تأملات في الهزائم والانتصارات ج4
بقلم : د . علي بن عمر بادحدح
الوقفة الرابعة : من أسباب السقوط :
السبب الأول : محالفة الأعداء ضد المسلمين :
وجود من ناصر أعداء الدين على إخوانه المسلمين ، وهذه البلية التي ما يزال المسلمون مبتلون بها في هذا العصر ، فبعضهم يحالف أعداء الله ضد إخوانه من المسلمين , ومن أولياء الله .. فمن ذلك ما حصل من صاحب الموصل ، إذ قدم للصليبيين فروض الولاء والطاعة ، كما قدم لهم المعونة والنصرة, وهذا أعظم بلاء وأعظم سبب من أسباب الهزيمة .
السبب الثاني : الانشغال بوسائل اللهو :
وهذه صورة خطيرة جداً , يقول ابن كثير : " وأحاطت التتار بدار الخلافة في وسط بغداد - يعني قد دخلوا إلى بغداد - يرشقونها بالنبال، من كل جانب، حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه ، وكانت من جملة حظاياه .. ، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة ، فانزعج الخليفة من ذلك , وفزع فزعاً شديداً ، قبل ذلك لم يكن يعلم من أمره شيئاً ، .. ، فأمر الخليفة عند ذلك بالاحتراز ، وكثرة الستائر عند دار الخلافة " .
وذلك بعد أن دخلوا البلد ، ووصلوا إلى دار الخلافة ، والخليفة في مجلسه ، والجارية ترقص بين يديه ، وما انتبه إلا بعد أن جاءها السهم وقُتِلت، ففزع فزعاً شديداً فأمر بالاحتياط والتحرز، وهذه تبين لنا هذا الداء من أعظم أسباب البلاء عند الأمة المسلمة .
وكما يقول القائل :
إذا كان رب البيت بالـدف ضارباً -*-*-* فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
عندما يكون الذي يُنْتَظَر منه الجد ، والتحفّظ ، والتيّقظ ، والأخذ بأسباب مصالح المسلمين ، ورفع رايتهم ، وتحقيق أسباب عزتهم ، لاهياً ساهياً غافلاً نائماً لا يدري عن أمره شيئاً، فهذه لا شك أنها صورة مفزعة ، بمجرد أن ينظر إليها الإنسان ويتأمل يحكم بالهزيمة وهو مغمض العينين من غير تفكير ، ثم نتابع مع ابن كثير - رحمة الله عليه - في وصفه لخليفة الوقت في ترجمته :
"ولكن كان فيه لين ، وعدم يقظة ، ومحبة للمال وجمعه ، ومن جملة ذلك أنه استحل الوديعة التي استودعها الناصر داود بن المعظم ، استودعه وديعة - وهو الخليفة - فأخذ هذه الوديعة واستولى عليها ، وكان قيمتها نحواً من مئة ألف دينار فاستُقْبِح هذا من الخليفة ، وهو مستقبَح ممن هو دونه بكثير " .
السبب الثالث : ضعف الاستعداد وخلوّ الإمداد :
ثم مضى ابن كثير يصوِّر لنا السبب الثالث الخطير من أسباب الهزيمة، ولعل السائل أن يسأل : أين الجيوش ؟ كيف دخل التتار ووصلوا إلى دار الخلافة ؟ فهذا جواب ابن كثير - رحمة الله عليه – يقول :
" وجيوش بغداد في غاية القلة، ونهاية الذلة ، لا يبلغون عشرة آلاف فارس ، وبقية الجيش قد صرفوا عن إقطاعاتهم ، والرواتب لا توجد ، حتى استعطى كثير منهم في الأسواق ، وأبواب المساجد ، وأنشد الشعراء القصائد يرثون لحالهم ويحزنون على الإسلام وأهله " .
هذا حال الجيش الذي كان في ذلك الوقت لماذا ؟ لأن الخليفة لم يكن متفرغاً لتقوية الأمة ولا لإعداد الجيش ، ولا لتحقيق قول الله جل وعلا : "وأعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوة ".
ولتحقيق قول النبي
:" المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير " .
فكانت هذه جيوش بغداد , الجنود يستعطون ويطلبون العطايا من الناس في الأسواق وأبواب المساجد، هؤلاء العشرة الآلاف البقية الباقية . فإذاً ضاعت الأمة عندما ضاعت قوتها وهيبتها وشوكتها .
السبب الرابع : الطابور الخامس :
كما يسميه الناس اليوم الطابور الخامس ، الذي يعمل في الأمة أكثر مما يحتاج الأعداء ومما يأملون ومما يتوقعون ، قال ابن كثير : " وكل ذلك عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي " كان رافضياً شيعياً خبيثاً متمالِئاً مع الأعداء ، فهو الذي فعل هذه الأفاعيل "
يقول ابن كثير : " حصل هناك نزاع بين أهل السنة وبين الشيعة ، وانتهبت بعض دورهم ، فكان هذا مما أهاجه على أن دبَّر للإٍسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أفظع منه منذ أن بنيت بغداد ، وإلى هذه الأوقات , ولهذا كان أول من برز للتتار كان هذا الرجل ، وماذا كان قد صنع من قبل .. كان قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش ، وإسقاط أسماءهم من الديوان ، فكانت العساكر في عهد المستنصر قريبة من مائة ألف ، وجاء التتار وهم عشرة آلاف من المتسولين ، كانوا مائة ألف عِدة هذا جيش وعساكر وجنود، وبقوا عشرة آلاف من المتسولين ، وهذا من فعل هذا الخبيث ، فلم يزل يجتهد في تقليلهم حتى لم يبق إلا عشرة آلاف ، ثم كاتب التتار , وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم الأمر , وحكى لهم حقيقة الحال , وكشف لهم ضعف الرجال " .
وهذا هو الداء الدوي ، الذي ينخر في جسم الأمة اليوم ، عندما يكون في صفوفها أصحاب العقائد المنحرفة التي تسعى جاهدة ، إلى أن تدمر الأمة , وفي قلوبها من الحقد والضغينة أعظم مما في قلوب الأعداء ، وهم أكثر عوناً للأعداء وإخلاصاً من بني جلدة الأعداء أنفسهم .
السبب الخامس : ممالأة الأعداء :
قال : " ثم عاد إلى بغداد لما ذهب الخليفة ليقابل هولاكو ، ..ومعه نصير الدين الطوسي ، وكان نصير الدين هذا عند هولاكو , وقد استصحبه عندما فتح بعض قلاع المسلمين " ، وكان (أي نصير الدين ) مما ينسبون إلى المستنصر العبيدي ـ يريد أن يعيد قيام الدولة العبيدية التي أزالها صلاح الدين بجهاده الذي أشرنا إليه –.
قال ابن كثير : وكانوا يريدون إبطال السنة , وإقامة الرفض , وإقامة خليفة من العبيديين ، ولكن الله - سبحانه وتعالى - ما أمهله حتى مات هذا الوزير الرافضي في العام نفسه ، ثم لحقه ابنه بعد ستة أشهر ..
ثم يقول ابن كثير : " ولم ينج أحد من الناس ـ بعد أن وصف القتل الشديد ـ سوى من هو من أهل الذمة من اليهود والنصارى , ومن التجأ إليهم , وإلى دار الوزير ابن العلقمي " .
كانوا صفوفاً خامسة ، وطوابير خامسة ، ويمالئون الأعداء ، ولذلك لم يصبهم ضرر ، هؤلاء الذين يظهرون لنا أنهم أولياء وأحباء وأنهم كذا وكذا، لا يؤمن غير المسلم على أمة الإسلام أبداً لا في دينها ولا عقيدتها ، وهذا الأمر الأول ولا في مقدراتها وثرواتها ، ولا في أوضاعها وأخلاقها مطلقاً ، وهذا التاريخ يحدثنا بذلك حديثاً شافياً واضحاً .
ويزيد ابن كثير - رحمة الله عليه – في وصف تلك المأساة فيقول: " وقع هول شديد , كان الناس يُقْتَلون ويبادون , أربع و ن يوماً والسيف يعمل في أهل بغداد، حتى كسروا عليهم البيوت ،فهربوا وصعدوا إلى الأسطحة , فصاروا يقتلون على الأسطحة ، حتى سالت ميازيب ( السقايات ) بغداد من دماء المسلمين " ، وقال - رحمة الله عليه - : "عُدة من مات من المسلمين قيل ثمانمائة ألف من المسلمين ، وقيل ألف ألف - يعني مليون – " ، مما يدل على عظيم الهول .
معركة عين جالوت :
وعندما نتأمل فيها سنجد أن ومضات النصر ظاهرة أيضاً ، فهنا المظفر قطز الذي أجرى الله على يديه هذا النصر، ماذا كان من حاله ؟ لما سمع بأمر التتار وأخذهم لبلاد الشام ، وأنهم يريدون أن يتوجهوا إلى مصر ما انتظرهم , ولكن توجه هو بجيوشه ، قال ابن كثير : " وقد اجتمعت الكلمة عليه حتى انتهى إلى الشام - يعني اجتمعت الكلمة لقواد وأمراء المسلمين .
ووُصف هذا الملك بأنه كان شجاعاً وكان صالحاً " قال ابن كثير : " لا يتعاطى شيئاً مما يتعاطاه الملوك والأمراء ، في ذلك الزمن أي من المفاسد والمعاصي ، وكان أنِ اجتمع هو التتار في عين جالوت في الجمعة في الخامس والعشرين من شهر رمضان من عام 658 هـ فاقتتلوا قتالاً عظيماً ، وكانت النصرة - ولله الحمد - للإسلام وأهله " ، فهزموا التتار الذين كانوا منتصرين قبل سنتين ، والذين فعلوا الأفاعيل في بغداد ، هزموا هذه المرة وتتبعهم المسلمون حتى بلغوا دمشق ، وحتى بلغوا وراءهم إلى حلب وهم يفرون ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة تجاوزت عشرات الآلاف إلى ما يقرب من مئات الآلاف ، فكان هذا النصر يدل على مثل هذه الصورة .
عندما تهيأت بعدُ أسباب النصر، وقتلت العامة في تلك الفترة في الجامع شيخاً رافضياً مصانعاً للتتار على أموال المسلمين ، وطهروا ذلك المجتمع من مثل هذه الانحرافات ، ثم قال ابن كثير في وصف قطز :
"كان شجاعاً بطلاً ، كثير الخير ، ناصحاً للإسلام وأهله ، وكان الناس يحبونه , ويدعون له كثيراً ، وقال : لما كان في القتال قُتلت فرسه ، فظل يقاتل وهو واقف , فجاء بعض الأمراء ليعطونه فرساً بديلاً عنها ، فرفض ذلك وظل يقاتل ، فقالوا له : لماذا لم تقبل ونحن نريد أن لا تهزم , فينهزم بك الإسلام والمسلم و ن ؟ فقال : أما أنا لو قتلت فكنت أروح الجنة ، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه " .
وهذه المواقف تبين لنا ملامح الهزائم , وأسبابها كما تبين لنا ومضات الانتصارات وأسبابها .
المقصد إذاً - أيها الإخوة - أننا عندما نرى نصراً فينبغي لنا أن ننظر إلى ما قبله، ونرى صورة الأمة وأحوالها في ذلك الوقت ، وكذلك أمر الهزيمة ؛ فإن مثل هذه الصور تبين لنا أن سبب الهزيمة التي تقع على المسلمين اليوم ، إنما هو بمثل هذه الأسباب التي ذكرت من ضعف قوتها العسكرية ، ومن غياب القيام بالواجب من قياداتها السياسية ، ومن وجوب التفرقة والاختلافات والمنازعات فيما بينها ، وكذلك في إعلانها للمعاصي ومجاهرتها بها ، وإعلانها الحرب على الله - سبحانه وتعالى - بما تجهر به من معاصيه ، وهذا هو الذي ينبغي أن نفقهه ، وأن نفطن إليه ، وأن نعرف توجه أعداء الأمة لترسيخ هذه المعاني في حياة الأمة .
ثم نعرف أن التغيير وأن النصر آت , و إذا كان حديثنا يقدم الهزائم على الانتصارات ف لأننا إلى حد ما في ظلال الهزائم، والانتصارات هي الأمل المرتقب بإذن الله عز وجل، وقد بدت بشائره وتبدو هنا وهناك، وتبدو في عودة الأمة إلى ربها واعتزازها بإسلامها وإيمانها , وولاءها لله وبراءتها لأعداء الله، وأخذها باسباب الألفة والوحدة والاجتماع، ونبذها لأسباب الفرقة، وإن كانت هذه الصور جزئية هنا وهناك، ويسعى أعداء الله إلى إطالة أمدها , وإلى تعميق آثارها , وإلى توسيع دائرتها حتى لا تقوم للمسلمين قائمة، ولذلك أكثر ما يبتلى به المسلمون الشقاق والنزاع، وأكثر ما يسلط عليهم ليفتنوا الفساد والانحراف .
ولذلك ف أنا أوجز الحديث هنا لأختم هذا اللقاء في ما يتعلق بتكريس أسباب الهزيمة في الأمة، هناك أوضاع ومجالات تكرِّس أسباب الهزيمة , والحق أن الحديث عنها الأصل أنه يطول، لكن الإشارة تغني عن الإفاضة والتوسع ..
مجالات كثيرة سلط أعداء الله عليها الجهود لتبقى في الأمة أسباب الهزيمة والضعف وذلك في مجالات ثلاثة رئيسة ومهمة، ربما تكون أبرز وأظهر هذه المجالات
المصدر : موقع إسلاميات
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
بقلم : د . علي بن عمر بادحدح
الوقفة الرابعة : من أسباب السقوط :
السبب الأول : محالفة الأعداء ضد المسلمين :
وجود من ناصر أعداء الدين على إخوانه المسلمين ، وهذه البلية التي ما يزال المسلمون مبتلون بها في هذا العصر ، فبعضهم يحالف أعداء الله ضد إخوانه من المسلمين , ومن أولياء الله .. فمن ذلك ما حصل من صاحب الموصل ، إذ قدم للصليبيين فروض الولاء والطاعة ، كما قدم لهم المعونة والنصرة, وهذا أعظم بلاء وأعظم سبب من أسباب الهزيمة .
السبب الثاني : الانشغال بوسائل اللهو :
وهذه صورة خطيرة جداً , يقول ابن كثير : " وأحاطت التتار بدار الخلافة في وسط بغداد - يعني قد دخلوا إلى بغداد - يرشقونها بالنبال، من كل جانب، حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه ، وكانت من جملة حظاياه .. ، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة ، فانزعج الخليفة من ذلك , وفزع فزعاً شديداً ، قبل ذلك لم يكن يعلم من أمره شيئاً ، .. ، فأمر الخليفة عند ذلك بالاحتراز ، وكثرة الستائر عند دار الخلافة " .
وذلك بعد أن دخلوا البلد ، ووصلوا إلى دار الخلافة ، والخليفة في مجلسه ، والجارية ترقص بين يديه ، وما انتبه إلا بعد أن جاءها السهم وقُتِلت، ففزع فزعاً شديداً فأمر بالاحتياط والتحرز، وهذه تبين لنا هذا الداء من أعظم أسباب البلاء عند الأمة المسلمة .
وكما يقول القائل :
إذا كان رب البيت بالـدف ضارباً -*-*-* فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
عندما يكون الذي يُنْتَظَر منه الجد ، والتحفّظ ، والتيّقظ ، والأخذ بأسباب مصالح المسلمين ، ورفع رايتهم ، وتحقيق أسباب عزتهم ، لاهياً ساهياً غافلاً نائماً لا يدري عن أمره شيئاً، فهذه لا شك أنها صورة مفزعة ، بمجرد أن ينظر إليها الإنسان ويتأمل يحكم بالهزيمة وهو مغمض العينين من غير تفكير ، ثم نتابع مع ابن كثير - رحمة الله عليه - في وصفه لخليفة الوقت في ترجمته :
"ولكن كان فيه لين ، وعدم يقظة ، ومحبة للمال وجمعه ، ومن جملة ذلك أنه استحل الوديعة التي استودعها الناصر داود بن المعظم ، استودعه وديعة - وهو الخليفة - فأخذ هذه الوديعة واستولى عليها ، وكان قيمتها نحواً من مئة ألف دينار فاستُقْبِح هذا من الخليفة ، وهو مستقبَح ممن هو دونه بكثير " .
السبب الثالث : ضعف الاستعداد وخلوّ الإمداد :
ثم مضى ابن كثير يصوِّر لنا السبب الثالث الخطير من أسباب الهزيمة، ولعل السائل أن يسأل : أين الجيوش ؟ كيف دخل التتار ووصلوا إلى دار الخلافة ؟ فهذا جواب ابن كثير - رحمة الله عليه – يقول :
" وجيوش بغداد في غاية القلة، ونهاية الذلة ، لا يبلغون عشرة آلاف فارس ، وبقية الجيش قد صرفوا عن إقطاعاتهم ، والرواتب لا توجد ، حتى استعطى كثير منهم في الأسواق ، وأبواب المساجد ، وأنشد الشعراء القصائد يرثون لحالهم ويحزنون على الإسلام وأهله " .
هذا حال الجيش الذي كان في ذلك الوقت لماذا ؟ لأن الخليفة لم يكن متفرغاً لتقوية الأمة ولا لإعداد الجيش ، ولا لتحقيق قول الله جل وعلا : "وأعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوة ".
ولتحقيق قول النبي
:" المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير " .فكانت هذه جيوش بغداد , الجنود يستعطون ويطلبون العطايا من الناس في الأسواق وأبواب المساجد، هؤلاء العشرة الآلاف البقية الباقية . فإذاً ضاعت الأمة عندما ضاعت قوتها وهيبتها وشوكتها .
السبب الرابع : الطابور الخامس :
كما يسميه الناس اليوم الطابور الخامس ، الذي يعمل في الأمة أكثر مما يحتاج الأعداء ومما يأملون ومما يتوقعون ، قال ابن كثير : " وكل ذلك عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي " كان رافضياً شيعياً خبيثاً متمالِئاً مع الأعداء ، فهو الذي فعل هذه الأفاعيل "
يقول ابن كثير : " حصل هناك نزاع بين أهل السنة وبين الشيعة ، وانتهبت بعض دورهم ، فكان هذا مما أهاجه على أن دبَّر للإٍسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أفظع منه منذ أن بنيت بغداد ، وإلى هذه الأوقات , ولهذا كان أول من برز للتتار كان هذا الرجل ، وماذا كان قد صنع من قبل .. كان قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش ، وإسقاط أسماءهم من الديوان ، فكانت العساكر في عهد المستنصر قريبة من مائة ألف ، وجاء التتار وهم عشرة آلاف من المتسولين ، كانوا مائة ألف عِدة هذا جيش وعساكر وجنود، وبقوا عشرة آلاف من المتسولين ، وهذا من فعل هذا الخبيث ، فلم يزل يجتهد في تقليلهم حتى لم يبق إلا عشرة آلاف ، ثم كاتب التتار , وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم الأمر , وحكى لهم حقيقة الحال , وكشف لهم ضعف الرجال " .
وهذا هو الداء الدوي ، الذي ينخر في جسم الأمة اليوم ، عندما يكون في صفوفها أصحاب العقائد المنحرفة التي تسعى جاهدة ، إلى أن تدمر الأمة , وفي قلوبها من الحقد والضغينة أعظم مما في قلوب الأعداء ، وهم أكثر عوناً للأعداء وإخلاصاً من بني جلدة الأعداء أنفسهم .
السبب الخامس : ممالأة الأعداء :
قال : " ثم عاد إلى بغداد لما ذهب الخليفة ليقابل هولاكو ، ..ومعه نصير الدين الطوسي ، وكان نصير الدين هذا عند هولاكو , وقد استصحبه عندما فتح بعض قلاع المسلمين " ، وكان (أي نصير الدين ) مما ينسبون إلى المستنصر العبيدي ـ يريد أن يعيد قيام الدولة العبيدية التي أزالها صلاح الدين بجهاده الذي أشرنا إليه –.
قال ابن كثير : وكانوا يريدون إبطال السنة , وإقامة الرفض , وإقامة خليفة من العبيديين ، ولكن الله - سبحانه وتعالى - ما أمهله حتى مات هذا الوزير الرافضي في العام نفسه ، ثم لحقه ابنه بعد ستة أشهر ..
ثم يقول ابن كثير : " ولم ينج أحد من الناس ـ بعد أن وصف القتل الشديد ـ سوى من هو من أهل الذمة من اليهود والنصارى , ومن التجأ إليهم , وإلى دار الوزير ابن العلقمي " .
كانوا صفوفاً خامسة ، وطوابير خامسة ، ويمالئون الأعداء ، ولذلك لم يصبهم ضرر ، هؤلاء الذين يظهرون لنا أنهم أولياء وأحباء وأنهم كذا وكذا، لا يؤمن غير المسلم على أمة الإسلام أبداً لا في دينها ولا عقيدتها ، وهذا الأمر الأول ولا في مقدراتها وثرواتها ، ولا في أوضاعها وأخلاقها مطلقاً ، وهذا التاريخ يحدثنا بذلك حديثاً شافياً واضحاً .
ويزيد ابن كثير - رحمة الله عليه – في وصف تلك المأساة فيقول: " وقع هول شديد , كان الناس يُقْتَلون ويبادون , أربع و ن يوماً والسيف يعمل في أهل بغداد، حتى كسروا عليهم البيوت ،فهربوا وصعدوا إلى الأسطحة , فصاروا يقتلون على الأسطحة ، حتى سالت ميازيب ( السقايات ) بغداد من دماء المسلمين " ، وقال - رحمة الله عليه - : "عُدة من مات من المسلمين قيل ثمانمائة ألف من المسلمين ، وقيل ألف ألف - يعني مليون – " ، مما يدل على عظيم الهول .
معركة عين جالوت :
وعندما نتأمل فيها سنجد أن ومضات النصر ظاهرة أيضاً ، فهنا المظفر قطز الذي أجرى الله على يديه هذا النصر، ماذا كان من حاله ؟ لما سمع بأمر التتار وأخذهم لبلاد الشام ، وأنهم يريدون أن يتوجهوا إلى مصر ما انتظرهم , ولكن توجه هو بجيوشه ، قال ابن كثير : " وقد اجتمعت الكلمة عليه حتى انتهى إلى الشام - يعني اجتمعت الكلمة لقواد وأمراء المسلمين .
ووُصف هذا الملك بأنه كان شجاعاً وكان صالحاً " قال ابن كثير : " لا يتعاطى شيئاً مما يتعاطاه الملوك والأمراء ، في ذلك الزمن أي من المفاسد والمعاصي ، وكان أنِ اجتمع هو التتار في عين جالوت في الجمعة في الخامس والعشرين من شهر رمضان من عام 658 هـ فاقتتلوا قتالاً عظيماً ، وكانت النصرة - ولله الحمد - للإسلام وأهله " ، فهزموا التتار الذين كانوا منتصرين قبل سنتين ، والذين فعلوا الأفاعيل في بغداد ، هزموا هذه المرة وتتبعهم المسلمون حتى بلغوا دمشق ، وحتى بلغوا وراءهم إلى حلب وهم يفرون ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة تجاوزت عشرات الآلاف إلى ما يقرب من مئات الآلاف ، فكان هذا النصر يدل على مثل هذه الصورة .
عندما تهيأت بعدُ أسباب النصر، وقتلت العامة في تلك الفترة في الجامع شيخاً رافضياً مصانعاً للتتار على أموال المسلمين ، وطهروا ذلك المجتمع من مثل هذه الانحرافات ، ثم قال ابن كثير في وصف قطز :
"كان شجاعاً بطلاً ، كثير الخير ، ناصحاً للإسلام وأهله ، وكان الناس يحبونه , ويدعون له كثيراً ، وقال : لما كان في القتال قُتلت فرسه ، فظل يقاتل وهو واقف , فجاء بعض الأمراء ليعطونه فرساً بديلاً عنها ، فرفض ذلك وظل يقاتل ، فقالوا له : لماذا لم تقبل ونحن نريد أن لا تهزم , فينهزم بك الإسلام والمسلم و ن ؟ فقال : أما أنا لو قتلت فكنت أروح الجنة ، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه " .
وهذه المواقف تبين لنا ملامح الهزائم , وأسبابها كما تبين لنا ومضات الانتصارات وأسبابها .
المقصد إذاً - أيها الإخوة - أننا عندما نرى نصراً فينبغي لنا أن ننظر إلى ما قبله، ونرى صورة الأمة وأحوالها في ذلك الوقت ، وكذلك أمر الهزيمة ؛ فإن مثل هذه الصور تبين لنا أن سبب الهزيمة التي تقع على المسلمين اليوم ، إنما هو بمثل هذه الأسباب التي ذكرت من ضعف قوتها العسكرية ، ومن غياب القيام بالواجب من قياداتها السياسية ، ومن وجوب التفرقة والاختلافات والمنازعات فيما بينها ، وكذلك في إعلانها للمعاصي ومجاهرتها بها ، وإعلانها الحرب على الله - سبحانه وتعالى - بما تجهر به من معاصيه ، وهذا هو الذي ينبغي أن نفقهه ، وأن نفطن إليه ، وأن نعرف توجه أعداء الأمة لترسيخ هذه المعاني في حياة الأمة .
ثم نعرف أن التغيير وأن النصر آت , و إذا كان حديثنا يقدم الهزائم على الانتصارات ف لأننا إلى حد ما في ظلال الهزائم، والانتصارات هي الأمل المرتقب بإذن الله عز وجل، وقد بدت بشائره وتبدو هنا وهناك، وتبدو في عودة الأمة إلى ربها واعتزازها بإسلامها وإيمانها , وولاءها لله وبراءتها لأعداء الله، وأخذها باسباب الألفة والوحدة والاجتماع، ونبذها لأسباب الفرقة، وإن كانت هذه الصور جزئية هنا وهناك، ويسعى أعداء الله إلى إطالة أمدها , وإلى تعميق آثارها , وإلى توسيع دائرتها حتى لا تقوم للمسلمين قائمة، ولذلك أكثر ما يبتلى به المسلمون الشقاق والنزاع، وأكثر ما يسلط عليهم ليفتنوا الفساد والانحراف .
ولذلك ف أنا أوجز الحديث هنا لأختم هذا اللقاء في ما يتعلق بتكريس أسباب الهزيمة في الأمة، هناك أوضاع ومجالات تكرِّس أسباب الهزيمة , والحق أن الحديث عنها الأصل أنه يطول، لكن الإشارة تغني عن الإفاضة والتوسع ..
مجالات كثيرة سلط أعداء الله عليها الجهود لتبقى في الأمة أسباب الهزيمة والضعف وذلك في مجالات ثلاثة رئيسة ومهمة، ربما تكون أبرز وأظهر هذه المجالات
المصدر : موقع إسلاميات
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق