صراع الحضارات على جزيرة زنجبار 1
إعداد / عبد الحق ميحي تهامي --*
المقدمة الأولى :
الأصل
أن الحضارات تتكامل وتتحاور وتؤثر وتتأثر ، حيث إن الأصل في الحضارة
البناء والتعمير من أجل رقي الأمم (1) ولكن انحراف أصحاب هذه الحضارات عن
منهج التحضر يدفعهم لاتخاذ وسائل شتى لإنهاء الطرف الآخر , ومن ثم
الاستفراد بالساحة وبحكم غريزة البقاء ، فإن الطرف الآخر سيدافع عن كيانه
ووجوده بكل الوسائل المتاحة وبكل الإمكانات , ومن هنا ينشأ الصراع لا بين
الحضارات , وإنما بين أصحاب الحضارات ، ولعل هذا الصراع ينشأ لسببين اثنين :
أولهما
: غياب الجانب الأخلاقي والإيماني في المنهج نفسه ، ومن ثم يبيح أصحابه
لأنفسهم كل وسيلة توصلهم إلى الهدف , وثانيهما: هشاشة المنهج وعدم خضوعه
لمسلمات العلم وقواطع العقل ؛ مما يؤدي حتما الى عدم تقبله بلغة الإقناع ،
مما يلجئ أتباعه إلى فرضه ، إما بلغة القوة والسلاح ، وهذا ما فعلته
الحضارة الأوروبية بالشعوب المستعمرة في القرن التاسع عشر ، أو فرضه بلغة
الترغيب والتحفيز ، مستغلين فقر الأمم وفاقة المجتمعات , وهذا ما سلكه
الغرب المسيحي اليوم مع الأمم الأخرى .
المقدمة الثانية :
إن
شرق إفريقيا والتي منه جزيرة زنجبار كان جزءا لا يتجزء من شبه الجزيرة
العربية ، وكان كل منهما يشكل رقعة جغرافية واحدة حتى انفلقت قشرة الأرض
فيما يعرف بالحركة الجيولوجية للأرض , فانفصلت القارة الإفريقية عن المنطقة
العربية , وكان البحر الأحمر هو ذلك الفاصل المائي بين المنطقتين , ومن
أكبر الأدلة على هذا الكلام ذلك التشابه الكبير والواسع بين شعوب المنطقة ,
تشابها عرقيا وثقافيا ولغويا , وهذه الشعوب إما ناطقة باللغة الحامية
والكوشية ، وتنتشر على السواحل الشرقية والشمالية لإفريقيا , وإما ناطقة
باللغة السامية (كالعرب والأمهرة والتقرى)(2) إذ نجد في اللغات الحامية
الكثير من الكلمات العربية مع بعض التغيرات في مباني الكلمات.
المقدمة الثالثة :
إن
الصلات بين إفريقيا والعرب أقدم من صلات الأوروبيين بالقارة عموما ، حيث
تشير العديد من المصادر التاريخية للوصول العربي المبكر إلى هذه المنطقة ،
إذ يذكر صاحب كتاب الرحلة الدائرية وصفا دقيقا لعلاقة العرب بهذه المنطقة
(شرق إفريقيا) حيث يذكر أن السفن الإغريقية الرومانية التي كانت تجوب
عباب المحيط الهندي لغرض التبادل التجاري كانت تمر على المدن التجارية في
شرق إفريقيا التي لم تكن خاضعة لسلطة مركزية واحدة ، إنما يحكم كل مدينة
حاكم يتبع إداريا لسلطات الدولة القوية في جنوب الجزيرة العربية ، ويضيف
قائلا: إنه من المألوف رؤية التجار العرب في مناطق الساحل الشرقي لإفريقيا
(3) .
وهو
الخبر نفسه الذي أكده صاحب كتاب دليل الملاحة في البحر الإرتري حيث يقول
:" إن منطقة شرق إفريقيا خاضعة بصورة غير مباشرة للدولة العربية ذات
النفوذ القوي ، يديرها أمير معافر من اليمن ، ويقيم بها تجار مهاجرون من
جنوب الجزيرة العربية"(4) بل ولعل الوصول العربي إلى الساحل الشرقي من
القارة أقدم من وصول قبائل البانتو التي استوطنت المنطقة المعروفة اليوم
(تنزانيا) ويدعم ذلك اسم الميناء (راباتا) ذو الاشتقاق العربي (ربط) أو
مربط السفن ، وكان السبب في هذا التواصل العربي الشرق الأفريقي تلك
الظاهرة المعروفة بالرياح الموسمية , حيث كانوا يستغلون هبوب الرياح
الموسمية لركوب البحر واكتشاف المجهول ، ولتسويق المنتجات المحلية وجلب
المنتجات الغير متوفرة عندهم من المواطن المكتشفة ، بل وقد أدت تلك
الظاهرة إلي نزوح سكاني كان يتم بصورة منتظمة ، ويعكس ذلك الوجود الأفريقي
في شبه الجزيرة العربية الغزو الحبشي لليمن ، وكان له الأثر الأكبر في
وجود علاقات عربية إفريقية متينة على جميع الأصعدة , كما حفظ لنا التاريخ
وجود رموز أفريقية في البلاد العربية (بلال الحبشي رضي الله عنه ) وكان
ذلك قبل الإسلام
المقدمة الرابعة :
كان
وصول المسلمين لشرق القارة واكتشاف مجاهيلها أسبق من وصول البحارة
البرتغاليين والألمان المستعمرين ومن بعدهم الإنجليز, فلقد ذكرت الكتب
والمصادر التاريخية أن المسلمين وصلوا إلى سواحل المحيط الهندي في القرن
الثاني الهجري القرن السابع الميلادي ، وذلك لما عصفت الفتن بدار الخلافة
الأموية ، وخرج أبناء عباد بن عبد الجندلي على الخليفة عبد الملك بن مروان ،
فلما خسروا معركتهم مع الحجاج بن يوسف الثقفي اختاروا شرق إفريقيا موطنا
لهم وملاذا مما أصابهم , وكان ذلك سنة 695 ميلادية الموافق ( 84 هجرية )
(5) .
ولو
أن الهجرة الإسلامية إلى شرق إفريقيا كانت مع بدايات ظهور الإسلام , حيث
هاجر المسلمون الأوائل إلى الحبشة قبل الهجرة النبوية , في حين لم ترسُ
السفن البرتغالية بقيادة البحارة (فاسكو ديجاما) إلا في القرن الخامس عشر
ميلادي سنة 1498م على شواطئ المحيط الهندي ، وقد وجد فيها ممالك إسلامية
كمملكة كلوة وممباسة وسفالة ، وغيرها من الممالك الإسلامية التي كانت ممتدة
في إفريقيا شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ، وكانت تزخر بالعمران والمعالم
الحضارية والثقافية والرفاهية والاقتصادية والاجتماعية ، وقد امتزج هؤلاء
المسلمون بالسكان الأصليين عن طريق التزاوج والمصاهرة .
ولعل
المؤرخ الأوروبي أنصف حينما قال :" إنه قبل قدوم العرب إلى إفريقيا
"ويقصد المسلمون" ولم نكن نعرف عنها الكثير, فنحن ـ الأوربيين ـ ندين
بمعلوماتنا عن التاريخ المبكر لداخل القارة لفئة قليلة من المؤلفين
والرحالة أهمهم: المسعودي , والبكري , وياقوت, وابن بطوطة, وابن خلدون"
(6).
المقدمة الخامسة :
إن
الكلام عن جزيرة زنجبار وتاريخها العريق جزء لا يتجزء من تاريخ الإسلام
في شرق إفريقيا , بل عن دول الإسلام ومماليكه في شرق إفريقيا ، ولعل ذلك
راجع لكون زنجبار ولاية من ولايات دولة عمان في بعض الأحيان , أو لكون
حكام زنجبار وإن تفردوا بالملك والسلطنة فإنهم جزء من أولئك العرب
العمانيين الذين أقاموا ممالك في كل من بتة (patta ) وماليندي( MALINDI )
وكلوة ، وكان بينهم تعاون وتسامح وإخاء تارة ، وعداوة ونفور وشجار تارة
أخرى.
فمن
ثم فإن هذا البحث لا يهمل الكلام عن بعض أجزاء إفريقيا الشرقية , كما أن
زنجبار أصبحت في عهد سعيد بن سلطان البوسعيدي عاصمة الإمبراطورية العمانية
التي امتدت من أرض عمان والخليج العربي بندر عباس من أقاليم فارس وحتى
رأس دلفادو في أقصى شرق إفريقيا ، وداخلية البر الإفريقي مثل دودما, تانقا
, وغيرها من المدن ، بل امتدت سلطنته لتصل إلى بعض أجزاء الهند
المقدمة السادسة :
وهذه
المقدمة بمقدار ما فيها من المرارة إلا أنها اعتراف بواقع أليم ، ومن
جانب آخر هي شحذ للهمم المخلصة لاستدراك النقص وسد الفراغ المتمثل في أن
تاريخ الإسلام في هذه المنطقة وتلك الصفحات الناصعة التي تركتها الحضارة
الإسلامية في المنطقة ، بل لتلك البصمات الواضحة والمتمثلة في بقاء الاسلام
في هذه المنطقة متجذرا متعمقا بكل مقوماته ومكوناته الثقافية والاجتماعية
والسياسية , رغم المحاولات الجادة لزعزعته , كتب هذا التاريخ في مجمله
بأقلام غربية نصرانية ، وما بين أيدينا عن تاريخ هذه المنطقة وبشكل تفصيلي
من إنتاج علماء المسلمين قليل ونادر.
صحيح
أن ابن بطوطة والإدريسي والحموي والمسعودي لم يغفلوا هذه المنطقة ،
وأوردوا نتفا عن أخبارها , ولكنها لا تكفي ، بل كان الأولى أن يتفرغ علماء
هذه المنطقة لتاريخ وتراجم سير علماء وقضاة المنطقة ، وإظهار إسهاماتهم
الفكرية والفقهية في الحضارة الإسلامية والإنسانية بوجه عام ، ومع هذا فإن
كتاب جهينة الأخبار للشيخ سعيد المغيري يعتبر رافدا من روافد التاريخ لهذه
المنطقة , إلا أن نزعة التمذهب والانتصار للرأي وغمط الآخرين واضحة في
كتابه جهينة الأخبار.
ولعل
في القرن الأخير ومع بداية الصحوة العربية الإسلامية وجدنا الكثير من
الكتيبات والدراسات والندوات التي تناولت هذه المنطقة بالدراسة ، ولا تزال
هذه الظاهرة والمتمثلة في الاهتمام الغربي بتاريخ المنطقة وحضارتها
متواصلة في مقابل فتور وغياب عربي وإسلامي كامل في مجال البحث والتنقيب ،
وسبر أغوار تاريخ هذه المنطقة ، ولعل مقر أرشيف زنجبار خير شاهد على ذلك ،
حيث تراه يغص بالباحثين الأوربيين ، ويكاد يخلو من الباحثيين المسلمين .
جزيرة زنجبار الموقع والتاريخ
1-
الموقع : زنجبار هي كلمة فارسية بمعنى الزنج , برأي ساحل الزنج , محرفة
أصلها , بر الزنج , ويقال لها بالسواحيلية (انغوجاء) مركبة من كلمتين(
أنغو) بمعنى المنسف و( جاء) بمعنى امتلاء (7) .
وهذه
الجزيرة واقعة بالمحيط الهندي , تبعد عن البر الإفريقي تنجنيقا مسافة 25
ميلا و118 ميلا عن جنوب ممباسة (كينيا) و29ميلا عن شمالي دار السلام ونحو
2200ميلا عن مسقط عاصمة عمان و2500ميلا عن بومباي , و750ميلا عن مدغشقر
و500 ميلا عن جزر القمر[ ويبلغ طولها من أوسع نقطة منها 524 ميلا وعرضها من
أوسع نقطة 24 ميلا] وأكثر مساحة أرضها حجرية , وتصلح في أرضها الطيبة
زراعة الأرز والطلح (الموز) والمهوغو وسائر الحبوب المقتاتة.
II
– التاريخ: كانت تسمى جزيرة زنجبار في القرن الأول للمسيح ( منشونيا )
ولا يعرف لهذا الاسم معنى ، ويقال : إنها كانت جزءا من البر الإفريقي
(تنجنيقا ) بدليل أن الأشجار والحيونات الضارية كالنمور والقردة والتماسيح
الموجودة في البر الإفريقي هي ذاتها الموجودة في زنجبار قديما (8) يؤكد
ذلك ما هو موجود في متحف زنجبار من حيوانات محنطة مشابهة لتلك الموجودة في
البر الإفريقي ، إلا أن ثمة اختلاف واسع في عاصمة زنجبار ، علما أن
الاتفاق حاصل بأن زنجبار الحالية ليست قديمة العهد ، ولم تعمر ذلك العمران
الرائع إلا بعد نزوح البرتغال عنها .
كما
أن ياقوت الحموي الجغرافي المسلم وهو من علماء القرن السابع الهجري (
الثاني عشر ميلادي ) أشار في كتابه معجم البلدان إلى جزيرة أنغوجا ،
والجزيرة الخضراء ، والأولى هي التي تسمى الآن زنجبار ، ويبدو أن عاصمة
زنجبار سابقا كانت جزيرة تمباتو(tumbatu) حيث كانت هذه الجزيرة معاصرة
لمنطقة كزمكازي التي بني بها أول مسجد أسس في القرن الخامس الهجري ، وما
زالت آثاره قائمة إلى الآن ، وفي محرابه كتابة بالخط الكوفي بتاريخ ذلك
المسجد ، إلا أنه وجد في متحف زنجبار قطعة حجرية مكتوب عليها آيات قرآنية
بالخط الكوفي أيضا أخذت من جزيرة تومباتو ذكر علماء الآثار أنها أقدم من
تلك الموجودة في مسجد كزمكازي ، مما يدل على أن وصول المسلمين إلى منطقة
تومباتو أقدم من وصولهم إلى كزمكازي ..
ويقول
الحموي في وصفه لأنجوجا : "إنها جزيرة كبيرة في أرض الزنج ، حيث يوجد مقر
ملك الزنج ، وتتجه إليه السفن من جميـع الجهات ، وقد انتقل حكامها إلى
جزيرة أخرى اسمها تومباتو وأهلها مسلمون " (9) ما زالت بجزيرة
تمباتو(tumbatu) أثار تدل على أنها كانت عاصمة لزنجبار.
بداية الاتصال العربي الإسلامي والتكوين السكاني في زنجبار:
تقطن
جزيرة زنجبار مجموعة من السكان تتكون من أعراق وسلالات مختلفة نتيجة
تزاوج المهاجرين العرب والشيرازيين مع السكان الأصليين ، والذين كانوا
أصلا وثنيين ، وكما أشرنا إلى أن بداية التواصل العربي الإسلامي كان في
القرن الهجري الأول نهاية القرن السابع الميلادي في عهد عبد الملك بن
مروان ، حيث كانت الحروب السياسية دائرة بينهم ، حيث فرّ هؤلاء بقيادة
سليمان بن عباد من وجه عبد الرحمن بن سليمان الذي أوفده الحجاج للقضاء على
ثورة أهل عمان ، فحمل سليمان بن عباد وأخوه وهما المعروفان (بابني
الجلندي) ذراريهما وسوادهما ولحقا ببلد من بلدان الزنج( زنجبار)(10)
واستوطنوا مدنا على سواحل شرق إفريقيا ، ثم جاءت الهجرة الثانية في القرن
العاشر الميلادي (السلطان الحسن بن علي الشيرازي وأولاده) والذين ينسب
إليهم تأسيس المدن والمماليك في شرق إفريقيا ، وهناك هجرات أخرى في القرن
نفسه ، حيث هربت مجموعة من سكان عمان إلى هذه المناطق نتيجة الخلافات
السياسية(11) وهناك هجرات فردية من كل من الكوفة والبصرة العراقيتين ، حيث
تنسب المخطوطات التاريخية في جزيرة تومباتو بناء مدينة مكوكوتوني لشيخ
عربي اسمه (يوسف بن علوي) .
ومن
الهجرات العربية الهامة التي كانت لها بصمات واضحة في الحياة السياسيـة
والاجتماعية في شرق إفريقيا هجرة الأسرة النبهانية في القرن الثالث عشر
ميلادي(12) وهذه الأسرة أسرة حاكمة ، وقد وجدوا تأييدا من المجموعات التي
سبقتهم إلى هذه الجزر في الساحل الشرقي الإفريقي ، وحازوا على الحكم في هذه
المواطن ، وامتد سلطان هذه الأسرة من القرن الثالث عشر ميلادي وحتى
الثامن عشر ميلادي ، وما زال تأثير هذه العائلة الحاكمة في نشر الثقافة
الإسلامية في شرق إفريقيا كما كانت هجرات يمنية من قبل الحضارمة ، والتي
بدأت في القرن العاشر الميلادي ، أي في القرن الرابع الهجري(13).
ويذكر
المغيري في جهينة الأخبار: أنهم كانوا عمودا فقريا في الدولة السعيدية
أيام السلطان سعيد بن سلطان ، حيث تولوا القضاء ، والجمارك، والجندية ،
وكانت هذه الجالية أهل حركة ومعرفة ومعاملة وتجارة (14)...
ثم
توالت الهجرات من عمان بعد الاستعمار البرتغالي ، وتأسست دولة إسلامية
قوية ذات أبعاد حضارية عظيمة ، وازدهرت هذه الدولة ازدهارا كبيرا التحمت
بالدولة العربية الإسلامية في عمان ، بل أصبحت جزيرة زنجبار عاصمة لدولة
عمان في عهد البوسعديين ( سعيد بن سلطان) ثم انفصلت عن عمان لتكون بعد ذلك
دولة عربية مستقلة لما دب الخلاف بين أبناء السلطان ، وثم خلاف كبير بين
اليمانين والعمانيين في أيهم أسبق إلى شرق إفريقيا (15) حيث إن الشيخ
الجنيد إمام الجالية اليمانية وعالمها الجليل يشير في مذكراته (الإسلام
واليمانيون الحضارمة بشرق إفريقيا) إلى أن هجرة العرب اليمنيين كانت قبل
هجرة العرب العمانيين(16) ثم أعقب هذه الهجرات العربية الهجرات الهندية
التي كان لها أثرـ وإن كان قليلا في التركيبة السكانية في زنجبارـ وأقول (
الأثر الضعيف ) ذلك لأن الجالية الهندية جالية منغلقة على نفسها لا تتزاوج
مع السكان(17) الأصليين ، وعليه فإن الدراسات الحديثة تشير إلى أن سكان
الجزيرة الأصليين هم التمباتيون – والبمباويون- وقبيلة الأوخاديموا وتجمع
روايتي الكولونال (colonel regdi) ومحمود حويري على أن التركيبة السكانية
في الزنجبار بدأت بمجموعـة من الشيرازيين وبعض الشيعة الذين جاؤا إليها من
الإحساء ثم الزنوج والعرب العمانيين واليمنيين (18) ومن يرى سكان زنجبار
اليوم ليجزم بالامتزاج العرقي بين العنصر الزنجي والعنصر العربي. فملامح الوجوه ولون البشرة هي ذاتها الموجودة في المناطق الجنوبية من اليمن وبعض الدول في الخليج العربي.
ملاحظة:
ذكر
فضيلة العلامة الجنيد أن الاسلام عرف طريقه إلى زنجبار في عهد سيدنا
عثمان رضي الله عنه ، وذلك بشكل فردي ، ولعل ذلك من خلال هجرة بعض العرب
من الحبشة إلى زنجبار(19).
الدولة الإسلامية العظيمة في زنجبار:
إن
الكلام عن بداية الدولة الإسلامية في زنجبار لا يمكن أن يتصور إلا إذ
أدركنا أن كلا من زنجبار والجزيرة الخضراء ومافيا وممباسا وكلوة وجزر القمر
كانت في العهود السابقة للاستعمار الغربي رقعة جغرافية وسياسية واحدة ،
وما هذه التسميات والتقسيمات إلا وليدة الإستعمار الغربي(20) فبداية الحكم
الإسلامي في زنجبار خصوصا والشرق الإفريقي عموما بدأت مع بداية الهجرة
الجماعية إليها ، حيث اشترى السلطان حسن بن علي الشيرازي جزيرة كلوة من
حاكمها الوثني ، وامتلكها مع أولاده ..
وكان
أول من ملك البلاد ( يقصد شرق إفريقيا) منهم السلطان علي بن الحسين بن
علي ، وذلك في أواسط القرن الثالث من الهجرة النبوية ، وولى ولده محمد بن
علي على ممباسة ، وبعد اضطراب الأمور وحدوث الفتن خرج بعض ذرية السلطان
علي بن الحسين من كلوة إلى زنجبار لطلب النصرة من سلطانها ، كما أن صاحب
السلوة ذكر أن السلطان سعيد بن سلطان، سلطان كلوة ( وليس المراد هنا
السلطان سعيد البوسعيدي ) حين قام منازعا في الملك ، فلما لم يكن له طائل
ترجح له أن يخرج من البلاد مهاجرا إلى زنجبار لطلب النصرة على سلطانهم ...
فلما
وصل زنجبار وجد السلطان فيها هو السلطان حسن بن السلطان بن بكر، فطلب منه
النصرة على كلوة فوعده بذلك(21) ويبدو بإمعان النظر أن هذه الجزر الواقعة
في شرق إفريقيا كانت عبارة عن سلطنات إسلامية على رأس كل سلطنة سلطان ،
ولكن الحال واحدة حيث دبت الخلافات وشبت الحروب بين الأخوة وأبناء الملة
الواحدة ، والذي يؤكد هذا الكلام أن المسعودي قال في مروجه أثناء الكلام عن
هذه الجزر الواقعة في بلاد الزنج من المحيط الهندي (أن حكامها كانوا
مسلمين) وذلك كان في القرن الرابع الهجري(22) ..
ولكن
رغم ذلك فقد شهدت هذه الدول وهذه السلطنات تطورا حضاريا في مجالات عدة
على ذات النسق الذي كانت تعيشه المدن العربية ومدن الخليج العربي ، كما
يحدثنا سبنسر ترمنجهام عن ذلك التأثر الحضاري في شرق إفريقيا عموما
وزنجبار خصوصا ، بالحضارة الإسلامية فيقول: " وكان الارتباط بحضارات الدول
التي جاء منها المستوطنون الأوائل قويا شديدا فعمل الشعــب الجديد على
تقليد حياة مدن جنوب الجزيرة العربية ومدن الخليج العربي "(23).
علما
أن هذه السلطنات كانت قائمة حتى القرن العاشر هجري في كل من زنجبار
وممباسة وكلوة وسفالة وغيرها، وهو القرن الذي غزا فيه البرتغاليون شرق
إقريقيا ، وشهدوا على عظمة الحضارة الإسلامية الموجودة في هذه المدن
والدول(24) كما أن سلاطيـن هذه الدول كانوا على اتصال بالسلطــان محمـود
الغزنــوي(1001 هـ) أشهر سلاطين الدول الغزنوية بالهند ، حيث يذكر المغيري
أنه لمــا نــزل (البرتغاليون) إلى( ملند ) وهي مدينة كينية حاليا تلقاهم
أهلها غاية التلقي ، وأعطوهم جميع ما يريدون ، ثم تركوا عندهم سبعة أنفس
من النصارى وقالوا لهم: اثنان يجلسان عندكم ، وأربعة أرسلوهم إلى جزرات
عند السلطان محمود ، فأما الأربعة الذين أرسلوهم إلى الهند فقد ختنهم صاحب
الهند (محمود الغزنوي) وأسلموا(25) ..
ولعل
من أبرز تلك الأسر العربية الحاكمة في شرق إفريقا في القرن السابع و
الثامن الهجريين أسرة النباهنة ، والتي ملكت عمان ثم انتقل ملكها إلى
الساحل الشرقي من إفريقيا عندما احتدم الصراع بينها وبين بعض القبائل
العربية في عمان.
حيث
تذكر الروايات أن بتة ( PATTA )(منطقة في كينيا) قد حكمها الأمراء
النباهنة ، وأن عدد سلاطين النباهة الذين حكموا الساحل الشرقي في إفريقيا
32 سلطانا ، وكان أول ملكلهم بين 500 و 600 هـ(26).
بداية الصراع الإسلامي النصراني في جزيرة زنجبار ( الوجود البرتغالي):
[hide]
يعد
الصراع الإسلامي المسيحي على جزيرة زنجبار امتدادا للصراع المسيحي في
العالم ، وحلقة من حلقاته المبدوءة بالحروب الصليبية وإنهاء الوجود
الإسلامي في الأندلس ، وانطلق هذا الصراع مع بدايات الاكتشافات الجغرافية
والتي انطلقت من البرتغال بقيادة البحارة هنري الملاح ، حيث كانت الأطماع
الاقتصادية تسيطر على هؤلاء ، كما كانت رغبتهم ملحة في العثور على طريق آخر
موصل للهند غير طريق البحر الأحمر الذي كان تحت السيطرة الإسلامية ذات
القوة والنفوذ ، ومن ثم كان لزاما أن يشق البرتغاليون طريقهم إلى الهند مما
جعلهم يحتكون بالوجود الإسلامي في السواحل الشرقية لإفريقيا ، ولكن لا
يجب أن نفصل التفاف البرتغاليين حول سواحل إفريقيا واكتشافهم طريق الهند
عن الأهداف الدينية والعقائدية وحصرها في الأهداف الاقتصادية البحتة ،
ولعلنا سنسوق بين يدي هذا البحث من الأدلة القوية المتمثلة أولا في النصوص
الصريحة بالهدف الديني للحملات البرتغالية ، وهذه النصوص لعلماء غربيين
قبل أن تكون لعلماء مسلمين والإقرار سيد الأدلة ، وثانيا في تصرفات
البرتغالين وتصريحات حكامهم وأعمالهم البشعة ضد المسلمين ، مما يرجح البعد
الديني في حملاتهم ، فقد ذكر الأستاذ جستص استراندس في كتابه الحقبة
البرتغالية في شرق إفريقيا أن من بين الدوافع التي دفعت البرتغاليين
للقيام بحركة الاكتشافات الجغرافية هي البحث عن طريق لا يسيطر عليه
المسلمون ، وهناك دافع ثاني وهو البحث عن مملكة (القديس جون ) التي كانت
أحد الأحلام التي تراود البرتغاليين للتحالف معها ضد المسلمين ، مما شجع
الأمير هنري الملاح البرتغالي (والمعروف بتعصبه الديني) لخوض العديد من
الحروب لاكتشاف سواحل إفريقيا، وهذه المملكة التي أمر الملك يوحنا قائد
حملته بالتحالف معها للقضاء على المسلمين(27).
ويؤكد
المعنى ذاته المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد تويمبي(28) قائلا: " إن
مصطلح الحروب الصليبية يطلق عادة على تلك الحملات العسكرية الغربية التي
خرجت من أوروبا الغربية بتحريض من البابا وبركاته لتحقيق إنشاء مملكة
مسيحية في بيت المقدس أو لدعمها ، أما في شرق إفريقيا فيمكن أن تسمى هذه
الحروب حروب صليبية ؛ لأن المحاربين المشتركين فيها حبسوا أنفسهم عن شعور
وقصد أنهم يحاربون لمد حدود المسيحية أو الذود عن حياضها(29).
وأما
عن تصرفات وتحركات البرتغاليين العملية في شرق إفريقيا كان أولها بناء
قلعة السيد المسيح ( كينيا) سنة 1594 ولا تزال قائمة إلى يومنا هذا، وبناء
قلاع أخرى في كل من أنجوجا وبمبا والتي رفعت فوقها الصلبان ، واتخاذ تمثال
لفاسكو ديجاما ورفع الصليب فوقه (30) ..
كما
استدل الباحثون في الشأن الإفريقي على النوايا الدينية لقادة حملات
الاكتشافات الجغرافية بذلك الأمر الملكي الذي وجهه الملك يوحنا إلى مندوبه
الديني المرافق للحملــة (أفراي جون اكسبر) والذي يطلب فيه منه أن يعلن
للجند عن غرض تلك الحملة وأهدافها ، فألقى خطبة جاء فيها :
"أن
المسيحي الكاثوليكي الذي لا يدافع عن عقيدته بكل ما أوتي من قوة لا يعتبر
فارسا حقيقيا من أتباع المسيح ، بل هو أشد سوء من العدو" (31) ناهيك عن
قطع الطريق أمام الحجاج المسلمين في شرق إفريقيا إلى مكة المكرمة وقتلهم ،
وتدمير سفنهم وإغراقها ، كما أورد الشيخ المغيري خبرا نقطع من خلاله الشك
باليقين عن الهدف العقيدي للحملة البرتغالية، وهو أنهم أخذوا طفلا يسمى
يوسف بن حمد من بيت سلاطين ممباسة وأرسلوه إلى جزيرة نجوغو من أعمال الهند
بقصد تعليمه وتثقيفه ، فتعلم هناك وتثقف وتنصر ، ولما مات أبوه أرجعوه إلى
ممباسة ونصبوه سلطانا عليها، ما أدى إلى قيام ثورة عام 1637م(32) ..
هذا
فضلا عن أعمال السلب والنهب والقتل وهتك الأعراض الذي تعرض له المسلمون
على يد البرتغاليين(33) وبدأت الحملة البرتغالية بوصول فاسكو داجاما إلى
شرق إفريقيا عام 1498 م وكانت (الموزمبيق) أول ميناء يرسو به في تلك
المنطقة، فهرع بعض سكان المنطقة إلى تلك السفن وحيوا أهلها بتحية الصليب
لمعرفتهم بالحملة من خلال الشارات الصليبية على أشرعة السفن، إلا أن
البرتغاليين فتحوا نيرانهم على السكان فأردوهم صرعى(34) ..
وعلى
ذات المنوال استطاع رافسكو الذي انفصل عن حملة (دالندها) التي أقلعت من (
لشبونة ) أن يدمر زنجبار ، ويأسر عشرين سفينة مشحونة بالبضائع كانت راسية
في مينائها بعد معركة بحرية حصد فيها البرتغاليون آلاف الأنفس بما فيهم
ابن الملك(35) ..
وهكذا
تتابعت الحملات البرتغالية على تدمير المدن والحواضر الإسلامية في شرق
إفريقيا ككلوة وغيرها ؛ مما كان له الأثر البالغ في توقف حركة التجارة
والهجرة ، وانفراط عقد الأمن ، وحلول الخراب(36).
التحرر من الاستعمار البرتغالي وبداية النهوض الإسلامي:
إن
الكلام عن الحركات التحررية في شرق إفريقيا لا يجب أن يكون بعيدا عن
الحركات التحررية في دولة عمان وثوراتهم ضد البرتغاليين ، علما بأن منطقة
شرق إفريقيا شهدت عدة ثورات ، وخاصة سكان جزيرة بمبا ، فإنهم لم تلن لهم
عريكة ، ولم تكسر لهم قناة ، ولا هدأ لهم بال ، ومن أمثلة هذه الثورات ثورة
1635م وثورة عام1637..
ولا
ننسى الصراع والثورات بين البرتغاليين والمسلمين في ممباسة وبتة وغيرها،
ولكن التفوق العسكري والتطور الملحوظ في جانب القوات البرتغالية كانا
مرجحين لكفة القوات البرتغالية ، مما جعل هؤلاء المسلمين يستنجدون بحاكم
عمان من خلال وفد رسمي أوفد إلى عمان للاستنجاد بالسلطان الإمام سيف بن
سلطان اليعربي، الذي يلقب بقيد الأرض، وكان هذا الإمام حسن السيرة والسياسة
، محاربا للنصارى في جميع الأقطار ، وعمل مراكب عظيمة في البحر ، وعظم
جيشه ، وقوي سلطانه حتى قيل : إن جيشه الذي دخل به الهند بلغ ستة وتسعين
ألفا(37) فبعد أن غادر الوفد الإفريقي عمان جهز سيف بن سلطان اليعربي حملة
قاصدا ممباسة لمحاربة البرتغاليين ، ودامت الحرب بينه وبين البرتغاليين
عامين كاملين ، وفي سنة 1060 هـ استولى الإمام على ممباسة وأجلى
البرتغاليين عن جل المدن والحواضر الإسلامية بالساحل الشرقي إلى أقصى
مملكتهم بموزمبيق..
وهكذا
دخلت جميع الممالك الإسلامية في شرق إفريقيا تحت حكم الإمام العماني سواء
أكان سيف بن سلطان بن سيف أو غيره ، لما في الروايات من اختلاف في محرر
البلاد من الاستعمار ، واتخذ عاصمة ملكه ممباسة( كينيا ) ثم عين الإمام
ناصر بن عبد الله المزروعي واليا على ممباسة ، وقفل راجعا إلى عمان(38) ..
ومع
بداية عام 1650 م بدأت العلاقات والصلات تنمو من جديد بين عمان وزنجبار
وترجع إلى وضعها الطبيعي كما كانت قبل الاحتلال البرتغالي ، وتشير الروايات
التاريخية إلى أن الأمر لم يستقر لأئمة عمان ، حيث عاود البرتغاليون
الهجوم على هذه المراكز من جديد ، ولكن الإمام سيف بن سلطان استرد ممباسة
وزنجبار وبشكل نهائي من أيدي البرتغاليين بعد أن ضرب معاقلهم في الهند ،
ودمر حصونهم ، وحطم قلاعهم في المعركة الشهيرة (الديو) وكان استرداد زنجبار
عام 1694 م وممباسة عام 1698 م.
دور العثمانيين في شرق إفريقيا:
وبعد
كتابة جزء كبير من هذا البحث الذي لم أجد في كثير من المصادر أي دور يذكر
للخلافة العثمانية في هذه المناطق من العالم الإسلامي حتى وقع تحت يدي
كتاب الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة ( تقسيم الإمبراطورية
العمانية)، فألفيته قد ذكر دورا بارزا للدولة العثمانية في محاربة
البرتغاليين في عمان وغيرها من مدن الخليج العربي وشرق إفريقيا، فقد قاد
القائد العسكري العثماني ميـرعلي بيه عدة حملات ضد البرتغاليين في شرق
إفريقيا ، منها حملة عام 1585م وحملة عام 1588 م ، حيث انتصر في الحملة
الأولى وخضعت له جميع الممالك الإسلامية من مقديشو إلى كلوة ، وعاد بغنائم
كثيرة ، مما جعل البرتغاليين يعدون حملة مضادة قوية إلى شرق إفريقيا
بقيادة مارتيم أفونسودي ميلو(martin affonsode mello) بحيث انتقموا من
الممالك التي وقفت مع العثمانيين واستبيحت المدن ، وقتل الزعماء عام 1587م
وفي عام1588 أعد القائد العثماني حملة أخرى أخضع فيها جميع مدن الساحل..
ولكن
سرعان ما بادر البرتغاليون إلى الهجوم المضاد بقيادة ( تومي ديسوزا
كيتمبوCOUTINBO DESOuzA ) عام 1589 م ، والذي استعان بكثير من القبائل
الوثنية كالزولو، والمساي والجاغا فدمر الحملة العثمانية ، وأباح المدن
الإسلامية لهذه القبائل التي تعتبر من أكلة لحوم البشر، وبذلك فرضت السيطرة
البرتغالية على الساحل الشرقي لإفريقيا ، كما فرضت على عمان وغيرها(39) .
دولة
اليعاربة: تنسب هذه الدولة للإمام المؤيد ناصر بن مرشد بن أبي العرب
اليعربي، من ولد نصر بن زهران وكانوا من القبائل العربية(40) وتولى زمام
الأمور في عمان 1615م الموافق لـ: 1024 هـ .
ثم
لما توفي سنة 1640 ميلادي الموافق لـ: 1050 هـ لم يترك سوى ابنة واحدة،
ولم تكن له يد في إفريقيا الشرقية، بويع ابن عمه الإمام سلطان بن سيف،
ولهذا الإمام تاريخ حافل في جهاد البرتغالين ليس في مسقط فحسب، بل ترجمت
كثير من الروايات التاريخية أنه هو الذي بدأ جهاد البرتغالين في شرق
إفريقيا (41) ..
ولكن
الحاكم اليعربي الذي لمع اسمه في سماء شرق إفريقيا في إجلاء البرتغاليين
وتكبيدهم هزائم نكراء ،والذي ترك بصمات واضحة على الحياة السياسية
والاجتماعية والاقتصادية والثقافية هو الإمام سيف بن سلطان بن سيف بن سلطان
بن سيف بن مالك الملقب بقيد الأرض ؛ لكثرة فتوحاته وانتصاراته، حيث كان
يملك قوة عسكرية ضاربة ، كما كان مثالا في ضبط الممالك وتقييد البلاد بعدله
، بل تجاوز في فتوحاته إلى بعض الجزر التي كانت بالهند ..
ثم
كان أخر أئمة من اليعاربة سلطان بن مرشد بن هدي اليعربي سنة 1167 هجرية
الموافق ( 1753م ) وهناك رواية تقول : إن آخر إمام هو بلعرب بن حمير ، وقد
توفي في نفس السنة ، ثم انتقل الحكم إلى العائلة البوسعدية بقيادة الإمام
أحمد بن سعيد ودامت دولة اليعاربة التي امتدت من عمان إلى شرق إفريقيا
وبعض الجزر الهندية 143 سنة (42) ..
ولكن
ظلت الممالك الإفريقية ولايات تابعة لدار الإمامة في عمان، يُنَصّبُ
عليها ولاة مبعثون من قبل الإمام من عمان (43) إلا أنه في عهد سابع الأئمة
اليعاربة سيف بن سلطان الثاني ، ونتيجة للفتن التي عصفت بعمان أرسل الشيخ
محمد بن عثمان المزروعي واليا على أفريقية الشرقية ، كان ذلك سنة 1163 هـ
الموافق ل1749م , وظل هذا الوالي يبعث للإمام قسطا معلوما من المال في كل
عام ، وفي عهده أفل نجم دولة اليعاربة(44) .
دولة البوسعيدين :
قال
السالمي رحمه الله في مطلع الكلام عن هذه الدولة "فلما غيرت اليعاربة
سيرة السلف الصالح ، وظنوا بغباوتهم أن الدولة ميراث ، وتكالبوا على الملك
أذهب الله ذلك من أيديهم ، وجعله إلى غيرهم " (45 )
ومؤسس هذه الدولة هو الإمام أحمد بن سعيد بن أحمد محمد البوسعيدي، وكان واليا على منطقة صحار في عمان لسيف بن سلطان اليعربي ، ثم فوض إليه أمور الدولة وسياسة البلاد لما رآه فيه من قوة الشكيمة وعلو الهمة ، فلما وقعت الفتنة بين سيف بن سلطان اليعربي وبلعرب بن حميز بعثه سيف بن سلطان ليخلص الحصون من يد بلعرب بن حميز ، وتمكن الإمام أحمد من قتل بلعرب ، وعندها اتفق أهل نزوى بعمان على خلع سيف بن سلطان ومبايعة الإمام أحمد البوسعيدي ، ولكن السالمي يرجح موت سيف بن سلطان قبل بلعرب بن حميز ، وعليه ظلت عمان بدون إمام ، فالإمام الشرعي مات والباغي بلعرب بن حميز قتل ، ولا بد من مبايعة إمام ، وهكذا انعقدت الإمامة لهذا الإمام ، وساد ودانت له الخلائق ، واستقام ملكه تسعا وعشرين سنة ، وتوفي سنة 1196 هجري (46) الموافق لـ1781م .
ومؤسس هذه الدولة هو الإمام أحمد بن سعيد بن أحمد محمد البوسعيدي، وكان واليا على منطقة صحار في عمان لسيف بن سلطان اليعربي ، ثم فوض إليه أمور الدولة وسياسة البلاد لما رآه فيه من قوة الشكيمة وعلو الهمة ، فلما وقعت الفتنة بين سيف بن سلطان اليعربي وبلعرب بن حميز بعثه سيف بن سلطان ليخلص الحصون من يد بلعرب بن حميز ، وتمكن الإمام أحمد من قتل بلعرب ، وعندها اتفق أهل نزوى بعمان على خلع سيف بن سلطان ومبايعة الإمام أحمد البوسعيدي ، ولكن السالمي يرجح موت سيف بن سلطان قبل بلعرب بن حميز ، وعليه ظلت عمان بدون إمام ، فالإمام الشرعي مات والباغي بلعرب بن حميز قتل ، ولا بد من مبايعة إمام ، وهكذا انعقدت الإمامة لهذا الإمام ، وساد ودانت له الخلائق ، واستقام ملكه تسعا وعشرين سنة ، وتوفي سنة 1196 هجري (46) الموافق لـ1781م .
الفتنة الكبرى بين المزاريع والنباهنة من جهة والحكام البوسعيدين :
سبق
وأن ذكرنا أن نجم الدولة اليعربية أفل وبزغ نجم البوسعيديين ، وحكام شرق
إفريقيا أنذاك هم المزارعة من القبائل العربية العمانية ، علما أن أحمد بن
سعيد البوسعيدي أول ما انتقل إليه الملك والإمامة وضع يده على زنجبار
بإفريقيا الشرقية ، مما جعلهم يرفضون ولاية الإمام أحمد ، فوقعت بينهم
الحروب والمناوشات ، حيث رفض محمد بن عثمان الإذعان بالولاء للبوسعيديين
مما جعل الإمام أحمد بن سعيد يرسل من يقتله في قلعته بممباسة ، أما زنجبار
فقد ولي أمرها ياقوت الحبشي مملوك سيد أحمد بن سعيد ، الأمر الذي جعل علي
بن عثمان المزروعي يغتاظ من ذلك ، ويعلن الحرب على زنجبار سنة 1167 هجري
الموافق ( 1753م ) ولكنه انهزم هو وجيشه وقتل ودفن بزنجبار (47) ..
كما
تذكر الروايات أن الفتنة ظلت قائمة بين آل بوسعيد والمزارعة والنباهنة
حتى أيام الوالي السادس على زنجبار في عهد سعيد بن سلطان سنة 1238 هجرية ،
وبتتبع تاريخ زنجبار نجد أن العمانيين لم يستفردوا بالحكم فيها ، بل كان
هناك حكام من أهل زنجبار ، أي من السكان الأصليين ، فقد حكم زنجبار
السلطان أحمد بن محمد بن حسن العلوي ، ويعرف عندهم باسم (بوانى مكوا) وهذا
لفظ سواحلي معناه " السيد الكبير" قال عنه المغيري : "هو من سلالة
السلاطين السابقين ، وآخرهم وهم الذين سادوا زنجبار منذ زمن طويل قبل قدوم
العرب العمانيين لهذه الجزيرة "(48) ثم قال : إنه من أبناء ملوك زنجبار
الأقدمين" (49) ..
وكان
سلطانا على المخاديـم في عهد السيد سعيد بن سلطان ، وكان يتقاسمان
السلطة(50) –وكانت له طبول وأبواق مزدانة بنقوش وكتابات عربية محكمة الصنع ،
لا تزال محفوظة بدار الآثار (51) وبعد موت أول سلطان( آل بوسعيد بعد 41
سنة) تولى الإمامة ابنه سعيد ، ثم تنازل سنة 1199 هجري الموافق ( 1784م)
لولده أحمد بن سعيد ، ثم استقر الملك للسيد سلطان الذي قتل في المعركة
البحرية بخليج العرب سنة 1028هجرية الموافق ( 1619م ) وكان له أخ يدعى
سالما شاركه في الملك والسلطنة ردحا من الزمن ، ولكن بعد مقتل السيد سلطان
تولى الأمر أحد أبناء عمومته وهو السيد بدر بن سيف ، وكانت أمور تسيير
الدولة تصدر عن السيدة فاخرة بنت الإمام أحمد التي حرضت ابن أخيها السيد
سعيد بن سلطان على قتل بدر بن سيف في مبارزة علنية ، وبعد مقتل هذا الأخير
توطدت أقدام السيد سعيد بن سلطان (52) .
دولة السيد سعيد بن سلطان:
مؤسس
دولة زنجبار الحديثة، ولد هذا الهمام في بلد سمايل من عمان سنة 1204 هجري
(1791م) وتولى المملكة في شهر شعبان 1219 م الموافق لسنة 1804م وبعد قتله
لابن عمه بدر استقر له سلطان عمان وزنجبار ، وكانت تربطه أواصر صداقة
حميمية مع الإنجليز (الدولة الاستعمارية) حتى قال عنه المغيري و هو ممن
أطنب في مدحه والثناء عليه بقوله هذا الإمام الباسل المقدام السياسي الذي
ساقته العناية الربانية…)(53) يقول عنه(54) واصفا علاقته مع الإنجليز:
"وكان السيد سعيد رجلا كبيرا وحليفا أمينا للانجليز من نصف قرن ، ومضيفا
ملوكيا للمئات من البوارج الحربية البريطانية ، وشريكا غيورا لبريطانيا
العظمى في مطاردة النخاسين في قطع تجارة الرقيق" (55) ..
أول
زيارة له إلى جزيرة زنجبار كانت عام 1243هجري الموافق ( 1828م ) بعد جولة
إلى ممباسة ، وقد ناوشه المزاريع ثم سلموا له القلعة ، ومكث هذا السلطان
ثلاثة شهور في زنجبار ثم عاد إلى عمان بعد إخماد القلاقل الموجودة في عمان
...
عاد
إلى زنجبار عام 1828م الموافق 1243هجري ليتخذها عاصمة جديدة لدولته
وديوان حكومته عام 1832م ، وإليه ينسب فضل زراعة شجرة القرنفل التي اشتهرت
بها الجزيرة في أرجاء المعمورة ، وازدهرت زنجبار في عهده ازدهارا لا مثيل
له حيث عمت التجارة واتسع نطاقها ، وامتد نفوذ العرب داخل البر الإفريقي ،
وامتد صيت زنجبار واتسع نفوذها من المحيط الهندي إلى المحيط الأطلنطي ،
وأقام علاقات ديبلوماسية مع ملوك الدنيا وروؤساء جميع الدول دون استثناء ،
كما بنى القصور والدور والحمامات ، ولا تزال هذه الآثار العظيمة شاهدة إلى
يومنا هذا على ازدهار زنجبار في عهد هذا الرجل ، مع تحفظنا على ولائه
الشديد للإنجليز ، هذا الولاء الذي أدى بإحدى بناته وهي الأميرة سالمة إلى
اعتناق الدين المسيحي ، ثم هربت من زنجبار في عهد السلطان ماجد لتقيم مع
زوجها الألماني في ألمانيا ، وهي صاحبة كتاب (مذكرات أميرة عربية ) كما كان
هذا الولاء سببا في ضياع الجزيرة من حكامها ...
وكان
لزنجبار في عهده جيش بري قوي إضافة إلى الأسطول البحري ، وكان ملوك
أوروبا يتقربون إليه بالهدايا ، كما شهدت السياحة في عهده حركة كبيرة ،
حيث تعاظم انسياب سواح أوروبا إلى إفريقيا ، كما امتدت مملكته إلى
موقاديشوا بالصومال وداخلية البر الإفريقي وكل ساحل إفريقيا والهند وعمان
وبندر عباس ، وكان سياسيا محنكا يبدو ذلك من خلال المعاهدات والنشاط
الديبلوماسي مع كل من أمريكا وبريطانيا وفرنسا ..
ولكن
للأسف الشديد فإن بريطانيا استغلت وقوفها معه في وجه مناوئيه في الداخل
والخارج ، وتدخلت بشكل فاضح في شؤون السلطنة الداخلية ، حيث جعلت مصالح
رعاياها في زنجبار في يد وكيل عنها ، فعينت القبطان هيمرتن قنصلا لملك
بريطانيا ووكيلا لشركة الهند الشرقية في ديوان حاكم زنجبار(56) حيث اعتبر
المغيري ذلك بداية الاستعمار البريطاني لزنجبار فقال: " ومنذ ذلك الحين
تعاظم نفوذ الإنجليز في زنجبار ، ولم يمض زمن حتى تسلطوا على جميع أمورها
السياسية" وفي سنة 1843م في 29 من سبتمبر رفع العلم الإنجليزي بزنجبار ،
وهذه المسألة أشبه ما تكون بما يعرف باسم المسألة الشرقية.
كما شكل هذا الرجل أسطولا بحريا حربيا عظيما مكونا من 22 سفينة عظيمة نذكر منها:
1-
السفينة ليفربول: وقد بنيت هذه السفينة في بومباي الهند عام 1826 وكان
طاقمها مكونا من 150 بحارا وضابطا ، وكانت مزودة بـ 74 مدفعا وحمولتها 1080
طنا أرسلها السيد سعيد هدية إلى الملك وليام الرابع ملك بريطانيا عام
1833م .
2- السفينة شاه العلم ، وتحمل 52 مدفعا ولها 150 ملاحا .
3- السفينة رحماني بها 40 مدفعا.
4- السفينة مصطفى بنيت في مسقط ، وبها 26 مدفعا ووزنها 740 طنا.
5- السفينة سلطانة ، والتي بنيت بالهند ( بمباي ) وهي التي أبحرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، وتعتبر أول أسطول عربي يصل أمريكا عام 1804م(57)
2- السفينة شاه العلم ، وتحمل 52 مدفعا ولها 150 ملاحا .
3- السفينة رحماني بها 40 مدفعا.
4- السفينة مصطفى بنيت في مسقط ، وبها 26 مدفعا ووزنها 740 طنا.
5- السفينة سلطانة ، والتي بنيت بالهند ( بمباي ) وهي التي أبحرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، وتعتبر أول أسطول عربي يصل أمريكا عام 1804م(57)
تسامحه
الديني : إن أبرز ما يميز هذا الرجل هو تسامحه الديني مع المخالف له ليس
في المذهب الفقهي فقط بل في المعتقد ، فقد فتح المجال واسعا للمبشر(
كرابف) فزوده بخطاب لعماله في البر الأفريقي لتسهيل مهمته ، كما أصدر
أوامره إلى عماله بعدم التعرض إلى المذاهب الفقهية الموجودة في زنجبار
(الاثني عشرية الإسماعيلة-الإباضية-الحنفية-الشافعية) قائلا لهم : «كل من
حكم بحكم و أخطأ فيه يرجع بالسؤال إلى من هو أعلم منه، كل صاحب مذهب يتبع
مذهبه ، هذا ما جرت به العادة من قديم»(58) ..
كما
كان جل قضاته في زنجبار من علماء الشافعية رغم وجود علماء الإباضية ،
ونذكر منهم الشيخ محيي الدين ابن الشيخ القحطاني ، والذي ظل كذلك حتى عهد
السيد ماجد بن سعيد ، وهو صاحب كتاب السلوى في أخبار كلوة، توفي عام 1869 ،
ومنهم الشيخ أحمد بن سالم ، وقد استمر قاضيا حتى عهد السلطان ماجد الذي
كان يخاطبه بالوالد ، توفي 1870 كما استعان السيد سعيد بالحضارمة في الجيش
وبقية دواوين الحكومة ، واستعان بالهنود بمختلف طوائفهم الدينية في
الجمارك وغيرها من الإدارات الحكومية(59) ..
ولعل
أول موفد له إلى الولايات المتحدة الأمريكية هو الحاج أحمد بن نعمان ،
وهو من الشيعة الاثنى عشرية ، وقد قدم زنجبار أيام السلطان سعيد من مدينة
البصرة العراقية ، وكان أمين سره الخاص (60 ) ولم ينقل عنه -رحمه الله-
أنه منع أحدا من ممارسة شعائره الدينية وفق ما يراه مناسبا ، لهذا وصفه
ريتشارد بيرتن -مؤلف كتاب (زنجبار المدينة الجزيرة والساحل) بقوله: " فطين
معقول – متدين جدا- دون تعصب- لين الجانب ومهذب، مهيب الطلعة ، متميز
السمات " (61) ..
وفي تأبينه قال عنه:" الأول في الحرب ، والأول في السلم ، والأول في قلوب أهل بلده ، سلام على روحه" (61) ..
وكان
متواضعا دينا ذا أخلاق كريمة وخصال حميدة ، وتوفي في باخرته وهو عائد من
عمان إلى زنجبار عام 1856م– 1273 هـ، وترك وراءه ممالك في أسيا والهند
وإفريقيا، وبموته دخلت زنجبار تاريخا وعصرا جديدا ، حيث هبت بريطانيا
وغيرها من الدول الغربية الاستعمارية لنهب خيرات القارة التي اكتشفوا
مكنوناتها وخيراتها وثرواتها الطبيعية ، والتي ما زالت تعاني إلى يومنا هذا
من جراء هذه الهجمة الشرسة ، حيث هدمت بنيتها التحتية ، ومزقت تركيبتها
الاجتماعية بإثارة الحروب والفتن بين القبائل والأعراق والسلالات ، كما
عرفت المنطقة تحولا سياسيا خطيرا ، وذلك بانقسام السلطنة ، حيث ورث ابنه
ماجد عرش زنجبار ، وورث ابنه ثويني عرش عمان ..
وكان
لذلك الأثر السيئ على جميع المستويات والأصعدة ، وأضعف من قوة زنجبار بعد
مناوشات عسكرية بين الطرفين وتدخل بريطاني ، وكان ذلك حلما تحقق
لبريطانيا ، فحكم المقيم البريطاني في الهند بين الأخويين ، حيث أدى هذا
التحكيم إلى انقسام الامبراطورية إلى دولتين.
الاستعمار البريطاني والتدخل الأوروبي :
لعل
بداية الاستعمار البريطاني للسلطنة كان عام 1239 هجري-1824م قبل نقل
الإمام سعيد بن سلطان عاصمة الدولة من عمان إلى زنجبار ، حيث وصل إلى
ممباسا القبطان (قيدال) مندوب الحكومة البريطانية ، وشأن المحتلين دائما
تقديم الوعود المعسولة للبلد المحتل ، إذ وعدهم بتقديم مطالبهم إلى حكومة
بومباي ، وللأسف الشديد فإن قبيلة المزاريع سارعت في إعلان الولاء والدخول
في طاعة الإنجليز ، ورفعت الراية البريطانية على المباني الحكومية بدون
إذن من الحكومة البريطانية نفسها ؛ مما أغراهم أكثر ، وكان ذلك بسبب خوفهم
من سلطان عمان يومها سعيد بن سلطان ، ومن ثم طلبت الحكومة البريطانية
رسميا دخول ممباسا وكل البلاد التي امتلكها المزارعة تحت الحماية
البريطانية ، فأبرمت معاهدة بين الوالي المزروعي والإنجليز تقضي بما يلي:
1- جعل أمر السلطنة بيد المزارع ويكون وكيل الحامية إنجليزيا
2- تقسم عشور الداخل إلى نصفين، نصف للمزاريع ونصف للإنجليز.
3- تطلق اليد لرعايا الدولة الإنجليزية في الممالك الداخلية.
4- إلغاء تجارة الرقيق.
2- تقسم عشور الداخل إلى نصفين، نصف للمزاريع ونصف للإنجليز.
3- تطلق اليد لرعايا الدولة الإنجليزية في الممالك الداخلية.
4- إلغاء تجارة الرقيق.
ولم
تمض سوى سنتين ونصف حتى انجلت القوات البريطانية على المنطقة (63) ولكن
الصلات بين البريطانيين والسلاطين ظلت مستمرة ولم تنقطع، وظلت بوارجهم
البحرية تمخر عباب المحيط الهندي ، وتجوب خبايا المنطقة مكتشفة إياها ،
متفحصة مكامن الفراغ ونقاط الضعف، ولعل بريطانيا كبلت أيدي السيد سعيد بن
سلطان وطوقت عنقه بسلسلة من المعاهدات كان لها الأثر الكبير في إنهاء
الوجود الإسلامي السياسي في هذه المنطقة ابتداء من معاهدة سبتمبر 1828 ثم
معاهدة 1845م(64)..
ويعلق
الشيخ المغيري على ذلك وفي معرض الدفاع عن سياسة السيد سعيد بن سلطان
بقوله: " ومما كلف السيد سعيد قبول هذه المعاهدات الثورات التي حدثت ضده في
داخلية عمان والخليج الفارسي ، واضطر لصداقة الإنجليز" (65) وليست
بريطانيا وحدها من كان لها الوجود والحضور العسكري والسياسي في زنجبار ، بل
تكالبت كثير من الدول على هذه الجزيرة الجميلة ، حيث كانت الولايات
الأمريكية المتحدة سباقة إلى أرض زنجبار ، فعقدت اتفاقية مع حكام عمان من
أجل إطلاق يدها في زنجبار ، قال المغيري- في تأكيد هذا المعنى -:"أن نفوذ
أمريكا كان هو المتسلط في زنجبار أثناء السنين التي أعقبت وصول السيد
سعيد"(66) ..
وبقيت
مدة طويلة متسلطة على جميع المصالح التجارية في إفريقيا الشرقية ، بل
كانت عندها قاعدة عسكرية في زنجبار بمنطقة تونغو(tunguu) ضمن الاتفاقية
العسكرية بين البلدين والتي عقدت أساسا من أجل مكافحة البرتغاليين في
الموزنبيق ، وأغلقت هذه الأخيرة في عهد الثورة والاتحاد مع تنجنيقا، لما
قطعت العلاقات في منتصف الستينات مع الولايات المتحدة الأمريكية ، ولم تكن
فرنسا بمنأى عن هذه المعاهدات السياسية فقد شاركت فيها ، سيما ولأنها تملك
مستعمرتين واقعتين بين هذه الجزيرة وهي (مدغشقر و جزر القمر) حيث كانتا
تحت السيطرة الفرنسية ، وتلتها إيطاليا 1877، ثم ألمانيا 1885، ثم روسيا
1896م وفحوى هذه المعاهدات أن تضمن هذه السلطنة لرعايا هذه الدول الحقوق
التجارية والسكنى في زنجبار بلا مانع ولا رادع ، وتشمل إعفاء الأوروبيين من
تسليم الرسوم والمعشرات للحكومة(67) ..
علما
أن في هذه الفترة كان الوجود الألماني متجذرا بكل ثقله الديني والسياسي
والثقافي في (تنجنيقا البر حيث كانت مستعمرة ألمانية) وبعد انحصار الدور
الألماني وخسارته في الحرب العالمية خرجت ألمانيا من هذه المستعمرات لتحل
محلها بريطانيا ، فكانت زنجبار وتنجنيقا (تنزانيا اليوم) وكينيا، وأوغندا
كلها مستعمرات بريطانية ، ولكن رغم هذا فإن بريطانيا كان لها قنصلا مقيما
في زنجبار ، وكانت زنجبار تابعة لوزارة الخارجية البريطانية، وفي عام 1913
اتبعت لوزارة المستعمرات وعين لقب المعتمد والمقيم بدل لقب القنصل(68) ..
وبهذا
التاريخ اكتملت حلقة الاستعمار الأوربي للعالم الإسلامي بشرقه وغربه ،
وتوزعته القوى الاستعمارية ، فلم يكد عام 1920 يكتمل حتى أطبقت هذه القوى
الغاشمة بقبضتها على كل دول العالم الإسلامي.
أثار الاستعمار البريطاني على جزيرة زنجبار:
إن
آثار الاستعمار تكاد تكون واحدة في جميع البلدان وتتمثل في تدمير البنية
التحتية والاقتصادية والاجتماعية والتفرقة العنصرية، حيث يتبنى هذا الأخير
مذاهب اعتقادية شتى، إلا أنها في الأخير جميعها تخدم الفكرة الدينية
والحملة الصليبية الحاقدة ، وكل مذهب يريد حمل الآخرين على اتّباعه ، ويسعى
لتوسيع قاعدته وكسب الأتباع ، ولو كان ذلك بإراقة الدماء وقتل الأبرياء ،
حتى ولو كانوا من أبناء الملة النصرانية نفسها ؛ مما أخضع القارة
الإفريقية لحروب ضروس وتفكك اجتماعي رهيب عاد بالسلب على القارة ومواردها
البشرية ، كما رافق ذلك نهب ثروات القارة وخيراتها ، وأخذها موادا خاما
إلى أوروبا لإعادة تصنيعا وبيعها في مواطنها الأصلية بأسعار باهظة ؛ مما
أثقل كاهل الشعوب الإفريقية ، وجعل هذه القارة كغيرها من البلدان
المستعمرة تعيش تحت خط الفقر ، كما كان موضوع الاسترقاق في ثوبه الجديد ،
والمتمثل في أخذ اليد العاملة الإفريقية إلى أوروبا وأمريكا للعمل في
المناجم والمصانع العملاقة وبأجور زهيدة (رمزية)، غالبا على الوجود الغربي
في المنطقة حيث لم يعف من هذا الاسترقاق (الأطفال والنساء) .
يضاف
إلى ذلك البعد الثقافي والديني للاستعمار حيث ومن الوهلة الأولى التي
وطأت فيها أقدام الغربيين هذه القارة الغنية الفقيرة كان البعد الديني
والثقافي حاضرا في ذاكرتهم ، بل هدفا ساميا كرسوا له جميع الطاقات ، فقد
ذكر الميسيو بوني موري كما نقله عنه شكيب أرسلان هذه الأبعاد حيث قال: "
بل إن الميل الحاضر عندهم إلى الاكتفاء بالزوجة الواحدة والاعتناء بترقية
المرأة وإصلاح المحاكم كل هذا كان من نتائج الدعوة المسيحية " ويقول في
موضع أخـر: " فالنصرانية كانت الرجحى في أهمية النتائج الأدبية
والاقتصادية ، ثم لا يوجد وجه للقياس بين مدارس النصرانية، وبين كتاتيب
الزوايا فضلا عن كون مبشري الإنجيل أسسوا مدارس صناعة مثل مدارس
بغاميو(bagamoyo)ومدارس زراعية نظير مؤسسة الآباء البيض "(69) .
كما
بادر المستعمرون سواء الإنجليز في زنجبار أو الألمان في البر الأفريقي
إلى تأسيس الإرساليات التبشيرية والمدارس والمستشفيات وغيرها من الوسائل
البشرية ، فقد ذكر الشيخ عبد الله بن الصالح الفارسي أنه عندما وصل
القسيسان تزور وادوارد ستير عام 1864 أعطاهما السيد ماجد بيتا عظيما مقرا
للبعثة التبشيرية (70) .
I- القضاء:
لقد
وجه الاستعمار ضربة قاضية للنظام القضائي في زنجبار ، ومن خلال تلك
المعاهدات الجائرة المبرمة مع حكام وسلاطين زنجبار تأسست محاكم السفارات أو
ما يسمى بالمحاكم القنصلية حيث يحتكم إليها رعايا تلك الدول دون تدخل من
السلطات الزنجبارية، كما أعلن عام 1905 عن تأسيس المحاكم المدنية في عهد
السلطان علي بن حمود ، وبذلك حصرت اختصاصات القضاة الشرعيين في أمور
الأحوال الشخصية وبعض القضايا المدنية ( 71) ..
حتى
وإن فوض الأمر لقضاة شرعيين للنظر في قضايا الأحوال الشخصية والذي ما زال
معمولا به إلى يومنا هذا فإن القضاء الشرعي يعتبر فرعا من فروع المحكمة
العليا التي يتولى أمرها الإنجليز ، وبذلك حددت صلاحيات القضاة ، وألغي
العمل بالقانون المدني الإسلامي ليحل محله القانون الإنجليزي.
II- اللغة:
ثم
كانت الطعنة المسمومة في هذا الجزء من العالم الإسلامي بالقضاء على اللغة
العربية ، واستبدال الحرف العربي بالحرف الإنجليزي لكتابة اللغة
السواحيلية ، فقد كانت هذه الجزيرة محبة للغة العربية ، وتكتب لغتها
السواحلية بالحرف العربي، ولعلك إذا مررت بالقبور قبل سبعين سنة أو أكثر
من ذلك فإنك تجد الكتابة عليها بالحرف العربي ، كما يعلو الأبواب
الزنجبارية القديمة الكتابة بالحرف العربي .. وبعد أن تسلم الإنجليز
مقاليد الحكم في زنجبار أصدروا منشورات عدة تحرم استعمال اللغة السواحلية
في أي من المستويات الإدارية في زنجبار وغيرها ، وسعت بكل ما تملك من
قدرات أن تكتب اللغة السواحلية بالحرف اللاتيني ، وهو الأمر الساري إلى
الآن، فإن اللغة السواحيلية أصبحت تكتب بالحرف الإنجليزي مثل كلمة( وقف
)Wakf وكلمة(حج ) Hija ..
ورغم
الجهود الحثيثة للمدارس القرآنية الإسلامية للمحافظة على الحرف العربي من
خلال التحفيظ وتعليم مبادئ الإسلام واللغة العربية ، إلا أن الحرف
الإنجليزي ما زال مسيطرا على الكتابة ولغة التخاطب والمراسلة .
III- العادات والتقاليد والنظام الاجتماعي:
كما
نجح الاستعمار البريطاني في نشر بعض العادات والتقاليد الغربية والنظم
الاجتماعية في زنجبار كخروج بعض النساء متبرجات ، والاختلاط بالرجال
اختلاطا مشينا ، وكذلك تعاطي المسكرات والخمور ، وممارسة الفاحشة من خلال
السواح والمستثمرين الأجانب الذين أطلقت أيديهم في الاستثمار ، فكانت
الفنادق والسياحة من أكبر مجالات الاستثمار يستثمر فيه هؤلاء ، ولعل هذه
الآثار ما زالت حتى يومنا هذا فإن جل الفنادق السياحية على السواحل في
زنجبار من ممتلكات المستثمرين الغربيين ، والتي تنتشر بها المحرمات ...
كما
نجح الاستعمار عموما في هذه القارة وخصوصا في زنجبار في غرس مفاهيم خاطئة
عن مسألة الرقيق والاستعباد، وإلصاق التهمة بالعرب على أنهم هم الذين
مارسوا الاسترقاق والاستعباد، وهم الذين عاملوا السكان بوحشية مطلقة.
نعم
لا يمكن أن ننكر مسألة ممارسة الحكام العرب وسلاطينهم لعملية الاسترقاق،
وكانت هذه الظاهرة ضمن ظروف سياسية واجتماعية معينة مورس فيها الرق في
جميع دول العالم ، ولا ننكر أن بعض التجار العرب الذين فرغت نفوسهم من
الوازع الديني قد مارسوا الرق وعاملوا الرقيق معاملة سيئة في بعض الأحيان
مقابل الحصول على الربح، ولكن هذا شذوذ وانحراف ونادر لا عبرة به ..
ولكن
الذي نرفضه هو أن يكون ذلك هو الطابع العام أو الأصل الأصيل في المنظومة
الإسلامية، بل إن الرقيق كانوا يذهبون للعمل أو يعملوا في مزارع العرب
والمسلمين كما كانوا في الغالب العام يعاملون معاملة حسنة منطلقة من نظرة
الشريعة الإسلامية الغراء لهذه الطبقة من المجتمع ، وأنها طبقة لها كافة
الحقوق الإنسانية ولا يجوز الانتقاص منهم...
ولكن
إذا نظرنا إلى مسألة الرق عند البرتغاليين والبريطانيين والأمريكان
وغيرهم فإننا نجد أعدادا وأرقاما مهولة سيقت إلى هذه الدول في ظروف سيئة
للغاية ، حيث تشير بعض المصادر إلى أن عدد الرقيق بلغ (40 مليونا) مات
النصف منهم في ظروف قاسية ، ووصل البعض الآخر إلى هذه المستعمرات في ظروف
بالغة الصعوبة ، حيث عوملوا معاملة وحشية قاسية تتنافى مع جميع مواثيق
حقوق الإنسان العالمية والأعراف الدولية ، ومازالت هذه الطبقة من السود في
أمريكا والدول الأوروبية تعاني من ميز عنصري فاحش وهضم للحقوق ، إلا أن
الأوروبيين والأمريكان استخدموا بعض التجار العرب لصيد العبيد وبيعهم ، كما
استخدموا رؤساء القبائل الإفريقية في الغرض نفسه...
فكان
التجار العرب في الصورة السيئة المشوهة التي نشرت عنهم في أوساط الأفارقة
، مما ولد كراهية شديدة وحساسية مفرطة اتجاه العرب خاصة عند بعض أهل
زنجبار من غير المثقفين ، ولعل المخطط الاستعماري الصليبي كان ساري
المفعول ولسنوات طويلة فآتى ثماره ونتائجه المرّة بعد رحيل الاستعمار ،
فترك عرّابين له حلوا محله بنفس البغض والحقد الدفين على العرب ، فكانت
مجزرة عام 1964 ضد كل العرب المقيمين في زنجبار ، فبعض الإحصائيات تشير
إلى أنه قتل ما يزيد عن 35 ألفا وبعضها تصل بالعدد إلى 50000 ألفا وهرب
الباقي إلى اليمن وعمان وكينيا ..
ولكن
هذه الخدعة التي انطلت على البسطاء والمتغربين من أبناء المنطقة فإنها لم
تدم طويلا ، وانكشفت الحقيقة وقامت منظمات بل و دول مطالبة الدول
الأوروبية بالتعويضات التي لا تقدر بثمن عن مرحلة الاسترقاق وما نتج عنها
من خلخلة للبنية الاجتماعية في القارة ، ونقص الأيدي العاملة وغيرها من
الآثار السلبية.
ففي
مدينة دربان بجنوب إفريقيا عقدت قمة بتاريخ 24/08/2001 موضوع هذه القمة
مناهضة الميز العنصري في العالم ، حيث حضر وفود وممثلو جميع دول العالم
فطالبت أربعون منظمة غير حكومية المؤتمر الدولي وعلى لسان (اليوني تيني)
المسؤول المنسق للمنظمات الإفريقية غير الحكومية حكام الدول الاستعمارية
بالاعتراف بتلك الجرائم والاستعباد ، وما نتج عنه من خلخلة في الوضع
الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للقارة ، وقد طالبت هذه المنظمات بتعويضات
تقدر ب777 ترليون دولار ، كما أشار تقرير منظمة اليونسكو الصادر عام 1987
إلى أن ما فقدته إفريقيا من أبنائها في تجارة الرقيق يقدر بحوالي 210 مليون
نسمة ، علما أن هذه المنظمات التي طالبت الدول الاستعمارية بالتعويضات
استندت إلى الخلفية التاريخية والأعراف والمواثيق والقوانين ، والتي كان
الفضل في صياغتها للمحامي البريطاني (اللورد انتوني جيفورد) في ورقة قدمها
إلى مؤتمر دعت إليه الجماعات الراعية لفكرة التعويضات الذي عقد في نيجيريا
بقيادة الزعيم الراحل مسعود أوبيلا عام 1993 ، وهذه المطالب قوبلت بتجاهل
أوروبي أمريكي شديد، في حين لم نجد أي مطالبة لأي من الدول الإسلامية بأي
تعويض (71 ) ..
كما
كان للكنيسة دور رائد في تشويه صورة المسلمين وإلصاق تهمة الرق بهم، ولعل
ذلك واضح في الرسوم الموجودة في كنائس زنجبار ، ككنيسة السيد المسيح ،
وهي كنيسة كاثوليكية رومانية ، حيث جعلوا في ساحتها حوضا فيه تماثيل
للعبيد وفي أعناقهم الأغلال ، بل وللكنيسة متحف يحكي قصة الاسترقاق ، حيث
رسمت صورا للرجل العربي وهو يلهب ظهر الإفريقي بالسياط ، وغيرها من الصور
الدالة على الامتهان والاحتقار.
علما
أن أولئك الذين كانوا يؤخذون من إفريقيا إلى العالم الإسلامي لم يؤخذوا
كعبيد بل كانوا يؤخذون لوظائف الجيش وغيرها ، وكان لهم الحضور السياسي
القوي إلى درجة قيامهم بالثورة على الخليفة كما جاء في حوادث عام 750م فيما
يسمى بثورة الزنج في بغداد ، كم يروي لنا التاريخ أن المسلمين العرب
حينما كانوا يدخلون البلدان الإفريقية ويعتنق أهلها الإسلام فإن أهلها هم
الذين يكونون ممالك إسلامية ، ويحكمون أهلها وتصهرهم رابطة الأخوة
الإسلامية مع العرب ، ولعل سبنسر ترمنجهام أنصف حينما أشار في كتابه عن
الإسلام في شرق إفريقيا إلى عدم اشتراك التجار العرب في الغارت التي كانت
تقع في الغابات لاقتناص العبيد وصيدهم لا من قريب ولا من بعيد (72)
كما
كان لزميلنا المرحوم الدكتور علي سنداروا اليد الطولى في الدفاع عن مسألة
الاسترقاق من خلال مؤلفاته ، سائقا الأدلة والحجج الدامغة لرد هذه الفرية
وإبطال هذه الشبهة -فرحمه الله-.
VI- في مجال التعليم :
لما
جاء البريطانيون إلى زنجبار-لا شك- أنهم وجدوا الحياة العلمية مزدهرة
بحسب ذلك الزمان وأهله ، وكانت مدارس القرآن الكريم والعلوم الشرعية تملأ
أرجاء الجزيرة ، كما كانت الجزيرة تزخر بالعلماء والمشايخ والقضاة ، سواء
أولئك الذين قدموا من البلاد العربية (عمان- اليمن) أو من أبناء المنطقة
الذين تفقهوا في أمور دينهم وأصبحوا من العلماء الراسخين مثل الشيخ حسن بن
عمير الشيرازي وعبد الله صالح الفارسي ، ولا نبالغ إذا ماقلنا " إن
زنجبار أول دولة عربية عرفت المطبعة ، حيث أنشئت أول مطبعة في زنجبار عام
1287هجرية الموافق (1868م) بل لم تستثن المرأة من التعلم في المدارس
القرآنية ، حيث كان يأخذ كل طفل إلى المدرسة القرآنية ، ويعلم أمور دينه
والكتابة والقراءة ، كما كان التعليم طوعيا مجانيا ، إلا ما يعطى من هدايا
وهبات للشيوخ ، خاصة عند الاحتفال بختم القرآن العظيم كاملا ..
وهذا
ما جعل الإرساليات التبشيرية تفكر جادة في إنشاء مدارس على الطراز الغربي
الحديث لتدرس مساعدين وإداريين من غير المسلمين تستعين بهم في إدارة
البلاد ، ولا أبالغ إذا قلت : إن كل المستعمرين لشرق إفريقيا وغيرها ركزوا
على الجانب التعليمي ولكن بدرجات متفاوتة ووسائل مختلفة ، فلقد سبق وأن
ذكرنا أن البرتغاليين أخذوا صبيا من ممباسا، وأرسلوه إلى الهند حيث تثقف
وتعلم وتنصر ليعود بعدها حاكما على البلاد عام 1620م، ولكن ورغم الأثر
البسيط الذي صاحب الحملة البرتغالية والجهود الضئيلة للمجهود البرتغالي في
إحداث تغيير اجتماعي وثقافي وعقائدي في التركيبـة الاجتماعية الإفريقية ،
نظرا لما صاحب العملية الاستعمارية من عنف(73) فإن البريطانيين لم
ييأسوا، وقامت الجمعية التبشيرية في لندن بإرسال المبشر (ج.ل كرابف)، وكان
أول مبشر تطأ أقدامه زنجبار وشرق إفريقيا عموما عام 1844 أي في القرن
التاسع عشر ميلادي، وهو ألماني الأصل كرس جميع جهوده لبناء كنيسة ومدرسة
نظامية ومستشفى ، وكان يعتمد في أسلوبه على التلقين المباشر لمفاهيم
المسيحية، كما انصرف إلى التأليف وكتابة العهد الجديد (الإنجيل)
بالسواحلية ، ولم يهمل الكتابة باللغة الإنجليزية ، ثم تلاه المبشر
الألماني (فن)، واعتمد هذا الأخير منهج الجوالة، ثم ختمت بمنهج (فرير)
المعتمد على الجانب السياسي والاقتصادي ، إذ يرى أصحاب هذا المنهج وجوب
الاعتماد على دولة نصرانية ذات كيان سياسي مستقل تدعم مسيرة العمل
التبشيري ، ودعوة الشركات الأوروبية للتنقيب عن الذهب ليرتبط الأفارقة
بهذه الشركات ..
كما
اعتمد الاستعمار البريطاني على إرساليات الجامعات في لندن ، والتي قامت
بدورها بتعليم الأطفال وإرسالهم إلى القنصليات البريطانية والأمريكية في
زنجبار لتلقي مزيد من العلوم والمعارف بجانب العلوم الكهنوتية ، ومن ثم
إرسالهم إلى هذه الدول لاستكمال مراحل التعليم العالي ، كما أسست السلطات
البريطانية أول مطبعة –لطباعة الكتب والأناجيل باللغتين السواحلية
والإنجليزية، ومن هذه المدارس تخرج القسيس السياسي جليوس نيريري حاكم
تنزانيا ومبيد المسلمين في زنجبار ، مستغلا المد الشيوعي والنقمة على
الاستعمار ، والتي كانت ميزة طاغية في ذلك الوقت على الشعوب المستعمرة ،
والتي وجدت ضالتها في الاتحاد السوفياتي الشيوعي.
وفي
عام 1905 تأسست وزارة التعليم في زنجبار تحت إشراف بريطانيا ، وفي
العشرينات من القرن نفسه اضطرت الإدارة الاستعمارية إلى إدخال العلوم
الشرعية في المدارس الحكومية حيث استقدم بعض العلماء من جمهورية مصر
العربية ، منهم فضيلة العلامة عبد الباري عبد الباري العجيزي- رحمه الله
تعالى- والذي كان له الأثر البالغ في تدريس اللغة العربية في المدارس
الحكومية (74).
المؤامرة على الوجود الإسلامي وانتهاء الدولة العربية الإسلامية:
هناك
عوامل كثيرة كان لها تأثيرها البين في انتهاء الدولة العربية الإسلامية
في زنجبار وضياع جميع ممتلكاتها في شرق إفريقيا ، فهناك عوامل داخلية ،
وعوامل خارجية ، وعوامل إقليمية.
أما
العوامل الداخلية: فتمثلت في تفتت السلطنة العمانية إلى سلطنتين: الأولى
بقيادة السلطان (ثويني) في عمان، والثانية في زنجبار بقيادة السلطان
(ماجد) بعد سلسلة من الصراعات والخلافات بين الإخوة الأعداء أبناء السلطان
سعيد بن سلطان، وبتأييد ومباركة بريطانية تحقق الحلم الذي كان يراود
القوة الاستعمارية ، مما أدى إلى إضعاف السلطنتين على جميع الأصعدة ،
وخاصة الصعيدين السياسي والاقتصادي ، وذوبان العنصر العربي في المجتمع
الأفريقي ، وأصبحت اللغة العربية لغة الطبقة الأرستقراطية ، ولم تتجاوز
ردهات القصور ، وسجل المخاطبات بين القضاة والسلاطين ، ولم تنتشر أو تشاع
بين أبناء المجتمع كله ، بل تنساها أبناؤها وتركوها ظهريا ، كما انشغل
العرب عن دورهم الريادي في نشر رسالة الإسلام وتكالبهم وراء المال والثراء
، وأصبح همهم الوحيد جمع المال ، وتركوا المجال أمام البعثات التنصيرية
التي جابت جبال ومرتفعات كلمنجارو وغيرها من المناطق في شرق إفريقيا التي
كان سكانها وثنيين فتحولوا إلى النصرانية .
العوامل الإقليمية:
إن
العلاقات بين سلطنة زنجبار ومصر ضاربة في التاريخ ، حيث إن محمد علي باشا
كان قد وصل إلى أجزاء من أوغندا عبر السودان ، وأقام علاقات طيبة مع
سلاطين زنجبار ، بل لما مات المدفعي الوحيد في أساطيل السطان سعيد بعث
لمحمد علي باشا يطلب منه سرعة إرسال مدفعي بديل ، وكان له ما أراد( 75)
وتواصلت هذه العلاقات الحميمة في عهد الخديوي إسماعيل ، والذي كان يحلم
بإقامة إمبراطورية عظيمة تمتد إلى بنادر الصومال ، وكان ذلك واضحا من خلال
إكرامه للسلطان برغش عند نزوله مصر في طريقه إلى بريطانيا (76) ..
وهذا
ما أقلق القوة الاستعمارية حيث لا يروق لها أن ترى قوتين إسلاميتين تحكم
قبضتها على إفريقيا، وما سيكون لذلك من انعكاسات خطيرة على مصالحها
السياسية والاقتصادية والعقيدية ، فعملت هذه القوة على تفكيك دولة مصر التي
كانت ممتدة إلى السودان وجزء من أوغندا ، وعملت على إنهاء الوجود العربي
الإسلامي في زنجبار ، وبذلك ضمنت نهاية الوجود العربي في شرق إفريقيا ،
والذي امتد إلى كل من (مالاوي وزائير و موزنبيق).
من
جهة أخرى كانت تلك المعاهدات التي وقعها السيد سعيد بن سلطان مع الدول
الأوروبية وأمريكا ، وخاصة تلك الموقعة مع بريطانيا حول تحرير الرقيق
وإنهاء الرق أكبر شراك نصب لإعاقة الوجود العربي ، والحد من حركة السفن
الملاحية ، وبذلك تأثرت حركة التجارة بين دول الخليج العربي وشرق إفريقيا
تأثرا سلبيا ، وكان ذلك أكبر نجاح لبريطانيا في إنهاء الوجود العربي بمأساة
وفاجعة ، حيث استطاعت أن تخلق جوا من الانقسام العرقي و الطائفي بين
السكان الأصليين والعرب خاصة العمانيين ، وسلكت سياسة فرق تسد ، وهبت رياح
الحياة السياسية الغربية على زنجبار، وفي عام 1926 تم تشكيل المجلس
التنفيذي وفي العام نفسه تم تشكيل المجلس التشريعي (البرلمان) والذي كان
يرأسه (الزردنت هارتن هول) وكان أكثر أعضائه من النصارى (البريطانيين) ، ثم
تأسست الجمعية العربية التي ترأسها الشيخ (حافظ بن محمد البوسعيدي)، وفي
الخمسينات نشأت الأحزاب السياسية المتصارعة وهي:
1-الحزب الوطني PARTY NATIONAL ZANZIBAR: وهو حزب عربي خالص ذو ميول اشتراكية.
2- الحزب الأفروشيرازي ASP: وهو حزب المواطنين الأصليين وهو ذو أبعاد شيوعية ماركسية
3- حزب الشعبPEOPOLES party PAmBA AND ZPPp Zanzibar: وهو حزب انشق عن الحزب الأفروشيرازي ووقع الانفجار الحقيقي عام 1954 بين الجاليات والجمعيات في زنجبار، حيث اتهم المقيم العام الإنجليزي محريري جريدة (الفلق) وهي جريدة ناطقة بالعربية يصدرها الاتحاد العربي بنشر مقالات مثيرة للرأي العام ، مما أكسبهم عداوة الأحزاب المدعومة من قبل بريطانيا ، ومنها الحزب الأفروشيرازي والاتحاد الوطني الهندي، كما أيد العرب حزبا راديكاليا وهو الحزب الوطني (في انتخاب عام 1957) حيث خسر هذا الحزب الانتخابات ، ولم يفز منهم عضو واحد، واكتسحت الأحزاب الإفريقية هذه الانتخابات.
2- الحزب الأفروشيرازي ASP: وهو حزب المواطنين الأصليين وهو ذو أبعاد شيوعية ماركسية
3- حزب الشعبPEOPOLES party PAmBA AND ZPPp Zanzibar: وهو حزب انشق عن الحزب الأفروشيرازي ووقع الانفجار الحقيقي عام 1954 بين الجاليات والجمعيات في زنجبار، حيث اتهم المقيم العام الإنجليزي محريري جريدة (الفلق) وهي جريدة ناطقة بالعربية يصدرها الاتحاد العربي بنشر مقالات مثيرة للرأي العام ، مما أكسبهم عداوة الأحزاب المدعومة من قبل بريطانيا ، ومنها الحزب الأفروشيرازي والاتحاد الوطني الهندي، كما أيد العرب حزبا راديكاليا وهو الحزب الوطني (في انتخاب عام 1957) حيث خسر هذا الحزب الانتخابات ، ولم يفز منهم عضو واحد، واكتسحت الأحزاب الإفريقية هذه الانتخابات.
وفي انتخابات عام يونيو 1961 تغيرت المعطيات وتنافست الأحزاب الثلاثة على الساحة السياسية ، وأفرزت هذه الانتخابات النتائج الآتية:
- الحزب الوطني حصل على عشرة مقاعد (1985) صوتا.
- الحزب الأفروشيرازي حصل على عشرة مقاعد وعلى (45176) صوتا.
- حزب الشعب حصل على ثلاثة مقاعد.(77)
- الحزب الوطني حصل على عشرة مقاعد (1985) صوتا.
- الحزب الأفروشيرازي حصل على عشرة مقاعد وعلى (45176) صوتا.
- حزب الشعب حصل على ثلاثة مقاعد.(77)
وقد
مكنت هذه النتيجة الحزب الوطني للتحالف مع حزب الشعب من تشكيل الحكومة ،
وصحب هذه الانتخابات أعمال عنف استهدفت العرب ، بل وصل الأمر إلى قتل
النساء والأطفال وتدمير البيوت على أصحابها(78) ..
وفي عام 1964م قام الحزب الأفروشيرازي بالثورة على الحكم العربي وبالاتحاد مع الحزب الثوري في تنجانيقا البر بقيادة البابا السياسي والقس المتحزب الكاثوليكي جيليوس نيريري خريج المدارس التبشيرية البريطانية في دار السلام ، حيث أقنع هذا الأخير قادة الحزب الأفروشيرازي بضرورة الوحدة وتشكيل حكومة اتحادية (زنجبار+ تنجنيقا) وتشكيل جمهورية اتحادية أطلق عليها اسم تنزانيا، وبدعم بريطاني _ وللأسف الشديد _ ودعم عربي متمثل في دعم جمال عبد الناصر لثوار الأفروشيرازي بالسلاح وغيره ..
وفي عام 1964م قام الحزب الأفروشيرازي بالثورة على الحكم العربي وبالاتحاد مع الحزب الثوري في تنجانيقا البر بقيادة البابا السياسي والقس المتحزب الكاثوليكي جيليوس نيريري خريج المدارس التبشيرية البريطانية في دار السلام ، حيث أقنع هذا الأخير قادة الحزب الأفروشيرازي بضرورة الوحدة وتشكيل حكومة اتحادية (زنجبار+ تنجنيقا) وتشكيل جمهورية اتحادية أطلق عليها اسم تنزانيا، وبدعم بريطاني _ وللأسف الشديد _ ودعم عربي متمثل في دعم جمال عبد الناصر لثوار الأفروشيرازي بالسلاح وغيره ..
انتهت
الدولة العربية الإسلامية في زنجبار بكارثة ومأساة لا تقل بأسا وألما
وخطورة عن مأساة المسلمين في الأندلس، من قتل و إخراج قسري لمن بقي حيا إلى
الموطن الأم عمان أو غيرها من الدول المجاورة ، تاركين حضارة ما تزال
معالمها واضحة و بصماتها قائمة على ربوع الجزيرة ..
وهناك
حقيقة أخرى عرفت بعد الانتهاء من كتابة هذا البحث ، وهي أن السلاح الذي
قتل به المسلمون في زنجبار كان سلاحا جزائريا في عهد الرئيس أحمد بن بلة،
حيث استولى الثوار على باخرة تسمى " ابن خلدون" كانت محملة بالسلاح إلى
الثوار في موزنبيق، ثم أفرغت الشحنة في ميناء دار السلام ، ومهما كانت
دوافع جمال عبد الناصر وتبريرات محمد فائق مسئول تسليح حركات التحرر الوطني
الإفريقية ووزير الإعلام في عهد جمال عبد الناصر في ندوة إفريقيا والعرب
والمنعقدة في عمان (الأردن) في عام 1983(79) فإن الخطأ كان فادحا ، والخطب
كان أعظم والمصيبة كانت جللا، حيث استبيحت الأعراض ، وسفكت الدماء ،
وانتهت دولة ذات سيادة ومؤسسات لتصبح مجرد ولاية من الولايات لا تملك حق
تقرير المصير ، ولا تستطيع أن تتصل بالعالم الخارجي إلا عن طريق وزارة
الخارجية بدار السلام ، والذي يسيطر فيها على مراكز صنع القرار النصارى ..
وليس
أدل على ذلك أنه في 1996 حاولت زنجبار أن تنضم إلى منظمة المؤتمر
الإسلامي باعتبار أن 98 بالمائة من سكانها مسلمين، فرفعت ضدها دعوى قضائية
في المحكمة الدستورية قضت المحكمة بموجبها بمنع حكومة زنجبار من أي اتصال
خارجي إلا عن طريق وزارة الخارجية بدولة تنزانيا ..
كما
حرم المسلمون من حقوق وامتيازات كثيرة ، منها التعليم العالي ، حيث لا
يقبل منهم إلا نسب ضئيلة ، في حين يفتح المجال واسعا أمام النصارى وكأنهم
أغلبية ، حيث لا تزيد نسبة الطلاب المسلمين في جامعة دار السلام عن 10% كما
لا تزيد نسبة أعضاء هيئة التدريس فيها من المسلمين عن 10% أيضا ، وذلك
بحكم أن المنح التي كانت تعطى لدولة تنزانيا جلها من أمريكا 30 منحة سنوية ،
ثم بريطانيا 25منحة ، ثم مصر 15 منحة سنوية ..
وباعتبار
أن أغلبية أساتذة الجامعات نصارى ، وكذلك أعضاء مجلس التعليم العالي ،
فإن المنطق يفرض عليهم أن يرسلوا النصارى للاستفادة من هذه المنح في
الخارج ليعودوا إطارات في هذه الجامعات ، ولعل لقائل أن يقول : إن مساندة
جمال عبد الناصر لنيريري ووقوفه ضد الدولة العربية يأتي ضمن النظرة
الإستراتيجية للمصالح العربية في المنطقة ..
كما
أن المسلمين في تنزانيا عموما ولوقت قريب كانوا مهمشين لا يتمتعون بنفس
الحقوق التي يتمتع بها النصارى ، فعلى سبيل المثال منذ استقلال البلاد لم
تعرف تنزانيا سوى رئيس مسلم واحد وهو علي حسن مويني ، والذي في عهده تنفس
المسلمون شيئا من الصعداء ، وتأسست بعض المؤسسات الإسلامية ، وفتحت بعض
المؤسسات الخليجية أبوابها كمؤسسة الحرمين ، ورابطة العالم الإسلامي ،
ولجنة مسلمي إفريقيا ، وأخيرا وبعد تزايد المد الإسلامي وبروز الصوت
الإسلامي عاليا في منابر ومواقع صنع القرار في تنزانيا ..
وبعد
خديعة الأقلية المسلمة خضع النصارى للواقع ، وخاصة وبعد تفجيرات سفارتي
أمريكا في كل من نيروبي ودار السلام كان لزاما أن تعاد القراءة للتركيبة
السكانية ، وخاصة بعد إحصاء عام 2002 حيث تشير كثير من المصادر الموجودة في
بعض دوائر الحكومة أن نسبة المسلمين 64 % وللاعتراف بالواقع الإسلامي منح
المسلمون حريات أكثر ، وانتخب رئيس مسلم ( جاكيا كيكويتي ) ونائبه أيضا
مسلم ..
كما
أعطى الرئيس السابق للمسلمين مباني واعتماد لإنشاء جامعة إسلامية
للمسلمين في منطقة ( مروقورو) تدرس بها جميع التخصصات ، ونأمل حيث إن
تنزانيا تعتبر من ضمن مجموعة دول حوض النيل ، والذي يمكن أن تشكل عائقا
قويا أمام استفادة مصر من حصة الأسد من مياه النيل ..
كما
كان للتنافس العربي الإسرائيلي على المنطقة مبرره ، حيث وضعت ثورة يوليو
نصب أعينها القارة الإفريقية كحليف استراتيجي في صراعها مع إسرائيل ، وذلك
لقطع الطريق أمام التسلل الإسرائيلي للمنطقة ، ويظهر ذلك من خلال دعم
الحركات التحررية بالمنطقة مهما كانت طبيعتها ، ومساعدة الدول التي نالت
استقلالها حديثا بكل الوسائل .
ولا
يمكن غمط التجربة حقها ، ولا إغماض العين عن نتائجها حينها ، حيث قطعت
عدة دول ومنهم تنزانيا العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية ، ولم
تعترف بالكيان الصهيوني طيلة حقبة الستينات والسبعينات ، ولكن كان ذلك
لمرحلة محددة ، ومع التغيرات المحلية والإقليمية والعالمية فقد تغيرت
المعادلة لصالح إسرائيل وحليفتها أمريكا ، فأما المتغيرات المحلية فإن
القارة ظلت تعاني من الثلاثي الخطير (الفقر والمرض والجهل ) مما جعلها
تسعى لفك الارتباط بينها وبين هذا الثلاثي الخطير ، وإن كان ذلك على حساب
مواقفها الاستيرايجية ..
كما
كان للحروب الأهلية والصراعات الداخلية دورا كبيرا في تغيير بعض قادة هذه
القارة من سياساتهم اتجاه إسرائيل وأمريكا ، وخاصة تنزانيا ، وذلك في
إطار ترتيب أولوياتهم السياسية ، وتمشيا مع التغيرات الإقليمية والمتمثلة
في اعتراف كثير من دول إفريقيا بعلاقات مع إسرائيل كأثيوبيا ، وهرولة بعض
الدول العربية الإفريقية للتطبيع مع إسرائيل ، وإقامة العلاقات السرية
والجهرية كمصر وغيرها ، وتخلي كثير من دول الجوار من العالم العربي عن دوره
الإنمائي في القارة .
وأما
التغيرات العالمية فتتمثل في انتهاء الحرب الباردة ، وخروج المعسكر
الغربي منها فائزا ، وتفكك حلف وارسو ، وغياب الدور الحقيقي لدول عدم
الانحياز ، وبروز النظام العالمي الجديد ، وسيادة الفكر الأمريكي على جميع
الأصعدة ، وخاصة السياسية منها والاقتصادية والعسكرية ، وظهور مصطلح
العولمة بكل جوانبها ، وسيطرتها على المفاهيم والممارسات ، أضف إلى ذلك
التعنت الإمريكي ، واختراع خدعة مكافحة الإرهاب ، فكل هذه التغيرات أدت
إلى فقدان العالم العربي حلفاءه الإستيراتيجيين في القارة ، وعادت الصولة
والجولة للوجود الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة ..
ولعل
حقد جمال عبد الناصر على الأنظمة الملكية جعله يدعم جميع الحركات
المناوئة لهذه الملكيات في العالم ، ولكن لئن كنا نجد مبررا لدور جمال عبد
الناصر في إنجاح الثورة في اليمن ضد الإمامة (الإمام يحيى وابنه الإمام
أحمد حميد الدين) وقد نجد له بعض العذر في تحالفه السياسي مع نيريري فإننا
لا نجد لجمال عبد الناصر مبررا أبدا أن تحمله العصبية الفكرية لمبادئ
الماركسية والقضاء على ما يسمى الإقطاع والأرستقراطية على التعاون مع
الخطة البريطانية لإنهاء الحكم الإسلامي العربي ، وقتل الآلاف وحرمان
المسلمين من ممارسة دورهم الحضاري في نشر شعاع الحق في إفريقيا بأسرها ،
وسيكتب التاريخ عن الأعراض التي انتهكت ، والأموال التي نهبت ، والنفوس
التي قتلت ، والمساجد التي هدمت ، والشرائع التي عطلت ، والحرف العربي
الذي غيب ، ويحق فيه وفيمن تعاون معه قول الله تعالى: «وقفوهم إنهم
مسؤولون».
أليس
في وسع جمال عبد الناصر أن يتدخل وبشكل قوي وحاسم لجعل هذا الإنقلاب
أبيضا لا دماء فيه ؟ خاصة وأنه لم يقابل _الانقلاب _ بأي مقاومة حتى يجد
الانقلابيون مبررا لمجازرهم ، وليس أدل على ذلك من كون غالبية القتلى من
الأطفال والنساء والشيوخ ، كما لا نسلم لمقولة محمد فائق الزاعمة بأن اتحاد
المسلمين في زنجبار مع تنجنيقا قد بوأهم مراكز كبيرة عادت بالنفع على
المسلمين ، ولسبب واحد وهو أن تنجنيقا قد نالت استقلالها قبل زنجبار بنحو
ثلاث سنوات ؛ مما جعل نيريري يٌمكّن النصارى تماما من مراكز صنع القرار
والمناصب الحساسة في الدولة ، وجعل المسلمين يعيشون على هامش الحياة
السياسية والاقتصادية والثقافية ، ولعل الواقع خير شاهد على ذلك ..
ولعلي
أختم هذا الفصل بملاحظة هامة : " أن زعيم الثوار المدعومين من قبل أنظمة
تدّعي أنها خادمة للعروبة والإسلام وتتغنى بالقومية العربية في المحافل
الدولية كان نصرانيا من أوغندا واسمه "جون أكيلو قدم إلى زنجبار عام 1956
وانخرط في الحزب الأفروشيرازي(80) ..
وأخيرا
فلقد نجح الاستعمار البريطاني وبخطة محّكمة ومدروسة أن يزرع الفرقة بين
أبناء المجتمع الواحد الذين توحدوا جميعا عربا وأفارقة لمحاربة الألمان
والإنجليز ، كما نجح في تغييب الحرف العربي واللغة العربية من هذه الجزيرة ،
نجح في غرس الكراهية والحقد في صدور السكان الأصليين على العنصر العربي
من خلال إرساليته التبشيرية ومدارسه النصرانية في ظل غياب مدارس عربية على
الطراز الحديث ، ووفق مناهج متطورة ، مزايدا بقضية الرق ، مستغلا جهل
السكان وضعف قدرات المسلمين في محاربة هذه الشبهات آنذاك ..
ولعل
الاستعمار يعلم أن هذه الجزيرة فيها من الموارد البشرية ما يؤهلها
لمواصلة دورها الحضاري في شرق إفريقيا ، فلقد اكتشف البترول في هذه
الجزيرة في أواخر الخمسينات ، كما أن هذه الجزيرة غنية بالثروة السمكية ،
حيث يحيط بها المحيط الهندي من كل جانب ، وكذلك أراضيها خصبة ، وفيها من
الفواكه والمحاصيل الزراعية ما يؤهلها للاكتفاء الذاتي ، دون أن ننسى شجرة
القرنفل وأهميتها في إنعاش ميزانية الدولة من خلال تصديره إلى دول العالم
، وكذلك فإن الجزيرة تعتبر همزة وصل بين آسيا وإفريقيا ، وربط الهند
بالعالم العربي، إذ يؤهلها موقعها الاستراتيجي لحركة تجارية عالمية واسعة ،
وكذلك فإن الجزيرة تعتبر منتزها سياحيا خلابا ، حيث يؤمها إلى يومنا هذا
عدد كبير من السواح ؛ مما يدر دخلا كبيرا عليها (فبحسب تقديرات 2002، عدد
السواح في الجزيرة يصل إلى 75 ألف سائحا في السنة)(81) كل هذه المقدرات
والثروات والموارد جعلت الغرب يفكر ويخطط بدقة لإنهاء الحكم العربي
الإسلامي ؛ خوفا من الانتعاش والرجوع إلى ما كانت عليه من قبل من ازدهار،
حتى قيل سابقا: «إذا دقت الطبول في زنجبار رقصت إفريقيا».
ولكن
ومع هذه النهاية المحزنة المؤسفة فإن الأمل ما زال قائما في استرداد هذه
الجزيرة وجهها العربي الإسلامي ورجوعها إلى حاضرة العالم الإسلامي، وقد
ترك الوجود العربي الإسلامي بصمات واضحة سنعرضها في الصفحات الآتية ، كما
أن حاضر الجزيرة ينبأ بمستقبل واعد من خلال العمل الإسلامي الموجود فيها
حاليا ، سواء الأهلي أو الخارجي، ولعل المحنة أيضا لم تدم طويلا حيث
وبمقتل الرئيس الزنجباري (عبيد كرومي) 1972 في مقر الحزب الأفروشيرازي
بزنجبار تنفس العرب الصعداء ، ثم تولى عبود جومبي رئاسة الوزراء ، والذي
اشتهر بانحيازه لقضايا الإسلام والإقرار بفضل العرب ، وبناء على ذلك تم
تمتين العلاقات بين بلاده و الدول العربية ، وخاصة المؤسسات الإسلامية
فاتصل برابطة العالم الإسلامي ، ومنظمة الدعوة الإسلامية ، وكان من ثمرة
ذلك الاتصال عودة تعليم اللغة العربية إلى المدارس الحكومية وبمناهج حديثة
، وانتظام دروس التربية الإسلامية (82)
يتبع الباقى
يتبع الباقى
آمل الفائدة للجميع وشكرا لكم منقول للفائدة العلمية تسلموا ودمتم بود عاشق الوطن


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق