الأصول التاريخية للأكراد
تباينت آراء الباحثين والمؤرخين حول الانتماء الحقيقي للكرد وجنس أسلافهم التاريخيين، وهذا ما انعكس بدوره على العصر التاريخي الذي يستطيع الباحث أن يعتمده كبداية للتاريخ الكردي قبل الإسلام.
ولكن استنادا إلى مصادر تاريخ الكرد قبل الإسلام من دينية (توراتية ومسيحية) ويونانية وإرمنية وفارسية وإلى الرأي الراجح بانتماء اللغات الميدية والكردية والفارسية إلى أرومة اللغات الهندوإيرانية، استنادا إلى هذه البينات فإن المستشرق الروسي مينورسكي طرح نظرية مفادها أن الكرد ما هم إلا أحفاد الميديين الذين هاجروا من المناطق التي تحيط ببحر قزوين غرباً وجنوباً نحو الغرب (كردستان) بعد سقوط الدولة الآشورية عام 612 ق.م. جاء ذلك في المؤتمر العشرين للاستشراق الدولي الذي عقد في بروكسل عام 1938 م.
وكان الصراع سجالاً بين الميديين (أجداد الكرد الحاليين) والآشوريين في الفترة من 836 ق.م إلى غاية 612 ق.م عندما تمكن الميديون بالتحالف مع الكلدانيين بقيادة زعيمهم نبوبلاصر من إلحاق الهزيمة بالآشوريين واحتلال عاصمتهم نينوى عام 612 ق.م، وبذلك تقاسمت الدولتان الميدية والكلدانية منطقة الشرق الأدنى مناصفةً بينهما.
وفي الوقت الحاضر فإن غالبية المؤرخين والباحثين الكرد يعتبرون الميديين أسلاف الكرد الحاليين وعلى هذا الأساس اعتبروا بداية ظهور الميديين ككيان سياسي عام 700ق.م تقريبا بداية للتاريخ الكردي على غرار الأمم الأخرى.
وفي سنة 550 ق. م تمكن زعيم قبائل البارسيين(الفرس) كورش الإخميني من الانقلاب على جده لأمه الملك الميدي (أستياكس) في العاصمة (همكتانا – همدان) فأسس أول دولة فارسية في التاريخ تحت اسم (الدولة الإخمينية).
وبخصوص الحضارة الميدية وإسهاماتها في خدمة البشرية فإن العديد من التنظيمات الإدارية والسياسية والعسكرية الميدية اقتبسها مهنم الإخمينيون، كالألقاب الرسمية وتنظيم إدارة الدولة والمصطلحات العسكرية كـ(قائد مائة جندي- أو آمر الفصيل- والمسؤول عن العينة– وهيئة العقاب)، وقد نظم أحد الباحثين الأوروبيين قائمة بتلك المصطلحات الميدية التي كانت تستعملها الإدارة الإخمينية، واستعارها فيما بعد اليونانيون الإغريق والرومان.
كما أن إحدى قبائل الميديين وهي الزاكروتيين طغى اسمها على الجبال التي تفصل العراق عن إيران وهي سلسلة جبال زاكروس.
أما زرادشت الذي يعد نبياً أو فيلسوفاً إيرانياً على أقل تقدير فقد ولد في منطقة الشيز في مقاطعة ميديا وعاش في العصر الميدي في الحقبة ما بين 660-583 ق.م. وكتب وصاياه بالخط الميدي، ولغة كتابه المقدس (الآفيستا- الآوستا– الآبستاق) في نظر غالبية الباحثين الأوروبيين هي اللغة الميدية، فلاعجب إن كان للحضارة الميدية تأثير كبير وإسهام فعال في تكوين البنية الفكرية والروحية للشعوب الهندوإيرانية وجيرانهم الساميين.
ومن جانب آخر كان من نتائج التحالف الميدي الكلداني أن حدثت مصاهرة بين الجانبين، حيث تزوج نبوخذ نصر ابن الملك الكلداني نبوبلاصر أميتس ابنة الملك الميدي أستياكس، وعندما لم تستطع أن تساير البيئة الجديدة التي بدأت العيش فيها لأن مدينة بابل عاصمة الدولة الكلدانية أرض سهلية وهي ابنة الجبال، بنى لها زوجها الملك نبوخذ نصر برجا هائلاً على شكل جبل وبطريقة ميكانيكية رفع إليها الماء من نهر الفرات، وقد سمى الأقدمون هذا البرج بالجنائن المعلقة، وعدت إحدى عجائب الدنيا السبع.
دراسة للدكتور فرست مرعي رئيس مركز الدراسات الكردية/دهوك
__________________
قال المسعودي في المروج :- (( وما قلنا في الأكراد ، فالأشهر عند الناس والأصح في أنسابهم أنهم من ولد ربيعة بن نزار ، فأما نوع من الأكراد وهم الشاهجان ببلاد ماء الكوفة والبصرة ، وهي أرضالدينور وهمذان ، فلا تناكر بينهم أنهم من ولد ربيعة بن نزار بن معد ، والمجاوران وهم من الكيكان ببلاد أذربيجان ،والهذبانية والسراة ، وما حوت بلاد الجبال من الشاذنجان واللريئة ، والبارد لكان ، والبارينجان ، والبار يسبان والخالية والجبانارقية والجا وانية )) .
ولا شك في أن إلحاق الكرد بالأنساب العربية ، قد أصبح باطلا عند أهل التحقيق والتدقيق ، وكان السبب في على ما أرى إثبات الأخوة في النسب تبعا للأخوة في الدين وكثرة اختلاط الكرد في العرب بحيث يعز على الكرد أن لايكونوا من أصل عربي قديم ، فأخترع النسابون تلك النسبة .
الميديون أو الماذيون
كان الميديون لهم شأن عظيم في تحطيم دولة أشور ، وهم يعدون من الجماعات الهندو أوربية التي ترجع إلى الأصل الفارسي كان موطنهم في القسم الشمالي الغربي من بلاد فارس الحالية وكانت بلادهم منقسمة إلى أمارات صغيرة هاجمها الملوك الأشوريين على التوالي من عهد شلمنصر الثالث حتى عهد سركون الثاني ، ثم ظهر أحد أمرائها الأشداء المدعو سياكسريس ( 625 – 593 ق.م ) فوحد الأمارات تحت سيطرته واستولى على إقليم آشور شرقي دجلة وضرب نينوى سنة (612 ق.م ) كما استولى على بلاد أرمينية وإيران الشرقية الأ أن انتصاراته لم تدم طويلا حيث استولى قورش ملك فارس على هذه المملكة وأصبحت ميديا جزءا من الامبراطوريه الفارسية عام ( 550 ق.م ) (1) .
وذكر ول ديوارانت (2) وقال ( إن ماوصل إلينا من أخبارهم في لوحة تسجيل حملة ويلوح أنه كان في ذلك البلد سبعة وعشرون من الرؤساء – الملوك يحكمون سبعة وعشرين ولاية قليلة السكان يسمى أهلها أمادي أو مادي أو ميدين ، وهم أقوام من الجنس الهندو اربي يرجح أنهم جاءوا من شواطي بحر الخزر إلى غرب آسيا قبل المسيح بنحوا ألف عام ) .
ويتضح لنا مما عرضه ول ديورانت وغيره بأنهم نزحوا من الشمال إلى الجنوب وهذه النظرية خاطئة ليس لها أدلة تاريخية أو نسبية ومن المعلوم إن مهدهم العراق وقد نزحوا إلى شمال العراق ، وقد هاجرا لقسم الكبير منهم إلى بلاد فارس الحالية وغيرها نتيجة ضغط الساميون وغيرهم واستوطنوا منذ القدم مناطق كردستان الحالية ، وأصبحت المناطق الجبلية العراقية الأيرانيه والتركية وغيرها مناطق استيطان لهم ، وهم من سلالة يافث بن نوح (ع) وقد توغلوا إلى بخارى وسمرقند بعد إن احتلوا بلاد فارس قبل ظهور الفرس على مسرح التاريخ ، وقد وجدوا النحاس والحديد والرصاص والذهب والرخام والحجارة الكريمة في الجبال التي اتخذوها موطنا لهم وفي أكباتانا (3) .
أنشأ ديوسيس أول ملوكهم عاصمته الأولى وزينها بقصر ملكي يشرف عليها ، وقد أشتد ساعد الميديين في أيامه بفضل حياتهم الطبيعية الاقتصادية ، وأصبحوا بتأثير عاداتهم وبيئتهم ذوي جلد وصبر على ضرورات الحروب كانوا بزعامته خطرا يهدد آشور ، فأغارت هذه على بلاد ميديا مرة بعد مرة ، وظنت إنها قد هزمتها هزيمة منكرة ، ثم استطاع ( سياكزارس ) أعظم ملوك الميديين أن يحسم هذا النزاع بتدمير نينوى ، ثم اجتاحت جيوشه بلاد آسية الغربية حتى وصل إلى أبواب سرديس ، ثم أصبحت ميديا تشمل مساحة واسعة هي آشور وميديا وفارس ، وقد تمكن كورش حاكم ولاية أنشان الفارسية التي كانت تابعة للميديين على استلام السلطة بالغدر وقد أيده الميديون ثم انقلب عليهم وأصبح سيد فارس وميديا وهكذا نشأت فارس ، أما( الأكراد) فهم بقايا الميديين وسمية في التاريخ القديم باسم ( كردوخي ) (4) ويقسمون إلى قبائل وكلهم الآن مسلمون سنيون ( ألا ماندر )،
يجمعهم اللسان الإيراني ، فيتكاتفون على أذى جيرانهم الأرمن ، والأكراد أهل بادية يتفاخرون بالحرية والاستقلال ، وأكثرهم يحبون الحرب والغزو حتى نساؤهم ، أما ( اللوريون ) فهم يشبهون الأكراد واليهم تنسب لورستان من بلاد فارس ، وقد تحقق للباحثون أن البختياريين والزندية واللك وغيرهم من قبائل اللور أكراد أظهروا في الأيام الأخيرة ميلا إلى التحضر (5) .
ومن أشهر قبائل الأكراد
جاوان قبيلة كردية قديمة من أشهر القبائل في التاريخ واعضمها مقاما وأبعدها صيتا وأجلها فعلا في الحروب والسياسة بالعراق ومن أحسن القبائل أثرا في الأدب العربي ، ولاسيما الشعر لإقبالها عليه والدعوة إليه ولكنها لم تحظ من الباحثين في تاريخ الأكراد بدراسة ولا بتحقيق ، ولم نعثر ، ولم تفزمن المؤرخين المعاصرين لنا ولا الذين عاشوا قبلهم بعناية ولا برعاية ، حتى لقد أصبحت منسية أو مذهولا عنها في التواريخ العراقية ، فضلا عن غيرها من التواريخ ، وهذا هو الذي بعثني على أن أصفها بالمنسية ، ولم أقل (( المجهولة )) ،فقد جرت العادة أن يوصف الخامل المرذول بالمجهول .
قامت قبيلة جاوان بأدوار خطيرة في التاريخ العراقي الإسلامي ، فيها من العظمة والفخامة والكرامة ما يؤهلها بعضه لأن تذكر وتدرس في تاريخ العراق ولاسيما التاريخ الكردي منه ، لان إهمالها يعد نقصانا وحرمانا وكفرانا : نقصانا في حقيقة التاريخ ، وحرمانا في العلم الذي غايته الكشف عن الحقائق وكفرانا لفضلها وأثارها التي يجب أن يعترف بها ، وتذكر بها بالإجلال والتعضيم ، فلم يذكرها شرف خان البتليسي في شرفنامته مع أنها تأريخ الأكراد ، ولا ابن فضل الله العمري في مسالك الإبصار في ممالك الأمصار .
وذكرها المرحوم الأستاذ محمد أمين زكي في كتابه (( مختصر تاريخ الكرد وكردستان ص375)) مرة واحدة مصحفه إلى (( جواني )) ، ومع إشارته – رحمه الله – إلى أنه نقل أسمها مع عدة من قبائل الأكراد ، من مروج الذهب للمسعودي ، المؤرخ الكبير ، فقد ضهر لي انه نقل ذلك من دائرة المعارف الإسلامية ، لان الطبعة الأوربية للمروج ج3 ص254 تذكرها بصورة (( جاوان )) ، ولا تصحف إلى (( جواني )) إلا في النقل إلى العربية ، القبيلة أذا كان الناقل متصرفا أو متكلفا .
وقد ذكرت في القبيلة في أكثر طبعات المروج مصحفة إلى (( جاوان )) بحاء مهملة ، على أن صاحب القاموس المجد الفيروزابادي ذكرها في باب (( الجيم )) (6) .
المصادر
1- الدكتور احمد سوسة ـــ تاريخ حضارات وادي الرافدين ـــ ج2 ص 415
2- ول ديورانت ـــ قصة الحضارة ـــ ج2 ص 399
3- أكباتا : - الراجح أنها مدينة همدان الحالية
4- حرجي زيدان ـــ طبقات الأمم ـــ ص 269
5- نفس المصدر ـــ والصفحة ذاتها .
6- ا لدكتور مصطفى جواد في الجزء الأول من المجلد الرابع من مجلة المجمع العلمي العراقي ( 1375هـ ـــ 1956م )
يارب الموضوع يعجبكم
تباينت آراء الباحثين والمؤرخين حول الانتماء الحقيقي للكرد وجنس أسلافهم التاريخيين، وهذا ما انعكس بدوره على العصر التاريخي الذي يستطيع الباحث أن يعتمده كبداية للتاريخ الكردي قبل الإسلام.
ولكن استنادا إلى مصادر تاريخ الكرد قبل الإسلام من دينية (توراتية ومسيحية) ويونانية وإرمنية وفارسية وإلى الرأي الراجح بانتماء اللغات الميدية والكردية والفارسية إلى أرومة اللغات الهندوإيرانية، استنادا إلى هذه البينات فإن المستشرق الروسي مينورسكي طرح نظرية مفادها أن الكرد ما هم إلا أحفاد الميديين الذين هاجروا من المناطق التي تحيط ببحر قزوين غرباً وجنوباً نحو الغرب (كردستان) بعد سقوط الدولة الآشورية عام 612 ق.م. جاء ذلك في المؤتمر العشرين للاستشراق الدولي الذي عقد في بروكسل عام 1938 م.
وكان الصراع سجالاً بين الميديين (أجداد الكرد الحاليين) والآشوريين في الفترة من 836 ق.م إلى غاية 612 ق.م عندما تمكن الميديون بالتحالف مع الكلدانيين بقيادة زعيمهم نبوبلاصر من إلحاق الهزيمة بالآشوريين واحتلال عاصمتهم نينوى عام 612 ق.م، وبذلك تقاسمت الدولتان الميدية والكلدانية منطقة الشرق الأدنى مناصفةً بينهما.
وفي الوقت الحاضر فإن غالبية المؤرخين والباحثين الكرد يعتبرون الميديين أسلاف الكرد الحاليين وعلى هذا الأساس اعتبروا بداية ظهور الميديين ككيان سياسي عام 700ق.م تقريبا بداية للتاريخ الكردي على غرار الأمم الأخرى.
وفي سنة 550 ق. م تمكن زعيم قبائل البارسيين(الفرس) كورش الإخميني من الانقلاب على جده لأمه الملك الميدي (أستياكس) في العاصمة (همكتانا – همدان) فأسس أول دولة فارسية في التاريخ تحت اسم (الدولة الإخمينية).
وبخصوص الحضارة الميدية وإسهاماتها في خدمة البشرية فإن العديد من التنظيمات الإدارية والسياسية والعسكرية الميدية اقتبسها مهنم الإخمينيون، كالألقاب الرسمية وتنظيم إدارة الدولة والمصطلحات العسكرية كـ(قائد مائة جندي- أو آمر الفصيل- والمسؤول عن العينة– وهيئة العقاب)، وقد نظم أحد الباحثين الأوروبيين قائمة بتلك المصطلحات الميدية التي كانت تستعملها الإدارة الإخمينية، واستعارها فيما بعد اليونانيون الإغريق والرومان.
كما أن إحدى قبائل الميديين وهي الزاكروتيين طغى اسمها على الجبال التي تفصل العراق عن إيران وهي سلسلة جبال زاكروس.
أما زرادشت الذي يعد نبياً أو فيلسوفاً إيرانياً على أقل تقدير فقد ولد في منطقة الشيز في مقاطعة ميديا وعاش في العصر الميدي في الحقبة ما بين 660-583 ق.م. وكتب وصاياه بالخط الميدي، ولغة كتابه المقدس (الآفيستا- الآوستا– الآبستاق) في نظر غالبية الباحثين الأوروبيين هي اللغة الميدية، فلاعجب إن كان للحضارة الميدية تأثير كبير وإسهام فعال في تكوين البنية الفكرية والروحية للشعوب الهندوإيرانية وجيرانهم الساميين.
ومن جانب آخر كان من نتائج التحالف الميدي الكلداني أن حدثت مصاهرة بين الجانبين، حيث تزوج نبوخذ نصر ابن الملك الكلداني نبوبلاصر أميتس ابنة الملك الميدي أستياكس، وعندما لم تستطع أن تساير البيئة الجديدة التي بدأت العيش فيها لأن مدينة بابل عاصمة الدولة الكلدانية أرض سهلية وهي ابنة الجبال، بنى لها زوجها الملك نبوخذ نصر برجا هائلاً على شكل جبل وبطريقة ميكانيكية رفع إليها الماء من نهر الفرات، وقد سمى الأقدمون هذا البرج بالجنائن المعلقة، وعدت إحدى عجائب الدنيا السبع.
دراسة للدكتور فرست مرعي رئيس مركز الدراسات الكردية/دهوك
__________________
قال المسعودي في المروج :- (( وما قلنا في الأكراد ، فالأشهر عند الناس والأصح في أنسابهم أنهم من ولد ربيعة بن نزار ، فأما نوع من الأكراد وهم الشاهجان ببلاد ماء الكوفة والبصرة ، وهي أرضالدينور وهمذان ، فلا تناكر بينهم أنهم من ولد ربيعة بن نزار بن معد ، والمجاوران وهم من الكيكان ببلاد أذربيجان ،والهذبانية والسراة ، وما حوت بلاد الجبال من الشاذنجان واللريئة ، والبارد لكان ، والبارينجان ، والبار يسبان والخالية والجبانارقية والجا وانية )) .
ولا شك في أن إلحاق الكرد بالأنساب العربية ، قد أصبح باطلا عند أهل التحقيق والتدقيق ، وكان السبب في على ما أرى إثبات الأخوة في النسب تبعا للأخوة في الدين وكثرة اختلاط الكرد في العرب بحيث يعز على الكرد أن لايكونوا من أصل عربي قديم ، فأخترع النسابون تلك النسبة .
الميديون أو الماذيون
كان الميديون لهم شأن عظيم في تحطيم دولة أشور ، وهم يعدون من الجماعات الهندو أوربية التي ترجع إلى الأصل الفارسي كان موطنهم في القسم الشمالي الغربي من بلاد فارس الحالية وكانت بلادهم منقسمة إلى أمارات صغيرة هاجمها الملوك الأشوريين على التوالي من عهد شلمنصر الثالث حتى عهد سركون الثاني ، ثم ظهر أحد أمرائها الأشداء المدعو سياكسريس ( 625 – 593 ق.م ) فوحد الأمارات تحت سيطرته واستولى على إقليم آشور شرقي دجلة وضرب نينوى سنة (612 ق.م ) كما استولى على بلاد أرمينية وإيران الشرقية الأ أن انتصاراته لم تدم طويلا حيث استولى قورش ملك فارس على هذه المملكة وأصبحت ميديا جزءا من الامبراطوريه الفارسية عام ( 550 ق.م ) (1) .
وذكر ول ديوارانت (2) وقال ( إن ماوصل إلينا من أخبارهم في لوحة تسجيل حملة ويلوح أنه كان في ذلك البلد سبعة وعشرون من الرؤساء – الملوك يحكمون سبعة وعشرين ولاية قليلة السكان يسمى أهلها أمادي أو مادي أو ميدين ، وهم أقوام من الجنس الهندو اربي يرجح أنهم جاءوا من شواطي بحر الخزر إلى غرب آسيا قبل المسيح بنحوا ألف عام ) .
ويتضح لنا مما عرضه ول ديورانت وغيره بأنهم نزحوا من الشمال إلى الجنوب وهذه النظرية خاطئة ليس لها أدلة تاريخية أو نسبية ومن المعلوم إن مهدهم العراق وقد نزحوا إلى شمال العراق ، وقد هاجرا لقسم الكبير منهم إلى بلاد فارس الحالية وغيرها نتيجة ضغط الساميون وغيرهم واستوطنوا منذ القدم مناطق كردستان الحالية ، وأصبحت المناطق الجبلية العراقية الأيرانيه والتركية وغيرها مناطق استيطان لهم ، وهم من سلالة يافث بن نوح (ع) وقد توغلوا إلى بخارى وسمرقند بعد إن احتلوا بلاد فارس قبل ظهور الفرس على مسرح التاريخ ، وقد وجدوا النحاس والحديد والرصاص والذهب والرخام والحجارة الكريمة في الجبال التي اتخذوها موطنا لهم وفي أكباتانا (3) .
أنشأ ديوسيس أول ملوكهم عاصمته الأولى وزينها بقصر ملكي يشرف عليها ، وقد أشتد ساعد الميديين في أيامه بفضل حياتهم الطبيعية الاقتصادية ، وأصبحوا بتأثير عاداتهم وبيئتهم ذوي جلد وصبر على ضرورات الحروب كانوا بزعامته خطرا يهدد آشور ، فأغارت هذه على بلاد ميديا مرة بعد مرة ، وظنت إنها قد هزمتها هزيمة منكرة ، ثم استطاع ( سياكزارس ) أعظم ملوك الميديين أن يحسم هذا النزاع بتدمير نينوى ، ثم اجتاحت جيوشه بلاد آسية الغربية حتى وصل إلى أبواب سرديس ، ثم أصبحت ميديا تشمل مساحة واسعة هي آشور وميديا وفارس ، وقد تمكن كورش حاكم ولاية أنشان الفارسية التي كانت تابعة للميديين على استلام السلطة بالغدر وقد أيده الميديون ثم انقلب عليهم وأصبح سيد فارس وميديا وهكذا نشأت فارس ، أما( الأكراد) فهم بقايا الميديين وسمية في التاريخ القديم باسم ( كردوخي ) (4) ويقسمون إلى قبائل وكلهم الآن مسلمون سنيون ( ألا ماندر )،
يجمعهم اللسان الإيراني ، فيتكاتفون على أذى جيرانهم الأرمن ، والأكراد أهل بادية يتفاخرون بالحرية والاستقلال ، وأكثرهم يحبون الحرب والغزو حتى نساؤهم ، أما ( اللوريون ) فهم يشبهون الأكراد واليهم تنسب لورستان من بلاد فارس ، وقد تحقق للباحثون أن البختياريين والزندية واللك وغيرهم من قبائل اللور أكراد أظهروا في الأيام الأخيرة ميلا إلى التحضر (5) .
ومن أشهر قبائل الأكراد
جاوان قبيلة كردية قديمة من أشهر القبائل في التاريخ واعضمها مقاما وأبعدها صيتا وأجلها فعلا في الحروب والسياسة بالعراق ومن أحسن القبائل أثرا في الأدب العربي ، ولاسيما الشعر لإقبالها عليه والدعوة إليه ولكنها لم تحظ من الباحثين في تاريخ الأكراد بدراسة ولا بتحقيق ، ولم نعثر ، ولم تفزمن المؤرخين المعاصرين لنا ولا الذين عاشوا قبلهم بعناية ولا برعاية ، حتى لقد أصبحت منسية أو مذهولا عنها في التواريخ العراقية ، فضلا عن غيرها من التواريخ ، وهذا هو الذي بعثني على أن أصفها بالمنسية ، ولم أقل (( المجهولة )) ،فقد جرت العادة أن يوصف الخامل المرذول بالمجهول .
قامت قبيلة جاوان بأدوار خطيرة في التاريخ العراقي الإسلامي ، فيها من العظمة والفخامة والكرامة ما يؤهلها بعضه لأن تذكر وتدرس في تاريخ العراق ولاسيما التاريخ الكردي منه ، لان إهمالها يعد نقصانا وحرمانا وكفرانا : نقصانا في حقيقة التاريخ ، وحرمانا في العلم الذي غايته الكشف عن الحقائق وكفرانا لفضلها وأثارها التي يجب أن يعترف بها ، وتذكر بها بالإجلال والتعضيم ، فلم يذكرها شرف خان البتليسي في شرفنامته مع أنها تأريخ الأكراد ، ولا ابن فضل الله العمري في مسالك الإبصار في ممالك الأمصار .
وذكرها المرحوم الأستاذ محمد أمين زكي في كتابه (( مختصر تاريخ الكرد وكردستان ص375)) مرة واحدة مصحفه إلى (( جواني )) ، ومع إشارته – رحمه الله – إلى أنه نقل أسمها مع عدة من قبائل الأكراد ، من مروج الذهب للمسعودي ، المؤرخ الكبير ، فقد ضهر لي انه نقل ذلك من دائرة المعارف الإسلامية ، لان الطبعة الأوربية للمروج ج3 ص254 تذكرها بصورة (( جاوان )) ، ولا تصحف إلى (( جواني )) إلا في النقل إلى العربية ، القبيلة أذا كان الناقل متصرفا أو متكلفا .
وقد ذكرت في القبيلة في أكثر طبعات المروج مصحفة إلى (( جاوان )) بحاء مهملة ، على أن صاحب القاموس المجد الفيروزابادي ذكرها في باب (( الجيم )) (6) .
المصادر
1- الدكتور احمد سوسة ـــ تاريخ حضارات وادي الرافدين ـــ ج2 ص 415
2- ول ديورانت ـــ قصة الحضارة ـــ ج2 ص 399
3- أكباتا : - الراجح أنها مدينة همدان الحالية
4- حرجي زيدان ـــ طبقات الأمم ـــ ص 269
5- نفس المصدر ـــ والصفحة ذاتها .
6- ا لدكتور مصطفى جواد في الجزء الأول من المجلد الرابع من مجلة المجمع العلمي العراقي ( 1375هـ ـــ 1956م )
يارب الموضوع يعجبكم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق