الملتقى الدولي لـ " كرسي بن علي لحوار الحضارات والأديان " حول الصحراء : الصحراء : تاريخ أم مستقبل ؟
خيرة الشيباني
بعيدًا عن الأسطورة التي طالما سكنت المخيال البشري حول الصحراء باعتبارها فضاء للترحّل الدائم ولاندثار علامات الوجود البشري ولشظف العيش وقساوته، والانقطاع عن مراكز الحضارة أعاد باحثون غربيون وأفارقة وعرب للصحراء اعتبارها وكل أبعادها الحقيقية وكشفوا من خلال العديد من المداخلات التي اسهموا في تقديمها، عن تاريخها "الحضاري" الممتد عبر الآلاف من السنين، وعن مختلف الأدوار والوظائف التي لعبتها في نشأة الحضارات والتأثير على محيطها، والتقريب بين الشعوب والثقافات، وذلك في الملتقى الدولي الذي عقده "كرسي بن علي للحوار بين الثقافات والأديان" بمدينة دوز (الجنوب التونسي) من 19 الى 22 ديسمبر 2002 حول موضوع "الصحراء : صلة بين الشعوب والثقافات".
كما كشفت تلك المداخلات عن أهمية الصحراء الاستراتيجية ماضيا في المجال العسكري والمجال الاقتصادي، وأيضا عن امكانية الرهان عليها مستقبلا في وضع الاستراتيجيات الاقتصادية لما تتوفّر عليه من موارد طبيعية وطاقات بشرية، تجعل التفكير في تطويرها مستقبلا، من أجل مقاومة الفقر وتحقيق تنمية مستديمة، مشغلا من اهمّ مشاغل البلدان الافريقية المُتاخمة للصحراء والمنظمات الدولية المهتمة بقضايا التنمية، وهو ما يفسّر قيام وزير السياحة والتجارة التونسي السيد منذر الزنايدي بافتتاح هذا الملتقى وتركيزه في الكلمة التي ألقاها بهذه المناسبة على أهمية قطاع السياحة الصحراوية.
اعادة كتابة تاريخ الصحراء
الورقة العلمية الثرية التي أعدّها الدكتور محمد حسين فنطر الذي يرأس "كرسي بن علي لحوار الحضارات والأديان" للملتقى، والتي طرح من خلالها العديد من الأسئلة التي تخصّ تاريخ الصحراء وخصائصها وثقافاتها، ومكانتها في الجيوستراتيجيا كما في مخيال الشعوب المتاخمة لها، أثارت شهية الباحثين من مؤرّخين وعلماء آثار واتنولوجيين وعلماء نباتات ومهتمين بالاقتصاد والسياحة. ولعلّ من أبرز المداخلات التي تفاعل معها الحضور العلمي، تلك التي قدّمتها الباحثة الجزائرية مليكة حشيد التي ما فتئت منذ عشرين سنة تجول في أرجاء الصحراء الافريقية من منطقة التاسيلي الجزائرية الى صحراء مصر تستنطق حجارتها والشواهد القائمة بها لتفنّد كما تقول بالحجة المادية المكتوبة أي النقوش الحجرية الباقية ما دأب الباحثون الغربيون على اقراره في قراءة تاريخ الصحراء والتدوين لخصائصها، من أنها كانت تمثل حاجزًا بين المراكز الحضارية معتمدين في ذلك خاصة على كتب الرحالة والمؤرخين الاغريق واللاتين مثل هيرودوتس وغيره.. وتقول الباحثة الجزائرية ان أولى الشواهد على تاريخ الصحراء تعود الى حوالي 30 ألف سنة قبل الميلاد ولكن أكثرها بلاغة على وجود مراكز حضارية بالصحراء الافريقية تعود الى 11 أو 12 ألف سنة قبل الميلاد، ثم الى حوالي 4 لاف سنة قبل الميلاد، حيث تؤكد النقوش الحجرية وجودَ مركز حضاري كان يشعّ على شمال افريقيا والمتوسّط وعلى منطقة الهلال الخصيب، وذلك قبل عدة قرون من انبعاث الحضارة الفرعونية.
وتوضّح الباحثة ان الكشوفات الحجرية في مناطق التاسيلي والهقار الجزائرية وفي شمال النيجر وبالصحراء الليبية وغيرها تُثبتُ تعاقب حضارات كانت تعيش على تربية الحيوانات، ثم على الزراعة وتتمتع بحس ديني عميق تكشف عنه الرمزية المكثفة التي صُورت بها الآلهة في النقوش الحجرية. وتثبت كذلك الأقنعة المرسومة وجود حضارة زنوجة الى جانب حضارة ذوي البشرة البيضاء. وقد عاشت هذه الحضارات على اختلاف الفروق العرقية لشعوبها في وئام، اذ لا وجود في تلك النقوش لما يشير الى صراع بين الافراد أو الى نزاعات حربية بين المراكز الحضارية المختلفة، وهو الدرس الكبير الذي يمكن ان نتلقاه من تلك الحضارات. وخلصت الباحثة الى ضرورة التخلص من القراءات الغربية لتاريخ الصحراء الافريقية والعربية على حدّ السواء، اذ لا يمكن لهذا التاريخ الا ان يكتبه ابناء الصحراء انفسهم، بالموضوعية المطلوبة التي تمكّنهم منها الآثار المتبقية في مختلف ارجاء الصحراء، ومقارنتها بامتداداتها الحضارية والرمزية على مستوى المعتقدات والطقوس والنقوش على الملابس والحليّ والبيوت وغيرها.
وفي الواقع أتت مداخلة الباحثة مليكة حشيد ردّا غير مباشر على بعض المداخلات التي قدمها باحثون فرنسيون في هذا الملتقى منهم اندريه لاروند الذي اعتمد على هيرودوتس لدراسة العلاقة بين مدينة قورنية (شحات حاليا) الليبية والتي كانت مركزا حضاريا اغريقيا هاما على شاطئ المتوسط، وبين الصحراء، وأيضا على الباحث الفرنسي جهان ديسانج الذي ذكر في مداخلته ان الصحراء كفّت عن أن تكون، منذ القرن الثالث قبل الميلاد، رابطة بين المراكز الحضارية لتمثّل عائقا للتواصل بينها، وذلك اعتمادًا على بعض الدراسات القديمة، التي أشارت بعضها، ومنها دراسة بريطانية، الى ان الصحراء كانت مجرّد معبر أو وسيط بين بعض الحضارات المتاخمة لأطرافها.
مراكز حضارية صحراوية
وفي نفس السياق كشفت الباحثة السورية عفراء علي الخطيب التي تعمل بمعهد الدراسات الافريقية بجامعة محمد الخامس بالرباط عن بعض مظاهر التواصل الثقافي عبر الصحراء الكبرى بين أبناء الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين وشرق افريقيا متجسّدا في عقائد مشتركة، أبرزها عبادة الثالوث الكوكبي المقدس، وإنْ في اتجاه معاكس لذلك الذي اختارته الباحثة الجزائرية. ففيما اعتبرت الدكتورة مليكة حشيد ان الصحراء الافريقية أشعّت على منطقة المتوسط وعلى منطقة الهلال الخصيب، وشبه الجزيرة العربية، خلصت الباحثة السورية الى انه لا يمكن فهم الرسوم والاشارات الصامتة والمنقوشة على الحجر الا بمقارنتها بمثيلاتها من الحضارات المجاورة اي حضارة بلاد الرافدين وجنوب جزيرة العرب التي تركت لنا ثارًا مدوّنة والتي تعتبر الباحثة أن تأثيرها امتد الى منطقة شرق افريقيا والمغرب القديم عبر القوافل التجارية والهجرات القديمة الى شرق افريقيا والمغرب القديم وهي مناطق كانت تعرف دورات مطيرة جعلت منها منطقة خصبة تستقطب الباحثين عن وسائل العيش المتاح والذين حملوا الى الصحراء المغاربية أنماط تفكيرهم ومعتقداتهم ومن ضمنها الاعتقاد في الثالوث المقدّس، أي الشمس والقمر والهلال، وهو ثالوث كان يُرْسَمُ على رؤوس الثيران والاكباش في كل من تلك الحضارات القديمة، مما جعل الباحثة تصل بالاستقراء الى ان وجود تلك الرسوم في الصحراء المغاربية حصل نتيجة تلك الهجرات الجماعية والتواصل الثقافي الذي يتمّ عبرها.
وسواء أتت الحضارة من المغرب القديم، اي من الصحراء الافريقية أو من صحراء شبه الجزيرة العربية، فإن الباحثتين توصلتا، عبر قراءة لنشأة تلك الحضارة وديناميكيتها التاريخية، الى ان الصحراء كانت منذ اقدم عصور ما قبل التاريخ مهدًا لحضارات متنوّعة وثرية ومنفتحة بعضها على بعض، حتى ان عفراء علي الخطيب تحدثت عن عولمة عصور ما قبل التاريخ التي كان فيها اللقاء الثقافي والحضاري أيسر وأكثر تلقائية وأشدّ تأثيرًا مما هو عليه اليوم!..
قراءة خلدونية لبداوة مندثرة...
الباحثان التونسيان د. عبد الرحمان أيوب، من المعهد الوطني للترات والمختص في مرويات الأدب الشعبي ود. منصف محلّة، من نفس المعهد والمختص في التاريخ المعاصر اختارَا الوقوف عند بعض مظاهر تاريخ الصحراء التونسية وقبائلها وقد توقف الباحث عبد الرحمان أيّوب عند "قصور الجنوب الشرقي التونسي متحدّثا عن هندستها المعمارية، حاجيات واستراتيجيات بُناتها وهي استراتيجيات دفاعية واقتصادية اقتضتها ضرورة الدّفاع عن النفس وضرورة ضمان العيش لأولئك البدو الذين كانوا يضربون في الفيافي رحّلا لتعقب مناطق الخصب والنماء ونقاط المياه حيثما توفّرت ووقتما توفّرت ثمّ العودة الى "قصورهم او قلاعهم الآمنة ليستهلكوا في أيام الشحّ ما ادّخروه من مؤونة ولتوقي اخطار الهجمات الخارجية عندما يستشعرون أخطارها..
الا ان أطرف ما جاء في مداخلة الأستاذ أيوب تأكيده ان تلك "القصور" التي توقف طويلا عند هندستها المعمارية، تمثّل تواصلا لأنماط معمارية مشابهة كان الرومان قد بنوها على شكل سلسلة من القلاع والحصون الحدودية لدرء أخطار العدوّ.. وهو ما يوصلنا ربمّا الى الاقرار لا فقط بوجود شواهد على التواصل بين مختلف محطات تلك المنطقة التاريخية بل الى الاقرار أيضا بعبقرية سكّان المناطق الصحراوية الذين قاوموا تحدّي الصحراء بعبقرية الابداع للتكيف مع تحدّي المكان.
وعبر شبكة مفهومية خلدونية في نظرية العمران البشري وبناء نظري فِيبري (نسبة الى ماكس فيبر) يعمد الباحث منصف محلّة الى تتبّع أثر خمس قبائل من الجنوب الغربي التونسي (المرازيق، أولاد يعقوب، غريب، صابرية والعذارى) من القرن التاسع عشر الى بدايات القرن العشرين ليدرس بنيتها الاجتماعية والاقتصادية ومختلف أنشطتها ووظائفها ومن ضمنها الوظيفة الحربية، علاقاتها بالقبائل الأخرى والتحولات الكبرى التي طرأت على أنماط عيشها في نهايات القرن التاسع عشر وميلها الى الاستقرار في الواحات والقرى التي تنطلق منها في مواسم معينة نحو تجديد الرحلة، رحلة البداوة بحثا عن أسباب العيش، ليتساءل في النهاية ان كان بإمكاننا اليوم أن نتحدث عن نمط عيش بدوي قائم في الجنوب التونسي في ما نراه من بعض أنماط الحياة البدوية، ومتى يمكن القول ان هذا المظهر من مظاهر العمران البشري قد اندثر مثلما اندثرت آثار "أهل الرمال" على الرمال ؟
ودون الغوص في المداخلة العلمية الثرية التي قدمها الأستاذ محلّة والتي اعتمد فيها الرواية الشفوية ومن ضمنها أشعار البدو كما الوثيقة المكتوبة ومن ضمنها سجلات الأداءات التي كانت تؤديها القبائل الى الحكومة المركزية للبايات، أو القبائل لبعضها البعض طلبا للحماية، نشير الى ما ذكره من أن التحول الهام في حياة قبائل الجنوب الغربي التونسي كان متزامنا مع وصول قوّات الجيش الفرنسي الى الجنوب، وبسط نفوذها على هذه المناطق مما عطّل ان لم نقل أنهى نهائيا الوظيفة الحربية لتلك القبائل ان كان دفاعا أو استيلاءً على مغانم من غير القبائل المتحالفة.
بل ان هذا التوازن العسكري او الحربي المفقود بين قوّات الاحتلال الفرنسي وبين القبائل التي كانت تقوم بهذه المهام الدفاعية قد أفقد هذه الاخيرة موردًا ماديا هامّا، ومصدرا من مصادر عيشها اذ لم تعد تفرض على القبائل التي كانت تقوم بحمايتها أداءات مالية، وهو ما دفعها الى البحث عن مقومات عيش أخرى.
صحيح ان بعض البدو ظلّوا يردّدون حتى السبعينات من القرن العشرين، وربما الى اليوم مقولتهم "مازلنا نرحلو" إلا ان بوادر الاستقرار حول نقاط المياه وبالواحات سُجّلت منذ بدايات القرن العشرين. ومن الاشارات التي يذكرها الباحث حول تبدّل نمط حياة البدو في الصحراء التونسية بدايات استقرار قبائل المرازيق عامي 1909 و1913 عندما عمدت سلطات الحماية الفرنسية الى حفر بئرين ارتوازيّتين بمنطقة نفزاوة، ثم كانت سنوات الجفاف العصيبة التي شهدها سكان الصحراء التونسية ما بين سنتي 1944 1948 حيث كان عام 1948 سنة "الغباري" (الرياح الزاحفة) وسنة البؤس الحقيقي المادّي والنفسي أيضا لهؤلاء البدو، فلقد "تكسّرت العصا" ولم يعد وتد الخيمة قائما، وبَليت "أفلاج الخيمة" من كثرة ما طويت وعُهدت الى الغبار والنسيان. هذا البؤس عبّرت عنه أشعار البدو وحكاياتهم وأقوالهم وهي مرويات تقطر أسفا وحنينا الى أيام البداوة التي شهدت فصلا من فصول نهايتها مع انبثاق عين الفوّار عام 1947، ووزعت الأراضي من حولها بين قبيلتي غريب وصابرية عام 1953، وبنيت مدرسة أصبح يؤمها أطفال البدو، ينهلون منها العلم، بعد أن كانت الكتاتيب المتنقلة وسيلتهم الوحيدة للمعرفة.
وهكذا لم تعد الصحراء صحراء، بعد أن شهدت مظاهر العمران الحضري، ولم يعد البدو رحّلا، في ما عدا بعض الرحلات الموسمية بَحْثًا عن الكلإ لمواشيهم، وانكسرت تلك العصبية القبلية التي كانت تشدّ اواصر القبيلة وتكيف حياتها، ولم تعد من هذه إلا بعض المظاهر التي قاومت من أجل البقاء في الآداب والفنون ومظاهر السلوك البسيطة التي يعمل اليوم الباحثون على استنطاقها لفهم بنية اجتماعية واقتصادية لت الى التفكّك بعد "تغلب النزوع الى الاستقرار والتكيف مع حياة الحضر.
مستقبل الصحراء
ولكن هل ان الصحراء والبداوة لم تعد إلا ذكرى وجملة من الأساطير الجميلة التي يمكن التقاطها وتركيبها من بقايا العيش البدوي، وفي أفضل الأحوال تاريخا يعكف عليه الباحثون من مؤرخين وعلماء آثار واتنولوجيين وانتربولوجيين؟ أم ان تاريخها الحقيقي مازال امامها يمكن أي يصنعه أهلها الذين ظلّوا يعيشون على بوّاباتها بل في رحمها في حركة دائبة بين واحاتها وفيافيها وامتداد كثبانها التي تحيلك الى المطلق واللانهائي؟
هل ان الصحراء مجرّد تاريخ أم هي مستقبل أيضا؟ مجرّد أسطورة أم واقع ؟
هذه الأسئلة العميقة التي طرحها الأستاذ احمد السماوي وزير المواصلات التونسي السابق والذي قضى أكثر من 30 عاما يعمل في قطاع السياحة باحثا وكاتب دولة للسياحة في تونس وخبيرًا دوليا في قطاع السياحة الصحراوية أخرجتنا من عباءة التاريخ تاريخ الصحراء الذي مكّننا هذا الملتقى الدولي الهام من اكتشاف أنه كان تاريخ حضارات متتالية عندما أحالنا الى المقومات الهائلة التي تتمتع بها الصحراء الافريقية وبالذات التونسية لاطلاق السياحة الصحراوية كنشاط اقتصادي يمكن ان يحقق التنمية المستديمة بهذه المناطق، ويحافظ على توازناتها البيئية والديمغرافية والاجتماعية.
ولقد ذكر الأستاذ احمد السماوي، الذي يعكف الآن مع مجموعة من الخبراء ضمن مشروع لليونسكو في نطاق سنة مقاومة الفقر التي اقرّتها الأمم المتحدة على دراسة امكانيات وآفاق السياحة الصحراوية بالدول الافريقية المتاخمة للصحراء، ان السياحة الصحراوية في بلدان مثل تونس والمغرب ومصر تعدّ قطاعا هاما ومكمّلا لأشكال السياحة الاخرى وخاصة البحرية منها. ولقد نجحت هذه الدول في ان تكون وجهات هامة للسياحة الصحراوية من مختلف بلدان العالم وخاصة الاوروبية التي دفع ارتفاع مستوى العيش بها ونسق الحياة الحديثة الذي لا يخلو من توتّر المواطنين الاوروبيين الى البحث عن فضاءات بديلة للاستجمام والرّاحة وتجديد القوى. وتأتي تونس على رأس هذه الدول التي تمثّل قبلة للسوّاح الذين لم ينخفض عددهم بالرّغم من تبعات 11 سبتمبر، عن خمسة ملايين سائح. ويعود نجاح تونس في أن تمثل قطبا سياحيا افريقيا هاما الى ارادة سياسية واضحة في الرهان على السياحة، والى الاستقرار السياسي الذي يجعل السائح يشعر بالامان وهو يجوب الصحراء التونسية بالاضافة الى توفر بنية تحتية حديثة وهامة كالمطارات والطرقات السريعة والفنادق ووكالات الأسفار ووسائل الاتصال الحديثة.
وشدّد الأستاذ السماوي على أن توظيف الصحراء مواردَ طبيعيةً وبشريةً وامكانياتٍ تقنيةً لتحقيق تنمية مستديمة وبالتالي للقضاء على الفقر في الدول الافريقية المتاخمة للصحراء يجب أن يقوم على استراتيجيات علمية مدروسة تراعي خصوصيات الصحراء وتوازناتها البيئية من حيث الحفاظ على مواردها الطبيعية مثل المياه، وتحقيق شراكة بين الدولة وأبناء الصحراء ليكونوا طرفا في تنمية أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وان تكون هذه التنمية منسجمة مع خصوصيات واقعهم وامكانياتهم لا مستقلّة عنها، مسقطة عليها، والبحث عن مسالك جديدة للصحراء تجدّد العهد مع المسالك القديمة مثل طريق الملح وطريق البخور وطريق الذهب وطريق الحجيج وغيرها، واعادة الاعتبار لمهمّة الدليل الذي يمثل وسيطا ثقافيا بامتياز، وخلق أقطاب سياحية وسط الصحراء تخرج عن الاطر التقليدية كالفنادق ذات النمط الغربي، فالسائح وان بحث عن الأمان والراحة، فإنه يبحث عن بدائل لما أدار له ظهره من أنماط العيش، وهو يستجيب لنداء الصحراء.. بالاضافة الى ايجاد ما أسماه الأستاذ السماوي بميثاق شرف للسياحة يحدّد حقوق السائح وواجباته أيضا.
كما أكد كاتب الدولة التونسي السابق للسياحة والخبير الدولي في السياحة الصحراوية أن على الدول الافريقية المتاخمة للصحراء ان ترفض الصورة المشتّتة التي ترسمها بعض وكالات الأسفار عن الصحراء، ذلك أن الصحراء الافريقية وحدة متجانسة وان اختلفت ثقافاتها وهي وحدة في الماضي، ولكنها وحدة موصولة بالنسبة لمستقبلها، مما يتطلّب التفكير في هذا المستقبل بنظرة شاملة.
هذا وقد ألقيت العديد من المداخلات العلمية الهامة في هذا الملتقى منها تلك التي قدمها الباحث الغامبي الدكتور حسن جالو حول تأثير اللغة العربية على اللغات الافريقية، من حيث البنية الصرفية والتركيبية والدلالية، وحول نباتات الصحراء وأعشابها واستعمالاتها المختلفة، كتلك التي قدّمتها الباحثة الفرنسية كلودين رابعة والباحث التونسي علي الفرشيشي وغير ذلك من المداخلات التي قادتنا الى اكتشاف المزيد من أسرار الصحراء طبيعة وحيوانات وبشرًا وحضارة وآفاقًا واعدةً.
خيرة الشيباني
بعيدًا عن الأسطورة التي طالما سكنت المخيال البشري حول الصحراء باعتبارها فضاء للترحّل الدائم ولاندثار علامات الوجود البشري ولشظف العيش وقساوته، والانقطاع عن مراكز الحضارة أعاد باحثون غربيون وأفارقة وعرب للصحراء اعتبارها وكل أبعادها الحقيقية وكشفوا من خلال العديد من المداخلات التي اسهموا في تقديمها، عن تاريخها "الحضاري" الممتد عبر الآلاف من السنين، وعن مختلف الأدوار والوظائف التي لعبتها في نشأة الحضارات والتأثير على محيطها، والتقريب بين الشعوب والثقافات، وذلك في الملتقى الدولي الذي عقده "كرسي بن علي للحوار بين الثقافات والأديان" بمدينة دوز (الجنوب التونسي) من 19 الى 22 ديسمبر 2002 حول موضوع "الصحراء : صلة بين الشعوب والثقافات".
كما كشفت تلك المداخلات عن أهمية الصحراء الاستراتيجية ماضيا في المجال العسكري والمجال الاقتصادي، وأيضا عن امكانية الرهان عليها مستقبلا في وضع الاستراتيجيات الاقتصادية لما تتوفّر عليه من موارد طبيعية وطاقات بشرية، تجعل التفكير في تطويرها مستقبلا، من أجل مقاومة الفقر وتحقيق تنمية مستديمة، مشغلا من اهمّ مشاغل البلدان الافريقية المُتاخمة للصحراء والمنظمات الدولية المهتمة بقضايا التنمية، وهو ما يفسّر قيام وزير السياحة والتجارة التونسي السيد منذر الزنايدي بافتتاح هذا الملتقى وتركيزه في الكلمة التي ألقاها بهذه المناسبة على أهمية قطاع السياحة الصحراوية.
اعادة كتابة تاريخ الصحراء
الورقة العلمية الثرية التي أعدّها الدكتور محمد حسين فنطر الذي يرأس "كرسي بن علي لحوار الحضارات والأديان" للملتقى، والتي طرح من خلالها العديد من الأسئلة التي تخصّ تاريخ الصحراء وخصائصها وثقافاتها، ومكانتها في الجيوستراتيجيا كما في مخيال الشعوب المتاخمة لها، أثارت شهية الباحثين من مؤرّخين وعلماء آثار واتنولوجيين وعلماء نباتات ومهتمين بالاقتصاد والسياحة. ولعلّ من أبرز المداخلات التي تفاعل معها الحضور العلمي، تلك التي قدّمتها الباحثة الجزائرية مليكة حشيد التي ما فتئت منذ عشرين سنة تجول في أرجاء الصحراء الافريقية من منطقة التاسيلي الجزائرية الى صحراء مصر تستنطق حجارتها والشواهد القائمة بها لتفنّد كما تقول بالحجة المادية المكتوبة أي النقوش الحجرية الباقية ما دأب الباحثون الغربيون على اقراره في قراءة تاريخ الصحراء والتدوين لخصائصها، من أنها كانت تمثل حاجزًا بين المراكز الحضارية معتمدين في ذلك خاصة على كتب الرحالة والمؤرخين الاغريق واللاتين مثل هيرودوتس وغيره.. وتقول الباحثة الجزائرية ان أولى الشواهد على تاريخ الصحراء تعود الى حوالي 30 ألف سنة قبل الميلاد ولكن أكثرها بلاغة على وجود مراكز حضارية بالصحراء الافريقية تعود الى 11 أو 12 ألف سنة قبل الميلاد، ثم الى حوالي 4 لاف سنة قبل الميلاد، حيث تؤكد النقوش الحجرية وجودَ مركز حضاري كان يشعّ على شمال افريقيا والمتوسّط وعلى منطقة الهلال الخصيب، وذلك قبل عدة قرون من انبعاث الحضارة الفرعونية.
وتوضّح الباحثة ان الكشوفات الحجرية في مناطق التاسيلي والهقار الجزائرية وفي شمال النيجر وبالصحراء الليبية وغيرها تُثبتُ تعاقب حضارات كانت تعيش على تربية الحيوانات، ثم على الزراعة وتتمتع بحس ديني عميق تكشف عنه الرمزية المكثفة التي صُورت بها الآلهة في النقوش الحجرية. وتثبت كذلك الأقنعة المرسومة وجود حضارة زنوجة الى جانب حضارة ذوي البشرة البيضاء. وقد عاشت هذه الحضارات على اختلاف الفروق العرقية لشعوبها في وئام، اذ لا وجود في تلك النقوش لما يشير الى صراع بين الافراد أو الى نزاعات حربية بين المراكز الحضارية المختلفة، وهو الدرس الكبير الذي يمكن ان نتلقاه من تلك الحضارات. وخلصت الباحثة الى ضرورة التخلص من القراءات الغربية لتاريخ الصحراء الافريقية والعربية على حدّ السواء، اذ لا يمكن لهذا التاريخ الا ان يكتبه ابناء الصحراء انفسهم، بالموضوعية المطلوبة التي تمكّنهم منها الآثار المتبقية في مختلف ارجاء الصحراء، ومقارنتها بامتداداتها الحضارية والرمزية على مستوى المعتقدات والطقوس والنقوش على الملابس والحليّ والبيوت وغيرها.
وفي الواقع أتت مداخلة الباحثة مليكة حشيد ردّا غير مباشر على بعض المداخلات التي قدمها باحثون فرنسيون في هذا الملتقى منهم اندريه لاروند الذي اعتمد على هيرودوتس لدراسة العلاقة بين مدينة قورنية (شحات حاليا) الليبية والتي كانت مركزا حضاريا اغريقيا هاما على شاطئ المتوسط، وبين الصحراء، وأيضا على الباحث الفرنسي جهان ديسانج الذي ذكر في مداخلته ان الصحراء كفّت عن أن تكون، منذ القرن الثالث قبل الميلاد، رابطة بين المراكز الحضارية لتمثّل عائقا للتواصل بينها، وذلك اعتمادًا على بعض الدراسات القديمة، التي أشارت بعضها، ومنها دراسة بريطانية، الى ان الصحراء كانت مجرّد معبر أو وسيط بين بعض الحضارات المتاخمة لأطرافها.
مراكز حضارية صحراوية
وفي نفس السياق كشفت الباحثة السورية عفراء علي الخطيب التي تعمل بمعهد الدراسات الافريقية بجامعة محمد الخامس بالرباط عن بعض مظاهر التواصل الثقافي عبر الصحراء الكبرى بين أبناء الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين وشرق افريقيا متجسّدا في عقائد مشتركة، أبرزها عبادة الثالوث الكوكبي المقدس، وإنْ في اتجاه معاكس لذلك الذي اختارته الباحثة الجزائرية. ففيما اعتبرت الدكتورة مليكة حشيد ان الصحراء الافريقية أشعّت على منطقة المتوسط وعلى منطقة الهلال الخصيب، وشبه الجزيرة العربية، خلصت الباحثة السورية الى انه لا يمكن فهم الرسوم والاشارات الصامتة والمنقوشة على الحجر الا بمقارنتها بمثيلاتها من الحضارات المجاورة اي حضارة بلاد الرافدين وجنوب جزيرة العرب التي تركت لنا ثارًا مدوّنة والتي تعتبر الباحثة أن تأثيرها امتد الى منطقة شرق افريقيا والمغرب القديم عبر القوافل التجارية والهجرات القديمة الى شرق افريقيا والمغرب القديم وهي مناطق كانت تعرف دورات مطيرة جعلت منها منطقة خصبة تستقطب الباحثين عن وسائل العيش المتاح والذين حملوا الى الصحراء المغاربية أنماط تفكيرهم ومعتقداتهم ومن ضمنها الاعتقاد في الثالوث المقدّس، أي الشمس والقمر والهلال، وهو ثالوث كان يُرْسَمُ على رؤوس الثيران والاكباش في كل من تلك الحضارات القديمة، مما جعل الباحثة تصل بالاستقراء الى ان وجود تلك الرسوم في الصحراء المغاربية حصل نتيجة تلك الهجرات الجماعية والتواصل الثقافي الذي يتمّ عبرها.
وسواء أتت الحضارة من المغرب القديم، اي من الصحراء الافريقية أو من صحراء شبه الجزيرة العربية، فإن الباحثتين توصلتا، عبر قراءة لنشأة تلك الحضارة وديناميكيتها التاريخية، الى ان الصحراء كانت منذ اقدم عصور ما قبل التاريخ مهدًا لحضارات متنوّعة وثرية ومنفتحة بعضها على بعض، حتى ان عفراء علي الخطيب تحدثت عن عولمة عصور ما قبل التاريخ التي كان فيها اللقاء الثقافي والحضاري أيسر وأكثر تلقائية وأشدّ تأثيرًا مما هو عليه اليوم!..
قراءة خلدونية لبداوة مندثرة...
الباحثان التونسيان د. عبد الرحمان أيوب، من المعهد الوطني للترات والمختص في مرويات الأدب الشعبي ود. منصف محلّة، من نفس المعهد والمختص في التاريخ المعاصر اختارَا الوقوف عند بعض مظاهر تاريخ الصحراء التونسية وقبائلها وقد توقف الباحث عبد الرحمان أيّوب عند "قصور الجنوب الشرقي التونسي متحدّثا عن هندستها المعمارية، حاجيات واستراتيجيات بُناتها وهي استراتيجيات دفاعية واقتصادية اقتضتها ضرورة الدّفاع عن النفس وضرورة ضمان العيش لأولئك البدو الذين كانوا يضربون في الفيافي رحّلا لتعقب مناطق الخصب والنماء ونقاط المياه حيثما توفّرت ووقتما توفّرت ثمّ العودة الى "قصورهم او قلاعهم الآمنة ليستهلكوا في أيام الشحّ ما ادّخروه من مؤونة ولتوقي اخطار الهجمات الخارجية عندما يستشعرون أخطارها..
الا ان أطرف ما جاء في مداخلة الأستاذ أيوب تأكيده ان تلك "القصور" التي توقف طويلا عند هندستها المعمارية، تمثّل تواصلا لأنماط معمارية مشابهة كان الرومان قد بنوها على شكل سلسلة من القلاع والحصون الحدودية لدرء أخطار العدوّ.. وهو ما يوصلنا ربمّا الى الاقرار لا فقط بوجود شواهد على التواصل بين مختلف محطات تلك المنطقة التاريخية بل الى الاقرار أيضا بعبقرية سكّان المناطق الصحراوية الذين قاوموا تحدّي الصحراء بعبقرية الابداع للتكيف مع تحدّي المكان.
وعبر شبكة مفهومية خلدونية في نظرية العمران البشري وبناء نظري فِيبري (نسبة الى ماكس فيبر) يعمد الباحث منصف محلّة الى تتبّع أثر خمس قبائل من الجنوب الغربي التونسي (المرازيق، أولاد يعقوب، غريب، صابرية والعذارى) من القرن التاسع عشر الى بدايات القرن العشرين ليدرس بنيتها الاجتماعية والاقتصادية ومختلف أنشطتها ووظائفها ومن ضمنها الوظيفة الحربية، علاقاتها بالقبائل الأخرى والتحولات الكبرى التي طرأت على أنماط عيشها في نهايات القرن التاسع عشر وميلها الى الاستقرار في الواحات والقرى التي تنطلق منها في مواسم معينة نحو تجديد الرحلة، رحلة البداوة بحثا عن أسباب العيش، ليتساءل في النهاية ان كان بإمكاننا اليوم أن نتحدث عن نمط عيش بدوي قائم في الجنوب التونسي في ما نراه من بعض أنماط الحياة البدوية، ومتى يمكن القول ان هذا المظهر من مظاهر العمران البشري قد اندثر مثلما اندثرت آثار "أهل الرمال" على الرمال ؟
ودون الغوص في المداخلة العلمية الثرية التي قدمها الأستاذ محلّة والتي اعتمد فيها الرواية الشفوية ومن ضمنها أشعار البدو كما الوثيقة المكتوبة ومن ضمنها سجلات الأداءات التي كانت تؤديها القبائل الى الحكومة المركزية للبايات، أو القبائل لبعضها البعض طلبا للحماية، نشير الى ما ذكره من أن التحول الهام في حياة قبائل الجنوب الغربي التونسي كان متزامنا مع وصول قوّات الجيش الفرنسي الى الجنوب، وبسط نفوذها على هذه المناطق مما عطّل ان لم نقل أنهى نهائيا الوظيفة الحربية لتلك القبائل ان كان دفاعا أو استيلاءً على مغانم من غير القبائل المتحالفة.
بل ان هذا التوازن العسكري او الحربي المفقود بين قوّات الاحتلال الفرنسي وبين القبائل التي كانت تقوم بهذه المهام الدفاعية قد أفقد هذه الاخيرة موردًا ماديا هامّا، ومصدرا من مصادر عيشها اذ لم تعد تفرض على القبائل التي كانت تقوم بحمايتها أداءات مالية، وهو ما دفعها الى البحث عن مقومات عيش أخرى.
صحيح ان بعض البدو ظلّوا يردّدون حتى السبعينات من القرن العشرين، وربما الى اليوم مقولتهم "مازلنا نرحلو" إلا ان بوادر الاستقرار حول نقاط المياه وبالواحات سُجّلت منذ بدايات القرن العشرين. ومن الاشارات التي يذكرها الباحث حول تبدّل نمط حياة البدو في الصحراء التونسية بدايات استقرار قبائل المرازيق عامي 1909 و1913 عندما عمدت سلطات الحماية الفرنسية الى حفر بئرين ارتوازيّتين بمنطقة نفزاوة، ثم كانت سنوات الجفاف العصيبة التي شهدها سكان الصحراء التونسية ما بين سنتي 1944 1948 حيث كان عام 1948 سنة "الغباري" (الرياح الزاحفة) وسنة البؤس الحقيقي المادّي والنفسي أيضا لهؤلاء البدو، فلقد "تكسّرت العصا" ولم يعد وتد الخيمة قائما، وبَليت "أفلاج الخيمة" من كثرة ما طويت وعُهدت الى الغبار والنسيان. هذا البؤس عبّرت عنه أشعار البدو وحكاياتهم وأقوالهم وهي مرويات تقطر أسفا وحنينا الى أيام البداوة التي شهدت فصلا من فصول نهايتها مع انبثاق عين الفوّار عام 1947، ووزعت الأراضي من حولها بين قبيلتي غريب وصابرية عام 1953، وبنيت مدرسة أصبح يؤمها أطفال البدو، ينهلون منها العلم، بعد أن كانت الكتاتيب المتنقلة وسيلتهم الوحيدة للمعرفة.
وهكذا لم تعد الصحراء صحراء، بعد أن شهدت مظاهر العمران الحضري، ولم يعد البدو رحّلا، في ما عدا بعض الرحلات الموسمية بَحْثًا عن الكلإ لمواشيهم، وانكسرت تلك العصبية القبلية التي كانت تشدّ اواصر القبيلة وتكيف حياتها، ولم تعد من هذه إلا بعض المظاهر التي قاومت من أجل البقاء في الآداب والفنون ومظاهر السلوك البسيطة التي يعمل اليوم الباحثون على استنطاقها لفهم بنية اجتماعية واقتصادية لت الى التفكّك بعد "تغلب النزوع الى الاستقرار والتكيف مع حياة الحضر.
مستقبل الصحراء
ولكن هل ان الصحراء والبداوة لم تعد إلا ذكرى وجملة من الأساطير الجميلة التي يمكن التقاطها وتركيبها من بقايا العيش البدوي، وفي أفضل الأحوال تاريخا يعكف عليه الباحثون من مؤرخين وعلماء آثار واتنولوجيين وانتربولوجيين؟ أم ان تاريخها الحقيقي مازال امامها يمكن أي يصنعه أهلها الذين ظلّوا يعيشون على بوّاباتها بل في رحمها في حركة دائبة بين واحاتها وفيافيها وامتداد كثبانها التي تحيلك الى المطلق واللانهائي؟
هل ان الصحراء مجرّد تاريخ أم هي مستقبل أيضا؟ مجرّد أسطورة أم واقع ؟
هذه الأسئلة العميقة التي طرحها الأستاذ احمد السماوي وزير المواصلات التونسي السابق والذي قضى أكثر من 30 عاما يعمل في قطاع السياحة باحثا وكاتب دولة للسياحة في تونس وخبيرًا دوليا في قطاع السياحة الصحراوية أخرجتنا من عباءة التاريخ تاريخ الصحراء الذي مكّننا هذا الملتقى الدولي الهام من اكتشاف أنه كان تاريخ حضارات متتالية عندما أحالنا الى المقومات الهائلة التي تتمتع بها الصحراء الافريقية وبالذات التونسية لاطلاق السياحة الصحراوية كنشاط اقتصادي يمكن ان يحقق التنمية المستديمة بهذه المناطق، ويحافظ على توازناتها البيئية والديمغرافية والاجتماعية.
ولقد ذكر الأستاذ احمد السماوي، الذي يعكف الآن مع مجموعة من الخبراء ضمن مشروع لليونسكو في نطاق سنة مقاومة الفقر التي اقرّتها الأمم المتحدة على دراسة امكانيات وآفاق السياحة الصحراوية بالدول الافريقية المتاخمة للصحراء، ان السياحة الصحراوية في بلدان مثل تونس والمغرب ومصر تعدّ قطاعا هاما ومكمّلا لأشكال السياحة الاخرى وخاصة البحرية منها. ولقد نجحت هذه الدول في ان تكون وجهات هامة للسياحة الصحراوية من مختلف بلدان العالم وخاصة الاوروبية التي دفع ارتفاع مستوى العيش بها ونسق الحياة الحديثة الذي لا يخلو من توتّر المواطنين الاوروبيين الى البحث عن فضاءات بديلة للاستجمام والرّاحة وتجديد القوى. وتأتي تونس على رأس هذه الدول التي تمثّل قبلة للسوّاح الذين لم ينخفض عددهم بالرّغم من تبعات 11 سبتمبر، عن خمسة ملايين سائح. ويعود نجاح تونس في أن تمثل قطبا سياحيا افريقيا هاما الى ارادة سياسية واضحة في الرهان على السياحة، والى الاستقرار السياسي الذي يجعل السائح يشعر بالامان وهو يجوب الصحراء التونسية بالاضافة الى توفر بنية تحتية حديثة وهامة كالمطارات والطرقات السريعة والفنادق ووكالات الأسفار ووسائل الاتصال الحديثة.
وشدّد الأستاذ السماوي على أن توظيف الصحراء مواردَ طبيعيةً وبشريةً وامكانياتٍ تقنيةً لتحقيق تنمية مستديمة وبالتالي للقضاء على الفقر في الدول الافريقية المتاخمة للصحراء يجب أن يقوم على استراتيجيات علمية مدروسة تراعي خصوصيات الصحراء وتوازناتها البيئية من حيث الحفاظ على مواردها الطبيعية مثل المياه، وتحقيق شراكة بين الدولة وأبناء الصحراء ليكونوا طرفا في تنمية أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وان تكون هذه التنمية منسجمة مع خصوصيات واقعهم وامكانياتهم لا مستقلّة عنها، مسقطة عليها، والبحث عن مسالك جديدة للصحراء تجدّد العهد مع المسالك القديمة مثل طريق الملح وطريق البخور وطريق الذهب وطريق الحجيج وغيرها، واعادة الاعتبار لمهمّة الدليل الذي يمثل وسيطا ثقافيا بامتياز، وخلق أقطاب سياحية وسط الصحراء تخرج عن الاطر التقليدية كالفنادق ذات النمط الغربي، فالسائح وان بحث عن الأمان والراحة، فإنه يبحث عن بدائل لما أدار له ظهره من أنماط العيش، وهو يستجيب لنداء الصحراء.. بالاضافة الى ايجاد ما أسماه الأستاذ السماوي بميثاق شرف للسياحة يحدّد حقوق السائح وواجباته أيضا.
كما أكد كاتب الدولة التونسي السابق للسياحة والخبير الدولي في السياحة الصحراوية أن على الدول الافريقية المتاخمة للصحراء ان ترفض الصورة المشتّتة التي ترسمها بعض وكالات الأسفار عن الصحراء، ذلك أن الصحراء الافريقية وحدة متجانسة وان اختلفت ثقافاتها وهي وحدة في الماضي، ولكنها وحدة موصولة بالنسبة لمستقبلها، مما يتطلّب التفكير في هذا المستقبل بنظرة شاملة.
هذا وقد ألقيت العديد من المداخلات العلمية الهامة في هذا الملتقى منها تلك التي قدمها الباحث الغامبي الدكتور حسن جالو حول تأثير اللغة العربية على اللغات الافريقية، من حيث البنية الصرفية والتركيبية والدلالية، وحول نباتات الصحراء وأعشابها واستعمالاتها المختلفة، كتلك التي قدّمتها الباحثة الفرنسية كلودين رابعة والباحث التونسي علي الفرشيشي وغير ذلك من المداخلات التي قادتنا الى اكتشاف المزيد من أسرار الصحراء طبيعة وحيوانات وبشرًا وحضارة وآفاقًا واعدةً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق