الاثنين، 11 أبريل 2016

قصه مكتبه الاسكندريه القديمه ومصيرها؟ 2

قصه مكتبه الاسكندريه القديمه ومصيرها؟ 2


رواية يعوزها المنطق


بيد أن هناك جوانب أخرى تجعل من هذه الرواية رواية ضعيفة متهافتة:


أولاً : أننا لو سلمنا جدلاً بأن يوحنا النحوي كان موجودًا زمن فتح مصر وأنه كان على علاقة طيبة بعمرو بن العاص, فهل كان يمكن أن يطلب مقتنيات مكتبة الإسكندرية التي استغرق حرقها, في جميع حمامات الإسكندرية, ستة أشهر? وهل كان يمتلك المكان الذي يتسع لكل هذه الكتب؟


ثانيًا : لماذا يلجأ عمرو بن العاص إلى إحراق محتويات مكتبة الإسكندرية بهذه الطريقة الغريبة التي استغرقت ستة أشهر - حسبما تقول الرواية - وهو أمر يتطلب متابعة من حاكم كان بحاجة إلى توطيد نفوذه في الولاية الجديدة? ولماذا لم يحرقها مرة واحدة في مكانها ؟


ثالثًا : إذا سلمنا جدلاً بأن محتويات المكتبة تم إحراقها بهذه الطريقة الغريبة, فماذا عن مبنى المكتبة نفسه? هل تم هدمه? أم ظل باقيًا? ولماذا لم يتحدث عنه المؤرخون المسلمون الذين تحدثوا عن الآثار المصرية القديمة بشكل يشي بالانبهار والإعجاب? وقد كان عمود السواري بالإسكندرية من أهم الآثار التي كان المؤرخون والرحالة المسلمون يتحدثون عنها, فإذا كانت المكتبة أو أطلالها, موجودة لما أغفلوا الحديث عنها بطبيعة الحال؟!


رابعًا : لم يتخذ المسلمون موقفًا معاديًا طوال تاريخهم الثقافي ضد التراث الثقافي والعلمي الإنساني, بل إن حركة الترجمة من تراث الإغريق والفرس والهنود والصينيين تحت رعاية الدولة, تؤكد أن الرواية التي رواها ابن القفطي تقف ضد طبيعة الأشياء وتعادي منطق التاريخ.


خامسًا : التناقض الصارخ في موقف (عمرو بن العاص) - حسب رواية ابن القفطي - لا يمكن أن يكون حقيقيًا, فكيف يمكن لرجل معجب بالعلم والحكمة التي يتمتع بها يوحنا النحوي بحيث يجلس منه مجلس التلميذ والمريد, أن يأمر بحرق الكتب التي تحتضن الحكمة والمعرفة بين صفحاتها ؟!


ولكن يبقى السؤال الأهم مطروحًا: لماذا يكتب عبداللطيف البغدادي وابن القفطي وابن العبري هذه الرواية التي ينسبون فيها تدمير مكتبة الإسكندرية القديمة إلى عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب؟


لابد أولاً أن نستبعد رواية كل من عبداللطيف البغدادي, ورواية ابن العبري, على أساس أن الأول ذكر عبارة قصيرة للغاية عنها في معرض حديثه عن عمود السواري تشي بأنه سمعها من أحد, ولم يحقق فيها, وهو على حال رحالة لم يدقق كثيرًا فيما أورده من أخبار في كتابه (الإفادة والاعتبار), كما أن الثاني أورد رواية ابن القفطي نفسها في صورة مختصرة دون أن يتدخل فيها, وربما يكون قد نقلها عنه أو عن مصدر مشترك لهما.


تفسيرات أخرى للرواية :


تبقى رواية ابن القفطي: وهي مركبة من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول منها سبق أن أورده ابن النديم في الفهرست وهو الخاص بتأسيس المكتبة ومن يدعى زميرة المسئول عنها, والقسم الثاني ورد لدى أحد المؤرخين البيزنطيين. وهكذا فإن هذين القسمين ليست لهما أهمية تتعلق بقصة تدمير مكتبة الإسكندرية, أما القسم الثالث, فهو جزء صاغه ابن القفطي صياغة خيالية على شكل حوار بين عمرو بن العاص ويحيى النحوي، وهو ما يشكك في الرواية أصلاً.


فضلاً عن أن القصة نفسها تقريبًا جرت حول فتوح فارس والعراق وبالعبارات نفسها مع تغيير الأسماء, وهو الأمر الذي يشي بأنها كانت نوعًا من الفولكلور المتداول آنذاك, ويذكرنا بروايات أخرى مماثلة في موضوعات متنوعة, كانت من تقاليد الكتابة التاريخية العربية في تلك العصور.


والكتاب الذي وردت فيه هذه الرواية - من ناحية أخرى - وهو الذي يحمل عنوان (إخبار العلماء بأخبار الحكماء) عبارة عن كتاب تراجم موجزة, فيه الكثير من الأخبار الأسطورية التي أوردها ابن القفطي باعتبارها من الحقائق التاريخية.


يقودنا هذا إلى الإجابة عن السؤال, لماذا أورد ابن القفطي هذه القصة الغريبة؟


يرى البعض أن الرجل الذي عمل في خدمة الأيوبيين هو وأبوه, رأى استياء الناس مما فعله صلاح الدين الأيوبي بمكتبة القاهرة حينما باع محتوياتها في مزاد علني كان يعقد مرتين أسبوعيًا, ثم هدم (دار الحكمة) وبنى محلها المدرسة الشافعية في غمرة حماسته لاستئصال المذهب الشيعي من مصر, وأن ابن القفطي أراد أن يقول إن الخليفة العظيم عمر بن الخطاب سبق أن أحرق مكتبة الإسكندرية, فالبيع أهون من الحرق على أي حال.


وهناك رأي آخر يرى أن الشيعة أذاعوا قصة حرق المكتبة على يد عمرو بن العاص بأوامر من عمر بن الخطاب مما يؤكد أن السنّة معادون للعلم والمعرفة, لاسيما أن هذه القصة كانت رائجة في الفترة الانتقالية ما بين نهاية الدولة الفاطمية وبداية الدولة الأيوبية. وقد نقلها ابن القفطي كما سبق أن نقلها عبداللطيف البغدادي دونما تحقيق.


وعلى الرغم من أنني أميل إلى الأخذ بالتفسير الثاني, لاقترابه من المنطق وسياق الأحداث التاريخية, فإنني أرى أن ابن القفطي أورد الرواية دون أن يكون في ذهنه أي رسالة يمكن أن تحملها, فقد نقلها باعتبارها قصة متداولة, ولم يحاول أن يتوقف أمامها كما فعل في الكثير من الأساطير التي دخلت في ثنايا صفحات كتابه.








يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق