الحـياة الثـقافية في الـدولة البـطلــمية
بعد وفاة الإسكندر الأكبر و انقسام امبراطوريته بين قادته الى ممالك مستقلة ، نشأت بينهم منافسة محمومة ، اذ أراد كل واحد منهم ان تكون مملكته هي الأعظم و الأقوى و كذلك الأكثر رقيا في العلم و الثقافة .
و من أبرز من خاض في هذا المضمار ، البطالمة في مصر ، و السلوقيون في سوريا و أسرة أتالوس في برغامون – مملكة برجامة - ، فقد حاولوا تحقيق ذلك السبق في مجال العلم و الثقافة عن طريق تأسيس المكتبات و مراكز البحث العلمي و الجمنازيوم (النوادي الثقافية التي يتعلم فيها الأولاد) في عواصم دولهم ، و هي على الترتيب الإسكندرية ثم انطاكية ثم برغامون .
و تدريجيا وجدنا ظاهرة المكتبة العامة معلما أساسيا في معظم المدن الهلينستية ، كبيرها و صغيرها ، حتى أن مؤرخا مثل (بوليبيوس) في القرن الثاني ق.م افترض وجودها أمرا مؤلوفا ، كما يتضح من عبارته الساخرة : " انه من اليسير على أي شخص أن يكتب بالنقل من الكتب اذا ما قام في مدينة مزودة بوفرة من الوثائق و مكتبة " .
هذا القول يصدق على الشرق الهيلينستي ، أما في غرب البحر المتوسط فقد كان الأمر مختلفا ، جيث تأخر تأسيس مكتبة عامة في مدينة روما الى القرن الأول ق.م على أيام يوليوس قيصر و أغسطس ، رغم أن المكتبات الخاصة كانت معروفة بروما منذ القرن الثاني ق.م على الأقل ، و أشهر مثال عائلة اسكبيون الأرستقراطية التي كانت من أسبق البيوت الى اقتناء الكتب .
على أي حال جميع هذه المكتبات القديمة ، و كذلك مكتبات العصور الوسطى من بعدها ، قد هلكت تماما ، و على كثرتها و أهمية عدد كبير منها ، كانت أشهرها جميعا بلا جدال (مكتبة الإسكندرية) ، ليس لكونها أكبرها و أكثرها كتبا طيلة التاريخ القديم فحسب ، و لكن لأنها كانت مرتبطة أيضا بوحد من أهم مراكز البحث العلمي ، و كان يقصدها العلماء من جميع أقطار البحر المتوسط ، و حتى بعد اندثارها مع اضمحلال العالم القديم ، استمرت ذكراها في كتابات مؤلفي العصور الوسطى ، و قد ظل مصيرها و اسلوب اندثارها نقطة نزاع بين دارسي التاريخ الى يومنا هذا ، و لعل السبب وراء هذا الإهتمام الإنساني غير المؤلوف هو أن المكتبة و الموسيون (المركزالعلمي) ، كانا الممثل الرئيسي لحضارة عصرهما ، و الأساس الذي قامت عليه ما يمكن أن نسميه (جامعة الإسكندرية القديمة) التي حملت لواء عالمية البحث العلمي و المعرفة أكثر من سبعة قرون متصلة .
و يرجع الفضل في تأسيس (الموسيون) و مكتبة الإسكندرية الى بطليموس الأول سوتير ، الذي عهد الى المفكر و السياسي الأثيني ديمتريوس الفاليري بمهمة التصميم و التنفيذ ، و قد كانوا يأتون بالكتب لأن الملك البطلمي سوتير وضع ميزانية ضخمة لشراء الكتب الى ديمتريوس و بعدها اشتروا مكتبة أرسطو ، و كانت كل السفن التي تدخل الميناء يأتيها المفتشين و يأخذوا الكتب و ينسخونها اذا لم تكن موجودة في المكتبة بالإضافة الى أن بطلميوس الثالث بعث الى مدينة أثينا و أعطاهم رهن لكي يأخذ المخطوطات القديمة و ينسخها و كان الرهم غالي ، لكنه نسخ الكتب و احتفظ بالأصول و بعث بالكتب المنسوخة الى أثينا .
و لم يأل الملوك البطالمة بعد ذلك جهدا في جلب العلماء الى (الموسيون) و الكتب و المخطوطات الأصلية من جميع أطراف العالم اليوناني ، حتى ليقال ان عدد لفائف البردي التي دونت عليها الكتب قديما بلغ 700,000 و هو قدر لا يستهان به ، فلم تبلغه بعد مكتبات بعض جامعاتنا الحالية ، و لم تقتصر هذه المكتبة على المصنفات اليونانية بل شملت كثيرا من الكتب الغير يونانية ، مثل : المصرية ، العبرية ،
الإثيوبية ، الفينيقية و غيرها .
و اذا كانت المكتبات الحديثة الكبرى في العالم تقوم الآن بتصوير الكتب النادرة و ترسلها لمن يشاء من العلماء ، فقد قامت مكتبة الإسكندرية بمهمة نسخ المخطوطات التي لديها و كانت تبيعها للأفراد في مصر و تصدرها الى مراكز الثقافة اليونانية المختلفة و كذلك الى روما فيما بعد . و بعد بناء معبد السرابيوم في الحي المصري بالإسكندرية ، ألحقت به مكتبة أخرى .
و هكذا أصبح لدى علماء الموسيون مكتبتان حوتا معظم تراث الإنسانية حينئذ ، و أفاد العلماء من هذه الفرص الثقافية الهائلة ، فأقبلوا على الإسكندرية من كل موطن إما للإنضمام الى عضوية الموسيون أو للدراسة و الإفادة من مكتباتها الفنية ، و إذ بأشهر شعراء العصر يجتمعون في الإسكندرية من أمثال : كاليماخس ، ثيوكريتوس، أبولونيوس الرودوسي ، و قامت بينهم المعارك الأدبية و النقدية المشهورة
(بين القديم و الجديد) ، و أصبح لزاما على كل مثقف في العلم أن يلم بتطور الإنتاج الأدبي في الإسكندرية ، حتى أطلق على الأدب اليوناني بأسره في هذ الحقبة اسم (الأدب الإسكندري) ، و ذلك لشدة تأثير مدرسة الإسكندرية على الإنتاج الأدبي في العالم في ذلك الوقت ، بما في ذلك أدباء اللاتين في روما الذين كانوا يحاكون نماذج الأدب اليوناني في الإسكندرية .
و لا نبالغ في شيء إذا قلنا إن أسس الدرس الأدبي على أسس علمية قد أرسيت في الإسكندرية أيضا ، فقد توفر علماء الموسيون و المكتبة على نماذج الأدب اليوناني الراقية درسا و بحثا ، يقارنون بين المخطوطات و القراءات المختلفة و كانت لهم جهود قيمة في تحقيق و نشر ملاحم هوميروس و تاريخ هيرودوت و أعمال شعراء أثينا الكبار .
و لم يقتصر نصيب الأسكندرية في بناء الحضارة الإنسانية في ذلك الوقت على الشعر و الأدب بل قامت بها حركة علمية نشطة خطت علوم الرياضة و الهندسة و الفلك و الطبيعة خطوات هائلة ، كانت أسس الحركة العلمية العربية في العصور الوسطى و أسس النهضة العلمية الأوربية الحديثة .
و يكفي أن نذكر أن إقليدس العالم الرياضي و الهندسي ، و أرخميدس صاحب قانون الطفو ، و إراتوسثنيس صاحب المحاولة الكبرى لقياس محيط الكرة الأرضية ، كانوا جميعا من علماء الإسكندرية في العصر البطلمي
بعد وفاة الإسكندر الأكبر و انقسام امبراطوريته بين قادته الى ممالك مستقلة ، نشأت بينهم منافسة محمومة ، اذ أراد كل واحد منهم ان تكون مملكته هي الأعظم و الأقوى و كذلك الأكثر رقيا في العلم و الثقافة .
و من أبرز من خاض في هذا المضمار ، البطالمة في مصر ، و السلوقيون في سوريا و أسرة أتالوس في برغامون – مملكة برجامة - ، فقد حاولوا تحقيق ذلك السبق في مجال العلم و الثقافة عن طريق تأسيس المكتبات و مراكز البحث العلمي و الجمنازيوم (النوادي الثقافية التي يتعلم فيها الأولاد) في عواصم دولهم ، و هي على الترتيب الإسكندرية ثم انطاكية ثم برغامون .
و تدريجيا وجدنا ظاهرة المكتبة العامة معلما أساسيا في معظم المدن الهلينستية ، كبيرها و صغيرها ، حتى أن مؤرخا مثل (بوليبيوس) في القرن الثاني ق.م افترض وجودها أمرا مؤلوفا ، كما يتضح من عبارته الساخرة : " انه من اليسير على أي شخص أن يكتب بالنقل من الكتب اذا ما قام في مدينة مزودة بوفرة من الوثائق و مكتبة " .
هذا القول يصدق على الشرق الهيلينستي ، أما في غرب البحر المتوسط فقد كان الأمر مختلفا ، جيث تأخر تأسيس مكتبة عامة في مدينة روما الى القرن الأول ق.م على أيام يوليوس قيصر و أغسطس ، رغم أن المكتبات الخاصة كانت معروفة بروما منذ القرن الثاني ق.م على الأقل ، و أشهر مثال عائلة اسكبيون الأرستقراطية التي كانت من أسبق البيوت الى اقتناء الكتب .
على أي حال جميع هذه المكتبات القديمة ، و كذلك مكتبات العصور الوسطى من بعدها ، قد هلكت تماما ، و على كثرتها و أهمية عدد كبير منها ، كانت أشهرها جميعا بلا جدال (مكتبة الإسكندرية) ، ليس لكونها أكبرها و أكثرها كتبا طيلة التاريخ القديم فحسب ، و لكن لأنها كانت مرتبطة أيضا بوحد من أهم مراكز البحث العلمي ، و كان يقصدها العلماء من جميع أقطار البحر المتوسط ، و حتى بعد اندثارها مع اضمحلال العالم القديم ، استمرت ذكراها في كتابات مؤلفي العصور الوسطى ، و قد ظل مصيرها و اسلوب اندثارها نقطة نزاع بين دارسي التاريخ الى يومنا هذا ، و لعل السبب وراء هذا الإهتمام الإنساني غير المؤلوف هو أن المكتبة و الموسيون (المركزالعلمي) ، كانا الممثل الرئيسي لحضارة عصرهما ، و الأساس الذي قامت عليه ما يمكن أن نسميه (جامعة الإسكندرية القديمة) التي حملت لواء عالمية البحث العلمي و المعرفة أكثر من سبعة قرون متصلة .
و يرجع الفضل في تأسيس (الموسيون) و مكتبة الإسكندرية الى بطليموس الأول سوتير ، الذي عهد الى المفكر و السياسي الأثيني ديمتريوس الفاليري بمهمة التصميم و التنفيذ ، و قد كانوا يأتون بالكتب لأن الملك البطلمي سوتير وضع ميزانية ضخمة لشراء الكتب الى ديمتريوس و بعدها اشتروا مكتبة أرسطو ، و كانت كل السفن التي تدخل الميناء يأتيها المفتشين و يأخذوا الكتب و ينسخونها اذا لم تكن موجودة في المكتبة بالإضافة الى أن بطلميوس الثالث بعث الى مدينة أثينا و أعطاهم رهن لكي يأخذ المخطوطات القديمة و ينسخها و كان الرهم غالي ، لكنه نسخ الكتب و احتفظ بالأصول و بعث بالكتب المنسوخة الى أثينا .
و لم يأل الملوك البطالمة بعد ذلك جهدا في جلب العلماء الى (الموسيون) و الكتب و المخطوطات الأصلية من جميع أطراف العالم اليوناني ، حتى ليقال ان عدد لفائف البردي التي دونت عليها الكتب قديما بلغ 700,000 و هو قدر لا يستهان به ، فلم تبلغه بعد مكتبات بعض جامعاتنا الحالية ، و لم تقتصر هذه المكتبة على المصنفات اليونانية بل شملت كثيرا من الكتب الغير يونانية ، مثل : المصرية ، العبرية ،
الإثيوبية ، الفينيقية و غيرها .
و اذا كانت المكتبات الحديثة الكبرى في العالم تقوم الآن بتصوير الكتب النادرة و ترسلها لمن يشاء من العلماء ، فقد قامت مكتبة الإسكندرية بمهمة نسخ المخطوطات التي لديها و كانت تبيعها للأفراد في مصر و تصدرها الى مراكز الثقافة اليونانية المختلفة و كذلك الى روما فيما بعد . و بعد بناء معبد السرابيوم في الحي المصري بالإسكندرية ، ألحقت به مكتبة أخرى .
و هكذا أصبح لدى علماء الموسيون مكتبتان حوتا معظم تراث الإنسانية حينئذ ، و أفاد العلماء من هذه الفرص الثقافية الهائلة ، فأقبلوا على الإسكندرية من كل موطن إما للإنضمام الى عضوية الموسيون أو للدراسة و الإفادة من مكتباتها الفنية ، و إذ بأشهر شعراء العصر يجتمعون في الإسكندرية من أمثال : كاليماخس ، ثيوكريتوس، أبولونيوس الرودوسي ، و قامت بينهم المعارك الأدبية و النقدية المشهورة
(بين القديم و الجديد) ، و أصبح لزاما على كل مثقف في العلم أن يلم بتطور الإنتاج الأدبي في الإسكندرية ، حتى أطلق على الأدب اليوناني بأسره في هذ الحقبة اسم (الأدب الإسكندري) ، و ذلك لشدة تأثير مدرسة الإسكندرية على الإنتاج الأدبي في العالم في ذلك الوقت ، بما في ذلك أدباء اللاتين في روما الذين كانوا يحاكون نماذج الأدب اليوناني في الإسكندرية .
و لا نبالغ في شيء إذا قلنا إن أسس الدرس الأدبي على أسس علمية قد أرسيت في الإسكندرية أيضا ، فقد توفر علماء الموسيون و المكتبة على نماذج الأدب اليوناني الراقية درسا و بحثا ، يقارنون بين المخطوطات و القراءات المختلفة و كانت لهم جهود قيمة في تحقيق و نشر ملاحم هوميروس و تاريخ هيرودوت و أعمال شعراء أثينا الكبار .
و لم يقتصر نصيب الأسكندرية في بناء الحضارة الإنسانية في ذلك الوقت على الشعر و الأدب بل قامت بها حركة علمية نشطة خطت علوم الرياضة و الهندسة و الفلك و الطبيعة خطوات هائلة ، كانت أسس الحركة العلمية العربية في العصور الوسطى و أسس النهضة العلمية الأوربية الحديثة .
و يكفي أن نذكر أن إقليدس العالم الرياضي و الهندسي ، و أرخميدس صاحب قانون الطفو ، و إراتوسثنيس صاحب المحاولة الكبرى لقياس محيط الكرة الأرضية ، كانوا جميعا من علماء الإسكندرية في العصر البطلمي


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق