الجمعة، 1 أبريل 2016

أصل الإنسان وتاريخه ح2

أصل الإنسان وتاريخه ح2


تاريخ الإنسان الحديث:

بين نهر جوبا في الصومال والهضبة الكينية وبحيرة فكتوريا إلى جبال القمر وحوض نهر الكونغو وعلى شريط عرضه 800كم شمال وجنوب خط الاستواء، انفصلت قبل ستّة ملايين سنة مجموعة من القردة الأفريقية إلى نوعين أحدهما أوصل للإنسان والآخر للشمبانزي.. وقبل أربعة ملايين سنة بدأ الأول بالانتصاب على قدميه، وتحرير يديه واستخدامهما في صناعة الأدوات، ورشق الحيوانات بالحجارة (أو التأمّل وحفر أنفه بالسبّابة) هذا الإنسان البدائيّ يُسمّى: اوسترالوبيثيكوس.
وقبل مليوني عام ظهر نوع آخر بحجم أكبر وأكثر مهارة يُسمّى : هومو .. وقبل مئة إلى مئتي ألف سنة ظهر نوع مُحسّن من الهومو بجسم أرشق ومرونة أعلى .. وإليه ينتسب الإنسان الحديث. إلا أنّ هذه الصورة للتطوّر التي يقع الإنسان الحديث على هرمها هي صورة ناقصة، فالتطوّر البشريّ ليس خطّا مستقيما من الأدنى للأعلى بل متاهة وأزقّة مسدودة وتحوّلات مفاجئة، وكثير ممّا ندعوه "أدنى" هو محاولة فاشلة للتطوّر بلغت طريقها المسدود. والرأي السائد بين العلماء أنّ ظهور نوع جديد كان لا بدّ أن يحدث وسط المحيط الحيويّ الذي يعيش فيه النوع القديم. وهنا يبرز سؤال جوهريّ : لماذا لم يؤدّ التهجين إلى ذوبان النوع الجديد وفقدانه ميزاته؟! هذه المعضلة قادت البيولوجيين إلى فهم آليات ما يُسمّى: العزلة ذات القدرة على تكرار الإنتاج، فهناك إثباتات عديدة على وجود هذه العزلة، منها يعتمد المظهر الخارجي، خصوصا في الكائنات العليا (كالإنسان والقرد) التي تستخدم إشارات حسّية للتعرف على الشريك الجنسيّ وجذبه من النظرة الأولى، وكذلك فإنّ آليات العزل تبدو جليّة في عالم الجينات، فعندما تحدث مضاجعة بين نوعين مختلفين، فإنّ السائل الكيميائيّ المحيط بالبويضة يتعرف على المنويات الغريبة ويمنعها من اختراق جدار الخلية، وحتى لو حدث خطأ ما فإنّ الكرموسومات الغريبة لن تتواءم مع ما في البويضة، وإذا ما حصل بعض التوافق فالجنين سيكون بغلا عقيما عاجزا عن التكاثر مستقبلا (كما في تزاوج الحصان والحمار أو الأسد والنمر).
والحقيقة أنّ للطبيعة آليات عديدة لتحقيق العزلة المنتجة، فهي تؤكّد أنّ نشوء نوع جديد ليس أمرا خارقا بل على العكس، فالطبيعة منحت عالم الأحياء القدرة على تشكيل أنواع جديدة وكأنّها تقوم بتجارب على الحياة، وعندما ينتج نوع ملائم لمحيطه فإنّه يتوسّع ويتكاثر، وعندما يُظهر عيوبا فإنّه غالبا ما يحطّ في سلّة مهملات التاريخ.
إنّ أقدم جمجمة للإنسان الحديث، عثر عليها ريتشارد ليكي على ضفاف الأومو في أثيوبيا عام 1967 وقُدّر عمرها بمائة وثلاثين ألف سنة. لكنّ بقايا هذه المتحجّرات سمحت بتأويلات أخرى فبعض انتربولوجيي ما قبل التاريخ مقتنعون بأنّ التطوّر حصل على درجات فتراهم يشككون بانقسام الإنسان البدائي إلى أنواع مختلفة، ويعتقدون أنّ نوع الهومو (قبل مليوني سنة) استمرّ وانتشر في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأدّى تكاثره داخل نوعه إلى ظهور الإنسان الحديث.. أي أنّ الفروقات بين المجموعات البشرية (الأعراق) سبقت مرحلة التطوّر الجسماني للإنسان الحديث.. فالإفريقي بنظرهم ينتمي إلى هوموسابيا إفريقي والأسيوي ينتمي جزئيا إلى هومو ايريكوس والأوروبي جزئيا إلى نياندرتال.. لكنّ هذه الرؤية ظلّت مثار شكّ، إلى أن تمكّن عام 1987عالم بيولوجيا الجزيئات بركيلي Berkeley من جامعة كاليفورنيا، من تحليل الحمض النووي لكلّ المجموعات (الأعراق) البشرية على الأرض، وكانت المفاجأة مذهلة؟
المفاجأة الكبرى:
علماء الجينات: بيركيلي وولسن (كاليفورنيا) ربكا كان (جامعة هاواي) مارك ستونكينغ (معهد ماكس بلانك لايبزيغ) لم يدرسوا الحمض النووي DNA للكروموسومات بل ركّزوا على كيان صغير يُسمّى "ميتوكوندريوم" وهو موجود في الخلية بأعداد كبيرة (بالمئات) ولهذا الميتوكوندريوم وظيفة مهمّة داخل الخلية، إذ يقوم بتبسيط المركّبات المعقّدة وتحويلها إلى جزيئات غنيّة بالطاقة تحتاجها الخليّة في نشاطها الحيويّ.. وعلى الأرجح فإنّه إحدى سلالات البكتيريا التي عاشت قبل مليار سنة ثم استوطنت وحيد الخلية ومذّاك يعيش داخل الخلية ويقوم لقاء استضافتها له بتزويدها بالطاقة. ولأنّه من أصول أخرى توجّب أن يحتفظ بحمض نوويّ بسيط خاص به وهو حلقيّ الشكل ويتألّف من 1650 نوكليوتيد فقط، وكلّ إنسان يحوي بداخله ملايين من هذه الميتوكوندريات التي يتطابق حمضها النووي مع بعض الاستثناءات، والفرق بين ما أحمله وما تحمله (وهنا الإثارة) أنّنا نأخذه عن الأمّ، لأنّ المنويات الذكرية تقتصر وظيفتها على إفراغ شحنتها من الكروموسومات في البويضة وما تبقّى في النطفة (بضمنها الميتوكوندريات) يُطرح خارجا.. لذلك فإنّ بويضات الأمّ هي التي تنقلها للأجيال القادمة (ذكورا أو إناثا) وعليه لا بدّ أن يرجع كلّ الحمض النووي للميتوكوندريال إلى امرأة واحدة؟! هذه النتيجة العلمية ليست حقيقة فقط، بل يجب أن تكون حقيقة!؟
وللاختصار سأرمز إلى الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريوم الذي تنقله الأمّ (DNA of M) والحمض النووي الخاص بالكروموسوم الذكري y (DNA of Ky) إنّ ثلاثة مليارات امرأة ورثن DNA of M من أمّهاتهن والأمّهات من الجدّات وهكذا، أي أنّ الثلاثة مليارات أخذنه من خطوط لمجموعة سابقة (أقلّ عدديا من المجموعة الحالية) وخطوط الميتوكوندريال (حاليا بالمليارات) تتناقص رجوعا عبر الأجيال، ورياضيا سوف تعود إلى مجموعة بسيطة وبالتالي إلى أختين وأخيرا إلى أمّ واحدة أورثت كلّ خطوط DNA of M ، وبالطبع فإنّ هذه الأم عاشت وسط بشر آخرين لكنّها الوحيدة التي استمرّ خطها الجيني عبر الأجيال، هذه العملية التي تتعقّب رجعيا شرائط الحمض النووي لكلّ البشر تسمّى Koaleszenz (تعني ذوبان عناصر غير متجانسة) وهي لا تنطبق فقط على DNA of M بل على DNA of Ky الذي يورثه الأب للأولاد (عندما يموت الذكر بدون إنجاب يموت معه الكروموسوم y) وهكذا فإن إجراء عملية "كوالِسَنس" تؤدي إلى أن كلّ DNA of Ky يعود لأب واحد عاش في زمن ما، ليس بالضرورة مع الأمّ الأولى، لأنّ هذين الحمضين النوويين وصلانا عن طرق مختلفة.


يتبع





يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق