الخميس، 7 أبريل 2016

مغمورات في التاريخ (فاطمة الفهرية.. بانية جامع القرويين )

مغمورات في التاريخ (فاطمة الفهرية.. بانية جامع القرويين )


• جامعة القرويين في فاس.. أقدم جامعة في العالم


الحدث التاريخي هو نواة التاريخ وسبب قيامه، والأبطال هم الذين يصنعون تاريخهم. ومثلما وجد أبطال من الرجال والنساء الذين أوفاهم التاريخ والمؤرخون حقهم ونالوا مكانتهم المميزة في الذاكرة الشعبية، وشاعت سيرهم، فان كثيرين غيرهم لا يقلون عن هؤلاء بطولة وتأثيرا، لم يأخذوا حقهم من الشهرة في الذاكرة الشعبية، ولم تنل سيرهم وأفعالهم حظها في الذيوع، أو ان انتشارها ظل محصورا في إطار مكاني محدود وفي افق معرفي ضيق.
قد يكون هؤلاء المغمورون معروفين لدى أهل العلم من المتخصصين والباحثين، أو مشهورين في بلدانهم أو طوائفهم أو جماعاتهم، لكن سيرتهم لم تتجاوز الإطار الجغرافي أو الزماني الذي صنعوا أحداثه.
في رمضان الماضي قدمنا سلسلة كان للرجال فيها حصة الاسد، وفي هذا العام نخصص مساحة لشخصيات مميزة من النساء اللواتي لم ينصفهن التاريخ، ومن اجل أولئك المغمورات في التاريخ نقدم هذه السلسلة. والى شخصية اليوم:

فاطمة بنت محمد بن عبدالله الفهري، تُلقب أيضا بأم البنين. هي شخصية تاريخية خالدة في ذكريات مدينة فاس والتاريخ المغربي ككل. ينسب لها فضل بناء جامع القرويين بمدينة فاس بالمغرب الذي عد كأول جامعة في العالم، واصبح مدرسة علمية ومنارة فكرية مميزة.
وقد لعب الجامع دورا محوريا في تاريخ المغرب الاجتماعي والسياسي وحتى الاقتصادي، فقد كانت القرارات السياسية الحاسمة من بيعة وحرب وسلم تخرج بتوقيعات علماء جامع القرويين، وكانت أوقاف القرويين تكفي لإعانة المغرب في مواجهة أي أزمة اقتصادية طارئة.
نشأتها
في أيام الأمير إدريس الأصغر انتقلت إلى المغرب وفود من عرب تونس والأندلس نازحين إليه وملتفّين عليه فسُرّ بوفادتهم ورحب بقدومهم. ومع تكاثر المهاجرين والوافدين الى دولته أراد أنّ يتّخذ مدينة لسكناه ونزول خاصّته فبنى مدينة فاس سنة 192 هـ، وجعلها قسمين يفصل بينهما نهر سبو. سمى الحي الاول عدوة الاندلسيين وخصصه للوافدين من الأندلس، وسمّى الثاني «عدوة القرويين» وانزل به العرب الوافدين من القيروان بها وكانوا زهاء 300 بيت، وكان من بين المهاجرين الفقيه محمد بن عبدالله الفهري. كان ذا مال عريض وثروة طائلة، ولم يكن له من الأولاد سوى بنتين هما: فاطمة ومريم، أحسن تربيتهما واعتنى بهما حتى كبرتا، فلما مات ورثته ابنتاه. ولم يمض زمن طويل حتى انتقل زوج فاطمة إلى رحاب ربه ثم مات أخ له، فورثت عنهما مالاً كثيراً.
بناء الجامع
عمدت فاطمة بنت محمد بن عبدالله الفهري إلى مسجد القرويين او «جامع الشرفاء» فأعادت بناءه في رمضان من سنة 245هـ، في 30 يونيو 859، في عهد الأمير يحيى بن محمد بن إدريس الحسني، حيث وهبت كل ما ورثته لبناء المسجد، وضاعفت حجمه بشراء الحقل المحيط به من رجل من قبيلة هوارة، وضمت أرضه إلى المسجد، وبذلت مالاً جسيماً برغبة صادقة. وعقدت العزم على ألا تأخذ تراباً أو مواد بناء من غير الأرض التي اشترتها بحر مالها، وهي بذلك تهدف إلى عدم وجود أي شبهة تشوب مشروع تشييد البناء في المسجد.
وكانت الطريقة التي سلكتها في بنائه أنها التزمت ألا تأخذ التراب وغيره من مادة البناء إلاّ من الأرض نفسها التي اشترتها دون غيرها ممّا هو خارج عن مساحتها، فحفرت كهوفا في أعماقها وجعلت تستخرج الرمل الأصفر الجيّد والحجر الكذّان والجصّ وتبني به، وكأن فاطمة عالمة بأمور البناء وأصول التشييد لما اتصفت به من مهارة وحذق، فبدا واضحاً شكل المسجد في أتم رونق وازهى صورة وأجمل حال.
ومع أول أيام البناء أصرت على بدء الصوم، ونذرت ألا تفطر يوماً حتى ينتهي العمل فيه. وظلت صائمة محتبسة إلى أن انتهت أعمال البناء وصلت في المسجد شكرا لله الذي وفقها لبناء هذا الصرح الذي عرف بمسجد القرويين.
وفي السنة نفسها بنت مريم اخت فاطمة الفهرية مسجدا بعدوة أهل الأندلس، فكان تأسيس المسجدين معا من عمل النساء، وصار كل مسجد يعرف بالإضافة إلى العدوة التي هو فيها من ضفتي نهر فاس، فيقال: «مسجد عدوة القرويين»، و«مسجد عدوة أهل الأندلس». وماتت فاطمة الفهرية نحو عام 265 هـ / 1180 م.
مكانة جامع القرويين
بعد بناء الجامع قام العلماء بإنشاء حلقات لهم فيه، كان يجتمع حولها العديد من طلاب العلم، وبفضل الاهتمام الفائق بالجامع من قبل حكام المدينة المختلفين تحولت فاس إلى مركز علمي ينافس مراكز علمية ذائعة الصيت كقرطبة وبغداد.
وانتقل من مرحلة الجامع إلى مرحلة البداية الجامعية في عهد دولة المرابطين، حيث قام العديد من العلماء باتخاذ المسجد مقرا لدروسهم. وفي عصر دولة بني مرين دخل جامع القرويين مرحلة الجامعة الحقيقية، حيث بنيت العديد من المدارس حوله وعزز الجامع بالكراسي العلمية والخزانات. ويأتي في مقدمة هذه المدارس مدرسة فاس، والمدرسة المصباحية التي أسسها أبو الحسن المريني سنة 743هـ/1343 م، والمدرسة التي أسسها أبو عنان المريني، وهي المدرسة الوحيدة المزودة بمنبر ومئذنة، وغيرها كثير من المدارس. أما أقدم مدارس فاس فهي مدرسة الصفارين التي أمر ببنائها أبو يوسف المريني عام 678هـ/1280 م وزودها بمكتبة ثرية وقد نقلت فيما بعد إلى جامعة مسجد القرويين. وتعتبر مدرسة العطارين أصغر مدرسة في زمانها ولكنها كانت من حيث الهندسة المعمارية من أجملها.
وكانت العلوم التي تدرس في هذه المدارس هي القرآن، الكتابة، القراءة، مبادئ الحساب وغيرها. ثم يلتحق الطلاب بالجامعة، وكانت مدة الدراسة فيها تستغرق بين خمسة و15 سنة.
وكان الطلاب هم الذين يختارون الأستاذ الذين يرغبون في التعلم عنده حسب اختصاصه في مادة أو أكثر، فيجلس الاستاذ على كرسيه وهو يستند بظهره إلى سارية من سواري المسجد والطلاب في حلقات حوله.
مركز ثقافي لألف سنة
وأصبح جامع القرويين والجامعة العلمية الملحقة به مركزا للنشاط الفكري والثقافي والديني قرابة الألف سنة. ومن حلقاته العلمية تخرج العديد من علماء الغرب الإسلامي منهم موسى بن ميمون الطبيب والفيلسوف اليهودي الذي قام بمزاولة التدريس في جامعة القرويين.
ودرّس من العلماء الفقيه المالكي أبو عمران الفاسي وابن البنا المراكشي وابن العربي وابن رشيد السبتي وابن الحاج الفاسي وابن ميمون الغماري، كما زاره الشريف الإدريسي ومكث فيه مدة، كما زاره الطبيب الأندلسي المعروف ابن زهر مرات عديدة، ودون العالم النحوي ابن آجروم كتابه المعروف في النحو في الجامع. وابن خلدون المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع، والمؤرخ والوزير الاندلسي لسان الدين بن الخطيب، وابن عربي الحكيم وابن مرزوق.
ومن بين من درسوا فيه سيلفستر الثاني (غربيرت دورياك)، الذي شغل منصب البابا من عام 999 إلى 1003م، ويقال انه هو من أدخل بعد رجوعه إلى أوروبا الأعداد العربية.

حماية النقوش 850 عاما
عندما دخل أتباع دولة الموحدين المتشددون فاس عام 540 هـ خاف فقهاء المدينة وأشياخها أن يأخذ الموحدون عليهم هذا الإسراف في النقش والزخرفة في بناء المسجد والمبالغة في التذهيب بالمحراب والقباب. وخوفا من قيام الموحدين بتحطيم وتخريب تلك الزخارف والنقوش،
سارع اهالي المدينة الى تغطيتها واخفائها عن الموحدين واتباعهم، فأتى الحمامون وعمال البناء الجامع في الليلة نفسها على عجل، فنصبوا على ذلك النقش والتذهيب الذي فوق المحراب وحوله بالكاغد، ثم لبسوا عليه بالجص وغسلوه بالبياض، فنشأت طبقة أخرى مصطنعة أخفت وراءها كل الزخارف والتنميقات، فنجت من أيدي الموحدين، وحُفظت للأجيال من بعدهم.
وفي عام 1949 (أي بعد حوالي ثمانمائة عام ونصف العام) أزيلت تلك الطبقة المصطنعة، فظهرت النقوش والزخارف التي كانت تزين المسجد سليمة كأنها رسمت بالأمس.


يتبع




يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق