الجمعة، 1 أبريل 2016

أصل الإنسان وتاريخه ح1

أصل الإنسان وتاريخه ح1


توصّلت دراسة جينيّة في جامعة ليستر البريطانية نشرتها مجلة PloS Biology، إلى أنّ فلاحين من الهلال الخصيب وفدوا إلى أوروبا بُعيد عصر الجليد قبل عشرة آلاف سنة، ونشروا نسلهم فيها. فقد أثبت تحليل الجينات لـ 2500 أوروبي، أنّ 80% من الكروموسوم y الذي ينتقل حصريا بين الذكور (من الأب للابن) يعود لآباء من الهلال الخصيب، بينما يعود الحامض النووي للميتوكوندريال الذي ينتقل من الأمّ للبنت، إلى أمّهات من جنوب أوروبا. وتأويل هذه النتائج يشير إلى أنّ فلاحي الشرق الأوسط، كانوا أكثر جذبا للنساء وأقدر على التناسل من الرجال الأصليين الذين كانوا يعتاشون وقتذاك على الصيد والتقاط الثمار.
ربما يمنحنا هذا الخبر شحنة من الانطباعات تناسب بيئتنا ومخيالنا الجمعي، وقد يمنح بعضنا شعورا بالعزّة، سيما وأنّ أجدادنا الفحول الميامين قد رفعوا رأسنا عاليا، وأتوا حرثهم أنّى شاؤوا وبذروا جيناتهم الوراثية في أوروبا؟ فالشعور بالتفوّق والفحولة جزء من تربية ذكورية مازالت تطبع بعض الثقافات، ويحملها العربيّ حتى لو كان خاوي المعدة ومن مهاجري قوارب الموت.
هذا الخبر أطربني كذلك (وشكرت الآلهة لأنّ نساء الهلال الخصيب لم يهاجرن أيضا ولم يستنكحهنّ كلّ من هبّ ودبّ وإلاّ كانت فضيحة بجلاجل) وعبثا بحثت في أرشيف مجلة بلوس بيولوجي لتوثيقه، وبعد تريّث فتحت كتابا كنت اشتريته قبل أعوام ولم يسعفني زمن النت في قراءته.. الكتاب صدر عام 2002 لكاتب أمريكي بارز إسمه ستفن اوسلن S.Oslon (1)وكتابه رحلة ممتعة ورشيقة في التاريخ الجينيّ للإنسان يبدؤها في أفريقيا ويختمها في أمريكا. وخلالها يُطلعنا على مستجدّات وخلاصات وآراء تفنّد النظريات العرقية التي سادت علم الوراثة حتى القرن العشرين.. وتوخّيا للفائدة رأيت تقديم بعض من أفكار هذا الكتاب والوقوف مليّا عند بعض النقاط المعرفية (التي تناسب غير ذوي الاختصاص) ويبدو لأوّل وهلة أنّنا فعلا أمام ثورة حقيقية تدشّن للإنسان حقبة جديدة تؤهّله أن يغدو متحكّما بمصيره.
يبدأ الكتاب فصوله بسكّان غابات بوتسوانا في جنوب إفريقيا الذين تعرّضوا في القرنين 16 و17 لزحف المستوطنين الهولنديين القادمين من رأس الرجاء الصالح.. ورغم مقاومتهم اليائسة فقد أصبح للأوروبيين اليد العليا. وهكذا بدأت رحلة انقراض سكّان تلك الغابات الذين عانوا من التمييز حتّى من الأفارقة الآخرين، وجدير بالذكر أنّ سكّان غابات بوتسوانا امتازوا ببشرة فاتحة بين الحمرة والصفرة وأجسام ضئيلة رشيقة وملامح ناعمة، ولا يُستبعد أن يكونوا من أجداد قبيلة "خوزا" التي ينتسب إليها نلسون منديلا ومبيكي. أمّا الكثير من الأوروبيين فقد درجوا على تصنيفهم مع البهائم! ففي وثيقة من نهاية القرن 19 صادرة في الجزء الألماني لجنوب أفريقيا، نعثر على قائمة بالحيوانات التي قتلها المستوطنون والشرطة في عام واحد، وتحت عنوان"حيوانات ثديية" نقرأ : قتل 400 أنثى من سكان الغابات!
إنّ نزع الصورة الإنسانية عن الآخر، طريق لاضطهاده واستباحته، ولا شكّ فقد ساهمت العلوم في ترسيخ ذلك الماضي الحزين، ولغاية القرن العشرين اعتقد كثير من علماء الإناسة (الانتروبولوجيا) أنّ الجماعات البشرية (أفارقة أسيويين أوروبيين) هي تطوّر لأصول (أنواع) مختلفة.
والحقيقة أنّ السمات الجسدية ثانوية جدّا، فلون البشرة مثلا يرتبط بخلايا صبغية Melanozyt تمنح الجلد لونه، وهذه عند سكّان غابات بوتسوانا أقلّ صبغية من مثيلها عند أفارقة خط الاستواء، وهي ضرورية لعكس الأشعّة فوق البنفسجية المسبّبة لسرطان الجلد، وليست سمة تشريحية، فالخليّة البشرية واحدة، ولو ذهبنا في عمقها سنجد بداخلها 23 زوجا من المورّثات (الكروموسومات) تسبح في وعاء غذائيّ، وهي تتطابق تقريبا بين البشر (باستثناء الزوج رقم 23 الذي يكون عند الذكر xy وعند الأنثى xx) هذا الازدواج بين الكروموسومات يعكس الثنائية الغامضة للجنس، فأحد زوجي الكروموسوم هو نسخة عن نطفة الأب والآخر نسخة عن بويضة الأمّ، وهنالك رابط جنسيّ بينهما، فعندما ينضج الكائن الحيّ ويبدأ بإنتاج البويضات أو المنويات فإنّ أزواج الكروموسومات تتشابك (وتتعانق) وتتبادل قطعا من شريط حامضها النوويّ، في عملية تسمّى: إعادة التركيب، الأمر الذي يُنتج كروموسومات مهجّنة Hybrid تنتقل إلى البويضة أو النطفة.. وهنا يستفيض الكاتب في شرح ماهية الحمض النووي DNA:شريط الحمض النووي هو خلق مُذهل، يتكون من سلسلة جزيئات يبلغ طولها في الخلية الواحدة 1.8 متر، ولو كبّرناها لتصبح بسمك قلم رصاص فإنّ طولها سيبلغ المسافة بين واشنطن وسان فرانسيسكو. وتتألّف هذه السلسلة من أربع لبنات تسمى نوكليوتيدات (أشبه بحروف أبجدية) هي آدنين A، ثيمين T، سيتوزين C، غوانين G. تتموضع على شريط الحمض النووي وكأنها جملة طويلة من ثلاثة مليارات حرف أو نوكليوتيد (ATCG) وتعادل تقريبا محتوى 6000 كتاب متوسّط الحجم. هذه الجملة تتضمّن رسائل وحكمة آلاف السنين، وكلّ إنسان ورثها عن أبويه وهؤلاء عن آبائهم وأمّهاتهم. وأوائل البشر عن غيرهم من الكائنات، وهكذا وصولا للكائن الأوّل (وحيد الخليّة) وكذلك فإنّ شريط الحمض النووي للإنسان يتقارب مع مثيله عند الشمبانزي (يملك 24 زوجا من الكرموسومات، ويختلف معنا في الكرموسوم التاسع وكذلك في أطراف (نهايات) سلسلة الحمض النووي للكرموسومات الأخرى، وهذه الفروقات الضئيلة كافية لمنع التزاوج بيننا وبينهم، وفيها أدلّة على افتراقنا عنهم قبل ستّة ملايين سنة). أمّا البشر فحدود الاختلاف بين شخصين ضئيل جدّا (حوالي نوكليوتيد واحد لكلّ ألف) كأن يظهر A مكان G أو ينقص أو يزيد عند أحدهما، وفي هذه الاختلافات جذور التمايز بين الأفراد والمجموعات، أي أنّنا نملك نفس الجملة الجينية، مع تغيّرات طفيفة تقرّر فرادة كلّ منّا وهي الأساس البيولوجيّ الذي تقوم عليه حياتنا. وهذا موضوع آخر لا يتناوله الكتاب، بقدر تركيزه على كشف ماضي الإنسان من خلال معرفة تاريخ حامضه النووي .


يتبع





يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق