشية توليته أمر مصر بوصفه واليا عليها عام 322 من قبل أسرة الاسكندر. ولم يتردد بطليموس في إنفاذ حملة برية يقودها اوفيلاس وأسطول يدعم جيشه تمكن به من السيطرة على إقليم قورينى كله. وواضح من قوانين بطليموس التي وضعها للإقليم إنه كان يريد للمنفيين العائدين في ركاب قواته مركزاً ممتازاً في قورينى، وإنه أراد للمدينة دستوراً يتصف بالطابع الأرستقراطي.
وقد أثبتت الأحداث أن ضم قورينى إلى مصر لم يزد من قوة البطالمة، وقد صار مصدر قلق إذ أصبحت بمثابة شوكة في جانبهم، فمن ناحية لم يمتثل أهلها للخضوع لسلطة أجنبية لأنهم اعتادوا على الحرية أكثر من قرن من الزمان، ومن ناحية أخرى كانت الأطماع الشخصية تغرى حكامها للخروج على طاعة الملك البطلمي. وقد ساعد على ذلك بعد الإقليم من ناحية، وما كان يقوم به خصوم البطالمة من العمل على تشجيع هذه الأطماع من ناحية أخرى.
ففي عام 313 ق.م قامت قورينى بثورة على حاكمها اوفيلاس مطالبة بحقها في الحرية. ولكن بطليموس أنفذ إليها حملة تأديبية تمكنت من القضاء على الثورة. وأسندت مقاليد الأمور إلى اوفيلاس، الذي انتهز في سنة 312 فرصة الهزائم التي نزلت ببطليموس الأول في سوريا وأعلن إستقلاله بالإقليم محاولاً جعله خاصاً به في قورينى تقليداً لبقية قادة الاسكندر وبوصفه واحداً منهم.
وفي عام 308 نجح بطليموس في إستعادة الإقليم بفضل ماجاس ابن زوجته، فأقامه نائباً عنه في حكمه. وفي عام 301 إضطر إلى غزو الإقليم مرة أخرى وهذا يرجح قيام ثورة من قبل العناصر الديمقراطية، وبعد إخماد هذه الثورة هدأت الأحوال في قورينى إلى أن مات بطليموس الأول سنة 285 ق.م.
وفي عهد بطليموس الثاني 285-246 ق.م احتدم النزاع بينه وبين الملك السلوقي انطيوخوس الأول لأن الأخير عمد إلى كسب ود ماجاس لإستخدامه ضد غريمه بطليموس، فزوجه ابنته أباما وشجعه على الإستقلال بقورينى وإعلان نفسه ملكاً عليها، ومهاجمة مصر في الوقت، الذي يهاجم فيه انطيوخوس جوف سوريا. وبالفعل في سنة 274 ق.م. أعلن ماجاس استقلاله عن مصر، وزحف بقواته حتى كاد يصل إلى الإسكندرية. ولكن أرسينوي الثانية زوجة وأخت بطليموس الثاني استطاعت تأليب قبائل المارماريداي الليبية على مؤخرة جيش ماجاس فاضطر إلى الرجوع سريعاً إلى قورينى.
وإزاء الانتصارات التي أحرزها بطليموس الثاني على انطوخيوس الأول، التي إنتهت بعقد الصلح بينهما سنة 272 ق.م اضطر ماجاس أن يدين بالطاعة لأخيه بطليموس. ونتيجة لإنشغال بطليموس بسوريا ومقدونيا دعم ماجاس مركزه في قورينى وخطب ابنته برينيكي لولي عهد مصر الذي أصبح فيما بعد بطليموس الثالث. ولعله بذلك يضمن لابنته لا حكم قورينى فحسب بل وأيضاً حكم مصر ولينهي الخصومة بينه وبين أخيه. وبعد وفاة ماجاس عام 258 ق.م تنازع في قورينى حزبان، حزب تزعمته اباما وكان هدفه الإستمرار في تحقيق ما بدأه ماجاس من محاولة الإستقلال بالإقليم واضطر إلى التخلي عن هذه المحاولة، وكان هذا الحزب فيما يبدو حريصاً على أن يرتبط بالسلوقيين. وأما الحزب الآخر فيرى الإرتباط بالبطالمة ولعله لم يجد صعوبة في إقناع برينيكي ابنة ماجاس في تولي زعامته.
ولعل المعقول أن يكون الصدام قد حدث بين الحزبين وانتهى بانتصار حزب برينيكي وزواجها من ولي عهد عرش البطالمة، والذي كان أبوها قد خطبها إليه. وهكذا سيطرت برينيكي على السلطة في قورينى سنة 255 ق.م. وفي سنة 247ق.م، وبعد وفاة بطليموس الثاني، ارتقى عرش مصر بطليموس الثالث يورجيتس الأول 246/ 221 ق.م، وبذلك أدمجت قورينى في مملكة البطالمة ومنذ هذا التاريخ وحتى سنة 163ق.م كانت قورينى جزءاً من مملكة البطالمة، وارتبطت معها بعملة واحدة. وطيلة عهد بطليموس الرابع فيلوباتور 221- 203 ق.م.
ساد الهدوء إقليم قورينى ولم تقع كذلك أية احداث يفهم منها اضطراب الأحوال في الإقليم في عهد ابنه بطليموس كان يحكم مناطق قورينى حاكم عام يحمل لقب : Libyarches وتوثقت الصلة بين مدن الإقليم وبين مصر البطلمية ويتضح ذلك من كثرة عدد الجنود الذين قدموا إلى مصر من مدن الإقليم المختلفة وإن عددهم فاق بكثير العناصر العسكرية الأخرى، التي وفدت إلى مصر من مختلف مناطق العالم الإغريقي الأخرى.
وفي عهد بطليموس السادس فيلوماتور تنازع مع أخيه بطليموس الصغير، الذي عين من قبل أهالي الاسكندرية ملكاً تحت اسم يورجيتيس الثاني، فأصبح على عرش البطالمة ملكان. وتدخلت روما تحت ستار التوفيق بين الأخوين، وعقد إتفاق بينهما سنة 163 ق.م.
تقرر بمقتضاه تقسيم المملكة بين الأخوين، بحيث تكون مصر وقبرص من نصيب بطليموس السادس وإقليم قورينى من نصيب بطليموس الصغير الذي حاول ضم قبرص أيضا، ووافقه على ذلك مجلس الشيوخ الروماني. ولكنه فشل في ذلك لقيام ثورة بزعامة نائب الملك وهو ليبي كلف بتسيير أمور البلاد فوجدها فرصة لتخلص من حكم البطالمة الذين لا هم لهم إلا التنازع على السلطة، فعاد بحراً إلى قورينى.
وفي عام 155 ق.م أوصى بطليموس الصغير بإقليم قورينى للشعب الروماني إذا لم يعقبه وارث ذكر، ولم تنفذ هذه الوصية بطبيعة الحال لأن بطليموس الصغير كان قد أنجب، وهذا أعفى الرومان من مسؤولية لم يكونوا يرحبون بها لظروف الحرب الأهلية في روما.
وفي عام 145ق.م توفى بطليموس السادس واعتلى بطليموس الصغير عرش مصر للمرة الثانية بمساعدة روما، وبعد وفاته عام 116ق.م آل حكم إقليم قورينى إلى ابنه غير الشرعي بطليموس أبيون الذي حكمها نائباً عن الملك بطليموس التاسع سوتر الثاني.
وفي عام 107ق.م استغل بطليموس ابيون الصراع بين بطليموس التاسع وكليوبترا الثالثة الذي أفضى إلى طرد بطليموس التاسع فأعلن استقلاله بإقليم قورينى. ولكي يفوز بتأييد روما آثر والده فأوصى بالإقليم لروما بعد وفاته. ولذلك عندما توفى عام 96 ق.م إنتقلت ملكية الإقليم إلى الشعب الروماني تنفيذاً لوصيته. واكتفى مجلس الشيوخ الروماني بوضع يده على الأراضي الملكية وفرض ضريبة على نبات السلفيوم. وفي سنة 74ق.م ضمت قورينى إلى كريت وأصبحتا تؤلفان ولاية رومانية واحدة. وبذلك دخل إقليم قورينى عصراً جديداً.
-* نقلا عن : كتاب ( محاضرات فى تاريخ ليبيا القديم )، رجب عبد الحميد الأثرم، بنغازي، منشورات جامعة قاريونس، ط2، 1994، ص 130:107.
أولاً: تأسيس قورينى في القرن السابع ق.م. حتى سقوط أسرة باتوس :-
إن الاستيطان الإغريقي لإقليم قورينى إتخذ منذ البداية هيئة الإستيطان الزراعي. فقد كان الباعث أصلاً على إنشاء مستوطنة في ليبيا ضيق جزيرة ثيرا الإغريقية بأهلها، وحلاً لمشكلة الجفاف، الذي أصاب جزيرتهم. ويروي هيرودت في كتابه الرابع عن المرحلة التمهيدية لإستقرار الإغريق في ليبيا أنه عندما ذهب وفد من الجزيرة لإستشارة "وحي دلفي" عن علاج لمشكلتهم أجابتهم الكاهنة أنه يجب أن يؤسسوا مستوطنة في ليبيا حيث تكثر الأغنام وأن أحوالهم سوف تتحسن نتيجة لذلك.
http://www.jeel-libya.com/articles/3254_1.gif
خريطة (1) لشرق ليبيا (إقليم المدن الخمس) Hellenica, Information about Greece and Cyprus, Michael Lahanas
وقد وصف هيرودت رحيل الجماعة الصغيرة العدد لاستكشاف ليبيا في سفينتين من ذوات الخمسين مجذافاً وأبحروا إلى جزيرة بلاتيا في خليج بومبا قرب الساحل الليبي وكيف أنهم بدافع من اليأس عادوا إلى ثيرا بعد أن مكثوا هناك مدة سنتين لم يطب لهم خلالها العيش إطلاقاً. ولكن أهل ثيرا منعوا نزولهم بساحل الجزيرة، وهذا يعني إصرار أهل ثيرا على إنشاء مستوطنة قورينى على الرغم من أن لوحة المؤسسين تنص على أنه من حق مواطن ثيرا المهاجر إلى قورينى استعادة حقوقه المدنية والمشاركة في ملكية الأسرة إذا ما عاد إليها خلال مدة خمس سنوات إذا فشل المستوطنون في إنشاء المستوطنة أو اضطروا إلى الجلاء عنها. ولكن القرار تضمن النص على أن من تبعث به ثيرا إلى ليبيا ويرفض الإبحار فانه يُحكم عليه بالإعدام وتؤول ممتلكاته إلى الدولة.
ويمكن إدراك الأهمية التي كانت ثيرا تعلقها على إنشاء قورينى. ولذلك عند إستشارة "وحي دلفي" مرة أخرى، الذي أكد على أهمية ليبيا الاقتصادية وأنهم لم ينزلوا في ليبيا ذاتها. فاقتنع المهاجرون بهذه النصيحة وانتقلوا إلى موقع أكثر ملاءمة على الساحل جنوب بلاتيا يدعى ازيريس.
http://www.jeel-libya.com/articles/3254_2.gif
صورة (1) نبع الإله أبوللو بمدينة قورينى www.garyounis.edc
وهناك عاش المستوطنون الإغريق ست سنوات أدركوا خلالها أنه لازالت هناك مواقع إلى الغرب على الهضبة العالية أكثر ملاءمة. ولما كانت علاقتهم بالسكان المحليين حسنة فقد ساعدوهم في الإنتقال إلى الموقع الذي أسست فيه مدينة قورينى سنة 631 ق.م. عند مكان أطلق عليه أهل ثيرا اسم نبع أبوللو حيث قالوا لهم هنا أيها الإغريق تجدون المكان المناسب لإقامتكم لأنه يوجد هنا ثقب في السماء. فسرهم المنظر الطبيعي العام إذ لم يكن يختلف كثيراً عن بيئة بلادهم الأصلية، بل كان يفضل مدينة ثيرا المجدبة، فكانت هنا التربة الزراعية المناسبة والمراعي الوفيرة والطقس الملائم.
وشاءت ظروفهم الحسنة أن يكون الليبيون على روح من الود والمسالمة معهم. وهكذا أقام الإغريق مستوطنتهم أو بالأحرى مملكتهم بزعامة المؤسس الذي كان يدعى باتوس لمدة ثمانية أجيال يتبادلون اسمى باتوس واركسيلاوس تحقيقاً لنبوءة وحي دلفي، التي أشارت "أنه لثمانية أفراد من أسرة باتوس أربعة منهم يدعون باتوس وأربعة يدعون اركسيلاوس يمنح لوكسياس ملك قورينى وينصحهم بألا يتجاوزا ذلك".
قامت المستوطنة قورينى على أساس زراعي بالدرجة الأولى، ثم تجاري بعد ذلك، لتصبح في وقت قصير دولة مدينة متكاملة الأركان المتعارف عليها لقيام دولة، وذلك بدليل منشآتها الدستورية، منذ زمن مبكر من قيامها وعلاقاتها مع غيرها من مدن المنطقة أو مدن العالم الإغريقي أو الروماني فيما بعد.
باتوس الأول (639-599ق.م) :
حكم باتوس الأول 639-599 ق.م. مؤسس مستوطنة قورينى أربعين عاماً. وأشار هيرودت أن حكمه كان معتدلا، وكان قد جمع في يديه كافة الاختصاصات الدينية والمدنية والعسكرية، وقد تمتع بعد وفاته بتقدير وتقديس كبيرين، وقد اتخذت المدينة في عهده تخطيطاً معيناً أذ أقيم معبد لأبوللو بالقرب من النبع الذي عرف باسمه ومُهد طريق مستقيم. وعندما مات أنشئت بالقرب من قبره السوق العامة Agora.
http://www.jeel-libya.com/articles/3254_3.gif
صورة (2) معبد الإله أبوللو بمدينة قورينى Hellenica, Information about Greece and Cyprus, Michael Lahanas
اركسيلاوس الأول (599-583 ق.م) :
ويعتبر حكمه امتداداً لحكم والده. فكانت فترة هانئة، كما كانت المدينة تنمو اقتصادياً بخطى واسعة وثابتة، وذلك على الرغم من أن أولئك المستوطنين لم يتجاوز عددهم الأول (المائتين)، وهذا من جهة أخرى يدل على العلاقات الودية وحسن الجوار لأولئك المستوطنين مع القبائل الليبية، وهو ما يرجحه أيضاً القلاقل التي ظهرت خلال حكم خليفته.
باتوس الثاني (583-570ق.م) :
وقد لقب بالمبارك، وكان قد عمل خلال فترة حكمه على استقدام عناصر جديدة من بلاد الإغريق عن طريق وحي دلفي على وعد باعادة تقسيم الأراضي واستولوا على أراضي الليبيين. بذلك وضع حداً للسلام الذي يسود العلاقات الليبية الإغريقية، فأنشد ادكران الزعيم الليبي فرعون مصر ابريس 588-569 ق.م. المساعدة وكان هذا الإجراء طبيعياً بسبب العلاقات القديمة بين مصر وليبيا، ولاسيما بعد إستقرار الكثير من الليبيين في مصر وتأسيسهم للأسرتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين. فأعد ابريس جيشاً كبيراً وسيره ضد قورينى حيث هزم عند موقع يدعى نبع ثيستس حوالي عام 570 ق.م. وبالتالي بداية العداء بين الإغريق والقبائل الليبية، خاصة مع امتداد السيطرة الإغريقية على معظم إقليم قورينى.
اركسيلاوس الثاني (570-550 ق.م) :
ثالث ملوك هذه الأسرة وقد لقب بالصعب، وحكم مدة عشرين عاماً، ويحدثنا هيرودت بأنه نشب خلاف بينه وبين أخوته، صراع أفضى إلى نزوح هؤلاء الأخوة إلى أخصب بقعة في المنطقة الغربية حيث أسسوا مدينة برقة (المرج). وفي نفس الوقت حرضوا الليبيين على الثورة ضد قورينى، فقاد اركسيلاوس جيشاً ضدهم، ولكن الليبيين انتصروا عليه في معركة ليكون، وبعد هذه النكبة مرض الملك، ولم يلبث أن قتل في مؤامرة عائلية وانتهى الأمر بتولي ابنه باتوس.
http://www.jeel-libya.com/articles/3254_4.gif
صورة (3) قدح "أركسيلاوس الثاني" Hellenica, Information about Greece and Cyprus, Michael Lahanas
باتوس الثالث (550-527ق.م) :
وقد لقب بالأعرج، حيث حكم قورينى لمدة ثلاثة وعشرين سنة، وحاول إصلاح الوضع المتدهور. فأحضر مشرعاً يدعى ديموناكس حيث درس الأوضاع في قورينى وقام بوضع دستور أدى إلى إستقرار الأوضاع في الإقليم. وتتلخص الإصلاحات فيما يلي :-
تقسيم أهالي قورينى إلى ثلاث قبائل تضم الأولى المهاجرين من ثيرا والليبيين المتأغرقين، وتضم الثانية المهاجرين من البلوبونيز وكريت، والثالثة تضم المهاجرين من الجزر الإغريقية الاخرى. ترك للملك السيطرة على بعض الأراضي المقدسة، بالإضافة لمنحه حق شغل بعض المناصب الدينية.
ترك بعض الإمتيازات للشعب عموماً، الإمتيازات الأخرى التي كان يتمتع بها الملك من قبل، مما ساهم في إستقرار الأوضاع طيلة فترة حكم باتوس الثالث.
http://www.jeel-libya.com/articles/3254_5.gif
صورة (4)الجبل الاخضربشرق ليبيا الباكور
اركسيلاوس الثالث (527-519 ق.م) :
هو سادس ملوك الأسرة الباتية، حاول إستعادة الامتيازات الخاصة بالحكم الفردي والتي كان قد تمتع بها أجداده، ولم يشأ الإلتزام بقوانين ديموناكس. وبالتالي تجدد الصراع بين الملكية وخصومها، مما إضطره إلى الهرب إلى جزيرة ساموس، حيث كون جيشاً كبيراً استرد به عرشه، وبعد ذلك ذهب إلى برقة، بعد أن ترك أمه فرتيمي تحكم قورينى، وفي برقة معقل أعداء أسرة باتوس، قتل مع صهره وهو يتجول في السوق العامة، وذلك حوالي عام 519 ق.م. مما جعل والدته تلجأ إلى حاكم مصر الفارسي في ذلك الوقت، الذي جهز حملة برية وبحرية للإنتقام لمقتل حليفهم اركسيلاوس، وتحقيق غرض رئيسي آخر وهو إخضاع القبائل الليبية للسيطرة الفارسية، وتمكن الفرس من إحتلال برقة بالخديعة بعد حصار دام تسعة أشهر، وتمكنت فرتيمي من التنكيل بقتلة إبنها وتدمير المدينة، وبالرغم من كل هذه الأحداث الدامية استمرت الأعمال الفنية في ازدهارها وتطورها، كما لم تكن فترة اضمحلال اقتصادي، بل شهدت المنطقة فترة إزدهار ورخاء تمثل في العديد من تماثيلها ومعابدها.
تاريخ قورينى من اسرة باتوس الى النفوذ الرومانى - منتديات التاريخ الإسلامي
صورة (5) السلفيوم على عملة قورينى Hellenica, Information about Greece and Cyprus, Michael Lahanas
تاريخ قورينى من اسرة باتوس الى النفوذ الرومانى
باتوس الرابع (514-470 ق.م) :
تولى حكم قورينى التي ازدهرت في عهده وازداد ثراؤها. وإليه يعزى إنشاء معبد زيوس، الذي يماثل إتساع معبد البارثنون في أثينا، واقتفى أثر سياسة والده في الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيه قرطاجة والإمبراطورية الفارسية.
اركسيلاوس الرابع (475-449 ق.م) :
آخر ملوك قورينى من الأسرة الباتية، تولى الحكم صغير السن، حيث حكم ما يزيد على ثلث قرن من الزمن، وواجه إضطرابات سياسية في قورينى، لعلها بسبب ضيق الرقعة الزراعية ولعدم العدالة في توزيع الأراضي بينهم، وانتهى الأمر بنشوب الثورة في قورينى، حيث حاول اللجوء إلى مدينة يوسبيريدس (بنغازي) الأمر الذي يوفر له الأمان المنشود، وقتل أثناء ذهابه إلى هذه المدينة وقطُع رأسه وألقى به في البحر وكان ذلك حوالي 440ق.م.
ثانيا : قورينى في العصر الجمهوري (من عام 440 إلى عام 323 ق.م) :-
مع نهاية أسرة باتوس دخل إقليم قورينى مرحلة جديدة في تاريخه، هي فترة إستقلال مدن الإقليم من سيطرة قورينى. ولما كانت مدينة قورينى هي المعقل الأول للملوك ومقرهم الدائم، فإنها كانت تحتل المكانة الأولى بين المدن الإغريقية في إقليم قورينى. ولكن بعد زوال الملكية فإن هذه المدن تخلصت من تبعيتها لقورينى، وأصبحت في صراع مستمر من أجل السلطة داخل الإقليم. ولابد أن الأستقراطية داخل هذه المدن هي التي استأثرت بالسلطة بعد مصرع اركسيلاوس الرابع. وارتبطت هذه المدن فيما بينها بأحلاف كانت في غالبيتها قصيرة الأمد. وكانت المدينتان الأكثر تنافساًعلى السلطة داخل الإقليم هما مدينتا قورينى وبرقة.
وقد كان العداء مستحكماً داخل هذه المدن، بين الأرستقراطية التي سيطرت على السلطة وبين عامة الشعب، الذين ازداد عددهم على مر الزمن. وأدى ذلك إلى قيام ثورة في قورينى حوالي عام 401 ق.م قتل فيها خمسمائة من الأغنياء وفر الكثيرون منهم وانتهى الأمر بقيام نظام ديمقراطي حاول إصلاح الأوضاع.
وكانت القبائل الليبية تتحين الفرصة للإنقضاض على المدن الإغريقية. فقد حاصرت قبيلة الناسامونيس مدينة يوسبيريدس سنة 414 ق.م. ولم ينقذها إلا أسطول إسبرطى كان في طريقه إلى سيراكوز وعصفت به الرياح صدفة إلى المدينة.
ومع بداية القرن الرابع ق.م. كانت مدينة برقة هي المتسلطة على الإقليم كله. ولكن مع منتصف هذا القرن ما لبثت قورينى أن استعادت مكانتها السابقة وذلك بفضل ارتباطها الوثيق بالعالم الإغريقي وكثرة عدد سكانها ونشاطها التجاري.
وفي هذه الأثناء تمكن الإسكندر الأكبر من فتح مصر سنة 332 ق.م. وطرد الفرس منها وأنشأ مدينة الإسكندرية. وفي شتاء سنة 331 ق.م. قام برحلة إلى واحة سيوة لإستشارة وحي أمون. وسار غرباً إلى براتينيوم (مرسى مطروح) التي كانت نقطة إتصال بين الطريق الساحلي والطريق الذي يتجه جنوباً إلى الصحراء. وهناك استقبل مبعوثين من قورينى بهدايا ثمينة من الخيول والعربات تعبيراً عن فرحتهم بطرد الفرس من مصر وإعترافاً بولائهم له وخشية محاولة الإسكندر القيام بغزوهم.
وبعد وفاة الإسكندر سنة 323ق.م. أصبحت مصر من نصيب بطليموس. أما إقليم قورينى فقد جذبت الإضطرابات والصراعات الحزبية داخل مدنها الكثير من المغامرين الذين جاؤوا ينشدون ملكاً خاصاً لهم في هذه المدن. ومن هؤلاء المغامر الإسبرطي ثيبرون، الذي حاول الإستيلاء على الإقليم، حيث نجح في الإستيلاء على أبوللونيا وأرغم السكان على قبول شروطه بدفع 500 تالنت من الفضة ونصف عرباتهم الحربية.
وبعد ذلك أنفذ الرسل إلى بقية مدن الإقليم يطلب منها محالفته. ولكن خلافه مع قائد قواته مناسيكلس بسبب الأسلاب، جعلت مناسيكلس يقنع سكان قورينى بعدم دفع المبلغ المفروض عليهم، وفي نفس الوقت استطاع مناسيكلس الإستيلاء على أبوللونيا وأعاد للتجار حاجياتهم، فحاول ثيبرون التعويض عن هذه الهزيمة بإحتلال توخيرة. وعندما لاحظت القبائل الليبية تسرب قواته إلى الداخل بحثاً عن الطعام أعدت له كميناً محكماً تمكنت فيه من قتل أعداد كبيرة من قواته وأسر أعداد أخرى وهربت باقي القوات إلى السفن الراسية في الميناء حيث تحطم جزء منها.
حاول ثيبرون تعويض خسارته بطلب إمدادات من مرتزقة بلاد الإغريق، حيث حاصر قورينى حصاراً شديداً أدى لنقص الغذاء، مما جعل سكان المدينة يثورون على أغنياءها، وطردهم فلجأ بعضهم إلى ثيبرون والبعض الآخر إلى مصر يستنجدون بواليها بطليموس في إعادتهم إلى المدينة. فاستجاب لهذا النداء، الذي وجده فرصة لضم هذا الإقليم إلى إمبراطوريته، التي كان ينوى تكوينها على أنقاض إمبراطورية الاسكندر. وأرسل معهم قوة برية وبحرية كبيرة بقيادة اوفيلاس. فتحالف مناسيكلس مع ثيبرون ولكن اوفيلاس تمكن من الإنتصار عليهما، واستولى بعد ذلك على كل مدن إقليم قورينى وضمها إلى مصر.
وهكذا فقدت مدن الإقليم إستقلالها وحريتها وأصبحت تابعة لمملكة البطالمة في مصر بعد أن تمتعت بحريتها لفترة تزيد عن القرن. وفي أواخر سنة 322ق.م. جاء بطليموس إلى قورينى وأقام اوفيلاس حاكماً عليها.
ثالثاً:- قورينى في عصر البطالمة من عام 322 ق.م وإلى عام 96 ق.م :-
كان النزاع على السلطة في قورينى بين الحزبان الأرستقراطي والديمقراطي. وعندما كان الديمقراطيون يسيطرون على الوضع داخل قورينى، تمكنوا من طرد الأرستقراطيين الذين لجأوا إلى بطليموس عشية توليته أمر مصر بوصفه واليا عليها عام 322 من قبل أسرة الاسكندر. ولم يتردد بطليموس في إنفاذ حملة برية يقودها اوفيلاس وأسطول يدعم جيشه تمكن به من السيطرة على إقليم قورينى كله. وواضح من قوانين بطليموس التي وضعها للإقليم إنه كان يريد للمنفيين العائدين في ركاب قواته مركزاً ممتازاً في قورينى، وإنه أراد للمدينة دستوراً يتصف بالطابع الأرستقراطي.
وقد أثبتت الأحداث أن ضم قورينى إلى مصر لم يزد من قوة البطالمة، وقد صار مصدر قلق إذ أصبحت بمثابة شوكة في جانبهم، فمن ناحية لم يمتثل أهلها للخضوع لسلطة أجنبية لأنهم اعتادوا على الحرية أكثر من قرن من الزمان، ومن ناحية أخرى كانت الأطماع الشخصية تغرى حكامها للخروج على طاعة الملك البطلمي. وقد ساعد على ذلك بعد الإقليم من ناحية، وما كان يقوم به خصوم البطالمة من العمل على تشجيع هذه الأطماع من ناحية أخرى.
ففي عام 313 ق.م قامت قورينى بثورة على حاكمها اوفيلاس مطالبة بحقها في الحرية. ولكن بطليموس أنفذ إليها حملة تأديبية تمكنت من القضاء على الثورة. وأسندت مقاليد الأمور إلى اوفيلاس، الذي انتهز في سنة 312 فرصة الهزائم التي نزلت ببطليموس الأول في سوريا وأعلن إستقلاله بالإقليم محاولاً جعله خاصاً به في قورينى تقليداً لبقية قادة الاسكندر وبوصفه واحداً منهم.
وفي عام 308 نجح بطليموس في إستعادة الإقليم بفضل ماجاس ابن زوجته، فأقامه نائباً عنه في حكمه. وفي عام 301 إضطر إلى غزو الإقليم مرة أخرى وهذا يرجح قيام ثورة من قبل العناصر الديمقراطية، وبعد إخماد هذه الثورة هدأت الأحوال في قورينى إلى أن مات بطليموس الأول سنة 285 ق.م.
وفي عهد بطليموس الثاني 285-246 ق.م احتدم النزاع بينه وبين الملك السلوقي انطيوخوس الأول لأن الأخير عمد إلى كسب ود ماجاس لإستخدامه ضد غريمه بطليموس، فزوجه ابنته أباما وشجعه على الإستقلال بقورينى وإعلان نفسه ملكاً عليها، ومهاجمة مصر في الوقت، الذي يهاجم فيه انطيوخوس جوف سوريا. وبالفعل في سنة 274 ق.م. أعلن ماجاس استقلاله عن مصر، وزحف بقواته حتى كاد يصل إلى الإسكندرية. ولكن أرسينوي الثانية زوجة وأخت بطليموس الثاني استطاعت تأليب قبائل المارماريداي الليبية على مؤخرة جيش ماجاس فاضطر إلى الرجوع سريعاً إلى قورينى.
وإزاء الانتصارات التي أحرزها بطليموس الثاني على انطوخيوس الأول، التي إنتهت بعقد الصلح بينهما سنة 272 ق.م اضطر ماجاس أن يدين بالطاعة لأخيه بطليموس. ونتيجة لإنشغال بطليموس بسوريا ومقدونيا دعم ماجاس مركزه في قورينى وخطب ابنته برينيكي لولي عهد مصر الذي أصبح فيما بعد بطليموس الثالث. ولعله بذلك يضمن لابنته لا حكم قورينى فحسب بل وأيضاً حكم مصر ولينهي الخصومة بينه وبين أخيه. وبعد وفاة ماجاس عام 258 ق.م تنازع في قورينى حزبان، حزب تزعمته اباما وكان هدفه الإستمرار في تحقيق ما بدأه ماجاس من محاولة الإستقلال بالإقليم واضطر إلى التخلي عن هذه المحاولة، وكان هذا الحزب فيما يبدو حريصاً على أن يرتبط بالسلوقيين. وأما الحزب الآخر فيرى الإرتباط بالبطالمة ولعله لم يجد صعوبة في إقناع برينيكي ابنة ماجاس في تولي زعامته.
ولعل المعقول أن يكون الصدام قد حدث بين الحزبين وانتهى بانتصار حزب برينيكي وزواجها من ولي عهد عرش البطالمة، والذي كان أبوها قد خطبها إليه. وهكذا سيطرت برينيكي على السلطة في قورينى سنة 255 ق.م. وفي سنة 247ق.م، وبعد وفاة بطليموس الثاني، ارتقى عرش مصر بطليموس الثالث يورجيتس الأول 246/ 221 ق.م، وبذلك أدمجت قورينى في مملكة البطالمة ومنذ هذا التاريخ وحتى سنة 163ق.م كانت قورينى جزءاً من مملكة البطالمة، وارتبطت معها بعملة واحدة. وطيلة عهد بطليموس الرابع فيلوباتور 221- 203 ق.م.
ساد الهدوء إقليم قورينى ولم تقع كذلك أية احداث يفهم منها اضطراب الأحوال في الإقليم في عهد ابنه بطليموس كان يحكم مناطق قورينى حاكم عام يحمل لقب : Libyarches وتوثقت الصلة بين مدن الإقليم وبين مصر البطلمية ويتضح ذلك من كثرة عدد الجنود الذين قدموا إلى مصر من مدن الإقليم المختلفة وإن عددهم فاق بكثير العناصر العسكرية الأخرى، التي وفدت إلى مصر من مختلف مناطق العالم الإغريقي الأخرى.
وفي عهد بطليموس السادس فيلوماتور تنازع مع أخيه بطليموس الصغير، الذي عين من قبل أهالي الاسكندرية ملكاً تحت اسم يورجيتيس الثاني، فأصبح على عرش البطالمة ملكان. وتدخلت روما تحت ستار التوفيق بين الأخوين، وعقد إتفاق بينهما سنة 163 ق.م.
تقرر بمقتضاه تقسيم المملكة بين الأخوين، بحيث تكون مصر وقبرص من نصيب بطليموس السادس وإقليم قورينى من نصيب بطليموس الصغير الذي حاول ضم قبرص أيضا، ووافقه على ذلك مجلس الشيوخ الروماني. ولكنه فشل في ذلك لقيام ثورة بزعامة نائب الملك وهو ليبي كلف بتسيير أمور البلاد فوجدها فرصة لتخلص من حكم البطالمة الذين لا هم لهم إلا التنازع على السلطة، فعاد بحراً إلى قورينى.
وفي عام 155 ق.م أوصى بطليموس الصغير بإقليم قورينى للشعب الروماني إذا لم يعقبه وارث ذكر، ولم تنفذ هذه الوصية بطبيعة الحال لأن بطليموس الصغير كان قد أنجب، وهذا أعفى الرومان من مسؤولية لم يكونوا يرحبون بها لظروف الحرب الأهلية في روما.
وفي عام 145ق.م توفى بطليموس السادس واعتلى بطليموس الصغير عرش مصر للمرة الثانية بمساعدة روما، وبعد وفاته عام 116ق.م آل حكم إقليم قورينى إلى ابنه غير الشرعي بطليموس أبيون الذي حكمها نائباً عن الملك بطليموس التاسع سوتر الثاني.
وفي عام 107ق.م استغل بطليموس ابيون الصراع بين بطليموس التاسع وكليوبترا الثالثة الذي أفضى إلى طرد بطليموس التاسع فأعلن استقلاله بإقليم قورينى. ولكي يفوز بتأييد روما آثر والده فأوصى بالإقليم لروما بعد وفاته. ولذلك عندما توفى عام 96 ق.م إنتقلت ملكية الإقليم إلى الشعب الروماني تنفيذاً لوصيته. واكتفى مجلس الشيوخ الروماني بوضع يده على الأراضي الملكية وفرض ضريبة على نبات السلفيوم. وفي سنة 74ق.م ضمت قورينى إلى كريت وأصبحتا تؤلفان ولاية رومانية واحدة. وبذلك دخل إقليم قورينى عصراً جديداً.
-* نقلا عن : كتاب ( محاضرات فى تاريخ ليبيا القديم )، رجب عبد الحميد الأثرم، بنغازي، منشورات جامعة قاريونس، ط2، 1994، ص 130:107.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق