الخميس، 7 أبريل 2016

مغمورات في التاريخ (غالية البقمية.. أميرة الحرب )

مغمورات في التاريخ (غالية البقمية.. أميرة الحرب )


• قصر غالية البقمية الأثري
الحدث التاريخي هو نواة التاريخ وسبب قيامه، والأبطال هم الذين يصنعون تاريخهم. ومثلما وجد أبطال من الرجال والنساء الذين أوفاهم التاريخ والمؤرخون حقهم ونالوا مكانتهم المميزة في الذاكرة الشعبية، وشاعت سيرهم، فان كثيرين غيرهم لا يقلون عن هؤلاء بطولة وتأثيرا، لم يأخذوا حقهم من الشهرة في الذاكرة الشعبية، ولم تنل سيرهم وأفعالهم حظها في الذيوع، أو ان انتشارها ظل محصورا في إطار مكاني محدود وفي افق معرفي ضيق.
قد يكون هؤلاء المغمورون معروفين لدى أهل العلم من المتخصصين والباحثين، أو مشهورين في بلدانهم أو طوائفهم أو جماعاتهم، لكن سيرتهم لم تتجاوز الإطار الجغرافي أو الزماني الذي صنعوا أحداثه.
في رمضان الماضي قدمنا سلسلة كان للرجال فيها حصة الاسد، وفي هذا العام نخصص مساحة لشخصيات مميزة من النساء اللواتي لم ينصفهن التاريخ، ومن اجل أولئك المغمورات في التاريخ نقدم هذه السلسلة. والى شخصية اليوم:
غالية البقمية، امرأة حجازية من قبيلة البقوم المعروفة، التي تقطن تربة وأوديتها المجاورة لبادية غامد. كان زوجها كبير تلك الناحية في ذلك الزمن، وعاصرت الحملة المصرية التي أرسلها محمد علي باشا عام 1811م للقضاء على الدولة السعودية، وتصدت غالية وقومها بفعالية وبشجاعة منقطعة النظير لتلك الحملة، واشتهرت غالية في تلك المعارك بالشجاعة، لذلك اشتهرت بأنها «أخت غمرات»، وهذا يعني أنها تدربت على الفروسية والقتال من صغرها. كانت تتمتع بشخصية مؤثرة، فكان لها في معظم الأحوال الكلمة العليا والرأي المطاع، ويتضح ذلك من تأثيرها في المحيطين بها وقت أحداث الحملة المصرية على الحجاز ونجد، وكانت تمتلك تنظيماً دقيقاً في تلك المقاومة، ولم تكن تسير بطريقة عشوائية.
غالية وقبيلتها
هي الأميرة غالية بنت عبدالرحمن سلطان الغرابيط الرماثين البدارى البقمي، زوجة حمد بن عبدالله وهو الوالي الذي عينته الدولة السعودية الأولى على تربة البلدة المعروفة والقريبة من الطائف، وأنجبت منه أولاداً عدة. وكان زوجها من وجهاء آل محيي، شيوخ قسم المحاميد من البقوم، ولما توفي عنها ورثت غالية أموالاً طائلة، إضافة إلى ما ورثته من والديها، اللذين كانا أصحاب سيادة وثراء. وعقب وفاته تزوجت بخيت بن جنيح أمير الهملة من الموركة عام 1229هـ، ولم تنجب منه. والبقوم التي تنتسب إليها غالية هي إحدى قبائل جنوب شبه الجزيرة العربية، مقرها جبل حضن وأطرافه حتى تربه واصل. والبقوم من بني باقم من فروع الأزد بن الغوث، وهم أهل قوة لقبتهم القبائل المجاورة لهم «ظهور السواني» رمزاً لتحملهم الحروب الطاحنة، وتنتمي غالية إلى فخذ المنافير منهم من آل بدر من وازع، حيث إن البقوم ينقسمون إلى قسمين كبيرين، هما المحاميد ووازع.
وفي هذا يقول شاعرهم:
حنا البقوم إخوان وزاع محاميد
واللي يفرقنا عسى أبوه فالنار
تصدرها القيادة
بعد وفاة زوجها، تمكنت غالية البقمية، بفضل قوة شخصيتها وامتلاكها مواصفات القيادة وذكائها وحنكتها وثرائها، من احتلال دور قيادي في تاريخ قبيلتها وبلادها، ويذكر أنها وفدت إلى الدرعية (عاصمة الدولة السعودية الأولى)، وبايعت الإمام سعود الكبير «المتوفى سنة 1229هـ»، وعاهدته على الطاعة والولاء.
وكانت أولى المهمات الموكلة لها هي تأديب عشيرتين من البقوم تمردتا ورفضتا دفع الزكاة إلى الدولة السعودية. طلبت غالية المدد من العاصمة الدرعية التي أرسلت لمساندتها قوات كبيرة بقيادة الشيخ سالم بن شكبان الشهراني.
وقررت غالية تسيير الجيش عليهم في يوم ماطر، وذلك لعلمها أن أسلحة المتمردين من نوع بنادق الفتيل، فتعمدت أن يكون الهجوم في ذلك اليوم ليصعب عليهم إشعال الفتيل بسبب المطر. وانتصرت غالية ومن معها من قومها بعد مقتل تسعين رجلاً من خصومها، وأسر ثلاثمائة مقاتل منهم.
الصدام مع المصريين
تقع بلدة تربة إلى الجنوب الشرقي من الطائف، وتتمتع بأهمية استراتيجية وعسكرية هي باب الطائف من الوجهة النجدية، وحصن الطائف من الوجهة الحجازية. لذا اهتم محمد علي باشا بالسيطرة عليها من أجل تحقيق المهمة التي كلف بها وهي القضاء على دولة آل سعود.
ولما علم بمكانة غالية البقمية في المنطقة حاول أن يفاوضها، فرفضت التعاون معه، فقرر محمد علي توجيه الجيوش بقيادة ابنه القائد طوسون باشا جيشاً لمهاجمة تربة المحصنة بالخنادق.
قول المؤرخ بوركهارت عنها
كان الرحالة جوهان بوركهارت وصل إلى المنطقة في ذروة حروب محمد علي باشا في الحجاز، ودون مشاهداته في كتابه الشهير ملاحظات عن البدو الوهابيين، ومما قاله عن الأميرة غالية: كان يتزعم عرب البقوم الذين يعمل بعضهم في الرعي، وبعضهم الآخر في الزراعة، أرملة تسمى غالية، وكان زوجها أحد زعماء تربة، وكانت لديها ثروة تفوق ما لدى أي أسرة عربية في منطقتها، فأخذت توزع نقوداً ومؤناً على فقراء قبيلتها الذين كانوا على استعداد لقتال الأتراك، وكانت مائدتها دائماً معدة لكل الوهابيين المخلصين الذين يعقد زعماؤهم مجالسهم في بيتها. وبما أن هذه السيدة الكبيرة كانت مشهورة بسداد الرأي، والمعرفة الدقيقة بأمور القبائل المحيطة بها، فإن صوتها لم يكن مسموعاً في تلك المجالس فقط، وإنما كان هو الذي يتم تبنيه بصفة عامة.
أعمالها العمرانية
تنسب إلى غالية العديد من أعمال البناء، فقد بنت «قصر شنقل»، وهو منزلها الذي كانت تقيم فيه، يقع على قمة المرتفع الذي يفصل بين وادي تربة ووادي كرا شمال الطريق المؤدي إلى وادي كرا. وهناك شاهد عمراني آخر للأميرة غالية وهو «قلعة البازم» التي تبعد نحو 12 كم شمالي تربة، ونظراء لثرائها وغناها فقد امتلكت العديد من الأملاك والقصور مثل قصر منيف، وقصر الصرفان الذي يبعد 20 كم شمالي مدينة تربة، وكانت هذه القصور قائمة بعد وفاتها حتى هدمتها حملة عبد الله بن الحسين شريف مكة في حربه مع آل سعود سنة 1919م، ولم يبق منها سوى أطلال موجودة حتى اليوم. وقصر شنقل يحوي مجلس الأمير، ومكاناً مخصصاً للعائلة والخدم، وموقعاً للخيول والجنود، وفي قمة الجبل يوجد حصن للمراقبة، ويمتاز «شنقل» بجودة بنائه، وتصميمه المميز.
شجاعتها في وجه الحملة المصرية
يذكر المؤرخ المصري محمود فهمي المهندس في كتابه «البحر الزاخر»، واصفاً بطولة غالية في أحداث سنة 1812م، التي شهدت معارك ضارية بين قوات محمد علي باشا والمقاومين البدو، ما خلاصته: لم يحصل من قبائل العرب القاطنين بقرب مكة مقاومة أشد مما أجراه عرب البقوم في تربة، وكان قد لجأ إليها معظم عساكر الشريف غالب، وقائد العربان في ذلك الوقت امرأة أرملة اسمها غالية، كان زوجها من أشهر رجال هذه الجهة، وكانت هي في غاية من الغنى، ففرقت جميع أموالها على فقراء العشائر الذين يرغبون في محاربة الترك.
ثم يتحدث عنها مرة أخرى في معارك أوائل نوفمبر 1813م «ذي الحجة 1228هـ» فيقول: سافر طوسون من الطائف، ومعه ألفا نفس للغارة على تربة، وأمر عساكره بالهجوم، وكان العرب محافظين على أسوار المدينة بشجاعة، ومستبشرين بوجود غالية معهم، وهي المقدمة عليهم، فصدوا طوسون وعساكره، واضطر هؤلاء إلى ترك خيامهم وسلاحهم، وقتل منهم في ارتدادهم نحو سبع مائة نفس، ومات كثيرون جوعاً وعطشاً.
ولما أصدر طوسون أوامره بإعادة الهجوم على تربة مرة أخرى أعلن جنوده صراحة أنهم يرفضون محاربة غالية، كما أعربوا عن خشيتهم من الهزيمة مرة أخرى، وحثوه على الانسحاب إلى الطائف.
وعن المعركة نفسها تحدث عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ المصري المعاصر فقال: وأن طوسون باشا وعابدين ركبا بعساكرهما على ناحية تربة التي بها المرأة التي يقال لها غالية فوقعت بينهم حروب ثمانية أيام ثم رجعا منهزمين ولم يظفرا بطائل.

قصيدة توثق انتصارها
شهد الشاعر هضال الخيال الرحماني البقمي المعركة التي انتصرت فيها غالية على الجيش المصري، وخاض تلك المعارك ووثقها بقصيدته، التي كتبت بعد هذه المعركة:
تباشروا يالابتي إن كان صدقه
لعل قواد السهــوم يقودهــا
دجنه بلاد لنا وحنا عمادهـــا
وربي خلقنا من صلوب جدودهـا
جو في طرف ريحان ثم خيمـوا
كل خيمة ركزت على عمودهـا
بنوا خيام ترهب اللي يشوفهــا
ما ينعرف بيضها من سودهـــا
تنابغ البــارود منا ومنهـــم
مثل الكنان اللي تراجفت برعودها
ياما طرح في نحونا من طيــب
لعيون من كن البروق خدودهـا
جهز عليهم في الضحى من بلادنا
يدين ربعي وهو شهودهــا
حنا ذرا دجنــه وهي بلادنــا
وديارنا ما ينطمع في حدودهــا
تربه بلاد لنا وحنــا أهلهـــا
يحرم عليكم يا الطغـم برودهــا


يتبع
 


يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق