الجمعة، 1 أبريل 2016

أصل الإنسان وتاريخه ح3 والاخيرة


أصل الإنسان وتاريخه ح3 والاخيرة


(بعض الدراسات أكدت أنّ "حواء" التي أورثتنا كلّ DNA of M عاشت قبل مئة وخمسين ألف سنة وآدم الذي أورثنا DNA of Ky عاش في زمن متأخّر) وبما أنّ حساب الكروموسومات الأخرى لستة مليارات إنسان عملية بالغة التعقيد بسبب تزاوجها في كلّ جيل وخلطها عبر مساهمة الأب والأمّ، لكن لو أخذنا مثلا اعتباطيا من طرف الكروموسوم رقم 6 نجده يعود لشخص واحد عاش في الماضي (ليس بالضرورة آدم y) وحسب التقديرات فإنّ عدد أجيال الإنسان الحديث تبلغ حوالي 6500 جيل (ومجموع البشر الذين ولدوا مذّاك حوالي 80 مليار) وكلّ مخزوننا من الحمض النووي يعود لحوالي 86000 شخص عاشوا في المائة وخمسين ألف سنة أخيرة بينهم آدم DNA of Ky وحواء DNA of M وكما سلف ذكره فإنّ شريط DNA of M يختلف من إنسان لآخر، ومن جيل لجيل (بسبب التهجين المستمرّ) وعدد هذه التغيّرات على الشريط تدلّ على عدد الأجيال التي تعاقبت منذ الأمّ الأولى.. عندما نشر بيركيلي نتائج بحثه (وتحليل DNA of M لكل أعراق البشر) تعرّض لانتقادات كثير من العلماء، ومنذ التسعينات ومع تقدّم البحث في تحليل الحمض النووي فإنّ النتائج تدعم ما وصل إليه بيركلي.. هذا أكّدته أيضا لُقى المتحجّرات القديمة في أفريقيا وهذا ما وصلت إليه مرتا لار (جامعة كمبردج) التي تقول : إنّ المعلومات الجينية والكرونولوجية تشير إلى أنّ أفريقيا هي أصل الإنسان الحديث.
لقد مرّت آلاف الأجيال منذ عاش أجدادنا في شرق أفريقيا وهذا في عمر التطوّر زمن قصير. لأنّ مجموعة من الشمبانزي التي تعيش على جبل واحد في أفريقيا، لديها تغيّرات في DNA of M ضعف ما لدى الستة مليارات إنسان، لأنّ الشمبانزي أقدم من الإنسان وعدد أجياله أضعاف أجيالنا.
وكلّ البشر الحاليين يبتعدون نفس المسافة الزمنية عن الإنسان المبكر الذي عاش في شرق إفريقيا ..بمن في ذلك "سكان غابات بوتسوانا"، فالاختلافات بين البشر هي اختلافات في التاريخ الجيني الذي يحمل مؤشّرات ذلك الماضي. لهذا اكتسب "سكان الغابات" أهمية خاصة، فالإثباتات الجينية تقود إلى أنّ أقدم هجرات الإنسان الحديث، كانت إلى جنوب إفريقيا حيث أجداد "سكان الغابات" هجرة حدثت في وقت كانت فيه آسيا وأوروبا لا تزالان مسكونتين بالإنسان البدائي، ورغم عزلتهم ووصولهم لطريق مسدود ورغم اختلاطهم المتأخّر، فإنّ خط تطورهم التاريخيّ هو الأكثر استقامة .. والخلاصة : إنّ الإنسان منذ مئة وخمسين ألف سنة لم يتغيّر تقريبا، هذا ما تؤكّده دراسة الحمض النووي للبشر، وحقّا وكما تقول الفرنسية :Tous Parents Tous Differents كلّنا أقارب كلّنا مختلفون.
ولو أنّ البشرية حافظت على الزواج المختلط Panimixi أقصد الزواج خارج المجموعة العرقية لاختفت الفروقات الظاهرية بين الأمم ولأختفي مفهوم العرقية، فالبشر يلتقون عند خطوط الأصل المشترك..لكنّ السؤال: إذا كان موروثنا من الحمض النووي يعود لأجداد مشتركين فلماذا يختلف شريط الحمض النووي ولا يتطابق لنبدو كتوائم متشابهة؟ هذا السؤال هو نواة بيولوجيا التطوّر.
كيف نشأت هذه الأعداد الغفيرة للحياة من كائن واحد تكاثر بمضاعفة شريط حمضه النووي؟! فعندما تنقسم الخلية تستنسخ الجملة الكروموسومية وتمنحها للخلية الشقيقة.. إن ماكينة الجزئيات هذه التي تعيد إنتاج الحمض النووي ذي مليارات النوكليوتيدات تعمل بدون خطأ؟ لا أبدا ليس بهذه الدقة وإلا كانت الأرض ما تزال مسكونة بالكائن الأوّل.
في الواقع إنّ الانقسام يُحدث أخطاء حيث تتبادل بعض النوكليوتيدات مواقعها وهذا يُحدث تغيّرا Mutation ما. صحيح أنّ الخلية تملك آلية لتصحيح الخطأ إلا أنّ هذه الآلية ليست منزّهة عن الخطأ، فيكون التصحيح تغيّرا جديدا.
لنفرض مثلا أن إحدى الأختين (من الأمّ الأولى) قد تعرّضت لتغيّر في DNA of M ثم هاجرت إلى مكان آخر؟ لذا فإنّ نسلها سيحفظ ذلك التغيّر حتى اليوم، وكلّ شريط مُتغيّر للـ DNA of M سيشكّل صنفا Haplotype ومجموعة بشرية تنتمي لهذا الصنف الناجم عن ذلك التغيّر الجيني.. وبموجب هذه التغيّرات استطاع العلماء تحديد "سكان غابات بوتسوانا" كطلائع للإنسان الحديث لأنّهم يملكون أقدم التغيّرات في DNA of M
وبما أنّ الخلية البشرية تملك كثيرا من الحمض النووي في كروموسوماتها (أكثر بأربعين ألف مرّة من DNA of M) فإنّ كلّ عملية تزاوج تخلق تغيّرات في كروموسوم الوليد، وتجعل منه كائنا فريدا لا مثيل له، وبالعادة يختلف شريط الحمض النووي للطفل عما لدى والديه بمائة نوكليوتيد، وعندما يتمّ بلوغه يعيد إنتاج تلك التغيّرات التي ورثها في بويضته أو نطفته ويضيف إليها تغيّرات جديدة ستمنح النسل القادم فرادته في هذا العالم .. بمعنى آخر فإنّ كلّ جيل يترك بصمته على محتوى الحمض النووي، والنتيجة هي مركّب معقّد من الجينولوجيا، وفروع متشعّبة لشجرة الأصول.
ورغم تعقيدات هذه الشجرة والتغيّرات وآلاف الأجيال وملايين البشر التي تهجّن بعضها، فإن العملية تحمل نظاما.. إنها أشبه بقطرات المطر التي تهطل على بحيرة وكل قطرة تُحدث موجة دائرية منتشرة وتصطدم بموجات أخرى، إلا أنّ كومبيوترا عالي المستوى، قادر على تحليل تلك المعلومات ورسم نموذج موجيّ لقطرات المطر المتساقطة.. هذا تماما ما يفعله العلماء لرسم الخطّ التطوّري للبشر.. فعندما عبر آسيويون طريق بيرينغ (بين سيبريا والألسكا) باتجاه أمريكا قبل عشرة آلاف سنة حملوا معهم تغيّرات جينية فريدة ما زالت محفوظة في نسلهم حتى اليوم، فهذه التغيّرات تحكي لنا (طبعا للعلماء وليس لي) أين عاش الأجداد ومع من تناسلوا..لأنّ تلك التغيّرات حُفرت في التاريخ الجيني.
ختاما:
نحن البشر عبارة عن تفرّعات وأغصان لشجرة واحدة، كلّ منّا يحمل خريطة جينية ورثها عن والديه البيولوجيين وهؤلاء عن آبائهم وأمّهاتهم (عددهم أربعة) وفي الجيل الرابع يصبح عدد الأجداد ثمانية، وفي الجيل العاشر 1024 وبعد عشرين جيل يصبحون حوالي مليون جدّ (علينا تقليل عددهم بسبب الزواج بين أبناء العمومة والخؤولة التي تعطي أجدادا مشتركين) لكنّ أرقام الأجداد تصبح مستحيلة وتنهار في نقطة ما عندما يتجاوز الرقم عدد السكان المفترضين في ذلك الزمن، وبكلّ الأحوال فإنّ علم الإحصاء الرياضي يعتبر جميع البالغين الذين تركوا نسلا وعاشوا قبل عام 800 م أجدادنا (بصورة ونسبة ما) وخزينهم من الحمض النووي قد وصلنا بمن في ذلك (عمرو بن العاص ؟!) ويوليوس قيصر ونفرتيتي.
في الحقيقة ركّزت في هذا العرض على الفصلين الأولين من الكتاب ولا شكّ هنالك فصول أخرى لا تقل معرفية ومتعة، حول هاواي واليهود والأفروـ أمريكيين وآسيا وأصول العائلات اللغوية. .إلخ. وما يسترعي الانتباه هو غياب الآلهة عن التاريخ الجيني، فإرادة الحياة كانت ومازالت تخوض معركة البقاء على جبهتي الغذاء والجنس. . أجل إنهما الإله الحقيقي للتاريخ.
.............................. ......

هامش:

(1) عنوان الكتاب:Mapping Human History Discovering the Past Through Our Genes: Steve Olson 2002 عنوان الترجمة الألمانية:Herkunft und Geschichte des
Menschen 2003



يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق