الأحد، 22 مايو 2016

قوم عاد وأوبار، ( جزيرة الرمال)

قوم عاد وأوبار، ( جزيرة الرمال)


قوم عاد

حتى الآن أمكن إثبات أن أوبار هي مدينة إرم التي ذكرها القرآن الكريم، وحسب القصة القرآنية: فإن سكان هذه المدينة كذبوا نبيَّهم هوداً عليه السلام الذي جاء إليهم بالرسالة وأنذرهم عقاب الله، وهكذا استحقوا الإبادة.
إلا أنه من العجيب حقاً أن هوية هؤلاء القوم لا زالت مَحَطَّ جدل، فالسجلات التاريخية لا يوجد فيها أي ذكر لقوم مثل هؤلاء ؛ كانوا على درجة عالية من الحضارة، والأكثر غرابة هو أنه لم يرد حتى مجرد أسمهم في السجلات التاريخية.
من جهة أخرى، قد يبدو عدم وجود ذكر لهؤلاء القوم في سجلات الحضارات القديمة أمراً طبيعياً، السبب في ذلك: هو أن هؤلاء القوم عاشوا في جنوبي الجزيرة العربية، وهي منطقة بعيدة عن منطقة "وادي الرافدين" والشرق الأوسط، ولم يكن يصلها بهم أكثر من علاقات محدودة. من الطبيعي إذن أن يُغفل ذكر منطقة لا تكاد تُعرف في السجلات التاريخية، ومع ذلك فقد كانت شعوب الشرق الأوسط تتداول أخبار "عاد".
من أهم أسباب عدم وجود هذه المدينة ضمن السجلات التاريخية المكتوبة: هو أن الاتصال الكتابي لم يكن شائعاً في هذه المنطقة في ذلك الزمن،من الممكن أن نقول أن قوم عاد شكلوا دولة,ولكن لم تسجل هذه الدولة في السجلات التاريخية. ولو أن هذه الدولة استمرت لوقت أطول قليلاً فقد يكون ممكناً أن نعرف عنها الأكثر في أيامنا هذه.
إذن: لا توجد سجلات مكتوبة عن عاد، إلا أنه بالإمكان أن نجد معلومات هامة عن الأقوام المنحدرة عنهم،اي عن أحفادهم وبذلك يمكننا أن نأخذ من خلالهم فكرة عن عاد أنفسهم.

الحضارمة، أحفاد عاد


المنطقة الأولى التي يجب أن تتوجه إليها الأنظار في أثناء البحث عن حضارة عاد والحضارات المنحدرة عنها هي جنوبي اليمن، حيث وجدت "أوبار جزيرة الرمال"، والتي كان يشار إليها "باليمن السعيدة"، وُجِدَ في جنوب اليمن أربعة من الأقوام قبل وقتنا هذا حملوا اسم "العرب السعداء أو المحظوظون"، هؤلاء الأقوام هم أهل حَضْرَمَوت، وأهل سبأ، وأهل ميناع، وأهل قتباء. هذه الأقوام حكمت في وقت واحد في مناطق متقاربة من بعضها.
العديد من العلماء المعاصرين يقولون: إن عاداً قد دخلت في مرحلة تحول ثم ظهرت من جديد على مسرح التاريخ، يعتقد الدكتور ميخائيل رحمن الباحث في جامعة أوهايو أن قوم عاد هم أجداد الحضارمة، أحد الأقوام الذين عاشوا في جنوب اليمن، كان الحضارمة الذين ظهروا حوالي سنة 500 قبل الميلاد، أقل القبائل شهرة بين الذين عرفوا "بالعرب المحظوظين". حكم هؤلاء القوم جنوب اليمن لفترة طويلة من الزمن إلى أن اختفوا نهائياً عام 240 ميلادي بعد فترة من الانحلال لم تكن بالقصيرة.
تلمح كلمة حضرمي إلى أن هؤلاء القوم قد يكونون أحفاد عاد، يشير الكاتب الإغريقي بليني الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، إلى هذه القبيلة بكلمة "أدراميتاي"- وتعني الحضرمي. 1 نهاية الاسم الإغريقي هي ملحق اسمي، وجذر الاسم هو "أدرام" الذي يعيد إلى الذهن في الحال احتمال كونه تحريفاً عن "عاد-إرَمَ" تلك المذكورة في القرآن.
يبين الجغرافي الإغريقي بطليموس (100-150 ميلادي) على أن الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية هو المكان الذي عاش فيه الحضارمة، وهذه المنطقة تعرف بحضرموت حتى يومنا هذا، وتقع العاصمة شَبْوة، إلى الغرب من وادي حَضْرَمَوت، وحسب ما تروي القَصص والأساطير فإن قبر هود عليه السلام الذي أرسل إلى عاد يوجد في حَضْرَمَوت.
من الدلائل الأخرى التي تشير إلى أن حضرموت هي امتداد لعاد، الثروة التي كان يرفل فيها القوم، كان الإغريق يعرفون الحضارمة على أنهم "أغنى شعوب العالم"، تقول السجلات التاريخية: إنَّ الحضارمة تقدموا كثيراً في زراعة البَخُور، إحدى أثمن النباتات في ذلك الوقت، كما أنهم أوجدوا لها المزيد من الاستخدامات، لقد ازدهرت زراعة هذه النبتة في أيامهم أكثر من ازدهارها في أيامنا هذه.
إن ما أظهرته الحفريات الأثرية في مدينة شَبْوة عاصمة حَضْرَمَوت كان مثيراً للغاية كان من الصعب جداً على الجيولوجي في هذه الحفريات والتي بدأت عام 1975، أن يصل إلى آثار المدينة بسبب عمق الكثبان الرملية. إلا أن الاكتشافات التي ظهرت في نهاية أعمال الحفر كانت مدهشة؛ فقد ظهرت المدينة القديمة المدفونة تحت الأرض كأعظم ما اكتشف حتى الآن وأكثره إدهاشاً، كانت المدينة المسورة التي كشف عها التنقيب من أكبر وأوسع المدن اليمنية التي عرفتها هذه المنطقة، ويدل قصرها على أنه كان بناء فخماً بحق.
مما لا شك فيه أن التفكير المنطقي يقول: بأن الحضارمة قد ورثوا الفن المعماري من أجدادهم قوم عاد، لقد قال هود لقومه وهو يعظهم:



( أَتَبْـنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيةً تَعْبَثُونَ-* وَتَتَّخِذُوَن مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) (الشعراء: 128-129).

صفة أخرى مدهشة تميز الأبنية التي وجدت في شَبْوة هي الأعمدة المزخرفة، تبدو الأعمدة التي اكتشفت في شَبْوة فريدة تماماً لكونها مستديرة ومنتظمة ضمن رواق معمد دائري، بينما تبدو الأعمدة في مناطق أخرى من اليمن ضخمة مربعة على شكل مسلة، لقد ورث أهل شَبْوة هذا التراث من أجدادهم عاد، قام البطريارك الإغريقي البيزنطي فوتيوس Photius بطريارك اسطنبول في القرن التاسع الميلادي ببحث واسع عن العرب الجنوبيين وأنشطتهم التجارية؛ لأنه استطاع الوصول إلى مخطوطات إغريقية قديمة لم تعد موجودة في وقتنا الحاضر، وخاصة كتاب "Agatharchides" (132 قبل الميلاد)، والذي يتعلق بالبحر الأحمر. يقول فوتيوس في أحد مواضيعه: "يقال: إنهم (العرب الجنوبيون) قد بنوا أعمدة كثيرة مغطاة بالذهب أو مصنوعة من الفضة. أن طريقة تثبيت هذه الأعمدة تستحق التأمل" 2
بالرغم من أن مقولة فوتيوس Photius لا تشير مباشرة إلى حَضْرَمَوت، إلا أنها تعطي فكرة عن الغنى والبراعة الفائقة التي كان يتصف بها القوم الذين عاشوا في هذه المنطقة، يصف الكاتبان الإغريقيان الكلاسيكيان بلينيPliny وسترابو Strebo هذه المدن على أنها "مزينة بالمعابد الفخمة والقصور الجميلة".
عندما نفكر بأن أصحاب هذه المدن هم من سلالة عاد ندرك تماماً: لماذا عرف القرآن موطن عاد على أنه (إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ ) (الفجر: 7).

ينابيع عاد وحدائقها


يمر المسافر إلى جنوب الجزيرة العربية بصحراء قاحلة مترامية الأطراف، تغطي الرمال معظم هذه المنطقة، عدا المدن والمناطق التي شجرت حديثاً، هذه الصحارى كانت موجودة هناك لمئات أو حتى لآلاف السنين .
إلا أن القرآن الكريم يعطينا معلومات ممتعة عن هذه المنطقة من خلال الآيات التي تحكي عن عاد:



(فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ-* واتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ-* أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ-* وجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ-* إِنّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) (الشعراء: 131-135).

ولكننا لاحظنا أن أوبار اليوم التي اعتُمدت كموطن عاد وهي مدينة إرم، والمناطق الأخرى التي من المحتمل أنها كانت موطناً لهم أيضاً، مغطاة كلياً بالرمال، فلماذا استخدم هود هذه الكلمات وهو يعظ قومه إذن؟
يختبئ الجواب داخل سجل التغيرات المناخية، تكشف السجلات التاريخية لهذه المنطقة حقيقة هامة: وهي أن هذه الصحراء الواسعة كانت في يوم من الأيام حدائق غناء، وكانت أرضُها شديدةَ الخصوبة، كانت البساتين الخضراء والينابيع العذبة تحتل مساحة واسعة منها، كما يروي لنا القرآن منذ أقل من عدة آلاف من السنين، وقد تنعم أهل هذه المنطقة بِأَنْعُمِ الله عليهم، كانت الغابات تخفف من قسوة المناخ، فقد كانت الصحراء موجودة، ولكنها لم تكن بهذا الاتساع.
ويقدم لنا جنوب الجزيرة دلائل هامة على منطقة قوم عاد، والتي يمكن أن تلقي بعض الضوء على الموضوع، هذه الدلائل تقول لنا: إن سكان هذه المنطقة كانوا يستخدمون أساليب متطورة جداً في السقاية، وهذه الأساليب كانت لهدف واحد فقط هو الزراعة، التي كان يمارسها سكان هذه المنطقة والتي لم تعد صالحة للحياة اليوم.
كشفت صور الأقمار الصناعية أيضا عن نظام ري واسع في المدينة القديمة، يتألف من قنوات وسدود قديمة استخدمت للري والتي قدر أنها كانت تزود 200.000 إنسان من سكان هذه المنطقة، 3 يقول "دو" Doe أحد الباحثين في المنطقة: " كانت المنطقة حول مأرب خصبة جداً، لدرجة أنه يمكن الاعتقاد بأن مجمل المنطقة التي تمتد بين مأرب وحضرموت قد كانت فيما مضى موطناً لحضارة مزدهرة. 4 "
يصف الكاتب الإغريقي بليني هذه المنطقة بخصوبتها العالية وجبالها الشجرية التي يغطيها الأشجار والضباب وأنهارها وغاباتها المتصلة، تضمنت بعض المخطوطات التي وجدت في بعض المعابد القديمة الواقعة بالقرب من شَبْوة عاصمة حَضْرَمَوت كتاباتٍ تشير إلى صيد الحيوانات في هذه المنطقة وتقديم بعضها كأضحيات، يشير هذا في مجمله إلى أن هذه المنطقة كانت مغطاة بالأراضي الخصبة إلى جانب الرمال الصحراوية.
يمكن معرفة السرعة التي تزحف بها الصحراء من خلال بعض الأبحاث التي قام بها معهد سميثسونيان Smithosonianفي الباكستان، حيث تحولت منطقة خصبة معروفة في القرون الوسطى إلى صحراء رملية بسبب الكثبان التي بلغ ارتفاعها 6 أمتار، وقد اكتشف أن الصحراء كانت تمتد بمعدل 15 سم يومياً، بمعدل السرعة هذا تبتلع الرمال الأبنية الشاهقة، وكأنها لم تظهر إلى الوجود أصلاً، مثال ذلك الحفريات التي أجريت في تيمنة في اليمن عام 1950 وظهرت مساكن وأبنية كاملة والتي عادت ودفنت بالكامل ، الأهرامات المصرية أيضاً كانت مغطاة تماماً تحت الرمال في يوم من الأيام، ولم تخرج إلى الضوء إلا بعد حفريات واستقصاءات دامت وقتاً طويلاً، باختصار: من الواضح أن هذه الأراضي الصحراوية كانت ذات مظهرٍ مختلفٍ فيما سبق من الأزمنة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق