الأحد، 22 مايو 2016

بداية التاريخ البشري

بداية التاريخ البشري





هذا التاريخ يبدأ بميلاد يسوع وينتهي بتحرير الخليقة من عبودية الفساد عبر عمل الربّ وأقواله. ويتوزّع هذا القسم الأول الفصول التالية:
1- أبشركم بفرح عظيم
2- السنة السابعة
3- ما أجمل أقدام المبشّرين
4- جميعهم سيوفونني
5- لنا وعد الدخول في راحة الله
6- مدّ يسوع يده ولمسه
7- قريب الجريح هو الذي عامله بالرحمة
8- أعطنا كل حين من هذا الخبز
9- إسهروا لأنكم لا تعرفون
10- اخبرهم بما عمل الربّ لك
11- غفرت لها خطاياها فأحبّت
12- أخست أيها الخادم
13- تتحرّر الخليقة من عبودية الفساد.
أبشركم بفرح عظيم
صلاة البدء
جاء الملائكة يا رب يحملون إلينا البشارة، الخير الطيّب. جاؤوا يبشرون بميلادك أيها المخلّص. جاؤوا يقولون لليهود: لقد جاء المسيح. فلا تنتظروا بعد أحدًا غيره وجاؤوا يقولون للوثنيين: لقد جاء الرب. فلا ربّ سواه. أنت يا يسوع مسيحنا، أنت يا يسوع ربنا. ونحن ننتظر خلاصًا تحمله إلينا الآن كما في يوم ميلادك.
قراءة النصّ
نقرأ يو 2: 1- 20.
نتوقّف بعد القراءة ثلاث دقائق ونطرح على نفوسنا الأسئلة التالية:
- تجاه ملك الكون، إمبراطور رومة، هناك الملك الحقيقي، هذا الطفل الملفوف بالأقحطة. فمن هو ملكنا؟ أنقول مثل اليهود: لا ملك لنا سوى قيصر؟
- تجاه ظروف الحياة التي اقتلعت مريم ويوسف من الناصرة إلى بيت لحم، كانت دوّة فعلهى طاعة لأمر قيصر وبالتالي لأمر الربّ، فكيف ننظر نحن إلى ظروف الحياة؟
- كان لرعاة منبوذين في المجمع، فصاروا أول المبشرين. ما هي البشارة التي نحملها إلى عالمنا المنتظر خلاصًا من الحزن والحرب والضيق؟
دراسة النصّ
إن خبر مولد يسوع ينقسم قسمين. في القسم الأول (آ1- 7) نقرأ خبرًا نبويًا. فهذا الميلاد هو علامة يجب أن نكتشف مضمونها على ضوء في 5: 1: وأنت يا بيت لحم، لست الصغيرة في مدن يهوذا. فمنك يخرج راعٍ يرى شعبي. وفي القسم الثاني (آ 8- 20) ندخل في إطار جلياني، في إطار رؤية سماويّة: جاء الرسول من عند الله فكشف السرّ وأفهمنا العلامة. فحمل الرعاة التعليم الذي سمعوه أعادوا وهم يمجّدون الله. أما مريم فحفظت كل هذا في قلبها.
وزّع الانجلي هذا الخبر في ثلاث محطات: وجعل أنه في أيام أوغسطس قيصر (آ1) وجعل أنه حين كان في بيت لحم (آ6). وجعل أنه حين انصرف الملائكة (آ15). في المحطة الأولى نجد التحديدات الجغرافيّة والتاريخيّة. فحدث مولد يسوع يرتبط بحكم أوغسطس قيصر.
وموقعه بيت لحم في اليهوديّة، مدينة داود. من جهة أوغسطس وحكمه في المسكونية. ومن جهة ثانية، مخلّص العام الذي يُولد في مزود صغير في منطقة نائية داخل هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف.
في المحطة الثانية (آ6- 14)، يُروى الحدث بإيجاز مدهش. ولكن الليتورجيا السماويّة الأدبيّة أبرزت الوجهة النهائية والتامة للسرّ الذي يقدّم نفسه للبشريّة. على المستوى البشري، لا نجد التفاصيل عن هذه الولادة. فالوعد الذي أعطي في البشارة قي تحقّق الآن. ولدت مريم ابنها البكر، ولفّته بالقمط كما تفعل كل أمّ مع طفلها. وفي آ 8، الطفل رسول من السماء وحمل إلى الرعاة الخير الطيّب، وأعطاهم العلامة التي بها يعرفون الطفل هو فرح عظيم يحرّك المديح في السماء وعلى الأرض. وأول من وجّهت إليه هذه البشارة هو الشعب. الشعب اليهوديّ في الدرجة الأولى، وهذه الولادة حصلت في أرضه. ثم البشريّة كلها. الأرض كلها التي رضي الله عنها فأعطاها المخلّص الذي وُعدت به منذ خطيئة آدم.
أما المحطّة الثالثة (آ15- 20) فتصوّر تأثير الحدث على الجماعة التي تتقبّله. على الرعاة، هؤلاء المحتقرين في المجتمع. على جميع البشر الذين انفتحوا عليه. وبالتالي علينا نحن اليوم. أجل، في هذا الطفل الملفوف بالقمط - نكتشف المخلّص الذي هو المسيح والربّ.
التأمل
بعد صمت يمتدّ عشر دقائق ندخل مع الرعاة إلى حيث وُلد يسوع. موضع فقير، فيسوع وُلد كما يُولد جميع الأطفال الفقراء. ولكن من هذا الفقر برز غنى عظيم. هذا الذي هو الغني قد صار فقيرًا كي نغتني بفقره. هذا الإنسان الذي هو إله أيضًا، وهذا ما يدلّ عليه حضور الملائكة، ما زال حاضرًا في عالمنا. هو الاله الحاضر في كل إنسان. رأى الرعاة القمط، وكل طفل يوضع في القمط. ولكن من خلال القمط، نرى المسيح الربّ. ونحن نستطيع أن تكتشف وجه الله في كل وجه نلتقي به.
المناجاة
نعيد قراءة النصّ، ونجعل هذا الخبر في قلوبنا. نرافقه مع مريم. ونسأل نفوسنا: ما تأثير ولادة يسوع في حياتنا وفي جماعاتنا. ما الذي تبدّل فينا وفي البشرية بعد مولود يسوع؟
تأوين النصّ
ولادة مثل جميع الولادات. لا شيء يميزها. ومع ذلك، فهذه الولادة كانت محطّة في تاريخ البشرية. قبل المسيح وبعد المسيح. كان خطأ في حسابات يونيسيوس الصغير فما همّ؟ فالتاريخ كله يتحدّد موقعه بالنسبة إلى هذا الفضل الذي وُلد في مذود، لا في قصر على مثال أبناء الملوك.
نهاية مسيرة يوسف ومريم هي بيت لحم، بل موضع صغير في بيت مغمور. وسيتحدث الآباء منذ يوستينوس النابلسي عن مغارة. هناك اعتاد الرعاة أن يجمعوا قطيعهم وهؤلاء المنبوذون تسلّموا وحيًا حول هذا الطفل العجيب واليوم المساكين هم الذين ينتظرون أن يحمل ليهم الميلاد خلاصًا طالما انتظروه وسيظلّون ينتظرونه.
صلاة الختام
من عمق أعماق الضلال ندعوك يا رب الجلال، تعال وارحمنا تعال.
السنة السابعة
صلاة البدء
نودّ بارب أن نسلّم إليك أمورنا، حتّى على مستوى الزراعة والفلاحة، على مستوى الغلال والطعام فأنت تعطي البركة وتُفهمنا أنك تمسك بيدنا حتى في أمور الأرض. ساعدنا لكي نكتـشف حضوره رغم كثافة المجهود البشري الذي قد يخفيك عن عيوننا.
قراءة النص
وكلّم الربّ موسى في جبل سيناء فقال: "قل لبني اسرائيل: إذا دخلتم الأرض التي أعطيها لكم، فليكن لها سبت عطلة (أي ترتاح خلال عطلة). ستّ سنين تزرعون حقولكم، ستّ سنين تقضبون كرومكم وتجمعون غلالها. وفي السنة السابعة يكون للأرض سبت عطلة مكرّس للرب، فلا تزرعوا حقولكم ولا تغضبوا كرومكم. والحصيد النابت من تلقاء ذاته لا تحصدوه، ولا تقطفوا عنب كرومكم غير المقضوبة، لأنها سنة عطلة للأرض. ولكنها مع ذلك تطعمكم أنتم وعبيدكم وجواريكم وأجراءكم وضيوفكم النازلين فيما بينكم. وبهائمكم والوحوش التي في أرضكم تأكل من كل ما تعطيه الأرض".
نصمت بعد القراءة ثلاث دقائق وتطرح على نفوسنا الأسئلة التالية:
- الأرض ترتاح، والرب نفسه يرتاح. هل نعرف ان نرتاح يومًا في الأسبوع؟
- ما مدى مراعاة المجتمع يوم الأحد، يوم الراحة؟
- أما نهتم قبل كل شيء بالغلة والإنتاج حتى على حساب الإنسان؟
دراسة النصّ
يبدو التشريع الكهنوتي سلسلة من الخطب يلقيها الله على موسى. فينقل موسى إلى الشعب وصايا الله. أما موضع هذا الكلام فجبل سيناء. هنا يتوقف سفر اللاويين عند السنة السابعة، السنة التي فيها تسبت الأرض فلا تُفلح ولا تُزرع.
نحن هنا أمام راحة تعني الأرض كلها، منذ الدخول إلى الأرض وفيما بعد، في كل سنة سابعة. وكرّر النص العبري اللفظة: تسبت الأرض سبتًا للرب (آ1) أي تحافظ على راحة السبت. فالأرض مدعوّة لكي تحافظ على السنة السبتية، لقد صارت الأرض شخصًا حيًا يستطيع أن يعيش في الطاعة لوصايا الله.
أن نترك الأرض ترتاح بشكل دوريّ، أن نعطّل الأرض خلال سنة، هي ممارسة تعرضها المجتمعات الزراعيّة التي لم تعرف استعمال الأسمدة كما هو الأمر اليوم. وكان هذا يتمّ مرّة كل ثلاث سنوات على جزء من الأرض التي تُزرع. أما هنا، في لا 25، فيجب أن ترتاح الأرض كلها خلال السنة الواحدة. هذا النظام يخلق عددًا من المشاكل: ففي زمن الكتابيين (164- 163) أحسّ المحاصرون أنه لم يعد لهم طعام لأن تلك السنة كانت السنة السابعة. "نفد الطعام من عندهم... بخاصة أن تلك السنة كانت سبتًا للأرض لا تزرع فيها الحقول" (1مك 6: 49). ويتابع النص في آ 53: "وما كان في مخازنهم طعام لأن السنة كانت السابعة التي ترتاح فيها الأرض".
فجاء الجواب اللاهوتي في لا 25: 10: 22:
"فإن قلتم: ماذا نأكل في السنة السابعة إذا كنا لا نزرع ولا نجمع غلالنا؟ أجبتكم: إني أبارك لكم الأرض في السنة السادسة. فتُغلّ ثلاث سنين فتزرعون في السنة الثامنة وتأكلون من الغلّة القديمة إلى مجيء غلّتها في السنة التاسعة".
فبركة الرب تتيح للسنة السادسة أن تنتج من الطعام ما يكفي الشعب حتى غلّة السنة الثامنة التي تؤكل في السنة التاسعة. هنا نتذكّر سفر الخروج الذي يروي العبور في الصحراء والمن الذي يتساقط مضاعفًا في اليوم السادس وهكذا يمرّ اليوم السابع دون أن يجوع الشعب.
"ولما كان اليوم السادس التقطوا طعامًا مضاعفًا، غمرين لكل واحد، فجاء جميع رؤساء الشعب وأخبروا موسى. فقال لهم: هذا ما يقول الرب: غدًا سبت، يوم راحة مكرّس للرب" (حز 16: 22- 23). ولما جاء السبت، قال موسى: "كلوه اليوم. فاليوم سبت للرب. واليوم لا تجدونه (=المن) في البرية. ستة أيام تلتقطونه، وفي اليوم السابع سبت، لا تجدونه فيه" (آ 25- 26). وتابع: "لا يخرج أحد من بيته في اليوم السابع". فاستراح الشعب في اليوم السابع (آ 29- 30). وهكذا امتنع الشعب عن العمل.
نحن هنا أمام نموذج لاهوتيّ يدلّ على دورة من سبعة أيام، نقلها الكاتب الكهنوتي إلى دورة من سبع سنين. ولكن ما يسري بالنسبة إلى يوم، هل يسري بالنسبة إلى سنة؟ فإذا أردنا أن لا نصل إلى وضع من المجاعة، يجب أن يكون هناك في السنة السادسة، غلّة عجيبة، كما نحتاج إلى تضامن بين جميع أفراد الشعب، وإلى كفاءة لدى المسؤولين لترتيب الموارد، على مثال ما فعل يوسف في مصر.
ويدعونا لا 25: 11- 23 إلى بركة اليوم السادس في خبر الخلق، وهي بركة تلي خلق الرجل والمرأة، فتتضمّن عطيّة الطعام للخلائق الحيّة (تك 1: 26- 31). ففي منظور الكاتب الكهنوتيّ، لانهتمّ لموارد الأرض. فهي ستفيض طعامًا بل نهتمّ لممارسة وصايا الله.
حين نقرأ هذه النصوص نكتشف أن الأرض التي نسكن فيها وتُتيح لنا أن نشبع من غلّتها، ليست شيئًا نمتلكه ونتصرّف به على هوانا. هناك ارتباط بين علاقتنا بالأرض وعلاقتنا بالله. ولكن يبدو أن النص الكهنوتي (=دوّنه الكهنة) نسي أمرًا هامًا: هو لا يتحدّث عن تحرير العبيد كما قالت شرعة العهد (في سفر الخروج) والشرعة الاشتراعية (سفر التثنية). ولكن في التشريع الكهنوتي، بجب أن ننتظر ترتيبات سنة اليوبيل أي السنة التاسعة والأربعين أو السنة الخمسين، كي يتطرّق النصّ إلى هذه المسألة. إن تحرير العبيد بعد 49 أو 50 سنة، بدلاً من 7 سنوات، هو تطوّر في حقبة كان الأمل بالحياة لا يصل إلى 50 سنة.
التأمل
نعيد قراءة النصّ وننظر إلى مجتمعنا المتكالب على المادة، الذي يركض ويركض و ينسى حضور الله: إن لم يبني الرب البيت فعبثًا يتعب البناؤون وإن لم يحرس الرب المدينة، فعبثًا يتعب الحارس، باطل لكم أن تفيقوا مبكرين، وتناموا متأخرين، وتأكلوا خبز الجوع. فالرب بزوّد أحّباءه وهم نائمون (مز 127).
المناجاة
ننطلق ممّا قرأنا وممّا شاركنا فيه، ونتطلّع إلى العبرانيين الذين طلب منهم موسى أن لا يذهبوا في اليوم السابع ويلتقطوا المن. ومع ذلك، ذهب بعضهم. فغضب موسى فدلّ على غضب الله، فقال الرب لموسى: "إلى متى ترفضون أن تعملوا بواصاياي وشرائعي؟ أما ترون أني أنا الرب وضعت لكم السبت فأعطيكم في اليوم السادس طعام يومين" (حز 16: 18- 19)؟
تأوين النصّ
تحدّث الله القديم عن راحة السبت. ونحن نتحدّث عن راحة الأحد. هل نتوقّف عن العمل يوم الأحد؟ كيف نرتاح؟ يوم الأحد يبارك الأيام الستة الباقية، أيام العمل. فإن ضاع يوم الأحد ضاعت الأيام الأخرى كيف يتعامل مجتمعنا مع هذا اليوم المبارك.
صلاة الختام
أنا هو الرب إلهك، لا يكن لك إله غيري... في ستة أيام خلق الرب السماوات والأرض والبحر وجميع ما فيها، وفي اليوم السابع استراح. لذلك بارك الربّ يوم السبت وقدّسه (كرسه له).
ما أجمل أقدام المبشرّين
صلاة البدء
أنت يا رب تدعو أورشليم، تدعو مدينتك المقدسّة لتستفيق، لتلبس العزّة، تدعوها لكي تتحرّر فتحمل بشرى السلام إلى العام لتعلن الخير الخلاص للمسكونة تدعوها إلى الثقة بك، أنت يا ملكها وتدعونا نحن أيضًا لنسير في الطواف وراءك.
قراءة النص
استفيقي، استفيقي يا صهيون والبسي عزّتك. إلبسي ثياب بهائك، يا أورشليم، أيتها المدينة المقدّسة. انتفضي من الغبار. قومي أجلسي يا أورشليم. حلّي قيود عنقك. يا مسبيّة يا ابنة صهيون، لأن الرب قال: "مجانا بيع شعبك، وبغير فضّة يفدون"... شعبي أخذ بغير ثمن، وحكامه يهلّلون واسمي يُهان كل يوم بلا انقطاع. على أن شعبي يعرف اسمي ويعرفني يوم أكلّمهم وأقول لهم: "ها أنا". ما أجمل على الجبال أقدام المبشِّرين، المنادين على مسامعنا بالسلام، الحاملين بشارة الخير والخلاص، القائلين لصهيون: قد ملك إلهك. إسمعي حرّاسك يرفعون أصواتهم وينشدون جميعًا لأنهم ينظرون بأمّ العين رجوع الربّ إلى صهيون. اهتفي ورنّمي، يا جميع خرائب أورشليم، لأن الربّ عزّى شعبه وافتدى أورشليم. كشف عن ذراعه المقدّسة على عيون الأمم جميعًا قرأت جميع أطراف الأرض خلاص الهنا (أش 52: 1- 10).
نتوقّف بعد القراءة ثلاث دقائق، ونطرح على نفوسنا الأسئلة التالية:
- ما هو مضمون هذه البشارة، وكيف يلامس الشعب العائد من المنفى؟
- ما هي العلامات الملموسة التي تدلّ على أن الله خلّص شعبه؟
- ما هي قيود الشعب، ما هي قيودنا؟
دراسة النصّ
نحن هنا أمام نداءات متكررّة، توجّه قارة إلى الربّ، وطورًا إلي صهيون في 51: 9 نقرأ: استفيقي يا ذراع الرب وفي 51: 17 افيقي يا أورشليم. وفي 52: 1، استفيقي يا صهيون.
توجّه نداء إلى الرب فرجّع صلاة نداء يوجهه الله إلى أورشليم (آ1). فالشقاء الذي سبّبته خيانات الشعب قد انتهى وصار الخلاص قريبًا. عندئذ ينطلق نشيد كله حماس حول هذا الخلاص الذي بدا كطواف الظفر يسير فيه الشعب على خطى الله مليكه.
كانت أورشليم منحنية والشعب ذليلاً. ولكنها تستطيع الآن أن تقف، أن تخرج من التراب، من الغبار فالرب يناديها بصوت نبيّه، ويدعوها لأن تلبس قوته، وتمسك بذراعه. عليها أن تتزيّن بالجمال والبهاء الذي يمنحه الله لها. فهي في عيد.
بيع الشعب كالعبيد بدون ثمن. ،ها هو الربّ يفتديهم مجّانًا يفتديهم من الأسر والسبي. ويفتديهم من خطيئتهم. عبر أن الخلاص ما زال بعيدًا، الحكام الجدد يصيحون ويهلّلون واسم الله يُهان. ضعف الشعب فبان وكأن الله صار ضعيفًا خطئ الشعب فجدِّف على اسم الله.
ولكن الله آت هذا ما يعلّنه رسول تراه أورشليم يقترب منها على التلال القريبة فأهلاً وسهلاً بحاملي البشرى والخبر الطيّب. هم يعلنون السلام والخير والخلاص يعلنون ما يحمله ملكوت السماوات. وكل هذا يلّخص في هذه العبارة: إلهك هو ملكك. فلا يملك من بعد أن عاد الرب إليها.
التأمّل:
بعد صمت يمتدّ عشر دقائق، نتأمل كلام هذا الإنجيل قبل الإنجيل. فالبشرى تحمل الحريّة للمدينة التي عرفت السبي. تدعوها لأن تقدم من تحت الغبار، من تحت الغبار، وكأنها تقوم من الموت. لا قيود بعد اليوم، بعد أن ظهرت قدرة الله.
المناجاة
نعيد قراءة النصّ ونترك الفرح يعمر قلبنا والرجاء يعود إلى نظرتنا بأن الله سيّد الكون، وهو يرجّه كل شيء لخير الذين يحبّونه. نقول للرب: أنت ملك ليأت ملكوتك. ملكوت سلام وسعادة فتعال وعزِّ شعبك وشجعه ليتابع مسيرة التحرير التي بدأت بها من أجله.
تأوين النصّ
حين يسيطر الضيق علينا. حين يدبّ اليأس في قلب شعبنا. حين تقل علينا القيود من كل الأنواع، نتطلّع إلى الشعب الأول عائدًا من المنفى، ومتمتّعًا بحضور إلهه. هذا الاله الذي فعل في الماضي، يفعل اليوم وغدًا. يبقى أن تجعل أملنا فيها.
صلاة الختام:
الصلاة الربية أو ترتيلة
جميعهم سيعرفونني
صلاة البدء
أيها الرب يسوع، كم نحتاج إلى الرجاء والظواهر تقود عيوننا إلى اليأس. كم نحتاج إلى الأمل تجاه المصائب التي تصيبنا وتصيب مجتمعاتنا. نرى العدم والقلع، نرى بيوتًا تُهدم وأشجارًا تقلع، ولكننا لا نعرف أن نرى ما يُبنى وما يُغرس فأعطنا يا رب عيونًا ترى ما تفعله أنت في العالم رغم مخطّطات البشر.
قراءة النصّ
سيُقال في أرض يهوذا وفي مدنها، حين أعيد لشعبي أمجادهم ليباركك الربّ ما مسكن العدل، أيها الجبل المقدّس! فيسكن الشعب في يهوذا وجميع مدنها، ومعهم الفلاّحون والذين يسرّحون القطعان. وأروي النفس العطشانة، وأشبع كل نفس خائرة. فيقول كل واحد: أفقتُ وتأمّلت ولذّ لي منامي.
سيأتي أيام أزرع الأرض (الخربة) بالبشر والبهائم ... ستأتي أيام أي هو فيها بيت يهوذا عهدًا جديدًا، لا كالعهد الذي عاهدته آبادهم يوم أخذت بايديهم واخرجتهم من أرض مصر... أما العهد الجديد الذي أعاهد به بيت اسرائيل، فهو هذا: أجعل شريعتي في ضمائرهم، وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهًا، وهم يكونون لي شعبًا. فلا يعلهم بعدُ واحدهم الآخر، والأخ أخاه، أن يعرف الرب فجميعهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، لأني سأغفر ذنوبهم ولن أذكر خطاياهم من بعد.
وقال الرب القدير اسمه، الذي جعل الشمس نورًا في النهار، والقمر والكواكب نورًا في الليل، والذي يثير البحر فتعجّ أمواجه: "إن زال نظام الكون من أمامي، فنسل اسرائيل يبطل أن يكون أمّة إلى الأبد" (إر 31: 23- 36).
نتوقّف بعد القراءة ثلاث دقائق، ونطرح على نفوسنا الأسئلة التالية:
- كان عهد بين الشعب الأول والله، بواسطة موسى والأنبياء كيف كان ذاك العهد وما كان أساسه؟
- وهناك عهد بين الشعب الثاني والله، بواسطة يسوع، على ماذا يرتكز؟
- وهناك عهد بين الله والكنيسة، بل عهد مع كل واحد منا، ماذا يفعل الله لنا؟ وكيف نقابله في حياتنا؟
دراسة النصّ
يتحدث النصّ عن إعادة بناء يهوذا، كما عن بناء كل جماعة تهدمت وتشرزمت والبناء سيكون للجميع لا لفئة دون فئة: الفلاّحون والذين يسرّحون القطعان: أي أهل الحضر وأهل الوبر، ومنهم تألّق المجتمع فمنذ البدايات، حاول قايين (الفلاّح) أن يلغي هابيل الراعي، وبعد المنفى، حاول الذين لبثوا في فلسطين أن يمنعوا الآتين من المنفى، من الإقامة في الأرض. وحاول العائدون أن يلغوا الذين لم يتركوا فلسطين. واختبأت كل فئة حول شخص إبراهيم. ولكن سيجمع هؤلاء وأولئك، فلا يكون أحد خارج الحظيرة، بل تكون الرعيّة واحدة بإمرة راعٍ واحد.
ذاك هو حلم النبيّ، وما ألذّ الأحلام. بل هو حلم الربّ في شعبه وفي كل جماعة من جماعاتنا. ولكن حين أفاق النبيّ، رأى أن الواقع هو غير هذا. ومع ذلك، فالربّ بعد وهو صادق في مواعيده سيقيم عهدًا جديدًا، مع أن الشعب في الماضي. هو لن بيدّل أمورًا بسيطة، ولن يرقّع ما تمزّق. لن يعطي تعليمات تشبه تلك التي أعطيت في سيناء، ولن يطلب التزامات تقف على مستوى شعائر العبادة وغيرها من الأمور الخارجيّة. بل هو سيجعل شريعته في أعماق القلوب. يحفرها، يكتبها، يسجّلها في كائن الإنسان الحميم. وهكذا تتبدّل بنية الإنسان يُولد من جديد بعد أن خلق فيه الله هذا القلب الجديد. عند ذاك، لن تعود به حاجة إلي أن يعلّمه بعد أن تصبح شريعة الله جزءًا منه. يصير المؤمن إنسانًا جديدًا، فلا يمكن إلاّ أن يعطي الثمر الذي ينتظره منه الربّ.
التأمل:
بعد صمت يمتدّ عشر دقائق، نتأمل في هذا العهد الذي لن يكون جديدًا حقًا ونهائيًا إلاّ مع يسوع المسيح. نقي العشاء السري، تحدّث يسوع عن العهد الجديد والنهائي وعن الدم الذي يُهرق لمغفرة الخطايا. هذا العهد رباطه يسوع المسيح. هو كافل الله بين الإنسان والله، فما عاد هناك من وسيط بين الله والبشر سوى الإنسان يسوع المسيح.
المناجاة:
نعيد قراءة النصّ ونتتبع مسيرة الله في الخلق وفي التاريخ هو كلّي القدرة وقد جعل نظامًا للشمس والقمر والكواكب، وهي لا تستطيع أن تتجاوز هذا النظام. وهو قدير لأنه سيّد التاريخ. يهدم الإنسان، فيحوِّل الربّ هدمه إلى بناء. يقلع الإنسان، فيحوِّل الرب قلعه إلى غرس. هو يحوّل الشرّ إلى خير، والخطيئة إلى مناسبة نعمة. هو الرب يقول ويفعل. فكما خلق الكون في البداية، هو يخلق الآن شعبه، ويقدر أن يخلق كل واحد منا من جديد، شرط أن لا نعاند ونرفض عمله فينا.
التأوين:
نتذكّر الوضع الذي كُتب فيه هذا النص: راح الشعب إلى المنفى بعد أن دمِّرت أورشليم وأحرق الهيكل. فظنّوا أن الله لم يعد أمينًا على عهده، بعد أن ترك شعبه يمضي إلى السبي ومدينته تُهدم. هو الذي سمح بأن تهدم المدينة ويُقتلع الشعب اقتلاعًا. عمل بيد البشر. وهو يعمل بأيدي البشر فتعود المدينة والشعب. ولكن هذا لن يكون في زمن النبي، بل بعد مئة سنة ونيّف. ومع ذلك، حلم النبيّ بأن الرب عمل من جديد: بدأ في القلوب بانتظار أن يصل إلى المؤسسات. بدأ في البشر وسوف يصل إلى الحجر. كيف نقرأ كل هذا في جماعاتنا وفي العالم؟
صلاة الختام
نردّد صلاة الشعب: "أدَّبتني فتأدّبت كالعجل غير المروّض. أعدني إليك فأعود، لأنك الرب إلهي. بعد رجوعي إليك ندمتُ، وبعدما عرفتُ لطمتُ وجهي وقرعتُ صدري استحييت واستولى عليّ الخجل" (إر 31: 18- 19) ونسمع صوتك يا ربّ "افرائيم ابن عزيز عليّ، ولد يبهجني كثيرًا. أذكره بالخير وأحشائي تحن إليه" (آ20).
لنا وعد الدخول في راحة الله
صلاة البدء
أنت تدعونا يا يسوع الراحة. لا إلى راحة سبت نعود بعده إلى العمل، بل إلى راحة تدوم. وهذا يفترض أن نفهم قوّة كلمتك التي هي سيف له حدّان، وهذا يفترض أن نسمع لك، نسمع كلمتك ولا نقسّي قلوبنا. تلك هي راحتك يا رب، أنت يا من تعمل دائمًا ومن ترتاح إلا حيت تجمع الرعبّة كلها في خطيرة واحدة.
قراءة النصّ
نقرأ عب 4: 1- 13
نتوقّف بعد القراءة ثلاث دقائق، ونطرح على نفوسنا الأسئلة التالية:
- سمع الشعب الأول البشارة ولكنه رفضها. فهل نتأخّر نحن مثل العذارى الجاهلات فيبدو وكأننا لم نسمع نداء الربّ؟
- عمل الله ستة أيام واستراح، كما يقول الكتاب، ونحن نرتاح حين نسمع كلمة الله. فهل نقابل هذ الكلمة بالعصيان؟
- الباب مفتوح لنا. هلاّ دخلنا فيه؟ فسيأتي يوم يُغلق في وجهنا. فلا ينفعنا الصراخ: يا رب افتح لنا. هل استفدنا من الظروف المتاحة لنا ولجماعاتنا؟
دراسة النصّ:
في الماضي، دُعي بنو اسرائيل الدخول إلى أرض الموعد. وكفهم تأخّروا. نظروا إلى الوراء. تطلعوا إلى بصل مصر وبطيخه ولحمه وسمكه. فما استطاعوا أن يعلوا إلى أرض الموعد، إلى الراحة. وها هي بشرى الإنجيل توعد المؤمنين للدخول إلى الملكوت. نداء يوجه إلينا نحن الذين تعمدّنا، وسمعنا كلام الله، وقبلنا الأسرار.
عندئذ يصل إلينا كلام الرسالة إلي العبرانيين: نحن الذين استنرنا، أي تعمّدنا، وذُقنا الهبة السماوية، أي شركنا في عشاء الرب وصرنا مشاركين في الروح القدس، على مثال الرسل يوم العنصرة. نحن الذين ذقنا كلمة الله الصالحة، واختبرنا ما يعلمه الله في الجماعات المسيحية وفي العالم (عب 6: 4- 6)، هل يحقّ لنا أن نسقط؟ هل نستطيع أن نتجدّد بالتوبة؟ أن نصلب ابن الله مرّة ثانية، فيعرّضنا موقفنا هذا للخسارة والعار. نكون كأرض شربت المطر فأخرجت شوكاً وعشبًا ضاراً. عندئذ نُرفض. تهدّدنا اللعنة ونستحق الحريق، فيا ليتنا نكون تلك الأرض التي تعطي نبتًا صالحًا. عند ذاك يرتاح الله فينا ونرتاح نحن في الله.
وما هو السبب الذي منعهم من الدخول إلى راحة الربّ؟ نقصهم الإيمان. أما نحن أبناء الإيمان فماذا ينقصنا سوى أن ندلّ على إيماننا بأعمالنا كما قالت رسالة يعقوب، سوى أن نثمر ثمرًا صالحًا وإلاّ نقطع ونُلقى في النار. وعاد الكاتب إلى مز 95: 11 وقساوة القلب فالقلب المؤمن يعرف القلب الليّن الذي يتجاوب مع نداء الله. وما نقوله عن الأفراد، نقوله عن الجماعات والشعوب. راحة الله أن يعيش العالم التطويبات: أن يعيش الفقر الروحي والتواضع والوداعة. أن يطلب السلام ونقاوة القلب. راحة الله أن يمارس البشر الرحمة على مثال الآب الرحيم الذي أحشاؤه أحشاء أم. وقبل ذلك الوقت لن تكون لله راحة. فسيظلّ يعمل دائمًا في قلوب البشر.
ظنّ العبرانيون أنهم دخلوا إلى أرض الموعد فوصلوا إلى الراحة. ولكنهم اخطأوا. فهذا الدخول الخارجي يغشنا مرارًا. هنا ك راحة من نوع آخر تقدم بأن نعيش بحسب وصايا الله. ونقول الشيء عينه عن الذين تقبّلوا سر العماد واعتبروا نفوسهم مسيحيين يجب أن تبقى كلمة الله حاضرة أمامهم. هي تتوجّه إليهم، تتحدّاهم، تريد أن تنفذ إليهم كي نفعل فيهم، كي تحوّلهم. فإن تجاوبوا مع هذه الكلمة، كانت لهم الراحة التي وعدهم الله بها. وإلاَّ شابهوا الشعب العبراني الذي قال فيه الرب: لن يدخلوا راحتي.
التأمّل:
بعد صمت يمتدّ عشر دقائق، نقف أمام كلمة الله التي كانت فاعلة منذ الآباء والآنبياء، ووصلت إلى كمالها في شخص يسوع المسيح الذي هو الكلمة التجسّد، هذه الكلمة ليست من الماضي. ويسوع هو هو أمس واليوم وإلى الأبد. فهل هذه الكلمة حيّة بالنسبة إلينا، أم تعتبرها حرفًا ميتًا لا يحرّك حياتنا كثيرًا؟
المناجاة
نعيد قراءة النص. ونتوقّف عند عبارة تستوقفنا، ولا سيّما على مستوى الراحة التي يدعونا إليها الرسول في خطّ يسوع الذي أفهمنا أن الراحة تمّرُ في التواضع ووداعة القلب.
تأوين النصّ
نقف هنا على ثلاثة مستويات المستوى الأول، الشعب العبراني فمع أنها ترك مصر، وعبر البرية، ووصل إلى أرض الموعد، إلاّ أنه لم يجد الراحة التي وعده الله بها، والتي استراحها بعد أن أتمّ عمله في الخلق. المستوى الثاني هو مستوى المسيحيين في زمن صاحب الرسالة إلى العبرانيين هناك أناس نالوا أسرار التنشئة وذاقوا كلمة الله والبشارة الجديدة، ومع ذلك لم تفعل فيهم البشارة فاستحقّوا اللعنة. والمستوى الثالث هو مستوى الكنيسة اليوم، مستوى جماعاتنا والؤمنين الذين فيها. هم يسمعون نداء الله، تتوجّه إليهم هذه الكلمة التي هي سيف ذو حدّين. فماذا يكون جواب كل واحد منا؟ أنكون أرضًا صالحة تعطي ثلاثين وستين ومئة، أم أرضًا تنبت شوكًا وعوسجًا على مثال أرض الفردوس بعد خطيئة الإنسان؟
صلاة الختام
اليوم إن سمعتم صوته، فلا تقسّوا قلوبكم. وجوابنا للرب: تعالوا نسجد ونركع له، وننحني أمام الربّ خالقنا. هو إلهنا ونحن شعبه، رعيّته التي يرعاها بيده، عند ذاك نستحق راحته.
مدّ يسوع يده ولمسه
صلاة البدء
يا ربّنا يسوع، نرافقك إلى البريّة، إلى هذا الإنسان الذي استبعده الناس عن جماعتهم. نرافقك إلى حيث يقيم إنسان منبوذ. جذبك إليه ومرضه يجعله نجسًا، فجذبته إليك فجاء متوسّلاً ساجدًا. لا تريد أن يبقى أحد خارج حظيرتك. فشكرًا لك، يا ربّ.
قراءة النصّ
مر 1: 40- 45
نصمت بعد القراءة ثلاث دقائق، ونطرح على نفوسنا الأسئلة التالية:
إذا استبعدَنا الناس، هل نعرف أن نذهب إلى يسوع الذي يستقبلنا أي استقبال؟
ونحن، هل نستبعد الناس بسبب مرضى اختلاف في الدين والعرق والطبقة الاجتماعيّة؟
هل ننسى أن على وجهنا صورة الله، وكذلك على وجه الناس المعذّبين...؟
دراسة النصّ
حسب آ 28، وصل حيث يسوع إلى جميع أنحاء الجليل. أما في آ 45، فوصل حينه إلى كل مكان: كان يعلّم ويطرد الشياطين (آ 39)، ويشفي المرضى.
كان لقاء، وطلب شفاء يتمّ بلمسة يد حنونة، وكلمة فاعلة تدلّ على إرادة الله التي تفعل ما تقول. قال يسوع: أريد فاطهر. وفي الحال طهر. تلك هي قدرة يسوع التي ما زالت تفعل في عالمنا.
أين تمّ اللقاء بين الأبرص ويسوع؟ في الجليل. ولكن، أين بالتحديد؟ هذا ما لا يقوله الانجيلي؟ الإنسان هو أبرص. ومرضه لا سبيل إلى شفائه على مستوى البشر. هو يحتاج إلى تدخّل علويّ، سماويّ. لهذا، جاء هذا الرجل إلى يسوع. توسّل الرجل عن بعد. فلا يحقّ له أن يقترب من يسوع. ولما وصل إلى الربّ سجد له. هناك ركعة الصلب. أما هنا، فتعني السجود الحقيقيّ ومرقس يكتب بعد القيامة، ويسوع هو الربّ الذي له تجثو كل ركبة في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض.
جاء الطلب ملحًا واثقًا. فهذا البرص يُبعد هذا الإنسان من الجماعة. يجعله سجين برّية لا يحقّ له أن يخرج منها. يجعله يحمل حملاً ثقيلاً لا قبَل له به. وهو بالتالي يحتاج إلى الراحة الآتية من الصحّة والعافية. لقد أعلن الأبرص إيمانه بسلطة لا نجدها إلاّ لدى الله نفسه. ما يريده يتمّ. وهكذا حين أعلن المريض أنه يكفي أن يريد يسوع شفاءه لكي يطهر، دلّ على أن قدرته تتجاوز مجرى المعجزات في العالم القديم. ثم إن العهد القديم (والعالم اليهوديّ) يعتبر أن الله وحده يستطيع أن يشفي من البرص. ومثلُ هذا الشفاء يشبه القيامة من الموت.
تألّم يسوع من هذا الوضع يصيب هذا الإنسان. تحرّكت أحشاؤه، كالأم التي تتألّم لألم ابنها. ألم مادي بسبب المرض. وألم معنويّ بسبب الابتعاد من الجماعة، وفرض الإقامة الجبريّة خارج الأماكن الآهلة. وألم روحيّ. فهذا المريض هو نجس. فلا يحقّ له أن يأتي إلى الهيكل، أن يحضر أمام الله. هو يحسّ أن البشر تركوه، وأن الله تركه. ولكن يسوع هو هنا. وهذا يعني أن الله لم يترك الأبرص، بل ذهب إليه في شخص يسوع. وشفاه بيد يسوع. وكلّمه بفم يسوع. لمسه لمسة الحنان، وما اكتفى أن يشفيه عن بعد. فانغمر هذا الإنسان بالمحبّة التي هي طريق الحريّة والعودة إلى الجماعة.
التأمّل
نتأمل عشر دقائق في نقطة من هذه النقاط، فنتبع الأبرص الذي شفي، إلى الهيكل، حيث يشهد على عطيّة الله. سيلاحظ الكهنة شفاءه، ولكنهم سيمحون أيضًا كرازته. صار رسولاً باسم يسوع إلى الكهنة في الهيكل، بل صار رسولاً في كل مكان.
المناجاة
ننطلق من هذا الإنجيل وما شاركنا فيه ونتساءل: كم مرّة جاء يسوع إلينا في شقائنا؟ هو الذي يبادر، هو الذي يأتي أولاً. فلا يبقى لنا سوى الذهاب إلى لقائه. على مثال هذا الأبرص الذي تحدّى التقاليد والشريعة ليصل إلى يسوع. فجاء توسّله طلبًا للأمان، وسجوده علامة الخضوع والثقة التامّة.
تأوين النصّ
وجاءه أبرص. متى؟ لا نعرف. أين؟ لا نعرف. جاءه الآن. اذن، هذا الحدث يقع في قلب الجماعة المسيحيّة، في حاضر جماعتنا. فالتوسّل توسّلنا والسجود سجودنا. يا ليتنا نتحلّى بالتواضع مثل هذا الأبرص، وبالشجاعة فلا نخاف شيئًا في مسيرتنا إلى يسوع الذي بدأ يسير إلينا. فلا همّ له سوى اللقاء بنا.
ولمس يسوع من لا يحقّ لأحد أن يلمسه. لمس هذا الأبرص. كان باستطاعته أن يكلّمه من بعيد. فلو فعل، لظلّ هذا الإنسان منبوذًا من الجماعة. ولكن يسوع مدّ يده، فأعاد هذا الأبرص إلى ذاته، إلى صحّته، إلى جماعة الصلاة. ولهذا أرسله إلى الهيكل. لقد صار هذا الرجل إنسانًا عاديًا. جاء إلى يسوع ففتح الطريق أمام الجميع. لهذا، ما اكتفوا بأن يأتوا إليه من نواحي الجليل، بل من العالم كله. ما جاؤوا إليه فقط من العالم اليهوديّ، بل من العالم الوثنيّ. ونحن أيضًا نمضي إلى يسوع. فهو القادر.
صلاة الختام
الصلاة الربيّة أو ترتيلة.
قريب الجريح هو الذي عامله بالرحمة
صلاة البدء
نستمع إليك يا يسوع تلخّص الشريعة كلها في محبّة الله ومحبّة القريب. نستمع إليك يا يسوع تدعونا إلى أن نتوسّع في نظرتنا، فلا يكون قريبنا فقط ابن قرابتنا، ابن بلدتنا، ابن ديننا، ابن وطننا. كل إنسان هو قريبنا، وقد وضعته في طريقنا. فالويل لمن قال عنه ومشى في طريقه. والويل لنا!
قراءة النصّ
لو 10: 25- 37
نصمت بعد القراءة ثلاث دقائق ونطرح على نفوسنا الأسئلة التالية:
إلى أين يصل نظري واهتمامي؟ إلى إخوتي وأخواتي... أم يصل أبعد من ذلك؟
هل أنا من الذين يقولون: أحبّ من يحبني...؟ هكذا يفعل العشّارون.
هل أنا أحبّ كما يحب يسوع، حبًا لا حدود له؟ ولو وصل بنا هذا الطريق إلى محبّة الأعداء؟ وهل للمسيحيّ أعداء؟
دراسة النصّ
طرح هذا العالم في الشريعة سؤالاً، حاول فيه أن يكتشف كيف يرث الحياة الأبديّة. والحياة الأبديّة هي حياة حميمة مع الآب عبر رسالة يسوع الذي يكشف لنا كشفًا كاملاً الرحمة التي تعمر قلب الآب (آ 37). ففي يسوع، جاء الآب إلى البشر، صار قريبًا منهم، دلّ على ذاته أنه أب أين منه آباء البشر، وأنه أمّ تتحرّك أحشاؤها تجاه أولادها مثل هذا السامريّ الذي تحرّكت أحشاؤه حين رأى هذا الجريح، وقد تُرك بين حيّ وميت. أجل، الحياة الأبديّة مسيرة بها نقترب من الإنسان، من كل إنسان نلتقي به في طريقنا، فيكون عملنا برهانًا على محبّة الله ورحمته.
حواران بين يسوع وهذا العالم في الشريعة. في حوار أول فهمنا محبّة الله، كما ينشرها اليهوديّ ثلاث مرات في النهار، في صلاته، ومحبّة القريب التي يدعونا إليها سفر اللاويين لكي نكون قدّيسين كما أن الله الآب قدوس هو. عرف هذا الرجل ما يجب أن يعمل لكي ينال الحياة الأبدية. فيبقى عليه أن لا يظلّ على مستوى المعرفة العقليّة والعلم النظري يبقى عليه أن يفعل إذا أراد أن يحيا. فالعمل بشريعة الله حياة. ولكن يبدو أن هذا المعلّم أراد أن يبعد الموقف الذي يجب عليه أن يتّخذه. أراد أن يبرّر نفسه. أو هو أراد أن يعرف إلى أين تصل به شريعة المحبّة.
وقبل الحوار الثاني، جاء المثل. يكفي أن نرى لنعرف ماذا يجب أن نعمل. بدا هذا الجريح قريبًا من الكاهن واللاوي على مستوى العرق والدين. ولكنه في الواقع كان بعيدًا. أو هما ابتعدا عنه لكي لا يرياه. والسامري هو بعيد كل البعد عن الجريح. فاليهود يحتقرون السامريين، والسامريون يردّون لهم بضاعتهم. فالسامريّة رفضت أن تعطي يسوع حتّى شربة ماء. بل منعته أن يتكلّم معها. واليهود منعوا السامريين من مساعدتهم على بناء الهيكل. ومع ذلك، فهذا السامري صار قريبًا من الجريح. هو تقرّب منه. ساعده. جعل حياته في خطر. من يدري؟ قد يكون اللصوص غير بعيدين عن المكان!
القريب ليس ذاك الذي يتقرّب منّا لأنه يحتاج إلينا. يحتاج إلى مساعدتنا؟ إلى مالنا، إلى حضورنا. القريب هو ذاك الذي نذهب إليه والربّ أعطانا ما أعطانا. لم يقل يسوع: إلى من اقترب الجريح؟ بل: من اقترب من الجريح؟ من صار قريب الذي وقع بين أيدي اللصوص؟ تبدّل الوضع كله. القويّ يتقرّب من الضعيف. والغني من الفقير. والكبير من الصغير. هكذا فعل السامريّ، وهكذا نفعل نحن، وإلاّ ظلّت محبتنا على مستوى القول والكلام، ولم تصل إلى العمل والحقّ.
التأمّل
نتأمّل عشر دقائق في نقطة من هذه النقاط. ونفهم أن البحث عن الحياة الأبدية لا يقوم على نظريات تجعلنا نقول: نحن نحبّ البشرية وننسى أخانا الذي بقربنا، والإنسان الذي نلتقي به في الطريق. السبت يبدأ بالعمل. حين نعمل من أجل الآخر نحّيه، لأنه حيث المحبّة هناك الله. فالله محبّة.
المناجاة
ننطلق من هذا الإنجيل وما شاركنا فيه ونتساءل: امتنع الكاهن عن مساعدة أخيه بسبب وظيفته. هو يتنجّس أن لمس الدم. فلا يستطيع أن يقدّم الذبيحة. ومثله فعل اللاوي، قد يكون تأخّر عن الخدمة. وقد يكون الاثنان خافا من خطر على حياتهما... كل هذا تجاوزه السامري. ترك أحشاءه تتكلّم فكان صورة عن المسيح.
تأوين النصّ
أحبّ الرب الهك. أحبّ قريبك كنفسك. نحن هنا أمام خلاصة الشريعة والأنبياء. وقال لنا أوغسطينس: أحبب وافعل ما تشاء. فمن يحبّ القريب لا يسيء إليه. بل يذهب إلى مساعدته ولا يُبطئ. ونرى أناسًا لا اسم لهم. بل يُعرفون بوظيفتهم. هناك اللصوص وصاحب الفندق. هذا على المستوى الاجتماعي. وعلى المستوى الديني، هناك الكاهن واللاوي. وأخيرًا، هناك السامريّ، والنصّ يتوسّع في ما عمله من أجل هذا الجريح الذي لا يعرفه، ولا تربطه به قرابة بشريّة أو دنيويّة. ويبقى ذلك الجريح. لا نسب له ولا حسب ولا وظيفة. ما يميّزه هو وضعه بين الحياة والموت. فهل يجد من يقترب منه، من يتقرّب إليه. أما يميلون كلهم عنه ويبتعدون؟ كان يمكن أن يمرّ يسوع من هنا. ولكن مرّ السامريّ فرسم في عمله عملَ يسوع. وكان يمكن أن يمرّ واحد منا...
صلاة الختام
الصلاة الربيّة أو ترتيلة.
أعطنا كل حين من هذا الخبز
صلاة البدء
نحن جائعون يا يسوع، وأنت تعطينا الخبز. ولكنك لا تريد أن يتوقّف جوعنا عند الطعام الفاني. نحن جائعون يا يسوع إليك، إلى حضورك في حياتنا، في عالمنا. فأعطنا كل حين من هذا الخبز. كن معنا يا ربّ، ولا سيّما حين يحيل النهار ويطلّ الظلام.
قراءة النص
نقرأ يو 6: 24- 35.
نتوقّف بعد القراءة ثلاث دقائق، ونطرح على نفوسنا الأسئلة التالية:
- تطلّع اليهود إلى يسوع. ماذا انتظروا منه؟ ولماذا خاب أملهم؟ ونحن، ماذا ننتظر؟
- ماذا قدّم لهم يسوع؟ لماذا رفضوه؟ ولماذا استصعبوا قبول يسوع؟
- ونحن، ماذا ننتظر من يسوع حين نقول له: أعطنا خبزنا كفاف يومنا؟
دراسة النصّ
كثّر يسوع الأرغفة، فاتّخذ المبادرة في ما فعل. وها هو يعود إلى الجمع. بمبادرة منه، فيفاجئهم بحضوره، ويرفع مستوى الحوار بحيث لا يحاول أن يبرّر موقفه. بدأ وحذّر أهل الجليل من ضياعهم في رغبتهم: توقّفوا عند الخبز الذي أكلوه وشبعوا منه. وما حرّكهم هو طعام الخبز الماديّ. ما أدركوا في عطيّة الخبز أكثر من الخبز. ما أدركوا إشارة إلى خبز يجب أن يطلبوه فيبقى حياة أبديّة. إلى خبز يعطيه ابن الإنسان. فما هو هذا الطعام الذي ينبغي أن يبحثوا عنه؟
هنا نتذكّر الماء الحيّ الذي يجري حياة أبديّة. وهناك الخبز الذي هو في النهاية يسوع المسيح. فيسوع لا يعطي خبزًا ماديًا وحسب. ولا يعطي فقط كلمة الله، بل يعطي ذاته خبزًا يجيء الناس إليه فلا يجوعون. ويعطي نفسه شرابًا يجيء إليه الناس فلا يعطشون. أجل، هو الخبز النازل من السماء، الذي يصعدنا معه في صعوده.
توقّف اليهود عند موسى، عند العهد القديم. وما أرادوا أن يصلوا إلى يسوع، موسى الجديد، إلى العهد الجديد. ظلّوا على مستوى المن وما أرادوا أن يصلوا إلى خبز الحياة.
توقّفوا عند الطعام الفاني، وما بلغوا الطعام الذي يصل بهم إلى الحياة الأبديّة. وحين طلبوا من هذا الخبز، شابهوا المرأة السامريّة التي مزجت بين ماء وماء، بين ماء نأخذه من بئر يعقوب بحبل ودلو، وبين ماء يجري في المؤمن حياة أبدية. واليهود أيضًا من جوابين خبز وخبز، فما استطاعوا أن يبلغوا إلى نور الحياة، لأنهم لم يتركوا الآب يجتذبهم إلى يسوع.
التأمّل
بعد صمت يمتدّ عشر دقائق، نتأمل يسوع يكلّم الجموع، ويحاول أن يرفعها من مستوى إلى آخر، من عالم الطعام والشراب والحاجة المباشرة، إلى عالم آخر هو عالم حضوره في العالم. هو الخبز الذي يشبع، وهو الماء الذي نستغني به عن كل ماء. أما هكذا فعلت السامريّة حين نسيت جرّتها، بل تركتها، وذهبت إلى بلدتها؟
المناجاة
نعيد قراءة النصّ ونتوقّف عند طلب اليهود من يسوع: أعطنا من هذا الخبز. ونحن، ماذا نطلب من يسوع؟ وهل السعادة في امتلاك الأمور الكثيرة؟ كم من أمور ماديّة تثقل مسيرتنا إلى الله؟ فإن لم نعرف التجرّد من الأمور الماديّة لن نبلغ إلى الأمور الروحيّة، لن نبلغ إلى يسوع.
تأوين النصّ
لو فهم اليهود فهمًا أفضل ما فعله يسوع لهم حين كثّر الأرغفة! لكانوا حينئذ تعلّقوا بيسوع، وما توقّفوا عند أمور ماديّة. أما أعمال الله التي يدعوهم إليها يسوع، فليست أعمالاً خارجيّة وعباديّة. هو لا يطلب إلا الإيمان بمن أرسله. توقّف اليهود في زمن موسى عند المن، واليهود في زمن يسوع عند الخبز الذي كثّره لهم. ونحن ماذا ننتظر حين نرفع إلى الله صلاتنا؟ هل نتوقّف عند العطيّة وننسى صاحب العطيّة. فإن نحن طلبنا من الربّ عطايا، فضّلنا عطايا الرب على العطايا.
صلاة الختام
أيها الآب أبانا، أعطنا خبزنا كفاف يومنا. يا يسوع، نؤمن أنك خبز الحياة. يا يسوع، أنت أعطيت حياتك للعالم. أحببت كل واحد منا، وبذلت نفسك من أجله.
اسهروا لأنكم لا تعرفون
صلاة البدء
تدعونا يا يسوع إلى السهر. فقد تأتي في أيّة ساعة من ساعات النهار أو الليل. تأتي في ساعة لا ننتظرها، لا نتوقّعها. تدعونا يا يسوع لكي نكون مستعدّين. قناديلنا مهيّأة. وزيتنا وافر. وإلاّ انطفأت مصابيحنا وظللنا خارجًا. لا تسمح يا يسوع بذلك.
قراءة النصّ
مت 25: 1- 13
نصمت بعد القراءة ثلاث دقائق ونطرح على نفوسنا الأسئلة التالية:
كيف نعتبر نفوسنا مستعدّين للقاء العريس؟ ابانتظار متشنّج وصبر نفد؟
وهل يكون سهرُنا سهر الموت أو سهر الحياة الآتية إلينا؟
وما هو الزيت الذي نهيّئه يومًا بعد يوم؟
دراسة النصّ
عشر عذارى. أي مجمل العذارى اللواتي يسرن في موكب العريس. كلنا عذارى. كلنا بتولون وبتولات ننتظر مجيء الرب. نحن كلنا هنا في الليل، ليل العالم وما فيه من بُعد عن نور المسيح. ويأتي يسوع في نصف الليل، فيفصل بين زمن وزمن. زمنُ مجيئه هو بداية الصباح. أما قبل ذلك، فنعاس ونوم. قبل ذلك، هو الموت الذي بعده تقوم وتدخل إلى الحياة. من أجل هذا يقول النص: قامت العذارى. قمن من النوم. قمن من الموت للقاء الحياة.
عذارى جاهلات. والجاهل هو ذاك الذي يقول في قلبه: الله غير موجود. تأخّر مجيئه. إذن، لن يجيء. فيضرب رفاقه ويأكل ويشرب مع السكّيرين (24: 29). يقول: لنأكل ونشرب. فإنّ غدًا نموت. جهل معنى الحياة. وجهل الموت الذي يفتح على حياة عديدة هي تفتّح لحياة عشناها على الأرض. وعذارى حكيمات. ورأس الحكمة مخافة الله. رأى الحكمة العمل بوصايا الربّ. أما النصّ فدلّ على الاختلاف بين عذارى وعذارى. كلهنّ يحملن المصابيح. كلهن يستطعن أن يكنّ نورًا في موكب من هو نور العالم. ولكن الجاهلات لا يحملن زيتًا. فكيف يسعلن مصابيحهنّ؟ وهل يُشترى مثل هذا الزيت في المدينة؟ وهل يؤخذ من الآخرين؟ كلا. فكل إنسان في تلك الساعة يجازى بحسب أعماله. زيتنا هو حياتنا وما فيها من محبّة الله ومحبّة القريب. لهذا فهو لا يُشرى ولا يباع.
خاف الرسل من النهاية. تساءلوا عن العلامة التي تدلّ على مجيء الرب ونهاية العالم. أما يسوع فرفض أن يجيب على هذا السؤال، بل رفع أنظارهم إلى أمر آخر وهو السهر. أخبرهم أن الملكوت بدأ يظهر. وأن العذارى (وكل واحد منا) يعشن في السهر حين "يجمعن" الزيت الذي يشعل مصابيحهنّ.
نامت العذارى كلهنّ. والنوم يدلّ هنا على الموت. توقّف كل نشاط بشري، فانتظر الجمع مجيء العريس. والصياح يدلّ على أن كلّ شيء ينتهي. هو صياح المنادي الذي يهيّئ الطريق، "للملك" الآتي بعده. بعد هذا الصياح، لا نستطيع أن تفعل شيئًا، فنقف في كل عرينا أمام الرب. لا زيت مع الجاهلات. فنالهنّ توبيخ من الحكيمات. ولكن الكلام القاسي جاء من العريس: لا أعرفكنّ. لسن نورًا، بل ظلام. فكيف يجتمع النور والظلام في يسوع الذي هو نور العالم؟ ما عرفهنّ، وما أراد أن يتعرّف إليهنّ. يا ليتهنّ التمسن رحمته ساعة مرّ، ولم يتأخرنّ طالبات الوسائل البشريّة. لقد فهمت أن السهر يعني الزيت الذي يشعل مصابيحهن، لا الانتظار العقيم الذي لا يعطي ثمرًا.
التأمّل
نتأمّل عشر دقائق في نقطة من هذه النقاط، ونفهم أن حياتنا الحقّة هي إيماننا الذي يتجسّد في حياتنا وفي أعمالنا. لا ننتظر اليوم الأخير لكي "تشتري" زيتًا: بل نجمعه قطرة قطرة في كل ساعة من ساعات حياتنا. ولا نتأخّر.
المناجاة
ننطلق من هذا الإنجيل وما شاركنا فيه، ونتساءل: ماذا فعلنا حتى الآن؟ مصابيحنا مهيّأة، مزيّنة. هي ما أعطانا الله من حياة. هل يمكن لهذه المصابيح أن تشتعل من نور المسيح؟ فلماذا لا نبدأ منذ اليوم. اليوم نسمع صوت الله. فلماذا نقسّي قلوبنا؟
تأوين النصّ
في مطلع المثل، نرى العذارى. ونتوقّف بشكل خاص عند اللواتي نسين أن الانتظار يطول. ما كان معهنّ زيت ليشعلن المصابيح. وضع مؤلم. في المشهد الأول، نرى العذارى نائمات. لقد تأخّر العريس أكثر ممّا كان متوقّعًا. وصوله المفاجئ أيقظ الجميع وانطلق الموكب ليدخل إلى قاعة العرس. في المشهد الثاني شعرت الجاهلات أنهن لا يستطعن الانضمام إلى الحدث الذي انتظرته. فهمن أن أحدًا لا يستطيع أن يفعل لهنّ شيئًا: ما فعلن شيئًا من أجل نفوسهنّ، وها هي ساعة الحقيقة. في المشهد الثالث، ظلّت الجاهلات في الخارج وما نفعهنّ التوسّل إلى العريس.
هكذا نحن. وإن كنا مشدودين إلى الآخرة، إلى مجيء الربّ، إلى ساعة موتنا، فيجب علينا أن نتخذ الإجراءات لنعيش إيماننا في مدى السنوات. من يقف في اللحظة الحاضرة سينال دينونة قاسية. سكرة اللحظة التي نعيش تبقى كاذبة. هي مخدّرة. المؤمن هو الذي يعيش في الحاضر مستخرجًا العبرة من الماضي ومهيّأة المستقبل.
صلاة الختام
الصلاة الربيّة أو ترتيلة.
أخبرهم بما عمل الربّ لك
صلاة البدء
نودّ أن يلتقيك يا رب، فاللقاء ملك يحرّرنا. نحن نرفض كل القيود. ونريد أن نحطمها، لأنها في النهاية تمنعنا من الوصول إليك. نحن نرفض كل العبوديّات الآتية من البشر، ومن الشياطين، ومن الشرّ الذي في العالم، ونمضي إليك مثل هذا المجنون. وفي النهاية سنكون عن قدميك ذاك التلميذ الذي يستمع إليك وينطلق إلى حيث ترسله.
قراءة النصّ
نقرأ مر 5: 1- 20
نتوقّف بعد القراءة ثلاث دقائق، ونطرح على نفوسنا الأسئلة التالية:
- إنسان يعيش في المقابر، في عالم الموت. فماذا ذهب يطلب من يسوع؟
- إنسان سيطر عليه الشرّ، فما عاد إنسانًا كسائر الناس. شوّه نفسه وجسده، وخرج من وسط الجماعة ليعيش كالوحوش في البراري. فماذا ينقصه؟
- والشرّ يسيطر على منطقة بأكملها، وهذه المنطقة تفضّل خنازيرها وما تمثّله من شرّ، على يسوع. فالعالم يرفض الذين لا يشبهونه. هل هناك صراع بين مصالحنا ومصلحة الملكوت؟
دراسة النصّ
نحن أمام إنسان هو رفيق القبور ومسكن الشياطين. يعيش في البريّة بعيدًا عن الناس رغم جميع المحاولات. ولكن حيث لا يستطيع البشر، فالمسيح يستطيع. بدأ فنزع منه الشرّ الذي يعادل قوّة جيش في داخله. ثم إن الشيطان يرتبط بالموت. فحيث يقيم يحمل معه الموت. وهكذا ابتعد هذا المجنون عن عالم الأحياء. ولكن الشرّ هو الذي سيموت، وسيحيا هذا المريض. عاد الشياطين (ومعهم الشرّ) إلى مسكنهم الذي هو المياه، فما عادوا يستطيعون أن يؤذوا هذه المنطقة الوثنيّة التي وطأتها قدما يسوع. وهكذا استطاع هذا الذي نال نعمة الشفاء أن يحمل البشارة، أن ينادي في المدن العشر بما عمل يسوع له.
هل يرضى يسوع أن يبقى الشرّ فينا، وهو الذي علّمنا أن نقول في صلاتنا: نجّنا من الشرّ، نجنا من الشرير؟ كلا ثم كلا. وهو سيمضي إلى مهاجمة الشرّ في قلب ذاك المجنون. دعاه إلى المبارزة. ظنّ الشيطان أنه قويّ. ولكن يسوع أقوى منه، وقد سلب منه أسلابه ظنّ أنه يحتال على يسوع حين طلب أن يدخل إلى الخنازير التي تمثّل عالم النجاسة، علّه يختبئ. ولكن يسوع كان أحكم منه. فأرسله مع الخنازير إلى أعماق البحر. وهكذا لم يعد من أثر للشرّ كما يقول سفر الرؤيا. إلاّ إذا تركنا قلبنا فارغًا. عندئذ يعود الشيطان الذي تركنا إلى قلوبنا، ويأتي معه سبعة شياطين شرًا منه. فمن لا يقيم فيه الربّ يقيم فيه الشيطان. فلا قلب يبقى فارغًا. وعالم لا يسيطر عليه يسوع، يسيطر عليه الشرّ حتمًا. وهكذا نقول عن الجماعات، صغيرة كانت أو كبيرة.
لقد بدأت حرب يسوع. بل هو انتصر في لجيون، في هذا الجيش العائش في العالم الوثني. مات لجيون وعاش من جديد، فجلس عند قدمي يسوع يستمع إلى كلامه ويتتلمذ له. وكان لابسًا لباس العماد بعد أن دخل في جماعته. وأراد أن يترك العالم الوثني الذي هو فيه ليذهب إلى الضفّة الأخرى، إلى العالم اليهودي. أراد أن يبتعد عن عالمه. فلم يسمح له يسوع. نحن في العالم، ولو كان وثنيًا وشريرًا. والرب لن يخرجنا من العالم. بل ينبّهنا من العالم وينجّينا من الشرير. إذن، سيبقى هذا المجنون الذي شُفيَ في الأرض الوثنيّة. وحين يُجبر يسوع على ترك المنطقة بناء على طلب سكّانها، ستتواصل الرسالة بواسطة هذا التلميذ الجديد الذي سوف ينادي في هذه المدن الوثنيّة، في المدن العشر.
التأمّل
بعد صمت يمتدّ عشر دقائق، نرافق يسوع في البحر حيث العاصفة تريد أن تمنعه من الوصول إلى العالم الوثنيّ. نرافقه يزيل الشرّ من قلب هذا الإنسان. الذي لا تقيّده السلاسل، بل حبّ ذاك الذي ضحّى بنفسه من أجله. ونرافقه يفتح الطريق للإنجيل في العالم الوثنيّ. فيرسلنا نحن أيضًا.
المناجاة
نعيد قراءة النصّ ونقابل حالة هذا المريض قبل أن يلتقي به يسوع وبعد ذلك. أي تبدّل عميق. كان ابن الموت صار ابن الحياة. كان تلميذ الشياطين صار تلميذ يسوع. كان عريانًا عريًا يشبه عري آدم في خطيئته فلبس نعمة الله، ولباس العماد، فصار من جماعة يسوع، ونسلّم مهمّة رفيعة فنادى بالملكوت.
تأوين النصّ
ووصل يسوع إلى أرض الجراسيين، مبتعدًا عن العالم اليهوديّ. فوجب عليه أن يجابه العالم الوثني كما جابه العالم اليهوديّ. إذا كان العالم الوثني موطن الشرّ والموت، فالعالم اليهوديّ هو موضع الرفض الذي يقود في النهاية إلى الموت. أما هذا عاشه الشعب العبراني في البريّة، فرافقه الموت لأنه تذمّر على الله ساعة كان الله يفرق عليه عطاياه.
أجل، صار هذا المجنون رمزًا إلى الشرّ والموت. أترى المسيح يتركه وشأنه كما طلب منه الشيطان قائلاً: مالي ولك يا يسوع ابن الله العلي؟ كلا ثم كلا. فقد جاء لكي يزيل الشرّ من العالم والخطيئة من قلوب البشر. لهذا، فهو سيحارب. حارب البحر فانتصر عليه. وحارب لجيون (وهذا الجيش الكبير) فانتصر عليه. ولكن البشر انتصروا عليه، وطلبوا منه أن يتحوّل عن تخومهم. هذا ما حصل لعدد من الرسالات في العالم. ولكن التلاميذ الذين ظلّوا في أرض طُرد منها المرسلون، حملوا المشعل فكانوا في خطّ هذا الرسول الذي شفاه يسوع فصار مناديًا باسمه.
صلاة الختام
أبانا الذي في السماوات... لا تدخلنا في تجربة. بل نجنا من الشر، نجنا من الشرير، لأن لك المجد والقوة إلى أبد الأبدين. آمين.
خُفرت له خطاياها فأحّبت
صلاة البدء
نحن خطأة يا رب، فاغفر لنا خطايانا. نحن لا نجسر أن نقترب منك. فأعطنا الدالة التي تجعلنا نركع على قدميك طالبين المسامحة. وعلّمنا أن تبكي خطايا حياتنا الماضية، لأن مثل هذه الحزن لابدّ أن يشفي نفوسنا.
قراء النص
لو 7: 31- 50
نصمت بعد القراءة ثلاث دقائق، ونطرح على نفوسنا الأسئلة التالية:
ما هي السعادة التي نالتها هذه المرأة؟
غفران الله لا حدود له. وبالحبّ نتقبل هذا الغفران، فما هو مقدار حبّنا؟
غفران الله يبدّل قلوبنا فيعلمنا الحب؟ فهل نفتح له قلوبنا؟ وما الذي يعيقنا؟ الحياة البشري، شهواتنا، تعلّقنا بذاتنا، بمالنا؟
دراسة النصّ
الموضوع الأساسيّ هو ثقةُ محِّبة تفتح الإنسان على الغفران، على الحياة الجديدة التي تنير أفعال ذاك الذي يترك النعمة تدخل إلى قلبه.
في إطار نداء طرح أحد الأشخاص سؤالاً. فقدم يسوع مثل المديونَين. من جهة نجد بيت الفّريسي والجماعة التي تمارس بدقّة الشريعة، ولا سيّما في أمور الطهارة غير أن هذا البيت "تنجّس" بسبب امرأة معروفة أنها خاطئة في المدينة. دخلت إلى بيت لا يحقّ لها أن تدخل إليه. لهذا يجب أن تُستبعد. وعلى يسوع أن يستبعد ها إن أراد أن يرضي الفريسيين! كأنما يسوع يطلب رضى الناس!
وصوّر الإنجيل حركاتها بما فيها من التباس: الدموع، شعر رأسها، القُبل، العطور... كل هذا اسعملته في موقف من الخضوع. ستتعلّم الآن الحبّ الحقيقيّ بقرب من أحبّا وبذل نفسه عنا، تبقي على الفريسي أن يتبع هذه المرأة في طريق الحبّ، لأنه هو الذي يقودنا إلى الربّ.
اتّخذ الفريسي موقفه بالنسبة إلى يسوع، لأنه سبق له واتخذ موقفا من هذه المرأة التي لا اسم لها في نظره: إنها خاطئة. وبما أن يسوع يتركه نعمه، فهو خاطئ مثلها. ولكن يسوع لا يتأثّر بالخطيئة وهو البار الذي لا عيب فيه. وإن لمسته الخاطئة لم تنقل إليه خطيئتها، بل هو ينقل إليها برارته وقداسته. لهذا جاء كلام يسوع لها في النهاية: اذهبي بسلام. غُفرت لك خطاياك الكثيرة.
من جهة، الغفران هو أساس الحبّ. غفر لها يسوع خطاياها، فنقّى قلبها، جدّده، فصارت تعرف كيف تحب. ومن جهة ثانية، الحبّ هو أساس الغفران. حبّ يسوع لها، وحبّه لكل واحد منا، ولكنا نعجة ضالة الخاطئة وسمعان الفريسي. وحبّها يسوع قادها إلى هذا المعلّم فنالت غفرانًا سيكون مثالاً لغفران سيناله الفريسي بعد أن رضيَ أن يقف بجانب الخاطئة، لا في الجهة المقابلة. هي مديونة وهو مديون. والرب عفا عن الاثنين. فهنيئًا لسمعان. وهنيئًا لنا إن قلنا بكل قناعاتنا: اغفر لنا خطاطانا. ارحمنا نحن الخطأة. نحن طلب الرحمة نال الرحمة، ومن تجبَّر ورفض، عاد إلى بيته وقد أضاف خطيئته على خطيئة.
التأمل
نتامل عشر دقائق في فكرة من هذه الأفكار ونجعل نفوسنا في بيت الفريسي، من تشبه: الخاطئة، الفريسي، الشعب؟
المناجاة
ننطلق من هذا الإنجيل وما شاركنا فيه نردّد كلمات الإنجيل. نسمع يسوع يقول لنا ما قال للخاطئة فربط الحبّ بالغفران.
تأوين النصّ
عرفت المرأة بحضور يسوع فحضن عليه رأت فيه ذاك الذي يحمل الغفران للتائبين وخلاص الله للخطأة. لهذا غمرَتْ قدميه بدموعها. ولكن صاحب البن ظلّ على سطح الأمور، ما تفعله هذه المرأة هي أفعال زانية. ولكن يسوع اكتشف المعن العميق لكل عمل قامت به هذه المرأة جعلت في فعلاتها كل حياتها بما فيها من خطيئة وبحث عن الله. فذهب يسوع إلى أعماق قلبها، بل إلى أعماق خطيئتها، ومن هناك أنتشلها.
في كل هذا الشهر لم يوجّه يسوع كلامه إلى المرأة إلاّ في النهاية. فأعلن لها غفران الله الذي تنعم به منذ الآن. وحب الذي دلّت عليه هذه المرأة يبيّن أنها وثقت كل الثقة بالله وبمرسله. ونقطة الانطلاق كانت إيمانا وقعها إلى هذه التوبة وكان طريق الخلاص لها.
صلاة الختام
الصلاة الربيّة أو ترتيلة.
أحسنت أيها الخادم الصالح الأمين
صلاة البدء
أنت يا يسوع، يا من جئت لتَخدم لا لتُخدم، تهنّئ فينا كل خادم. أنت يا يسوع، يا من كنت "أمين" فتمّت فيك مشيئة الله، تهنّئ فينا الخادم الأمين. أنت يا يسوع، يا من قلت لنا لا صلاح إلاّ الله، تهنّئ الخادم الذي عمله مشيئة الرب فجاء صلاحه إشعاعًا من صلاح الله وامتدادًا له. يا ليتنا نستحقّ هذه التهنئة وهذا المديح.
قراءة النصّ
مت 25: 14- 30
نصمت بعد القراءة ثلاث دقائق، ونطرح على نفوسنا الأمور التالية:
قال أحدهم: أترك المهمّة كما وصلت إليّ بدون زيادة ولا نقصان؟ أتراه عمل إرادة سيّده؟
وخاف آخر من السيّد القاسي ومن دينونته، ففضّل أن لا يعمل شيئًا لئلا يخطئ؟
وثالث ترك مواهبه دون أن يستثمرها. تبجّح بها وكأنه أعطيت له كرامة وجهه.
دراسة النصّ
نحن هنا أمام موضوع السهر. وهو سهر نفهمه أمانة للمهمّة الملقاة على عاتقنا. وهو سهر يأتي خلال الربّ في وقت لا نتوقّعه. وهذه الأمانة لا تكون في المحافظة على ما أعطينا من مواهب، بل في استثمار هذه المواهب من أجل نموّ شخصنا المخلوق على صورة الله، من أجل بناء الجماعة، من أجل خير العالم.
نلاحظ في هذا المثل توسعًا عن الخادم غير الأمين. وفي مثل سابق (24: 45- 50) نرى الشيء عينه. وهكذا يحذّرنا الانجيليّ من عدم الأمانة التي تتربّص بنا. نعتبر أننا مسيحيون. أننا قبلنا سرّ العماد. وهذا يكفي. ونقول للرب: باسمك نطقنا بالنبوءات. باسمك طردنا الشياطين. باسمك عملنا العجائب الكبيرة. فيقول لنا: ما عرفتكم قط. ابتعدوا عني يا فعله الاثم. لماذا؟ لأننا قلنا وما فعلنا. لأننا ما عملنا مشيئة الآب الذي في السماوات. فيشبّهنا بولس الرسول بنحاس يطنّ وصنج يرنّ.
ماذا قال الخادم الشرير في 24: 48؟ سيتأخّر سيدي. ويتصرّف كالسيّد والسيّد المستبدّ، لا كالخادم. فيصبح بعيدًا كل البعد عن الربّ الخادم. وماذا قال صاحب الوزنة الواحدة؟ برّر كسله بهجوم على السيّد. خاف من السيّد، خاف من أن يخسر ما معه، خاف أن يخسر ذاته. ولكن في منطق الإنجيل، من يخسر حياته يربحها. ومن أراد أن يربح العالم كله يخسر نفسه. ودفن الوزنة في الأرض. تكامل. ما استثمر مواهبه. لم يحمل ثمرًا، وكل شجرة لا تحمل ثمرًا جيّدًا تُقطع وتُلقى في النار.
لم يكن العبد الشرير أمينًا لإرادة سيّده حين مارس العنف وعاش سوء السيرة (24: 49). ولم تكن العذارى الجاهلات أمينات، لأنهن لم يتحسَّبن لمجيء العريس. وكان صاحب الوزنات غير أمين بسبب كسله. فئات ثلاث نقصها نشاط ملموس. وهكذا نفهم السهر في انجيل متّى، انتظارًا ناشطًا ومسؤولاً، لا عواطف وشعورًا نحسبها إيمانًا. فما هو هذا الإيمان الذي لا يكون جوابًا على نداء المعلّم؟ الذي لا يحمل ثمرًا، مع أن الرب اهتمّ به "ثلاث سنوات" (لو 13: 7). مثل هذا الإيمان يُقطع لأنه يعطّل الأرض.
عجّل صاحب الوزنات الخمس فربح. وكذلك فعل صاحب الوزنتين. ونطرح السؤال: لماذا واحد خمس وزنات، وآخر وزنتان، وآخر وزنة؟ النص يعطينا الجواب: كل واحد حسب طاعته. إن عطاء الرب غير محدود. ولكن انفتاح قلبنا أو انغلاقه يجعله محدودًا. أعطى الآب ذاته كلها للابن. ولكن على مستوى البشر، يتنوّع التقبّل فتتنوّع الوزنات التي هي مواهب ماديّة وعقليّة وروحيّة. ومع التقبّل تتنوّع الطريقة التي بها تستثمر هذه العطايا.
التأمّل
نتأمّل عشر دقائق في نقطة من هذه النقاط. ونفهم أن العطايا التي ننالها من الربّ هي على قدر طاقتنا، على قدر استعداداتنا لتقبّل عطاياه. والمهمّ لا عدد الوزنات. فصاحب الوزنتين قدّم وزنتيت وصاحب الخمس قدّم خمسًا وكلاهما نالا المديح عينه.
المناجاة
ننطلق من هذا الإنجيل وما شاركنا فيه، ونتساءل: أما نتوقّف عند عطايا نالها الآخرون، وننسى كل ما نلناه من "وزنات" من نظر إلى الآخرين نسي نفسه. لماذا نتظر إلى القريب وطريقته في المتاجرة بالوزنات ولا ننظر إلى ما عملناه نحن؟
تأوين النصّ
نحن نسهر مثل العذارى الحكيمات. سهرن فكان معهنّ زيتًا. أما صاحب الوزنة الخامسة فكان سهره متاجره بوزنات سلّمها إليه الربّ. وخطيئة صاحب الوزنة قامت بأنه لم يتاجر. وكان لوم السيّد ملموسًا وقريبًا من الماديّ، يا ليتك وضعت فضتي على مائدة الصيارف. أجل، أعطانا الرب عطايا. فإن لم تكن لخيرنا ستكون دينونة لنا. وإن لم تكن لخير القريب، ستصبح مرارة في أفواهنا.
غريب هذا السيّد يسلّم عبيده هذه الكميّة الكبيرة من الفضّة. حتّى الذين نال الوزنة الواحدة حصل على ما يساوي خمس عشرة سنة من العمل. ثقة لا حدود لها. ولكنها ثقة واعية. كل واحد حرّ بأن يتاجر. ولكنه لا يستطيع أن يتهرّب من المتاجرة، لأن الحساب سيكون عسيرًا. وحالاً بدأ العبد الأول والعبد الثاني فربحا. أما الثالث فخاف على نفسه.إن ضاعت الوزنة سيكون مسؤولاً. اذن، أخفاها. وهكذا اطمأن. كأن الرب جاء يحمل إلينا الاطمئنان و"السلام" بمعنى عدم الحركة. جاء الربّ يشعل فينا نارًا. أجل، لا تكتفي الحياة المسيحية بعواطف، لا تكتفي بقول يؤكّد أننا لم نخسر المواهب التي أعطيت لنا. الحياة المسيحية هي عمل: كنت جائعًا فأطعمتموني.
صلاة الختام
الصلاة الربيّة أو ترتيلة.
تتحرّر الخليقة من عبوديّة الفساد
صلاة البدء
في قلب شقائنا، نتطلع إليك يا يسوع. نتطلّع إلى الروح الذي يشهد مع أرواحنا أننا أبناء الله. نتطلّع إلى المجد، بل المجد الذي ينتظر الخليقة كلها. فنحن سنتحوّل. نلبس جسد المجد. والخليقة ستصبح أرضًا جديدة وسماء جديدة. هي رافقت الإنسان في الخطيئة، فترافقه في النعمة. رافقته في الذل وهي ترافقه في المجد. فما أعظم خلاصك يا ربّ.
قراءة النصّ
نقرأ روم 8: 18- 30.
نتوقّف بعد القراءة ثلاث دقائق، ونطرح على نفوسنا الأسئلة التالية:
- ما هي العلاقة بين الخليقة والإنسان؟ سقط فسقطت. قام وهي تقوم. كيف ترى ذلك؟
- خطئ الإنسان فصار عبدًا ذليلاً. وخلّصه يسوع فعرف الحريّة والمجد. والطبيعة المخلوقة كذلك. أما ترى علاقة بين هذا الوضع واحترام البيئة؟
- أين هو عمل الله في هذا المجد الذي ينتظر الإنسان والخليقة معًا؟ يسوع هو البكر. والإنسان يتبعه، والخليقة تتبع الإنسان.
دراسة النصّ
هناك مجد سيظهر فينا رغم الآلام التي تنتابنا. وهذا الضيق الحاضر يهيئ لنا مجدًا أبديًا لا حدّ له (2كور 4: 17). وهذا المجد هو حاضر منذ الآن في المسيح القائم من الموت، وشكل من الأشكال في المسيحيّ. فنحن نعكس صورة مجد الرب (2كور 3: 18). غير أن هذا المجد لم يتجلَّ بعد. يتحدّث بولس الرسول عن هذا الظهور، بل عن هذا الكشف، لأن الإنسان لا يستطيع الآن أن يكوّن فكرة عن بهاء هذا المجد الآتي، ولأن هذا التجلّي يُدرك عبره الخليقة كلها.
هذه الخليقة خضعت للباطل، وذلك بعد خطيئة الإنسان الذي استعمل الخليقة ضدّ مشيئة الله، وفي خدمة أنانيّته، ومن أجل إظهار قدرته. أجل، صارت الخليقة عابرة، وها هي تشارك الإنسان في حضوره ومجده.
من الذي أخضع الطبيعة وجعلها عبدة؟ الإنسان، بدون شكّ. وجاء الله فختم ما صنعه الإنسان الذي هو المسؤول الحقيقيّ عن هذه العبوديّة التي تصيب البشر.
هذه الطبيعة سوف تشارك أبناء الله في حرّيتهم ومجدهم. فالعهد القديم كان قد قال إن العالم الماديّ يشارك شعب الله في المجد الاسكاتولوجيّ. قال أش 55: 13: "عوض العلّيق ينبت السرو وعوض القرّاص ينبت الآس. وبذلك أعمل لي اسمًا، وذكرًا مخلّدًا لا ينقطع". ونقرأ في أش 60: 17: "ها أنا أخلق سماوات جديدة وأرضًا جديدة، فلا تُذكر السالفة (أي السماء القديمة والأرض القديمة) ولا تخطر على بال".
بسبب خطيئة آدم، صارت الخليقة في وضع غير عاديّ، صارت خاضعة للموت والفساد. وها هو الرسول يراها مشاركة البشريّة في مصيرها، ومتحرّرة من كل ميل إلى الفساد. فتجلّي أبناء الله يعبّر عن مصير المسيحيين في مجيء الرب. وكل هذا سينكشف في النهاية.
نشير هنا إلى أن انعتاق الخليقة لا يتوقّف عند الفساد والأخلاقيّ، بل يصل إلى الفساد الماديّ. أي ما هو قابل للموت والفساد. ما تنقصه القوّة والجمال والحيويّة والنشاط الذي يميّز الوضع الحالي للخليقة. كل هذا سيتبدّل في خط الإنسان الذي هو باكورة الخليقة.
التأمّل
بعد صمت يمتدّ عشر دقائق، نتأمل في الخليقة اليوم. هي امتداد لجسد الإنسان ولوجوده في العالم. فالإنسان مسؤول عن الخليقة: رافقته في الخطيئة وهي ترافقه في المجد. هذا ما يفهمنا احترام الطبيعة المخلوقة.
المناجاة
نعيد قراءة النصّ، ونغذّي فينا هذا الرجاء وهذا الانتظار. نحن هنا على مستوى الإيمان الذي نعيشه بقوّة الروح الذي يأتي لنجدة ضعفنا. في صلاتنا، نتألّم ونئن. وكذلك الطبيعة ترافقنا. في أي حال، يرفع الإنسان إلى الخالق تمجيده وتمجيد الخليقة.
تأوين النصّ
تطرّق هذا النصّ إلى الحياة الجديدة التي يعيشها المسيحيون في الروح. فحدّثنا عن المسيحيين الذين هم أبناء الله ومعدّون للمجد. وما يدلّ على هذا المصير هو الخليقة التي تئنّ كما في آلام الولادة. هناك عالم جديد بدأ يولَد منذ صليب المسيح وقيامته. وعبر الرجاء وعمل الروح، نفهم مصير المسيحيين المدعوّين إلى المجد. وكل هذا يصل بنا إلى محبّة الله التي ظهرت في المسيح ووصل تأثيرها إلينا.
صلاة الختام
قال الرب: أنا الألف والياء، البداية والنهاية. أنا أعطي العطشان من ينبوع الحياة مجانًا. ويقول: نعم، أنا آت سريعًا. فتعال أيها الرب يسوع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق