الاثنين، 11 أبريل 2016

قصه مكتبه الاسكندريه القديمه ومصيرها؟1

قصه مكتبه الاسكندريه القديمه ومصيرها؟1



كانت مكتبة الإسكندرية القديمة, التي بناها البطالمة الأوائل, أهم مؤسسة علمية وفكرية في العالم القديم. وقد ظلت المكتبة تلعب دورًا مهمًا في الأنشطة الفكرية والعلمية لشعوب شرق المتوسط على مدى عدة قرون. وكانت مقصدًا للعلماء والفلاسفة الذين قاموا بالدور الأهم في عالمهم عندما تدهور دور بلاد الإغريق في تلك الفترة التي يعرفها المؤرخون عموما باسم العصر الهيللينستي (أي العصر الذي جمع بين التراث الهيلليني, أي اليوناني والتراث الآسيوي), وهو العصر الذي يبدأ بفتوحات الإسكندر الأكبر وينتهي بمعركة اكتيوم في النصف الأخير من القرن الأول قبل ميلاد المسيح, فبعد هذه المعركة التي انتهت بانتحار كليوباترا السابعة ومصرع أنطونيوس بعد هزيمته تحولت مصر إلى ولاية رومانية, وصارت الإمبراطورية الرومانية تحكم حوض البحر المتوسط كله لدرجة أن الرومان أسموه (بحرنا(.


وفي تلك الفترة تعرضت مكتبة الإسكندرية لحريق جزئي أثناء حملة يوليوس قيصر على الإسكندرية, لأن النيران التي اندلعت في السفن الراسية بالميناء امتدت إلى بعض أجزاء المكتبة, ولكن المكتبة ظلت تعمل بعد ذلك, بدليل أن استرابون الذي زارها بعد عدة سنين وصف الأنشطة والحياة داخلها. ثم تعرضت المكتبة لحريق يبدو أنه كان مدمرًا بحيث وضع نهايتها المأساوية أثناء حوادث الشغب التي قام بها المسيحيون في الإسكندرية أواخر القرن الرابع الميلادي ضد الوثنية ورموزها, وكانت مكتبة الإسكندرية من بينها بطبيعة الحال.




ثم جاء الفتح الإسلامي لمصر في النصف الأول من القرن السابع الميلادي، قد عقد عمرو بن العاص اتفاقية مع البيزنطيين حدد فيها شروط جلائهم عن مصر فيما يعرف باتفاقية الإسكندرية الأولى, ثم نقض البيزنطيون اتفاقهم وحاربهم المسلمون وهزموهم مرة أخرى, وتجددت شروط الجلاء في اتفاقية الإسكندرية الثانية.


واللافت للنظر هنا أن كتب تواريخ الفتوح الإسلامية التي تناولت فتح مصر (البلاذري, والطبري, وابن عبدالحكم, ومن نقل عنهم من المتأخرين وأهمهم تقي الدين المقريزي), لم يذكروا شيئًا عن مكتبة الإسكندرية القديمة, سواء ما يتعلق بوجودها, أو وجود أطلالها, حتى أي إشارات عن حرقها وتدميرها, على الرغم من اهتمام هذه المصادر بذكر تفاصيل الحصار لحصن بابليون, والمعارك التي جرت في الإسكندرية وغيرها, بل إن ابن عبدالحكم تحدث عن خطط الإسكندرية ولكنه لم يذكر شيئًا عن المكتبة أو غيرها من الملحقات مما يشير صراحة إلى أنها لم تكن موجودة, كما أن أطلالها كانت قد اندثرت. وهنا ينبغي أن نشير أيضًا إلى أن المؤرخ الأسقف يوحنا النقيوسي, الذي كان شاهد عيان لأحداث الفتح الإسلامي لم يقل شيئًا عن أعمال عنف قام بها المسلمون ضد المكتبة على الرغم من أنه كان قاسيًا في الحديث عن المسلمين, ولم يكن متعاطفًا معهم بأي حال من الأحوال. كذلك لم يشر أي من المؤرخين المسيحيين الذين كتبوا عن تاريخ مصر, في سلسلة تمتد من أوائل الوجود الإسلامي في مصر حتى عصر سلاطين المماليك, إلى شيء يتعلق بمكتبة الإسكندرية القديمة (ساويرس بن المقفع, وابن العميد, ومفضل بن أبي الفضائل وغيرهم(.


لكن المدهش أن أول ذكر لهذه القصة جاء على لسان عبداللطيف البغدادي الذي زار مصر سنة 595هـ/1200م في عبارة قصيرة, ثم وردت رواية تفصيلية لدى أحد المؤلفين المسلمين, وهو ابن القفطي الذي كتب في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي يضع مسئولية حريق مكتبة الإسكندرية القديمة على عاتق المسلمين. وقد نقلها عنه باختصار المؤرخ المسيحي (ابن العبري) دونما تعليق بعد عقود قليلة من الزمان.


وقد أثارت رواية ابن القفطي, بتنويعاتها المختلفة, كثيرًا من المناقشات وحفزت كثيرًا من الدراسات والبحوث, فقد أخذها بعض المؤرخين الغربيين وسيلة للهجوم على الإسلام والمسلمين من ناحية, كما أخضعها نفر آخر من هؤلاء المؤرخين للبحث والدراسة وأثبتوا عدم صحتها من ناحية أخرى. وأسهم عدد من المؤرخين العرب المعاصرين في مناقشة الموضوع وبرهنوا على أن الرواية التي ساقها ابن القفطي بعد عدة قرون من الفتح مجرد قصة ركيكة رديئة التأليف ومليئة بالثغرات والثقوب, وبدا الأمر وكأن نار المناقشات حول مصير مكتبة الإسكندرية القديمة قد باتت رمادًا.


بيد أن إحياء مكتبة الإسكندرية في السنوات الأخيرة, وتجسيد الحلم في هذه المؤسسة الرائعة, وأنشطتها الفكرية والعلمية والفنية أعادت لمدينة الإسكندرية قدرًا كبيرًا من بريقها المفقود, وأعادتها قبلة ومصدرًا لأفضل العقول وأجمل المواهب من أركان الدنيا. ولكن هذا الإحياء - من ناحية أخرى - جعل النقاش والجدل يتجدد حول مصير مكتبة الإسكندرية القديمة.


وربما يكون مناسبًا أن نورد رواية ابن القفطي عن مصير المكتبة, ثم نناقشها في محاولة للوصول إلى الصورة الأقرب للحقيقة, وعلى الرغم من أن هذه الدراسة تنطلق من فرضية تنفي التهمة عن المسلمين, فإن حق القارئ يفرض علينا أن تكون المناقشة محايدة وموضوعية بقدر ما تسمح به الطبيعة البشرية.


تقول رواية ابن القفطي : إن الحاكم المسلم الأول لمصر بعد الفتح, وهو عمرو بن العاص كان شديد الإعجاب بيوحنا النحوي بسبب حكمته وعلمه, كما كان معجبًا بآرائه في رفض الثالوث, ونهاية الزمان, وكان يحضر مجلسه ويستمع إليه ويتعلم منه !! ويستمر ابن القفطي ليقول: إن عمرو بن العاص قال لهذا العالم المسيحي إنه مستعد أن يلبي له أي مطلب, فطلب منه يوحنا النحوي أن يأذن له بأخذ ذخائر مكتبة الإسكندرية من المخطوطات. وأجابه الحاكم المسلم بأنه لا يستطيع أن يفعل هذا دون موافقة الخليفة عمر بن الخطاب. وعندما أرسل للخليفة أجابه بأن (كتاب الله) يغني عما في هذه الكتب، وأمره أن يتخلص من الكتب!! ثم يقول الراوي: إن عمرو بن العاص أمر بتوزيع مقتنيات مكتبة الإسكندرية على حمامات المدينة لكي تستخدم وقودًا لتسخين المياه بها، واستغرقت هذه العملية ستة أشهر.


هذه هي رواية ابن القفطي باختصار. وقد تصدى ألفرد بتلر في كتابه (فتح العرب لمصر) سنة 1902م لتفنيد هذه الرواية, وكان أهم ما ذكره أن يوحنا النحوي لا يمكن أن يكون موجودًا أيام عمرو بن العاص لأنه كان نشيطًا قبل هذا التاريخ بمائة سنة, وبذلك هدم الأساس الذي قامت عليه رواية ابن القفطي ، كما أن د.مصطفى العبادي أثبت أن المكتبة قد حرقت وهدمت مرة أثناء حرب الإسكندرية, ثم امتدت النيران إلى المكتبة, والمرة الثانية عندما قام الأسقف المتعصب ثيوفانس بتدمير السرابيون سنة 391م بأمر الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير

يتبع





يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق