بحث في تاريخ تركيا الحديث
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم رؤية تحليلية وتاريخية مختصرة ومركزة لأهم وأبرز معالم تاريخ تركيا الحديث , وهي فترة تمتد إلى عدة قرون , حدثت فيها أحداث هامة غيرت طريقة عمل الإنسان , وطريقة حياته في المجتمع , وكذلك طريقة تفكيره , كما نتج عنها الواقع الذي تعيشه تركيا في الوقت الحالي والذي تظهر آثاره واضحة في تاريخها المعاصر , ومن هنا تأتي أهمية هذا التاريخ في فهم الأحداث المعاصرة , وتفسيرها تفسيرا علميا صحيحا .
وإذا حاول الباحث أن يستكشف العوامل الإجتماعية والإقتصادية العميقة التي أدت إلى تحويل تركيا من عصورها الوسطى إلى العصور الحديثة , فإنه سيجد نفسه بالضرورة يتوقف عند فترات إحتكاك بين تركيا ودول الغرب , وما حدث فيها أخر الأمر من سقوط الإمبراطورية العثمانية القديمة تحت ضربات الإستعمار , ووقعت فريسة لهذا النظام غير الإنساني .
والله ولي التوفيق ,,,
7 / 12 / 2007 م .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
التمهيد
كان سكان تركيا الأقدمون من بين الزراع الأول في العالم , فقد ظهر في تركيا الأسيوية حضارات الحيثيين والفيريجيانيين والليديانيين وتزمنت مع الحضارة اليونانية القديمة ( الإغريقية ) . وفي القرن الأول قبل الميلاد أصبحت آسيا الصغرى جزءا من الإمبراطورية الرومانية , وفي القرن السادس الميلادي أنتشر التركيك من منغوليا ( في وسط آسيا ) إلى التركستان وهناك إعتنقوا الدين الإسلامي .
وفي عام 1055م استولى الأتراك السلاجقة على بغداد واتخذ زعيمهم أرطغرل لنفسه لقب السلطان . وفي عام 1071م وقعت معركة " منزيكرت " حيث هزم الأتراك السلاجقة البيزنطيين وإستولوا على آسيا الصغرى . أما الأتراك العثمانيون فقد ظهروا لأول مرة في أوائل القرن الثالث عشر في الأناضول وكانوا ولاة للأتراك السلاجقة , وينسبون إلى جدهم عثمان , الأمير الذي أسس الأسرة العثمانية الحاكمة في عام 1299م على رأس مملكة عثملنية صغيرة سرعان ما أزاحت السلاجقة لتضم كل آسيا الصغرى , وفي عام 1354م أستولى الأتراك العثمانيون على شبه جزيرة "جاليبولي" ( تقع في تركيا الأوربية بين بحر إيجة في الشمال ومضيق الدردنيل في الجنوب ) وبدأوا فتوحاتهم في أوربا , وفي عام 1389م وقعت معركة "كوسوفو" حيث هزم الأتراك جيوش الصرب وسيطروا على معظم سبه جزيرة البلقان , وفي عام 1453م أسقطت القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في يد الأتراك , وأصبحت عاصمة للإمبراطورية العثمانية وسميت " استانبول " .(1 )
وفي القرن السادس عشر بلغت الإمبراطورية العثمانية ذروة مجدها تحت حكم السلطان سليمان الفاتح ( 1520 ـ 1566م) إذ فتح الأتراك مصر وسوريا وشبه الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين وطرابلس وقبرص و معظم المجر وفتحوا أبواب فينا , لكن حصارهم لها لم يكلل بالنجاح , وكان نذير بإضمحلال القوة التركية , وفي عام 1699م عقدت معاهدة " كارلو ويتز" وفيها أرغم النمساويون الأتراك على الخروج من المجر , وبحلول القرن الثامن عشر سعت روسيا لأن تجعل من نفسها حامية حمى المسيحيين في إقليم البلقان التركي , وفي عام 1774م طردت روسيا الأتراك من شبه جزيرة القوم . وفي القرن التاسع عشر ظهرت " المسألة الشرقية " إذ أدى ضعف الإمبراطورية العثمانية إلى قيام منافسة حادة بين القوى الكبرى حول تشكيل مستقبل الشرق الأدنى .
واندلعت الحرب الروسية التركية في عام 1877م وإنتهت بمعاهدة بارلين 1878م وانسحاب الأتراك من بلغاريا , وفي عام 1908م كانت ثورة تركيا الفتاة (وهو التنظيم الذي ضم الشباب الأحرار في تركيا) التي أرغمت السلطان على منح دستور للبلاد . وبدأت عملية التحديث السياسي . (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
) محمد عتريس : معجم بلدان العالم , الطبعة الأولى , دار الثقافة للنشر , القاهرة 2002 , ص 13
2 ) نفس المصدر , ص 214
//
الفصل الأول
جغرافية تركيا
تركيا :
تبدو تركيا في شكل لسان ضخم من اليابس يمتدفي غرب آسيا صوب القارة الأوربية لتضم أيضا جزءا صغيرا من أوربا , لذا يمكن اعتبار تركيا دولة أسيوية أوربية . وتمتد الأراضي التركية بين دائرتي عرض 36 , 42 شمالا تقريبا , أي تمتد لمسافة تقدر بحوالي 485 كم بين الجنوب والشمال . في حين تمتد بين خطي طول 30 25 , 30 44 شرقا تقريبا , أي مسافة 1450 كم بين الغرب والشرق .(1)
وتبلغ جملة مساحة الدولة 779452 كم2 ( 300947 ميل2) منها 55855 كم2 وهو ما يشكل 96,9 0/0 من جملة المساحة في قارة آسيا وهو الجزء المعروف باسم آسيا الصغرى . أما باقي المساحة وقدرها 23764 كم2 ( 3,1 0/0 ) فتمثل الجزء الأوربي من القارة المعروف باسم تركيا " تراقيا " ويفصل بين الجانبين الآسيوي والأوربي من تركيا مضيق البسفور وبحر مرمرة ومضيق الدردنيل , وهي مسطحات مائية تتمتع بأهمية إستراتيجية كبرى لدورها كحلقة ربط أو طريق اتصال بين البحر الأسود الذي يطل عليه جمهورية روسيا الإتحادية وأوكرانيا وجورجيا و رومانيا وبلغاريا في الشمال , وبحر إيجة والبحر المتوسط في الجنوب , ومعنى ذلك أن تركيا تتحكم في المضايق التي تربط الدول المطلة على البحر الأسود بخطوط النقل البحرية العالمية .(2)
وعاصمة تركيا انقرة , وتشغل تركيا شبه جزيرة الاناضول, وتحد شمالا بالبحر الأسود ,
وسوريا والعراق جنوبا , وايران شرقا وجمهوريتى أرمانيا وجورجيا السوفيتتين فى الشمال , وتنظم تركيا فى اوروبا تراقيا الشرقية كما ذكرنا من قبل وهى سهل متموج . وتركيا الأسيوية
هضبة شبة جدباء تحفها الجبال(-*) وشريط ساحلي خصب وتشمل نصف مساحتها الكلية مراعي 20 0/0 منها صالح للزراعة .(3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ) محمد خميس الزوكة : أوراسيا دراسة في الجغرافيا الإقليمية , دار المعرفة الجامعية , الاسكندرية 1999 , ص 606
2 ) نفس المصدر , ص 606
-* ) مرتفعات بنطس : تمثل إمتدادا شرقيا لمرتفعات الألب الأربية , وهى تحيط بهضبة الأناضول من جهة الشمال وتمتد فى اتجاه عام من الغرب إلى الشرق على طول البحر الأسود في شكل سلسلة جبلية متتالية يتراوح منسوبها بين 7500 – 9000 قدم فوق مستوى سطح البحر .
مرتفعات طوروس : تشكل إمتداد لمرتفعات الألب الدينارية التى تشغل الجزء الغربى من شبة جزيرة البلقان على طول امتداد البحر الأدرياتى , والتى تختفى تحت مياه البحر لتظهر بعد ذلك فى شكل متقطع فى عدة جزر منها كريت , رودوس , قبرس , ثم تختفى تحت مياه البحر لتظهر مرة أخرى فى جنوب أسيا الصغرى من جهة الجنوب وتمتد فى اتجاه عام من الغرب إلى الشرق على طول البحر المتوسط . ويتراوح منسوبها 9000 – 12000 قدم فوق مستوى سطح البحر.
راجع : نفس المصدر , ص 609 – 610
3 ) محمد غربال : الموسوعة العربية الميسرة , الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة دار الجيل , القاهرة 1995 , ص 505
//
ويتخلل تركيا انهار كثيرة ولكنها غير صالحة للملاحة . وأهم مواصلاتها الطرق المعبدة , ومناخ تركيا معتدل بوجة عام . (1)
وأهم الموارد الطبيعية بها , الفحم والنحاس والفضة والبترول والكروم والكبريت . أما أهم المحاصيل الزراعية فهى , القطن ولتبغ والحبوب والكر والفواكة والزيتون . وأهم الصناعات , النسيج والفحم والاملاح المعدنية والأغذية المصنعة والصلب والبترول . أما أهم الواردات : المنتجات الزراعية , النسيج , الملابس , الجلود ومنتجات الزجاج . وأهم الواردات : البترول الخام , الماكينات , المحركات والمواتير , المعادن , الاملاح المعدنية , الوقود , الاسمدة , والكيماويات . (2)
السكان :
يبلغ عدد سكان تركيا 65,6 مليون نسمة .(3) وبمهاجرة عدد كبير من اليونانين والبلغارين من تركيا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين أصبحت الكثرة الكبرى من السكان أتراكا . وهناك 86 0/0 من السكان يتحدثون التركية . ويعد الإسلام هو الديانة الرسمية حيث يبلغ عدد المسلمين 98 0/0 من إجمالى عدد السكان . ولقد انضمت تركيا للأمم المتحدة بتاريخ 24/10/1945 م . (4)
ولقد انعكس الوضع التاريخى مع الملامح الطبيعية على خصائص الجنسية لسكان تركيا والتى تتسم بتباينها الكبير . ويشكل الأ تراك غالبية السكان وهم عبارة عن عنصر سكانى ينتمى للمجموعة القوقازية وقد سبق الإشارة إلى أهم خصائص عند دراسة سكلن القارة .
ويوجد فى تركيا أقليات جنسية عديدة نعرضها فيما يلى :
الأكراد , ويتركزون فى النطاق الجبلى الممتد فى جنوب شرق تركيا , ويقدر عددهم بنحو 5 مليون نسمة .
الشراكس , عنصر سكانى وفد من إقليم القوقاز ليستقر فى شمال شرق البلاد هربا من الإضطهاد الروسى وخاصة أنهم مسلمون , ويبلغ عددهم نحو 400 ألف نسمة معظمهم رعاه .
التركمان , بقايا الأتراك السلاجقة , وهم يقطنون القسم الشرقى من الأناضول ويتحرفون الرعى .
اليوروك , يشبهون التركمان فى أصلهم السلجوقى , وهم يعيشون فى نطاق الهضاب الوسطى لأسيا الصغرى .
اللاظ , مجموعة سكنية وفدت من القوقاز لتستقر على ساحل البحر الأسود شرقى مدينة ترابزون لتحترف فلاحة الأرض والتجارة والصيد البحرى .
الأشوريون , يعيشون فى نطاق بحيرة فان شرقى الأناضول .
اليوماك , يعيشون فى تراقيا – الجانب الأروبى من تركيا – ولهم لغة خاصة بهم تشبة اللغات اللاسلافية , وكانوا فى الأصل مسيحين ثم اعتنقوا الإسلام خلال القرن الخامس عشر الميلادى .
اليونانيون , يتركزون فى غربى أسيا الصغرى وخاصة فى إقليم أزمير , ويقدر عددهم بنحو ألف نسمة
الأرمن , يعيشون فى نطاقات متفرقة أكبرها فى شرقى البلاد , إلى جانب استانبول ومنطقة قيليقيا , ويقدر عددهم عددهم بحوالى 100 ألف نسمة .
البلغار , يقنطون الجانب الأروبى ويبلغ عددهم أكثر من 50 ألف نسمة تقريبا .
ويبلغ إجمالى عدد السكان 61,6 مليون نسمة عام 1995 , ويتباين توزيعهم على جهات الدولة المختلفة حيث يتركزون بدرجة كبيرة فى نطاقين رئسيين هما الساحل الجنوبى الشرقى للبحر الأسود , ونطاقات الأودية والسهول الفيضية والأحواض الخصبة المنتشرة على ساحل بحر إيجة فى الغرب حيث يتجاوز كثافة السكان عن 25 نسمة فى الميل المربع فى الأقاليم الجافة بالوسط والنطاقات الجبلية بالشمال والجنوب .(5)
وتعد أهم ثغور تركيا : استانبول , أزمير , طربزون , سينوب , مرسين , والمدن العامة الأخرى : أدرنة , أنقرة , بورصة , أطنة , قونية , قيصرية , أنطاكيا .(6)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) محمد الجابرى : موسوعة دول العالم حقائق وأرقام , مجموعة النيل العربية , القاهرة , الطبعة الاولى 2000 , ص 115
2 ) نفس المصدر , ص 115 .
3 ) محمد عتريس : المرجع السابق , ص 212 .
4 ) محمد شفيق غربال : المرجع السابق , 505 .
5 ) محمد خميس الزوكة : المرجع السابق , ص 617 ـ 618 .
6 ) محمد شفيق غربال : المرجع السابق , ص 505 .
//
الفصل الثاني :
أصل العثمانيون
1) اسماء الدولة العثمانية عبر تاريخها :
تنسب الدولة العثمانية إلى عثمان بن أرطغرل مؤسسها بوسط آسيا الصغرى في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي ـ وبالتحديد عام 1299م وهو تاريخ إرتقاء عثمان الإمارة ـ وقد عرفت الدولة العثمانية في التاريخ بعدة اسماء , ففي عصورها الأولى أطلق عليها المؤرخون العثمانيون " دولت عليه " أي الدولة العلية , ثم أطلقوا عليها " سلطنت سنية " أو السلطنة السنية , كما أطلقوا عليها بعد اتساع ممتلكاتها في أوربا وآسيا وأفريقيا اسم " إمبراطورية لق عثمانلي " أي الإمبراطورية العثمانية وعرفت أيضا بالاسم الذي أرتاح له الأتراك العثمانيون وهو " دولت عثمانلي " أي الدولة العثمانية . (-*)(1)
إذ كانوا يعتزون بإنتسابهم لعثمان الأول مؤسس الدولة , وهو الذي سميت باسمه الدولة والأمة , ويرون فيه المثل الأعلى للحاكم المسلم الغازي (-*-*) والمتقشف في حياته الخاصة . ويذكرون عنه أنه لم يترك عندما جاز إلى ربه سوى ثوبين وفرس . ويتضح من هذا الغرض أن استخدام كلمات تركيا واتراك و تركي وهي مصطلحات وردت من أوربا بمعنى الدولة العثمانية والعثمانيين والعثماني بعيدا عن الدقة في الصياغة اللفظية حتى أوائل القرن العشرين .(2)
أما كلمتا تركى وأتراك فقد كان العثمانيون يطلقون هاتين اللفظين على الأجناس التركية المختلفة فى نظرهم والتى كانت تقطن أسيا , مثل السلاجقة والتركمان والاوزيك . فكان العثمانيون يتمسكون بكلمتى "عثمانى" و "عثمانيين" لقبا مميز لهم تعبيرا عن اعنزازهم بانتسابهم إلى عثمان الأول من ناحية أخرى .
وبمضي العصور والأجيال والأحقاب إستخدم العثمانيون حتى أوائل القرن العشرين كلمتي تركي وأتراك في معنى ينبثق عن الإستعلاء لاذي كان سمة بارزة في أخلاقهم . فكانوا يطلقون لفظة تركي على الفلاح العثماني الجاهل أو أحد سكان قرى الأناضول بمعنى واحد , هو الجلف (-*-*-*)تهكما عليه ,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-* ) وأرتاح العثمانيون للاسمين الأخرين لإحتواء كل منهما على لقب عثمانلي ؛ وهو الصفة من عثمان باللغة التركية , وعثماني باللغة العربية .
راجع : عبد العزيز محمد الشناوي : الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها , الجزء الأول , مكتبة الأنجلو المصرية , القاهرة 1992 , ص 11 .
1 ) رأفت الشيخ : تاريخ العرب الحديث , عين للدراسات والبحوث الإنسانية والإجتماعية , القاهرة 1994 , ص 19 .
-*-* ) الغازي : كلمة تركية مأخوذة من اللغة العربية بمعنى المجاهد .
راجع : عبد العزيز محمد الشناوي : المرجع السابق , ص 11 .
2 ) نفس المصدر , ص 11 .
-*-*-* ) الجلف بكسر الجيم وسكون اللام , جمعها أجلاف , على وزن حمل وأحمال . وهي مأخوذه من أجلاف الشاة , وهي المسلوخة بلا رأس ولا قوائم ولا بطن . وكان العرب يطلقون كلمة جلف على الشخص الفظ غليظ القلب الذي لم يكتسب أخلاق أهل الحضر في رقيهم ولين طابعهم ودماثة أخلاقهم , فإذا تخلق مثل هذا الشخص بسلوكهم الإجتماعي المميز كأنه نزع جلده ولبس غيره .
//
أو تحقيرا له ، أو سخريه به . وقد ذهب العثمانيون إلى أبعد من ذلك إذ كان إطلاقهم كلمة تركي على أحد العثمانيين المقيمين بالعاصمة أو في إحدى المدن العثمانية يعتبر إهانه له . على الرغم من أن لغتهم كان يطلق عليها في جميع العصور التاريخية اللغة التركية (-*)
ويحدد أحد المؤرخين الحرب العثمانية اليونانية التى اشتعلت فى عام 1897 م (-*-*)تاريخا تغير فية تغيرا تاما مدلول كلمات تركيا واتراك وتركى , للدلالة على الوطن التركى والشعب التركى . ويستند فى رأيه إلى قصيدة نظمها الشاعر العثمانى محمد أمين بيك بمناسبة هذه الحرب جاء فيها : " بن برتوركم جنسم أولودر"
ومعناها " أنا تركى , دينى وجنسى من أعظم الأديان والأجناس " . ولا يمكن الأخذ بهذا التحديد الزمنى , الأن الحالة التى تكلم عنها مينورسكى تعد من الحالات النادرة والشخصية , أما التحديد الرسمى والقانونى والدولى لاستخدام تلك الكلمات الثلاث بمعناها الحديث فهو عام 1923 م حين أعلن قيام النظام الجمهورى فى تركيا . وكان الباعث لمصطفى كمال اتاتورك وزعيم الحركة الكمالية وأول رئيس للجمهورية التركية على استخدام تلك الكلمات الثلاث بمعناها الحديث هو الإبتعاد بشعبه عن الخط الإسلامى للدولة ونبذ تقاليدها وتغير حياتها الثقافية والإجتماعية وتشريعاتها الإسلامية ونظمها السياسية , وازدياد الإقتراب من أوربا فى حركة عبور لشعب تركى يجتاز حدود بلاده لاستبدال حضارة أوربية جديدة بحضارة إسلامية كانت تطبع حياة الدولة وشعبها بطابع إسلامى مسيطر وبارز . (1)
2) أصل العثمانيون :
يعود أصل الأتراك سكان شبه جزيرة أسيا الصغرى . إلى السلاجقة الذين ينتمون إل "الغز" الذين كان موطنهم يمتد من حدود الصين حتى شواطىء بحر الخزر " قزوين " وكانوا على اتصال مستمر ببلاد ما وراء النهر خاصة مناطق التركستان الشرقية (2)
وأما ذهب اليه بعض المؤرخين المحدثين من ان العثمانيون ينتمون إلى بطن أخر من بطون الترك يقال له فانكلى فرأى لا أساس له , وقد سكتت بعض المصادر فلم تذكر إلى أى قبيلة من قبائل الغز ينتمى العثمانيون , ومن هذه المصادر الكتب المجهولة المؤلف المعنونة ب( تواريخ أل عثمان ) وكتاب ( بهجة التورايخ ) لشكر الله , وكتابا عاشق باشازاده وأوروج بك , فقد اقتصرت هذه الكتب جميعا على القول بأن العثمانين ينتمون إلى الغز .(3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-* ) يخرج بعض المؤرخين على هذا التعميم , فيذكرون حين يتكلمون عن اللغة التركية عبارة " اللغة التركية العثمانية " .
راجع : نفس المصدر , ص 12.
-*-* ) تسمى هذه الحربحرب الثلاثين يوما, لأنها استمرت قرابة شهر , إذا أعلن السلطات عبد الحميد الثانى الحرب فى السابع عشر من شهر ابريل – نيسان – عام 1897م ثم اعلنت الهدنة فى التاسع من شهر مايو – أيار – عقب تدخل الدول الكبرى وأبرمت معاهدة الاستانة فى اليوم الرابع من شهر ديسمبر – كانون -1897م , ونصت على ان تجلو القوات العمانية من إقليم تساليا ما عدا قرية واحدة وبعض مواقع استراجية واستولت اليونان على هذا الإقليم للمرة الثانية .
راجع نفس المصدر , ص 13.
1 ) نفس المصدر , ص13.
2 ) رأفت الشيخ : المرجع السابق , ص 20 .
3 ) محمد فؤاد كوپريلي : قيام الدولة العثمانية , ترجمة أحمد السعيد سليمان , الطبعة الثانية , الهيئة المصرية العامة للكتاب , القاهرة 1993م , ص 116 .
//
ولكن مصادر أخرى صرحت بإنتماء العثمانيين إلى قبيلة من قبائل الغز هى قبيلة (تايي) ومن هذه المصادركتاب (سلجو قنامة ) الذى كتبه يازيجى أوفلى فى عهد مراد الثانى وقد اثبتت مصادر أخري علي بطن (قايي ) وخصته من بين البطون الغزية بالأصالة والشر ونسبت إليه العثمانيين , ومن هذه المصادر كتب الأنساب ككتاب جام جم آيين , وبعض مجموعات الحكايات ككتاب " دده قوقور", وكتب التواريخ مل دستور نامة وكتابى روحى ولطفى , و" هشت بهشت " لإديس البدليسي .(1)
ويرجع تاريخ الأتراك الذين سكنوا هضبة الأناضول إلى أوائل القرن السابع الهجري الموافق لأوائل القرن الثالث عشر الميلادي , عندما هاجرت مجموعة من أتراك وسط آسيا هربا من الفظائع التي أرتكبها جنكيز خان وأولاده ضد المسلمين هناك , وهذه المجموعة سارت حتى وصلت إلى شبة جزيرة آسيا الصغرى بزعامة " أرطغرل .(2)
وتتدسس في التاريخ المبكر للعثمانيين روايات أدنى للأساطير منها إلى الحقائق . على الرغم من أن المؤرخين إستقوا هذه الروايات من الحوليات العثمانية القديمة . وتقرر إحدى هذه الروايات أن تلك القبيلة التركية قد أسدت سنة 1232م , وفي أثناء ترحالها في وهاد الأناضول خدمة جليلة لعلاء الدين الأول ( 1219 ـ 1235م ) سلطان دولة الروم السلاجقة فقد حدث أنها شاهدت جيشان يقتتلان , وأدركت أن أحد الجيشين ليس ندا للأخر , فإنضمت القبيلة إلى جانب الجيش الضعيف الذي كاد يلقى هزيمة مققة . وكان إنضمام القبيلة إليه سببا في إنتصاره , وبعد المعركة كانت مفاجئة سارة للقبيلة التركية حين تبين لها أنها تدخلت لنصرة بني جلدتها , وهم الأتراك السلاجقة الذين كانوا يحاربون فرقة مغولية من جيش الخان أو كطاي بن جنكيز خان , كان قد عهد إليها استكمال فتح آسيا الصغرى .(3)
وتقديرا لتدخل القبيلة في المعركة أقطعها علاء الدين الأول سلطان دولة الأتراك السلاجقة بقعه مترامية من دولته التي كانت تجتاز دور الإضمحلال .(-*)
وتدل هذه القصة على الطابع الحربي العنيف الذي أتسم به أفراد القبيلة التركية , فقد خاضوا المعركة لغير مصلحة لهم . ويضيف بعض المؤرخين تعليقا على هذه القصة بقولهم أن الدافع الحقيقي الذي دفع السلطان علاء الدين الأول إلى منحهم الأرض , أنه لم يرحب في قرارة نفسه بهذه القبيلة . فقد أثبتت أنها على حظ موفور من الشجاعة والخبر الحربية والكفاية القتالية , ومن ثم فلم يطمئن إليها , ولذلك لم يرغب في إدماج هذه القبيلة في قواته . وانتهى تفكيره إلى منحها تلك الأرض . وبذلك الإجراء يتخلص من هذه القبيلة من ناحيه , ويشغلها بالحرب ضد الدولة الرومانية الشرقية المجاورة لها في نيقيه من ناحيه أخرى .(4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
1) نفس المصدر , ص 116 ـ 117 .
2) رأفت الشيخ : المرجع السابق , ص 20 .
3) عبد العزيز محمد الشناوي : البمرجع السابق , ص 33 ـ 34 .
-* ) كانت هذه البقعه تشمل المنحدرات الشرقية من جبال طومانيج وإرمني يقضي فيها أفراد القبيلة فصل الصيف ، وسهول سوكود يقضون في ربوعها فترة الشتاء .
راجع : نفس المصدر , ص 34 .
4) نفس المصدر , ص 34 .
//
الفصل الثالث :
أهم الملوك
1) أرطغرل :
هو مؤسس الدولة العثمانية , وقد ذكرنا عنه أنه قدم من وسط آسيا متزعما مجموعة من الأتراك , هربا من الفظائع التي إرتكبها جنكيز خان وأولاده ضد المسلمين هناك .(1)
ويذكر أنه انضم إلى أحد فريقين من سكان الأناضول يقتتلان , وعندما انتصر الفريق الذي نصره أرطغرل ورجاله منحهم السلطان المنتصر ـ وكان سلطان على قونيه ـ أرضا خصبة متسعه تقع على الضفة اليسري لنهر سقاريا وسفوح جبال أرمينيا وهضابها على حدود الإمبراطورية البيزنطية , ثم نصبه أميرا على مقاطعة إسكي شهر .(2)
2) عثمان :
خلف أرطغرل ابنه عثمان والذي تلاجع تسمية الإمارة التركية باسمه , إمارة عثمان أو الإمارة العثمانية . ويرجع تاريخ ميلاده إلى عام 1258م . وهو السنة التي غزا فيها المغول بقيادة هولاكو بغداد عاصمة الخلافة العباسية وفي عام 1300م نجح عثمان في صد هجوم المغول على آسيا الصغرى خاصة بعد أن هرب من وجههم آخر سلاطين السلاجقة حيث قتل في بلاط إمبراطور الدولة البيزنطية . ومن ثم بسط عثمان سلطانه على الإمارات التركية الأخرى في آسيا الصغرى .(3)
وأخذ عثمان , وهو رئيس عشيرة ذكي وقوي الإرادة , يوسع أراضيه بالتدريج مستغلا الفوضى والإهمال المسيطرين على الأراضي البيزنطية بالأناضول , وكان أول صدام بين البيزنطيين وعثمان ( الذي كان يهدد منطقة نيقية ) هو المعركة التي خاضها البيزنطيون في "قوين حصار " بقيادة Muzaio ( مازايون ) سنة 1301م أو ـ كما يقول Muralt(مارالت) ـ سنة 1302م .(4)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ) رأفت الشيخ : المرجع السابق ، ص 20 .
2 ) هشام محمد الصغير : تاريخ آسيا الحديث ، الطبعة الأولى ، دار الإسراء للطباعة والنشر , الاسكندرية 2000 , ص 54 .
3 ) رأفت الشيخ : المرجع السابق ، ص 21 .
4 ) محمد فؤاد كوپريلي : المرجع السابق ، ص 163 .
//
ولم يستطع البيزنطيون ـ لمدة طويلة ـ أن يتحركوا ضد عثمان بسبب إنشغالهم بالقلاقل والفتن المستمرة في العاصمه وفي البلقان , وسقطت في يد عثمان أماكن كثيرة كان عليها أن تدافع عن نفسها بقواتها المحلية . وفي عام 1326م ـ أي في نفس السنة التي توفى فيها عثمان مؤسس الأسرة والإمارة ـ أحرز رجاله انتصارا كبيرا في أول غزاة لهم عندما استولوا على بروسة ( أو بورسة ) المدينه البيزنطية الهامة التي أصبحت عاصمة للأسرة ,(1) وتوفي بها عثمان بن أرطغرل عام 1326م .(2)
ولقد كانت هذه التحركات الحربية التي قام بها العثمانيون في هذه المرحلة المبكرة في تاريخهم بداية لسياسة حربية نشيطة حرصوا على الإلتزام بها , فقاموا بالتوسع في آسيا وأوربا وأفريقية .(3)
3) أورخان : ( 1336 ـ 1360م )
خلف أورخان حكم الدولة العثمانية بعد والده عثمان والذي تولى بعده على حكم الدولة العثمانية سلاطين عظام لمدة قرنين ونصف تقريبا . وقد انشأ أورخان فرق إنكشارية للمساعدة في حربه مع جيوش الإمبراطورية البيزنطية , والذي نزلت قوات دولته لأول مرة في الأراضي الأوربية واستولت على "ترقيا" ومات ومات عام 1359م .(4)
وقد قام أورخان بن عثمان ببعض العمليات العسكرية الهامة مما أدى إلى الإستيلاء على إزنك الحالية ( نيقية ) في عام 1330م ـ وهي من أمهات المدن في الإمبراطورية البيزنطية , وامتصاص كل ما تبقى من الأناضول البيزنطي تقريبا . ومن هذا المركز القوي عبر العثمانيون المضيق إلى أوربا . كحلفاء لكانتاكوزين أحد المطالبين بالعرش البيزنطي في أول الأمر . واستطاع كانتاكوزين أن ينتصر على خصمه ويحصل على عرش الإمبراطورية بفضل مساعدة العثمانيون ,ولكن حلفاء الأمس أنقلبوا إلى خصوم ألداء . فلافض العثمانيون العودة من أوربا إلى آسيا الصغرى , وأصبحت شبة جزيرة غاليبولي قاعدة لزحف جديد إلى جنوب شرقي أوربا , أو روميلية ( روم ـ إيلي ) كما كانت تسمى في ذلك الوقت .(5)
وكان أعداء العثمانيون الرئيسيين هم الصرب والبلغار وليسوا البيزنطيين الذين فقدوا في هذا الوقت كل شئ تقريبا ماعدا اسم الإمبراطورية . ولم يسيطروا إلا على عاصمتهم العظيمة .(6)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ) عمر عبد العزيز عمر : المرجع السابق ، ص 38 ـ 39 .
2 ) هشام محمد الصغير : المرجع السابق ، ص 55 .
3 ) عمر عبد العزيز عمر : المرجع السابق ، ص 39 .
4 ) رأفت الشيخ : المرجع السابق ، ص 21 .
5 ) عمر عبد العزيز عمر : المرجع السابق ، ص 39 .
6 ) نفس المصدر , ص 39 .
//
4) مراد الأول : ( 1360 ـ 1389م )
خلف مراد الأول أباه أورخان على العرش , وقام بمهاجمة أملاك الدولة البيونطية في أوربا , ففي عام 1360م استولى على مدينة أدرنه , وهي ثاني مدينة في الإمبراطورية بعد القسطنطينية .(1)
وأصبحت هذه المدينة عاصمة للدولة العثمانية أبتداءا من عام 1366م إلى جانب الإستيلاء على مقدونيا وسالونيك ومدينة صوفيا حاضرة الصرب وبلغاريا كما استولى مراد الأول على كل الإمارات الباقية والتي قامت على أنقاض الأتراك السلاجقة في آسيا الصغرى ومنها أنقرة وقونية وقارمان وقرمة سي .(2)
ولكن قتل مراد الأول غدرا على يد أمير صربي عام 1389م وخلفه ابنه با يزيد الأول .(3)
5 ) با يزيد الأول : ( 1389 ـ 1402م )
تولى با يزيد العرش بعد وفاة والده في المعركة التي كانت بينه وبين التحالف الصليبي المكون من الصرب والبلغار في يونية عام 1389م وانتصر با يزيد على هذا التحالف في معركة " نيكوبوليس " ولذا اسماه الأتراك باسم الصاعقة .(4)
ولقد هزم با يزيد تحالف الصليبين من الألمان والفرنسيين والروس بقيادة ملك المجر " سيجسموند " , ذلك التحالف الذي تشكل بهدف طرد العثمانيين المسلمين , كما أن "تيمور لنك" بدأ الإغارة على أطراف الدولة في الأناضول واستولى على بعض بلادها حتى وفاة با يزيد الأول عام 1403م (-*)
6) محمد الأول : ( 1413 ـ 1421م )
نشب صراع دام عشر سنوات بين أبناء السلطان با يزيد الأول على العرش , وقد انتهى هذا الصراع في آخر الأمر بإعتلاء محمد الأول الذي أصبح الحاكم الأوحد المعترف به , ولم تكن له فتوحات حربية , ولكنه أسدى خدمة جليلة إذ أزال آنار هزيمة معركة أنقرة , وعمل على تنظيم الإمارة بحيث مهد الطريق أمام خلفائه ليتبعوا سياسة التوسع الإقليمي من جديد , ولقد نقل العاصمة إلى "أدرنة" بدلا من "بورسة" .(5)
وإن لقي بعض الهزائم في بحر إيجة على يد أسطول البندقية أو أمام صلابة أهل المجر , وقد توفي عام 1421م .(6)
7) مراد الثاني : ( 1421 ـ 1451م )
خلف مراد الثاني أبيه محمد الأول وقضى مدة حكمه في القضاء على ثورة القرمانيين بآسيا الصغرى , وفي محاربة أمراء الصرب والبشناق والأفلاق والمجر بزعامة القائد المجري الشهير" هونياد " وتلك الحرب انتهت عام 1448م بخضوع الصرب كلها للسلطان العثماني , كما حارب مراد الثاني الألبان بزعامة قائدهم " اسكندر بيك " الذي ظل يقاتل العثمانيين في عهد كل من مراد الثاني ومحمد الثاني .(7)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) نفس المصدر ، ص 69 .
2 ) رأفت الشيخ : المرجع السابق , ص 21 .
3 ) هشام محمد الصغير : المرجع السابق ، ص 56 .
4 ) عمر عبد العزيز عمر : المرجع السابق ، ص 40 .
-* ) فشل تيمور لنك في إرغام با يزيد على الإستسلام له , فهاجمه وقام بتخريب سويا أولا ليمنع أي تدخل من جانب سلطة المماليك , ولما كان با يزيد منهمكا في تجهيز خططه للإستيلاء على القسطنطينية , فإنه سمح لتيمور بالتقدم حتى أنقرة قبل أن يشتبك معه في قتال , وكانت الحرب مدمرة بالنسبة للعثمانيين إذ لجأ كثير من قواتهم للعدو , بينما وقع با يزيد نفسه في الأسر ولم يلبس أن أنتحر
راجع : نفس المصدر , ص 41 .
5) نفس المصدر , ص 42 .
6) هشام محمد الصغير : المرجع السابق , ص 56 .
7) رأفت الشيخ : المرجع السابق , ص 22 .
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم رؤية تحليلية وتاريخية مختصرة ومركزة لأهم وأبرز معالم تاريخ تركيا الحديث , وهي فترة تمتد إلى عدة قرون , حدثت فيها أحداث هامة غيرت طريقة عمل الإنسان , وطريقة حياته في المجتمع , وكذلك طريقة تفكيره , كما نتج عنها الواقع الذي تعيشه تركيا في الوقت الحالي والذي تظهر آثاره واضحة في تاريخها المعاصر , ومن هنا تأتي أهمية هذا التاريخ في فهم الأحداث المعاصرة , وتفسيرها تفسيرا علميا صحيحا .
وإذا حاول الباحث أن يستكشف العوامل الإجتماعية والإقتصادية العميقة التي أدت إلى تحويل تركيا من عصورها الوسطى إلى العصور الحديثة , فإنه سيجد نفسه بالضرورة يتوقف عند فترات إحتكاك بين تركيا ودول الغرب , وما حدث فيها أخر الأمر من سقوط الإمبراطورية العثمانية القديمة تحت ضربات الإستعمار , ووقعت فريسة لهذا النظام غير الإنساني .
والله ولي التوفيق ,,,
7 / 12 / 2007 م .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
التمهيد
كان سكان تركيا الأقدمون من بين الزراع الأول في العالم , فقد ظهر في تركيا الأسيوية حضارات الحيثيين والفيريجيانيين والليديانيين وتزمنت مع الحضارة اليونانية القديمة ( الإغريقية ) . وفي القرن الأول قبل الميلاد أصبحت آسيا الصغرى جزءا من الإمبراطورية الرومانية , وفي القرن السادس الميلادي أنتشر التركيك من منغوليا ( في وسط آسيا ) إلى التركستان وهناك إعتنقوا الدين الإسلامي .
وفي عام 1055م استولى الأتراك السلاجقة على بغداد واتخذ زعيمهم أرطغرل لنفسه لقب السلطان . وفي عام 1071م وقعت معركة " منزيكرت " حيث هزم الأتراك السلاجقة البيزنطيين وإستولوا على آسيا الصغرى . أما الأتراك العثمانيون فقد ظهروا لأول مرة في أوائل القرن الثالث عشر في الأناضول وكانوا ولاة للأتراك السلاجقة , وينسبون إلى جدهم عثمان , الأمير الذي أسس الأسرة العثمانية الحاكمة في عام 1299م على رأس مملكة عثملنية صغيرة سرعان ما أزاحت السلاجقة لتضم كل آسيا الصغرى , وفي عام 1354م أستولى الأتراك العثمانيون على شبه جزيرة "جاليبولي" ( تقع في تركيا الأوربية بين بحر إيجة في الشمال ومضيق الدردنيل في الجنوب ) وبدأوا فتوحاتهم في أوربا , وفي عام 1389م وقعت معركة "كوسوفو" حيث هزم الأتراك جيوش الصرب وسيطروا على معظم سبه جزيرة البلقان , وفي عام 1453م أسقطت القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في يد الأتراك , وأصبحت عاصمة للإمبراطورية العثمانية وسميت " استانبول " .(1 )
وفي القرن السادس عشر بلغت الإمبراطورية العثمانية ذروة مجدها تحت حكم السلطان سليمان الفاتح ( 1520 ـ 1566م) إذ فتح الأتراك مصر وسوريا وشبه الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين وطرابلس وقبرص و معظم المجر وفتحوا أبواب فينا , لكن حصارهم لها لم يكلل بالنجاح , وكان نذير بإضمحلال القوة التركية , وفي عام 1699م عقدت معاهدة " كارلو ويتز" وفيها أرغم النمساويون الأتراك على الخروج من المجر , وبحلول القرن الثامن عشر سعت روسيا لأن تجعل من نفسها حامية حمى المسيحيين في إقليم البلقان التركي , وفي عام 1774م طردت روسيا الأتراك من شبه جزيرة القوم . وفي القرن التاسع عشر ظهرت " المسألة الشرقية " إذ أدى ضعف الإمبراطورية العثمانية إلى قيام منافسة حادة بين القوى الكبرى حول تشكيل مستقبل الشرق الأدنى .
واندلعت الحرب الروسية التركية في عام 1877م وإنتهت بمعاهدة بارلين 1878م وانسحاب الأتراك من بلغاريا , وفي عام 1908م كانت ثورة تركيا الفتاة (وهو التنظيم الذي ضم الشباب الأحرار في تركيا) التي أرغمت السلطان على منح دستور للبلاد . وبدأت عملية التحديث السياسي . (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
) محمد عتريس : معجم بلدان العالم , الطبعة الأولى , دار الثقافة للنشر , القاهرة 2002 , ص 13
2 ) نفس المصدر , ص 214
//
الفصل الأول
جغرافية تركيا
تركيا :
تبدو تركيا في شكل لسان ضخم من اليابس يمتدفي غرب آسيا صوب القارة الأوربية لتضم أيضا جزءا صغيرا من أوربا , لذا يمكن اعتبار تركيا دولة أسيوية أوربية . وتمتد الأراضي التركية بين دائرتي عرض 36 , 42 شمالا تقريبا , أي تمتد لمسافة تقدر بحوالي 485 كم بين الجنوب والشمال . في حين تمتد بين خطي طول 30 25 , 30 44 شرقا تقريبا , أي مسافة 1450 كم بين الغرب والشرق .(1)
وتبلغ جملة مساحة الدولة 779452 كم2 ( 300947 ميل2) منها 55855 كم2 وهو ما يشكل 96,9 0/0 من جملة المساحة في قارة آسيا وهو الجزء المعروف باسم آسيا الصغرى . أما باقي المساحة وقدرها 23764 كم2 ( 3,1 0/0 ) فتمثل الجزء الأوربي من القارة المعروف باسم تركيا " تراقيا " ويفصل بين الجانبين الآسيوي والأوربي من تركيا مضيق البسفور وبحر مرمرة ومضيق الدردنيل , وهي مسطحات مائية تتمتع بأهمية إستراتيجية كبرى لدورها كحلقة ربط أو طريق اتصال بين البحر الأسود الذي يطل عليه جمهورية روسيا الإتحادية وأوكرانيا وجورجيا و رومانيا وبلغاريا في الشمال , وبحر إيجة والبحر المتوسط في الجنوب , ومعنى ذلك أن تركيا تتحكم في المضايق التي تربط الدول المطلة على البحر الأسود بخطوط النقل البحرية العالمية .(2)
وعاصمة تركيا انقرة , وتشغل تركيا شبه جزيرة الاناضول, وتحد شمالا بالبحر الأسود ,
وسوريا والعراق جنوبا , وايران شرقا وجمهوريتى أرمانيا وجورجيا السوفيتتين فى الشمال , وتنظم تركيا فى اوروبا تراقيا الشرقية كما ذكرنا من قبل وهى سهل متموج . وتركيا الأسيوية
هضبة شبة جدباء تحفها الجبال(-*) وشريط ساحلي خصب وتشمل نصف مساحتها الكلية مراعي 20 0/0 منها صالح للزراعة .(3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ) محمد خميس الزوكة : أوراسيا دراسة في الجغرافيا الإقليمية , دار المعرفة الجامعية , الاسكندرية 1999 , ص 606
2 ) نفس المصدر , ص 606
-* ) مرتفعات بنطس : تمثل إمتدادا شرقيا لمرتفعات الألب الأربية , وهى تحيط بهضبة الأناضول من جهة الشمال وتمتد فى اتجاه عام من الغرب إلى الشرق على طول البحر الأسود في شكل سلسلة جبلية متتالية يتراوح منسوبها بين 7500 – 9000 قدم فوق مستوى سطح البحر .
مرتفعات طوروس : تشكل إمتداد لمرتفعات الألب الدينارية التى تشغل الجزء الغربى من شبة جزيرة البلقان على طول امتداد البحر الأدرياتى , والتى تختفى تحت مياه البحر لتظهر بعد ذلك فى شكل متقطع فى عدة جزر منها كريت , رودوس , قبرس , ثم تختفى تحت مياه البحر لتظهر مرة أخرى فى جنوب أسيا الصغرى من جهة الجنوب وتمتد فى اتجاه عام من الغرب إلى الشرق على طول البحر المتوسط . ويتراوح منسوبها 9000 – 12000 قدم فوق مستوى سطح البحر.
راجع : نفس المصدر , ص 609 – 610
3 ) محمد غربال : الموسوعة العربية الميسرة , الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة دار الجيل , القاهرة 1995 , ص 505
//
ويتخلل تركيا انهار كثيرة ولكنها غير صالحة للملاحة . وأهم مواصلاتها الطرق المعبدة , ومناخ تركيا معتدل بوجة عام . (1)
وأهم الموارد الطبيعية بها , الفحم والنحاس والفضة والبترول والكروم والكبريت . أما أهم المحاصيل الزراعية فهى , القطن ولتبغ والحبوب والكر والفواكة والزيتون . وأهم الصناعات , النسيج والفحم والاملاح المعدنية والأغذية المصنعة والصلب والبترول . أما أهم الواردات : المنتجات الزراعية , النسيج , الملابس , الجلود ومنتجات الزجاج . وأهم الواردات : البترول الخام , الماكينات , المحركات والمواتير , المعادن , الاملاح المعدنية , الوقود , الاسمدة , والكيماويات . (2)
السكان :
يبلغ عدد سكان تركيا 65,6 مليون نسمة .(3) وبمهاجرة عدد كبير من اليونانين والبلغارين من تركيا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين أصبحت الكثرة الكبرى من السكان أتراكا . وهناك 86 0/0 من السكان يتحدثون التركية . ويعد الإسلام هو الديانة الرسمية حيث يبلغ عدد المسلمين 98 0/0 من إجمالى عدد السكان . ولقد انضمت تركيا للأمم المتحدة بتاريخ 24/10/1945 م . (4)
ولقد انعكس الوضع التاريخى مع الملامح الطبيعية على خصائص الجنسية لسكان تركيا والتى تتسم بتباينها الكبير . ويشكل الأ تراك غالبية السكان وهم عبارة عن عنصر سكانى ينتمى للمجموعة القوقازية وقد سبق الإشارة إلى أهم خصائص عند دراسة سكلن القارة .
ويوجد فى تركيا أقليات جنسية عديدة نعرضها فيما يلى :
الأكراد , ويتركزون فى النطاق الجبلى الممتد فى جنوب شرق تركيا , ويقدر عددهم بنحو 5 مليون نسمة .
الشراكس , عنصر سكانى وفد من إقليم القوقاز ليستقر فى شمال شرق البلاد هربا من الإضطهاد الروسى وخاصة أنهم مسلمون , ويبلغ عددهم نحو 400 ألف نسمة معظمهم رعاه .
التركمان , بقايا الأتراك السلاجقة , وهم يقطنون القسم الشرقى من الأناضول ويتحرفون الرعى .
اليوروك , يشبهون التركمان فى أصلهم السلجوقى , وهم يعيشون فى نطاق الهضاب الوسطى لأسيا الصغرى .
اللاظ , مجموعة سكنية وفدت من القوقاز لتستقر على ساحل البحر الأسود شرقى مدينة ترابزون لتحترف فلاحة الأرض والتجارة والصيد البحرى .
الأشوريون , يعيشون فى نطاق بحيرة فان شرقى الأناضول .
اليوماك , يعيشون فى تراقيا – الجانب الأروبى من تركيا – ولهم لغة خاصة بهم تشبة اللغات اللاسلافية , وكانوا فى الأصل مسيحين ثم اعتنقوا الإسلام خلال القرن الخامس عشر الميلادى .
اليونانيون , يتركزون فى غربى أسيا الصغرى وخاصة فى إقليم أزمير , ويقدر عددهم بنحو ألف نسمة
الأرمن , يعيشون فى نطاقات متفرقة أكبرها فى شرقى البلاد , إلى جانب استانبول ومنطقة قيليقيا , ويقدر عددهم عددهم بحوالى 100 ألف نسمة .
البلغار , يقنطون الجانب الأروبى ويبلغ عددهم أكثر من 50 ألف نسمة تقريبا .
ويبلغ إجمالى عدد السكان 61,6 مليون نسمة عام 1995 , ويتباين توزيعهم على جهات الدولة المختلفة حيث يتركزون بدرجة كبيرة فى نطاقين رئسيين هما الساحل الجنوبى الشرقى للبحر الأسود , ونطاقات الأودية والسهول الفيضية والأحواض الخصبة المنتشرة على ساحل بحر إيجة فى الغرب حيث يتجاوز كثافة السكان عن 25 نسمة فى الميل المربع فى الأقاليم الجافة بالوسط والنطاقات الجبلية بالشمال والجنوب .(5)
وتعد أهم ثغور تركيا : استانبول , أزمير , طربزون , سينوب , مرسين , والمدن العامة الأخرى : أدرنة , أنقرة , بورصة , أطنة , قونية , قيصرية , أنطاكيا .(6)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) محمد الجابرى : موسوعة دول العالم حقائق وأرقام , مجموعة النيل العربية , القاهرة , الطبعة الاولى 2000 , ص 115
2 ) نفس المصدر , ص 115 .
3 ) محمد عتريس : المرجع السابق , ص 212 .
4 ) محمد شفيق غربال : المرجع السابق , 505 .
5 ) محمد خميس الزوكة : المرجع السابق , ص 617 ـ 618 .
6 ) محمد شفيق غربال : المرجع السابق , ص 505 .
//
الفصل الثاني :
أصل العثمانيون
1) اسماء الدولة العثمانية عبر تاريخها :
تنسب الدولة العثمانية إلى عثمان بن أرطغرل مؤسسها بوسط آسيا الصغرى في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي ـ وبالتحديد عام 1299م وهو تاريخ إرتقاء عثمان الإمارة ـ وقد عرفت الدولة العثمانية في التاريخ بعدة اسماء , ففي عصورها الأولى أطلق عليها المؤرخون العثمانيون " دولت عليه " أي الدولة العلية , ثم أطلقوا عليها " سلطنت سنية " أو السلطنة السنية , كما أطلقوا عليها بعد اتساع ممتلكاتها في أوربا وآسيا وأفريقيا اسم " إمبراطورية لق عثمانلي " أي الإمبراطورية العثمانية وعرفت أيضا بالاسم الذي أرتاح له الأتراك العثمانيون وهو " دولت عثمانلي " أي الدولة العثمانية . (-*)(1)
إذ كانوا يعتزون بإنتسابهم لعثمان الأول مؤسس الدولة , وهو الذي سميت باسمه الدولة والأمة , ويرون فيه المثل الأعلى للحاكم المسلم الغازي (-*-*) والمتقشف في حياته الخاصة . ويذكرون عنه أنه لم يترك عندما جاز إلى ربه سوى ثوبين وفرس . ويتضح من هذا الغرض أن استخدام كلمات تركيا واتراك و تركي وهي مصطلحات وردت من أوربا بمعنى الدولة العثمانية والعثمانيين والعثماني بعيدا عن الدقة في الصياغة اللفظية حتى أوائل القرن العشرين .(2)
أما كلمتا تركى وأتراك فقد كان العثمانيون يطلقون هاتين اللفظين على الأجناس التركية المختلفة فى نظرهم والتى كانت تقطن أسيا , مثل السلاجقة والتركمان والاوزيك . فكان العثمانيون يتمسكون بكلمتى "عثمانى" و "عثمانيين" لقبا مميز لهم تعبيرا عن اعنزازهم بانتسابهم إلى عثمان الأول من ناحية أخرى .
وبمضي العصور والأجيال والأحقاب إستخدم العثمانيون حتى أوائل القرن العشرين كلمتي تركي وأتراك في معنى ينبثق عن الإستعلاء لاذي كان سمة بارزة في أخلاقهم . فكانوا يطلقون لفظة تركي على الفلاح العثماني الجاهل أو أحد سكان قرى الأناضول بمعنى واحد , هو الجلف (-*-*-*)تهكما عليه ,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-* ) وأرتاح العثمانيون للاسمين الأخرين لإحتواء كل منهما على لقب عثمانلي ؛ وهو الصفة من عثمان باللغة التركية , وعثماني باللغة العربية .
راجع : عبد العزيز محمد الشناوي : الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها , الجزء الأول , مكتبة الأنجلو المصرية , القاهرة 1992 , ص 11 .
1 ) رأفت الشيخ : تاريخ العرب الحديث , عين للدراسات والبحوث الإنسانية والإجتماعية , القاهرة 1994 , ص 19 .
-*-* ) الغازي : كلمة تركية مأخوذة من اللغة العربية بمعنى المجاهد .
راجع : عبد العزيز محمد الشناوي : المرجع السابق , ص 11 .
2 ) نفس المصدر , ص 11 .
-*-*-* ) الجلف بكسر الجيم وسكون اللام , جمعها أجلاف , على وزن حمل وأحمال . وهي مأخوذه من أجلاف الشاة , وهي المسلوخة بلا رأس ولا قوائم ولا بطن . وكان العرب يطلقون كلمة جلف على الشخص الفظ غليظ القلب الذي لم يكتسب أخلاق أهل الحضر في رقيهم ولين طابعهم ودماثة أخلاقهم , فإذا تخلق مثل هذا الشخص بسلوكهم الإجتماعي المميز كأنه نزع جلده ولبس غيره .
//
أو تحقيرا له ، أو سخريه به . وقد ذهب العثمانيون إلى أبعد من ذلك إذ كان إطلاقهم كلمة تركي على أحد العثمانيين المقيمين بالعاصمة أو في إحدى المدن العثمانية يعتبر إهانه له . على الرغم من أن لغتهم كان يطلق عليها في جميع العصور التاريخية اللغة التركية (-*)
ويحدد أحد المؤرخين الحرب العثمانية اليونانية التى اشتعلت فى عام 1897 م (-*-*)تاريخا تغير فية تغيرا تاما مدلول كلمات تركيا واتراك وتركى , للدلالة على الوطن التركى والشعب التركى . ويستند فى رأيه إلى قصيدة نظمها الشاعر العثمانى محمد أمين بيك بمناسبة هذه الحرب جاء فيها : " بن برتوركم جنسم أولودر"
ومعناها " أنا تركى , دينى وجنسى من أعظم الأديان والأجناس " . ولا يمكن الأخذ بهذا التحديد الزمنى , الأن الحالة التى تكلم عنها مينورسكى تعد من الحالات النادرة والشخصية , أما التحديد الرسمى والقانونى والدولى لاستخدام تلك الكلمات الثلاث بمعناها الحديث فهو عام 1923 م حين أعلن قيام النظام الجمهورى فى تركيا . وكان الباعث لمصطفى كمال اتاتورك وزعيم الحركة الكمالية وأول رئيس للجمهورية التركية على استخدام تلك الكلمات الثلاث بمعناها الحديث هو الإبتعاد بشعبه عن الخط الإسلامى للدولة ونبذ تقاليدها وتغير حياتها الثقافية والإجتماعية وتشريعاتها الإسلامية ونظمها السياسية , وازدياد الإقتراب من أوربا فى حركة عبور لشعب تركى يجتاز حدود بلاده لاستبدال حضارة أوربية جديدة بحضارة إسلامية كانت تطبع حياة الدولة وشعبها بطابع إسلامى مسيطر وبارز . (1)
2) أصل العثمانيون :
يعود أصل الأتراك سكان شبه جزيرة أسيا الصغرى . إلى السلاجقة الذين ينتمون إل "الغز" الذين كان موطنهم يمتد من حدود الصين حتى شواطىء بحر الخزر " قزوين " وكانوا على اتصال مستمر ببلاد ما وراء النهر خاصة مناطق التركستان الشرقية (2)
وأما ذهب اليه بعض المؤرخين المحدثين من ان العثمانيون ينتمون إلى بطن أخر من بطون الترك يقال له فانكلى فرأى لا أساس له , وقد سكتت بعض المصادر فلم تذكر إلى أى قبيلة من قبائل الغز ينتمى العثمانيون , ومن هذه المصادر الكتب المجهولة المؤلف المعنونة ب( تواريخ أل عثمان ) وكتاب ( بهجة التورايخ ) لشكر الله , وكتابا عاشق باشازاده وأوروج بك , فقد اقتصرت هذه الكتب جميعا على القول بأن العثمانين ينتمون إلى الغز .(3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-* ) يخرج بعض المؤرخين على هذا التعميم , فيذكرون حين يتكلمون عن اللغة التركية عبارة " اللغة التركية العثمانية " .
راجع : نفس المصدر , ص 12.
-*-* ) تسمى هذه الحربحرب الثلاثين يوما, لأنها استمرت قرابة شهر , إذا أعلن السلطات عبد الحميد الثانى الحرب فى السابع عشر من شهر ابريل – نيسان – عام 1897م ثم اعلنت الهدنة فى التاسع من شهر مايو – أيار – عقب تدخل الدول الكبرى وأبرمت معاهدة الاستانة فى اليوم الرابع من شهر ديسمبر – كانون -1897م , ونصت على ان تجلو القوات العمانية من إقليم تساليا ما عدا قرية واحدة وبعض مواقع استراجية واستولت اليونان على هذا الإقليم للمرة الثانية .
راجع نفس المصدر , ص 13.
1 ) نفس المصدر , ص13.
2 ) رأفت الشيخ : المرجع السابق , ص 20 .
3 ) محمد فؤاد كوپريلي : قيام الدولة العثمانية , ترجمة أحمد السعيد سليمان , الطبعة الثانية , الهيئة المصرية العامة للكتاب , القاهرة 1993م , ص 116 .
//
ولكن مصادر أخرى صرحت بإنتماء العثمانيين إلى قبيلة من قبائل الغز هى قبيلة (تايي) ومن هذه المصادركتاب (سلجو قنامة ) الذى كتبه يازيجى أوفلى فى عهد مراد الثانى وقد اثبتت مصادر أخري علي بطن (قايي ) وخصته من بين البطون الغزية بالأصالة والشر ونسبت إليه العثمانيين , ومن هذه المصادر كتب الأنساب ككتاب جام جم آيين , وبعض مجموعات الحكايات ككتاب " دده قوقور", وكتب التواريخ مل دستور نامة وكتابى روحى ولطفى , و" هشت بهشت " لإديس البدليسي .(1)
ويرجع تاريخ الأتراك الذين سكنوا هضبة الأناضول إلى أوائل القرن السابع الهجري الموافق لأوائل القرن الثالث عشر الميلادي , عندما هاجرت مجموعة من أتراك وسط آسيا هربا من الفظائع التي أرتكبها جنكيز خان وأولاده ضد المسلمين هناك , وهذه المجموعة سارت حتى وصلت إلى شبة جزيرة آسيا الصغرى بزعامة " أرطغرل .(2)
وتتدسس في التاريخ المبكر للعثمانيين روايات أدنى للأساطير منها إلى الحقائق . على الرغم من أن المؤرخين إستقوا هذه الروايات من الحوليات العثمانية القديمة . وتقرر إحدى هذه الروايات أن تلك القبيلة التركية قد أسدت سنة 1232م , وفي أثناء ترحالها في وهاد الأناضول خدمة جليلة لعلاء الدين الأول ( 1219 ـ 1235م ) سلطان دولة الروم السلاجقة فقد حدث أنها شاهدت جيشان يقتتلان , وأدركت أن أحد الجيشين ليس ندا للأخر , فإنضمت القبيلة إلى جانب الجيش الضعيف الذي كاد يلقى هزيمة مققة . وكان إنضمام القبيلة إليه سببا في إنتصاره , وبعد المعركة كانت مفاجئة سارة للقبيلة التركية حين تبين لها أنها تدخلت لنصرة بني جلدتها , وهم الأتراك السلاجقة الذين كانوا يحاربون فرقة مغولية من جيش الخان أو كطاي بن جنكيز خان , كان قد عهد إليها استكمال فتح آسيا الصغرى .(3)
وتقديرا لتدخل القبيلة في المعركة أقطعها علاء الدين الأول سلطان دولة الأتراك السلاجقة بقعه مترامية من دولته التي كانت تجتاز دور الإضمحلال .(-*)
وتدل هذه القصة على الطابع الحربي العنيف الذي أتسم به أفراد القبيلة التركية , فقد خاضوا المعركة لغير مصلحة لهم . ويضيف بعض المؤرخين تعليقا على هذه القصة بقولهم أن الدافع الحقيقي الذي دفع السلطان علاء الدين الأول إلى منحهم الأرض , أنه لم يرحب في قرارة نفسه بهذه القبيلة . فقد أثبتت أنها على حظ موفور من الشجاعة والخبر الحربية والكفاية القتالية , ومن ثم فلم يطمئن إليها , ولذلك لم يرغب في إدماج هذه القبيلة في قواته . وانتهى تفكيره إلى منحها تلك الأرض . وبذلك الإجراء يتخلص من هذه القبيلة من ناحيه , ويشغلها بالحرب ضد الدولة الرومانية الشرقية المجاورة لها في نيقيه من ناحيه أخرى .(4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
1) نفس المصدر , ص 116 ـ 117 .
2) رأفت الشيخ : المرجع السابق , ص 20 .
3) عبد العزيز محمد الشناوي : البمرجع السابق , ص 33 ـ 34 .
-* ) كانت هذه البقعه تشمل المنحدرات الشرقية من جبال طومانيج وإرمني يقضي فيها أفراد القبيلة فصل الصيف ، وسهول سوكود يقضون في ربوعها فترة الشتاء .
راجع : نفس المصدر , ص 34 .
4) نفس المصدر , ص 34 .
//
الفصل الثالث :
أهم الملوك
1) أرطغرل :
هو مؤسس الدولة العثمانية , وقد ذكرنا عنه أنه قدم من وسط آسيا متزعما مجموعة من الأتراك , هربا من الفظائع التي إرتكبها جنكيز خان وأولاده ضد المسلمين هناك .(1)
ويذكر أنه انضم إلى أحد فريقين من سكان الأناضول يقتتلان , وعندما انتصر الفريق الذي نصره أرطغرل ورجاله منحهم السلطان المنتصر ـ وكان سلطان على قونيه ـ أرضا خصبة متسعه تقع على الضفة اليسري لنهر سقاريا وسفوح جبال أرمينيا وهضابها على حدود الإمبراطورية البيزنطية , ثم نصبه أميرا على مقاطعة إسكي شهر .(2)
2) عثمان :
خلف أرطغرل ابنه عثمان والذي تلاجع تسمية الإمارة التركية باسمه , إمارة عثمان أو الإمارة العثمانية . ويرجع تاريخ ميلاده إلى عام 1258م . وهو السنة التي غزا فيها المغول بقيادة هولاكو بغداد عاصمة الخلافة العباسية وفي عام 1300م نجح عثمان في صد هجوم المغول على آسيا الصغرى خاصة بعد أن هرب من وجههم آخر سلاطين السلاجقة حيث قتل في بلاط إمبراطور الدولة البيزنطية . ومن ثم بسط عثمان سلطانه على الإمارات التركية الأخرى في آسيا الصغرى .(3)
وأخذ عثمان , وهو رئيس عشيرة ذكي وقوي الإرادة , يوسع أراضيه بالتدريج مستغلا الفوضى والإهمال المسيطرين على الأراضي البيزنطية بالأناضول , وكان أول صدام بين البيزنطيين وعثمان ( الذي كان يهدد منطقة نيقية ) هو المعركة التي خاضها البيزنطيون في "قوين حصار " بقيادة Muzaio ( مازايون ) سنة 1301م أو ـ كما يقول Muralt(مارالت) ـ سنة 1302م .(4)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ) رأفت الشيخ : المرجع السابق ، ص 20 .
2 ) هشام محمد الصغير : تاريخ آسيا الحديث ، الطبعة الأولى ، دار الإسراء للطباعة والنشر , الاسكندرية 2000 , ص 54 .
3 ) رأفت الشيخ : المرجع السابق ، ص 21 .
4 ) محمد فؤاد كوپريلي : المرجع السابق ، ص 163 .
//
ولم يستطع البيزنطيون ـ لمدة طويلة ـ أن يتحركوا ضد عثمان بسبب إنشغالهم بالقلاقل والفتن المستمرة في العاصمه وفي البلقان , وسقطت في يد عثمان أماكن كثيرة كان عليها أن تدافع عن نفسها بقواتها المحلية . وفي عام 1326م ـ أي في نفس السنة التي توفى فيها عثمان مؤسس الأسرة والإمارة ـ أحرز رجاله انتصارا كبيرا في أول غزاة لهم عندما استولوا على بروسة ( أو بورسة ) المدينه البيزنطية الهامة التي أصبحت عاصمة للأسرة ,(1) وتوفي بها عثمان بن أرطغرل عام 1326م .(2)
ولقد كانت هذه التحركات الحربية التي قام بها العثمانيون في هذه المرحلة المبكرة في تاريخهم بداية لسياسة حربية نشيطة حرصوا على الإلتزام بها , فقاموا بالتوسع في آسيا وأوربا وأفريقية .(3)
3) أورخان : ( 1336 ـ 1360م )
خلف أورخان حكم الدولة العثمانية بعد والده عثمان والذي تولى بعده على حكم الدولة العثمانية سلاطين عظام لمدة قرنين ونصف تقريبا . وقد انشأ أورخان فرق إنكشارية للمساعدة في حربه مع جيوش الإمبراطورية البيزنطية , والذي نزلت قوات دولته لأول مرة في الأراضي الأوربية واستولت على "ترقيا" ومات ومات عام 1359م .(4)
وقد قام أورخان بن عثمان ببعض العمليات العسكرية الهامة مما أدى إلى الإستيلاء على إزنك الحالية ( نيقية ) في عام 1330م ـ وهي من أمهات المدن في الإمبراطورية البيزنطية , وامتصاص كل ما تبقى من الأناضول البيزنطي تقريبا . ومن هذا المركز القوي عبر العثمانيون المضيق إلى أوربا . كحلفاء لكانتاكوزين أحد المطالبين بالعرش البيزنطي في أول الأمر . واستطاع كانتاكوزين أن ينتصر على خصمه ويحصل على عرش الإمبراطورية بفضل مساعدة العثمانيون ,ولكن حلفاء الأمس أنقلبوا إلى خصوم ألداء . فلافض العثمانيون العودة من أوربا إلى آسيا الصغرى , وأصبحت شبة جزيرة غاليبولي قاعدة لزحف جديد إلى جنوب شرقي أوربا , أو روميلية ( روم ـ إيلي ) كما كانت تسمى في ذلك الوقت .(5)
وكان أعداء العثمانيون الرئيسيين هم الصرب والبلغار وليسوا البيزنطيين الذين فقدوا في هذا الوقت كل شئ تقريبا ماعدا اسم الإمبراطورية . ولم يسيطروا إلا على عاصمتهم العظيمة .(6)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ) عمر عبد العزيز عمر : المرجع السابق ، ص 38 ـ 39 .
2 ) هشام محمد الصغير : المرجع السابق ، ص 55 .
3 ) عمر عبد العزيز عمر : المرجع السابق ، ص 39 .
4 ) رأفت الشيخ : المرجع السابق ، ص 21 .
5 ) عمر عبد العزيز عمر : المرجع السابق ، ص 39 .
6 ) نفس المصدر , ص 39 .
//
4) مراد الأول : ( 1360 ـ 1389م )
خلف مراد الأول أباه أورخان على العرش , وقام بمهاجمة أملاك الدولة البيونطية في أوربا , ففي عام 1360م استولى على مدينة أدرنه , وهي ثاني مدينة في الإمبراطورية بعد القسطنطينية .(1)
وأصبحت هذه المدينة عاصمة للدولة العثمانية أبتداءا من عام 1366م إلى جانب الإستيلاء على مقدونيا وسالونيك ومدينة صوفيا حاضرة الصرب وبلغاريا كما استولى مراد الأول على كل الإمارات الباقية والتي قامت على أنقاض الأتراك السلاجقة في آسيا الصغرى ومنها أنقرة وقونية وقارمان وقرمة سي .(2)
ولكن قتل مراد الأول غدرا على يد أمير صربي عام 1389م وخلفه ابنه با يزيد الأول .(3)
5 ) با يزيد الأول : ( 1389 ـ 1402م )
تولى با يزيد العرش بعد وفاة والده في المعركة التي كانت بينه وبين التحالف الصليبي المكون من الصرب والبلغار في يونية عام 1389م وانتصر با يزيد على هذا التحالف في معركة " نيكوبوليس " ولذا اسماه الأتراك باسم الصاعقة .(4)
ولقد هزم با يزيد تحالف الصليبين من الألمان والفرنسيين والروس بقيادة ملك المجر " سيجسموند " , ذلك التحالف الذي تشكل بهدف طرد العثمانيين المسلمين , كما أن "تيمور لنك" بدأ الإغارة على أطراف الدولة في الأناضول واستولى على بعض بلادها حتى وفاة با يزيد الأول عام 1403م (-*)
6) محمد الأول : ( 1413 ـ 1421م )
نشب صراع دام عشر سنوات بين أبناء السلطان با يزيد الأول على العرش , وقد انتهى هذا الصراع في آخر الأمر بإعتلاء محمد الأول الذي أصبح الحاكم الأوحد المعترف به , ولم تكن له فتوحات حربية , ولكنه أسدى خدمة جليلة إذ أزال آنار هزيمة معركة أنقرة , وعمل على تنظيم الإمارة بحيث مهد الطريق أمام خلفائه ليتبعوا سياسة التوسع الإقليمي من جديد , ولقد نقل العاصمة إلى "أدرنة" بدلا من "بورسة" .(5)
وإن لقي بعض الهزائم في بحر إيجة على يد أسطول البندقية أو أمام صلابة أهل المجر , وقد توفي عام 1421م .(6)
7) مراد الثاني : ( 1421 ـ 1451م )
خلف مراد الثاني أبيه محمد الأول وقضى مدة حكمه في القضاء على ثورة القرمانيين بآسيا الصغرى , وفي محاربة أمراء الصرب والبشناق والأفلاق والمجر بزعامة القائد المجري الشهير" هونياد " وتلك الحرب انتهت عام 1448م بخضوع الصرب كلها للسلطان العثماني , كما حارب مراد الثاني الألبان بزعامة قائدهم " اسكندر بيك " الذي ظل يقاتل العثمانيين في عهد كل من مراد الثاني ومحمد الثاني .(7)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) نفس المصدر ، ص 69 .
2 ) رأفت الشيخ : المرجع السابق , ص 21 .
3 ) هشام محمد الصغير : المرجع السابق ، ص 56 .
4 ) عمر عبد العزيز عمر : المرجع السابق ، ص 40 .
-* ) فشل تيمور لنك في إرغام با يزيد على الإستسلام له , فهاجمه وقام بتخريب سويا أولا ليمنع أي تدخل من جانب سلطة المماليك , ولما كان با يزيد منهمكا في تجهيز خططه للإستيلاء على القسطنطينية , فإنه سمح لتيمور بالتقدم حتى أنقرة قبل أن يشتبك معه في قتال , وكانت الحرب مدمرة بالنسبة للعثمانيين إذ لجأ كثير من قواتهم للعدو , بينما وقع با يزيد نفسه في الأسر ولم يلبس أن أنتحر
راجع : نفس المصدر , ص 41 .
5) نفس المصدر , ص 42 .
6) هشام محمد الصغير : المرجع السابق , ص 56 .
7) رأفت الشيخ : المرجع السابق , ص 22 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق