مغمورات في التاريخ (زبيدة بنت جعفر.. سيدة بني العباس )
• الخليفة في البلاط العباسي
الحدث التاريخي هو نواة التاريخ وسبب قيامه، والأبطال هم الذين يصنعون تاريخهم. ومثلما وجد أبطال من الرجال والنساء الذين أوفاهم التاريخ والمؤرخون حقهم ونالوا مكانتهم المميزة في الذاكرة الشعبية، وشاعت سيرهم، فان كثيرين غيرهم لا يقلون عن هؤلاء بطولة وتأثيرا، لم يأخذوا حقهم من الشهرة في الذاكرة الشعبية، ولم تنل سيرهم وأفعالهم حظها في الذيوع، أو ان انتشارها ظل محصورا في إطار مكاني محدود وفي افق معرفي ضيق.
قد يكون هؤلاء المغمورون معروفين لدى أهل العلم من المتخصصين والباحثين، أو مشهورين في بلدانهم أو طوائفهم أو جماعاتهم، لكن سيرتهم لم تتجاوز الإطار الجغرافي أو الزماني الذي صنعوا أحداثه.
في رمضان الماضي قدمنا سلسلة كان للرجال فيها حصة الاسد، وفي هذا العام نخصص مساحة لشخصيات مميزة من النساء اللواتي لم ينصفهن التاريخ، ومن اجل أولئك المغمورات في التاريخ نقدم هذه السلسلة. والى شخصية اليوم:
زبيدة بنت جعفر من سيدات عصرها، فهي حفيدة الخليفة المنصور وزوجة الخليفة هارون الرشيد وأم الخليفة الأمين. كان لها شهرة الشرف والثروة الواسعة، جمعت شرف الخلافة من أطرافها، فجدها المنصور خليفة، وزوجها الرشيد خليفة وابنها الأمين خليفة، وقيل لم تلد عباسية خليفة سواها، وقيل: كان اسمها أمة العزيز فلقبها المنصور زبيدة لبضاضتها ونضارتها.
ويرتبط اسمها بالمشروع الكبير تهيئة طريق الحج من بغداد إلى مكة المكرمة، وهو الطريق الذي عرف باسمها «درب زبيدة».
عاشت زبيدة في أوج ازدهار الدولة العباسية، وحضرت رموزها الكبار مثل الإمام الشافعي وشاعر الزهد أبي العتاهية وشاعر المجون بشار بن برد والأصمعي الراوية والكسائي النحوي، كما عاصرت رموز أسرة البرامكة.
بنت الخلفاء
كانت زبيدة سيدة بارعة الجمال، فاتنة الحديث، جليلة سخية لها فضل في الحضارة والعمران والعطف على الأدباء والأطباء والشعراء.. معروفة بعطفها على الفقراء والمساكين، ومن صفاتها أيضا أنها كانت ذات عقل وفصاحة ورأي وبلاغة، تنظ.م الشعر وتناظر الرجال في شتى نواحي الثقافة.
وكانت ذات معروف وخير وفضل ونفقة واسعة على البر وأصحاب الحاجات، وعرف انه كان لها مائة جارية تحفظن القرآن، وكان يسمع في قصرها كدوي النحل من قراءة القرآن.
ذكرها المؤرخ الخطيب في تاريخ بغداد، وأثنى عليها، وقال: كانت معروفة بالخير والفضل على أهل العلم، والبر بالفقراء والمساكين. وقال ابن تغري بردي في وصفها: «أعظم نساء عصرها ديناً وأصلاً وجمالاً وصيانة ومعروفاً».
درب زبيدة
في عام 800 هـ وبينما كانت السيدة زبيدة في طريق الحج تعرّضت لخطر الهلاك بسبب صعوبة الطريق ووعورته، فنذرت على نفسها ألا يعاني الحجاج بعد ذلك من العطش وهم في طريقهم إلى الحج.
فأحضرت الخبراء والمال ومن له دراية بشؤون الهندسة والصناعة، وقالت: احفروا لي منبع ماء يأتي إلى الناس وينقذهم مما هم فيه..
قالوا: هذه القناة يجب أن تكون فوق الجبال والماء لا يصعد فوق الجبال.
فامرتهم بشق الجبال مهما بلغت التكاليف، وقالت كلمتها الخالدة المشهورة: «اعمل ولو تكلَّفتْ ضَرْبةُ الفأس ديناراً».
فقام العمال بحفر الآبار وكسّر الجبال وتفتيت الصخور، وسار العمل حثيثا في مشروع من أعظم المشاريع المقامة لخدمة حجاج بيت الله الحرام من بغداد عاصمة الخلافة العباسية الى مكة المكرمة.
وطلبت زبيدة من المهندسين ان يكون المشروع على مراحل بحيث لا يحتاج المسافر من بغداد إلى الحج أن يحمل معه كوب ماء.
فجرى بناء شبكة هائلة من خزانات المياه عُرفت باسم «البرك» (برك زبيدة) لجمع الماء بطريقة ذكية، حيث تم وضع كل بركة أسفل وادي صغير تجمع ماء المطر، تبدأ من الكوفة ثم القصيم فحائل. ثم يميل الطريق إلى جهة الجنوب الغربي، شاقاً الصحراء إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة.
وقد تكلف هذا العمل مليونا دينار ذهبي، ولما انتهى المشروع جاء الوكيل إلى زبيدة مع العمال والمهندسين ومعهم حسابات النفقات النهائية للمشروع. وفرحت فرحا شديدا لما رأت الماء والناس تشرب وتذكرها بالخير
فقالت: ائتوني بماء. فجاؤها بالماء، فأخذت الدفاتر التي عليها الحسابات وغسلتها بالماء وقالت: الحساب يوم الحساب.
وأصبح الطريق أشهر وأطول طريق لخدمة الحجاج. ويبلغ طول الطريق بشكل عام حوالي 1500 كيلومتر.
وذكر هذا الدرب في كتب الجغرافيين والرحالة القدامى من المسلمين وغيرهم.
قال الرحالة ابن جبير في طريقه إلى مكة: «وهذه المصانع والبرك والآبار والمنازل التي من بغداد إلى مكة، هي آثار زبيدة ابنة جعفر، انتدبت لذلك مدة حياتها، فأبقت في هذا الطريق مرافق ومنافع تعم وفد الله تعالى كل سنة من لدن وفاتها حتى الآن، ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سلكت هذه الطريق».
كما عمرت الزبيدية وبنت بها قصرا ومسجدا عمرتهما من مالها، ولها محلات ببغداد مشهورة أيضا باسمها.
الصراع على الخلافة
كان الخليفة هارون الرشيد قد تزوج من ثلاث نساء هن تركية واسمها ماردة، وفارسية واسمها مراجل، وعربية هي زبيدة.
أنجبت زبيدة العربية محمد الأمين، وأنجبت التركية محمد المعتصم، وانجبت الفارسية عبدالله المأمون وماتت يوم ولد.
وأرادت زبيدة أن تولي ابنها الأمين الخلافة بعد أبيه، لكن هارون الرشيد كان يرى أن المأمون وهو ابنه من زوجة أخرى أحق بالخلافة لذكائه وحلمه رغم أنه أصغر من الأمين، فدخلت زبيدة على الرشيد تعاتبه وتؤاخذه فقال لها: «ويحك إنما هي أمة محمد ورعاية من استرعاني الله تعالى مطوقاً بعنقي وقد عرفت ما بين ابني وابنك. ليس ابنك يا زبيدة أهلاً للخلافة ولا يصلح للرعية» .
فقالت: «ابني والله خير من ابنك وأصلح لما تريد ليس بكبير سفيه ولا صغير فيه، أسخى من ابنك نفساً، وأشجع قلباً» .
فقال الرشيد: «ويحك إن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان لها أهلاً وبها مستحقاً ونحن مسؤولون عن هذا الخلق ومأخوذون بهذا الأنام، فما أغنانا أن نلقى الله بوزرهم وننقلب إليه بإثمهم، فاقعدي حتى أعرض عليك ما بين ابني وابنك».
أجرى هارون الرشيد الاختبار بين الأمين والمأمون فاستدعى المأمون أولاً. ولما وصل إلى باب المجلس سلم على أبيه ثم وقف طويلاً مطأطأ الرأس، حتى أذن له الرشيد بالجلوس والكلام.
جلس وحمد الله تعالى ثم استأذن الرشيد بأن يقترب فأذن له بذلك. اقترب وقبل أطرافه ويدي زبيدة، ثم رجع إلى مكانه وحمد الله على رضا أبيه وحسن رأيه فيه. فقال الرشيد: يا بني إني أريد أن أعهد إليك عهد الإمامة وأقعدك مقعد الخلافة فإني قد رأيتك لها أهلاً وبها حقيقاً.
فبكى وصاح المأمون يسأل الله العافية لوالده. ثم قال: يا أبتاه أخي أحق مني وابن سيدتي ولا أخال إلا أنه أقوى على هذا الأمر مني وأشد استطلاعا، عرض الله لك ما فيه الرشاد والخلاص، وللعباد الخير والصلاح.
ثم أستأذن للخروج فأذن له الرشيد.
وبعد ذلك استدعى الرشيد ابنه الأمين، فأول ما فعله الأمين أن دخل على أبيه من دون أن يستأذن وهو يتبختر في مشيته حتى وصل إلى كرسي العرش إلى أبيه. فبدأ الرشيد بسؤاله: ما تقول يا بني أن أعهد إليك.
فرد على الفور: ومن أحق بذلك مني يا أمير المؤمنين؟
فصرفه أمير المؤمنين هارون الرشيد وقال لزبيدة: كيف رأيت؟
فقالت: يا أمير المؤمنين: ابنك أحق بما تريد.
فرد الرشيد: فإذا أقررت بالحق وأنصفت فأنا أعهد إلى ابني ثم إلى ابنك.
حرب الأخوين
بعد وفاة الرشيد أراد خليفته الأمين ابن زبيدة خلع أخيه المأمون عن ولاية العهد، فاندلعت حرب ضارية بين الأخوين. سارت جيوش المأمون إلى بغداد وهزت جيوش الأمين وتخلي أنصاره عنه وألقي القبض على الأمين وهو يحاول الفرار فقبض عليه عسكر المأمون وقتلوه.
وفجعت زبيدة بمقتل وحيدها الأمين، وساءت حالتها بعده، فكتبت للمأمون بأبيات ترثي بها سوء حالها بعد فقد ولدها:
لخير إمام قام من خير عنـصـر
وأفضل سام فوق أعواد منـبـر
لوارث علم الأولين وفـهـمـهـم
وللملك المأمون من أم جعـفـر
كتبت وعيني مستهل دمـوعـهـا
إليك ابن عمي من جفون ومحجر
وقد مسـنـي ضـير وذل كـآبة
وأرق عيني يا ابن عمي تفكري
وهمت لما لاقيت قد مـصـابـه
فأمري عظيم منكر عند منـكـر
سأشكو الذي لاقيته بـعـد فـقـده
إليك شكاة المتضير المـقـهـر
فلما قرأها المأمون بكى وقال: أنا الطالب بثأر أخي قتل الله قتلته.
ثم إن المأمون عطف على زبيدة فجعل لها مكانا في قصر الخلافة وأقام لها الوظائف والخدم والجواري.
سامحت زبيدة المأمون بعد قتله لوحيدها فلذة كبدها الأمين. فبعد ان دخل المأمون بغداد منصورا، قالت له: أهنيكَ بخلافة قد هنأتُ نفسي بها عنكَ، قبل أن أراكَ، ولئن كنتُ قد فقدتُ ابنًا خليفةً؛ لقد عُوّ.ضْتُ ابنًا خليفة لم أل.دْه، وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أم ملأت يدها منك، وأنا أسأل الله أجرًا على ما أخذ، وإمتاعًا بما عوض.
فقال المأمون: ما تلد النساء مثل هذه. وماذا أبقت في هذا الكلام لبلغاء الرجال.
توفيت زبيدة ببغداد في 216هـ الموافق 831م ورثاها مسلم بن عمرو الخاسر الشاعر البصري.
وصف عين زبيدة
يشاهد الصاعد إلى الطائف أو النازل منها، من زوار بيت الله الحرام، في شقاق الجبال بقايا بناء قناة «زبيدة» الإبداعية التي نفذتها زبيدة. فعندما قررت تنفيذ مشروعها الضخم قررت حفر نهر جار يتصل بمساقط المطر، فاشترت «حائط حنين»، وأمرت بأن تشق للمياه قناة في الجبال. وأثناء مرور القناة بالجبال، جعلت لها فتحات لقنوات فرعية إقامتها في المواضع التي تكون فيها احتمالية لاجتماع مياه السيول، لتكون هذه المياه روافد تزيد في حجم المياه المجرور إلى مكة المكرمة عبر القناة الرئيسية.
وأمرت بإجراء «عين وادي نعمان إلى عرفة»، وهي مياه تنبع من ذيل جبل «الكرا» المحيط بالطائف. وأمرت بجر هذه المياه في قناة إلى موضع يقال له «الاوجر» في وادي نعمان، وفيه إلى أرض عرفة.
وأمرت كذلك أن تدار القناة على جبل «الرحمة»، وان تجعل منها فروع إلى البرك التي في أرض عرفة ليشرب منها الحجاج يوم عرفة. ثم أمرت أن تمتد القناة من أرض عرفة إلى خلف الجبل، إلى منطقة يسميها أهل مكة «المظلمة»، ومنها تصل إلى «المزدلفة» إلى جبل خلف «منى» ثم تصبّ في بئر عظيمة مرصوفة بأحجار كبيرة جدًا تسمى «بئر زبيدة».
وتصل قناة عين زبيدة إلى مشعر مزدلفة، حيث يوجد مقر لعين زبيدة مجاور للمشعر الحرام، لتصبّ العين في برك وأحواض خُصصّ بعضها لسقيا الحجّاج، وبعضها الآخر للدواب. ثم تنحـدر القناة فوق سطح الأرض، متجهة إلى منطقة العزيزية المتاخمة لمنى، فوق سلسلة من الجبال لتزويد مشعر منى بالماء وتصبّ أيضاً في برك عديدة، تسقي الظامئ وتزوّ.د المتزوّ.د بالماء الزلال.
وتستمر هذه القنوات متجهة نحو مكة المكرمة، لكنها تعود لتأخذ مسارها مدفونة على أعماق قريبة من سطح الأرض، حتى تصب في بئر عظيمة مطوية بأحجار كبيرة جدا تسمي « بئر زبيدة» ، في منطقة تسمى اليوم بمحبس الجن، إليها ينتهي امتداد عمل قناة عين زبيدة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
• الخليفة في البلاط العباسي
الحدث التاريخي هو نواة التاريخ وسبب قيامه، والأبطال هم الذين يصنعون تاريخهم. ومثلما وجد أبطال من الرجال والنساء الذين أوفاهم التاريخ والمؤرخون حقهم ونالوا مكانتهم المميزة في الذاكرة الشعبية، وشاعت سيرهم، فان كثيرين غيرهم لا يقلون عن هؤلاء بطولة وتأثيرا، لم يأخذوا حقهم من الشهرة في الذاكرة الشعبية، ولم تنل سيرهم وأفعالهم حظها في الذيوع، أو ان انتشارها ظل محصورا في إطار مكاني محدود وفي افق معرفي ضيق.
قد يكون هؤلاء المغمورون معروفين لدى أهل العلم من المتخصصين والباحثين، أو مشهورين في بلدانهم أو طوائفهم أو جماعاتهم، لكن سيرتهم لم تتجاوز الإطار الجغرافي أو الزماني الذي صنعوا أحداثه.
في رمضان الماضي قدمنا سلسلة كان للرجال فيها حصة الاسد، وفي هذا العام نخصص مساحة لشخصيات مميزة من النساء اللواتي لم ينصفهن التاريخ، ومن اجل أولئك المغمورات في التاريخ نقدم هذه السلسلة. والى شخصية اليوم:
زبيدة بنت جعفر من سيدات عصرها، فهي حفيدة الخليفة المنصور وزوجة الخليفة هارون الرشيد وأم الخليفة الأمين. كان لها شهرة الشرف والثروة الواسعة، جمعت شرف الخلافة من أطرافها، فجدها المنصور خليفة، وزوجها الرشيد خليفة وابنها الأمين خليفة، وقيل لم تلد عباسية خليفة سواها، وقيل: كان اسمها أمة العزيز فلقبها المنصور زبيدة لبضاضتها ونضارتها.
ويرتبط اسمها بالمشروع الكبير تهيئة طريق الحج من بغداد إلى مكة المكرمة، وهو الطريق الذي عرف باسمها «درب زبيدة».
عاشت زبيدة في أوج ازدهار الدولة العباسية، وحضرت رموزها الكبار مثل الإمام الشافعي وشاعر الزهد أبي العتاهية وشاعر المجون بشار بن برد والأصمعي الراوية والكسائي النحوي، كما عاصرت رموز أسرة البرامكة.
بنت الخلفاء
كانت زبيدة سيدة بارعة الجمال، فاتنة الحديث، جليلة سخية لها فضل في الحضارة والعمران والعطف على الأدباء والأطباء والشعراء.. معروفة بعطفها على الفقراء والمساكين، ومن صفاتها أيضا أنها كانت ذات عقل وفصاحة ورأي وبلاغة، تنظ.م الشعر وتناظر الرجال في شتى نواحي الثقافة.
وكانت ذات معروف وخير وفضل ونفقة واسعة على البر وأصحاب الحاجات، وعرف انه كان لها مائة جارية تحفظن القرآن، وكان يسمع في قصرها كدوي النحل من قراءة القرآن.
ذكرها المؤرخ الخطيب في تاريخ بغداد، وأثنى عليها، وقال: كانت معروفة بالخير والفضل على أهل العلم، والبر بالفقراء والمساكين. وقال ابن تغري بردي في وصفها: «أعظم نساء عصرها ديناً وأصلاً وجمالاً وصيانة ومعروفاً».
درب زبيدة
في عام 800 هـ وبينما كانت السيدة زبيدة في طريق الحج تعرّضت لخطر الهلاك بسبب صعوبة الطريق ووعورته، فنذرت على نفسها ألا يعاني الحجاج بعد ذلك من العطش وهم في طريقهم إلى الحج.
فأحضرت الخبراء والمال ومن له دراية بشؤون الهندسة والصناعة، وقالت: احفروا لي منبع ماء يأتي إلى الناس وينقذهم مما هم فيه..
قالوا: هذه القناة يجب أن تكون فوق الجبال والماء لا يصعد فوق الجبال.
فامرتهم بشق الجبال مهما بلغت التكاليف، وقالت كلمتها الخالدة المشهورة: «اعمل ولو تكلَّفتْ ضَرْبةُ الفأس ديناراً».
فقام العمال بحفر الآبار وكسّر الجبال وتفتيت الصخور، وسار العمل حثيثا في مشروع من أعظم المشاريع المقامة لخدمة حجاج بيت الله الحرام من بغداد عاصمة الخلافة العباسية الى مكة المكرمة.
وطلبت زبيدة من المهندسين ان يكون المشروع على مراحل بحيث لا يحتاج المسافر من بغداد إلى الحج أن يحمل معه كوب ماء.
فجرى بناء شبكة هائلة من خزانات المياه عُرفت باسم «البرك» (برك زبيدة) لجمع الماء بطريقة ذكية، حيث تم وضع كل بركة أسفل وادي صغير تجمع ماء المطر، تبدأ من الكوفة ثم القصيم فحائل. ثم يميل الطريق إلى جهة الجنوب الغربي، شاقاً الصحراء إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة.
وقد تكلف هذا العمل مليونا دينار ذهبي، ولما انتهى المشروع جاء الوكيل إلى زبيدة مع العمال والمهندسين ومعهم حسابات النفقات النهائية للمشروع. وفرحت فرحا شديدا لما رأت الماء والناس تشرب وتذكرها بالخير
فقالت: ائتوني بماء. فجاؤها بالماء، فأخذت الدفاتر التي عليها الحسابات وغسلتها بالماء وقالت: الحساب يوم الحساب.
وأصبح الطريق أشهر وأطول طريق لخدمة الحجاج. ويبلغ طول الطريق بشكل عام حوالي 1500 كيلومتر.
وذكر هذا الدرب في كتب الجغرافيين والرحالة القدامى من المسلمين وغيرهم.
قال الرحالة ابن جبير في طريقه إلى مكة: «وهذه المصانع والبرك والآبار والمنازل التي من بغداد إلى مكة، هي آثار زبيدة ابنة جعفر، انتدبت لذلك مدة حياتها، فأبقت في هذا الطريق مرافق ومنافع تعم وفد الله تعالى كل سنة من لدن وفاتها حتى الآن، ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سلكت هذه الطريق».
كما عمرت الزبيدية وبنت بها قصرا ومسجدا عمرتهما من مالها، ولها محلات ببغداد مشهورة أيضا باسمها.
الصراع على الخلافة
كان الخليفة هارون الرشيد قد تزوج من ثلاث نساء هن تركية واسمها ماردة، وفارسية واسمها مراجل، وعربية هي زبيدة.
أنجبت زبيدة العربية محمد الأمين، وأنجبت التركية محمد المعتصم، وانجبت الفارسية عبدالله المأمون وماتت يوم ولد.
وأرادت زبيدة أن تولي ابنها الأمين الخلافة بعد أبيه، لكن هارون الرشيد كان يرى أن المأمون وهو ابنه من زوجة أخرى أحق بالخلافة لذكائه وحلمه رغم أنه أصغر من الأمين، فدخلت زبيدة على الرشيد تعاتبه وتؤاخذه فقال لها: «ويحك إنما هي أمة محمد ورعاية من استرعاني الله تعالى مطوقاً بعنقي وقد عرفت ما بين ابني وابنك. ليس ابنك يا زبيدة أهلاً للخلافة ولا يصلح للرعية» .
فقالت: «ابني والله خير من ابنك وأصلح لما تريد ليس بكبير سفيه ولا صغير فيه، أسخى من ابنك نفساً، وأشجع قلباً» .
فقال الرشيد: «ويحك إن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان لها أهلاً وبها مستحقاً ونحن مسؤولون عن هذا الخلق ومأخوذون بهذا الأنام، فما أغنانا أن نلقى الله بوزرهم وننقلب إليه بإثمهم، فاقعدي حتى أعرض عليك ما بين ابني وابنك».
أجرى هارون الرشيد الاختبار بين الأمين والمأمون فاستدعى المأمون أولاً. ولما وصل إلى باب المجلس سلم على أبيه ثم وقف طويلاً مطأطأ الرأس، حتى أذن له الرشيد بالجلوس والكلام.
جلس وحمد الله تعالى ثم استأذن الرشيد بأن يقترب فأذن له بذلك. اقترب وقبل أطرافه ويدي زبيدة، ثم رجع إلى مكانه وحمد الله على رضا أبيه وحسن رأيه فيه. فقال الرشيد: يا بني إني أريد أن أعهد إليك عهد الإمامة وأقعدك مقعد الخلافة فإني قد رأيتك لها أهلاً وبها حقيقاً.
فبكى وصاح المأمون يسأل الله العافية لوالده. ثم قال: يا أبتاه أخي أحق مني وابن سيدتي ولا أخال إلا أنه أقوى على هذا الأمر مني وأشد استطلاعا، عرض الله لك ما فيه الرشاد والخلاص، وللعباد الخير والصلاح.
ثم أستأذن للخروج فأذن له الرشيد.
وبعد ذلك استدعى الرشيد ابنه الأمين، فأول ما فعله الأمين أن دخل على أبيه من دون أن يستأذن وهو يتبختر في مشيته حتى وصل إلى كرسي العرش إلى أبيه. فبدأ الرشيد بسؤاله: ما تقول يا بني أن أعهد إليك.
فرد على الفور: ومن أحق بذلك مني يا أمير المؤمنين؟
فصرفه أمير المؤمنين هارون الرشيد وقال لزبيدة: كيف رأيت؟
فقالت: يا أمير المؤمنين: ابنك أحق بما تريد.
فرد الرشيد: فإذا أقررت بالحق وأنصفت فأنا أعهد إلى ابني ثم إلى ابنك.
حرب الأخوين
بعد وفاة الرشيد أراد خليفته الأمين ابن زبيدة خلع أخيه المأمون عن ولاية العهد، فاندلعت حرب ضارية بين الأخوين. سارت جيوش المأمون إلى بغداد وهزت جيوش الأمين وتخلي أنصاره عنه وألقي القبض على الأمين وهو يحاول الفرار فقبض عليه عسكر المأمون وقتلوه.
وفجعت زبيدة بمقتل وحيدها الأمين، وساءت حالتها بعده، فكتبت للمأمون بأبيات ترثي بها سوء حالها بعد فقد ولدها:
لخير إمام قام من خير عنـصـر
وأفضل سام فوق أعواد منـبـر
لوارث علم الأولين وفـهـمـهـم
وللملك المأمون من أم جعـفـر
كتبت وعيني مستهل دمـوعـهـا
إليك ابن عمي من جفون ومحجر
وقد مسـنـي ضـير وذل كـآبة
وأرق عيني يا ابن عمي تفكري
وهمت لما لاقيت قد مـصـابـه
فأمري عظيم منكر عند منـكـر
سأشكو الذي لاقيته بـعـد فـقـده
إليك شكاة المتضير المـقـهـر
فلما قرأها المأمون بكى وقال: أنا الطالب بثأر أخي قتل الله قتلته.
ثم إن المأمون عطف على زبيدة فجعل لها مكانا في قصر الخلافة وأقام لها الوظائف والخدم والجواري.
سامحت زبيدة المأمون بعد قتله لوحيدها فلذة كبدها الأمين. فبعد ان دخل المأمون بغداد منصورا، قالت له: أهنيكَ بخلافة قد هنأتُ نفسي بها عنكَ، قبل أن أراكَ، ولئن كنتُ قد فقدتُ ابنًا خليفةً؛ لقد عُوّ.ضْتُ ابنًا خليفة لم أل.دْه، وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أم ملأت يدها منك، وأنا أسأل الله أجرًا على ما أخذ، وإمتاعًا بما عوض.
فقال المأمون: ما تلد النساء مثل هذه. وماذا أبقت في هذا الكلام لبلغاء الرجال.
توفيت زبيدة ببغداد في 216هـ الموافق 831م ورثاها مسلم بن عمرو الخاسر الشاعر البصري.
وصف عين زبيدة
يشاهد الصاعد إلى الطائف أو النازل منها، من زوار بيت الله الحرام، في شقاق الجبال بقايا بناء قناة «زبيدة» الإبداعية التي نفذتها زبيدة. فعندما قررت تنفيذ مشروعها الضخم قررت حفر نهر جار يتصل بمساقط المطر، فاشترت «حائط حنين»، وأمرت بأن تشق للمياه قناة في الجبال. وأثناء مرور القناة بالجبال، جعلت لها فتحات لقنوات فرعية إقامتها في المواضع التي تكون فيها احتمالية لاجتماع مياه السيول، لتكون هذه المياه روافد تزيد في حجم المياه المجرور إلى مكة المكرمة عبر القناة الرئيسية.
وأمرت بإجراء «عين وادي نعمان إلى عرفة»، وهي مياه تنبع من ذيل جبل «الكرا» المحيط بالطائف. وأمرت بجر هذه المياه في قناة إلى موضع يقال له «الاوجر» في وادي نعمان، وفيه إلى أرض عرفة.
وأمرت كذلك أن تدار القناة على جبل «الرحمة»، وان تجعل منها فروع إلى البرك التي في أرض عرفة ليشرب منها الحجاج يوم عرفة. ثم أمرت أن تمتد القناة من أرض عرفة إلى خلف الجبل، إلى منطقة يسميها أهل مكة «المظلمة»، ومنها تصل إلى «المزدلفة» إلى جبل خلف «منى» ثم تصبّ في بئر عظيمة مرصوفة بأحجار كبيرة جدًا تسمى «بئر زبيدة».
وتصل قناة عين زبيدة إلى مشعر مزدلفة، حيث يوجد مقر لعين زبيدة مجاور للمشعر الحرام، لتصبّ العين في برك وأحواض خُصصّ بعضها لسقيا الحجّاج، وبعضها الآخر للدواب. ثم تنحـدر القناة فوق سطح الأرض، متجهة إلى منطقة العزيزية المتاخمة لمنى، فوق سلسلة من الجبال لتزويد مشعر منى بالماء وتصبّ أيضاً في برك عديدة، تسقي الظامئ وتزوّ.د المتزوّ.د بالماء الزلال.
وتستمر هذه القنوات متجهة نحو مكة المكرمة، لكنها تعود لتأخذ مسارها مدفونة على أعماق قريبة من سطح الأرض، حتى تصب في بئر عظيمة مطوية بأحجار كبيرة جدا تسمي « بئر زبيدة» ، في منطقة تسمى اليوم بمحبس الجن، إليها ينتهي امتداد عمل قناة عين زبيدة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق