تأملات في الهزائم والانتصارات ج3
بقلم : د . علي بن عمر بادحدح
الوقفة الثالثة : مفاصل في تاريخ الأمة المسلمة :
وهي لبّ موضوعنا , نريد أن نقف في بعض المفاصل التاريخية لنقرأ بين السطور - كما ذكرت - ماذا وقع في الهزائم ؟ وكيف وقعت الانتصارات في تاريخ الأمة المسلمة ؟ هذه المفاصل كثيرة سأذكر منها اثنين بالتفصيل , وإن سنح الوقت ذكرناً ثالثاً .
1 ـ ما يتعلق بسقوط بيت المقدس.
2 ـ سقوط بغداد.
3 ـ موقعة شقحب.
لأن في هذه الوقائع دروساً عظيمة جداً
سقوط بيت المقدس :
لمحات من واقع المسيحيين قبل السقوط :
في بيت المقدس لننظر كيف كان توجُّه المسيحيين في ذلك الوقت ؟ وكيف توجهوا لقتال المسلمين ؟ وبأي منطق وتحت أي مبدأ تجمعوا ؟ نقرأ في سطور التاريخ , وفي وقائعه ، ما ينبئنا عن أن في كل جولة لا بد من تحقق الأسباب ، ومن رؤية معالم هي التي تكون بها الهزيمة، أو يقع بها بعد إذن الله - عز وجل – النصر ..
تجمع المسيحيون تحت راية المسيحية وتنادوا باسمها ، وهذا المكمن الذي ينبغي أن يعلم المسلمون أنه لا نصر لهم إلا تحت راية الإسلام ، وإلا أن يتنادوا باسم نصر العقيدة والإيمان ، أما غير ذلك فقد رأت الأمة هذه الصورة ، وتجرعت مرارتها حينما تجمعت مرة باسم القومية ، وثانية باسم البعثية ، وثالثة باسم الاشتراكية ، فهوت كل واحدة بها إلى هاوية , وبُعدٍ سحيق ، هنا في ذلك الوقت ماذا كان من المسيحيين ؟ نجد أن إمبراطور القسطنطينية يبعث إلى ملك آخر من ملوك المسيحية في ذلك الوقت، ويناديه بنداء , يستصرخ فيه الهمة بقتال المسلمين ، فماذا يقول إلى رجال الدين والدنيا :
" تحية وسلاماً أيها السيد العظيم حامي حمى العقيدة المسيحية , أود أن أحيطك علماً بما وصل إليه تهديد الأتراك - يعني السلاجقة المسلمون - للإمبراطورية المسيحية المقدسة، فهم يعملون فيها السلب والتخريب كل يوم، ويتوغلون في أراضيها دون انقطاع , وكم من مذابح وتقتيل وجرائم تفوق حد الوصف يقترفونها، ضد المسيحيين الإغريق" .
وهذا أكثره كذبا ، فضلاً عن السخرية والتحقير ؛ فإنهم يذبحون الأطفال والشباب داخل أماكن التعميد ، حيث يريقون دماء القتلى محتقرين بذلك المسيح، ثم يقول :
"لذا أستحلفك بمحبة الله ، وباسم جميع المسيحيين الإغريق أن تمد لنا وللمسيحيين الإغريق العون والمساعدة ، وذلك بتقديم جميع جنود المسيحيين من كبير وصغير، فضلاً عن العامة ممن يتسنَّى جمعهم من بلادك" .
فهذا تنادٍ باسم الإيمان والعقيدة الباطلة ، وتنادٍ بالنصرة بالقوة الفعلية المؤثرة ، وليس بمجرد القول أو الشجب أو الاستنكار أو البيانات ، وليس تحت راية علمانية أو اشتراكية أو غيرها ، فهكذا كان تجمُّعُهم في ذلك الوقت ، وكانت نظرة حديثهم بل إن الذين كانوا يقودون تلك الحروب ويؤججونها ضد المسلمين هم زعماء الدين ، فهذا البابا أور ب ان الثاني أيضاً يوجِّه في مؤتمر كلير مونت ، في ذلك الوقت نداءه إلى أبناء الملة المسيحية كلها :
"يا شعب الفرنجة .. شعب الله المحبوب المختار، لقد جاءت من تخوم الصين ومن مدينة القسطنطينية أنباء محزنة تعلن أن جنساً لعيناً ـ يقصد به المسلمين - أبعد ما يكون عن الله , قد طغى وبغى في تلك البلاد - أي بلاد المسيحيين - وخرّبها بما نشره فيها من أعمال السلب والحرائق ، ولقد ساقوا بعض الأسرى إلى بلادهم ، وقتلوا بعضهم الآخر بعد أن عذبوهم اشنع تعذيب ، وهم يهدمون المذابح والكنائس بعد أن يدنسوها برجسهم" .
إذاً مرة أخرى نداء العاطفة العقدية الإيمانية، ثم يقول :
"ألا فليكن لكم من أعمال أسلافكم ما يقوِّي قلوبكم ، أمجاد شارلمان وعظمته , وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم , فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا " تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
هنا مبدأ مهم ، وهو القدوات التاريخية التي ترتبط بها الأمة ؛ فتثير بذلك في النفوس الهمة والعزيمة . واليوم يغيَّر التاريخ , ويدلَّس لتغيَّب القدوات الصالحة ، ويغيَّب الأئمة من العلماء ، ويغيَّب القوَّاد من المجاهدين ، وتظهر القدوات الفاسدة ، التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر ، بل حقيقة دورها أنها تشوه وتمسخ ، وأنها تغتال وتقتل كل قيمة إيمانية ، وكل همة وعزيمة وقوة في صفوف الأمة ... ولو قلنا هذا الكلام للمسلمين لكانوا أولى به وأحرى .
ثم يقول بعد ذلك : "طهروا قلوبكم إذاًَ من أدران الحقد ، واقضوا على ما بينكم من نزاع ، واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس ، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث " .
إذاً طالبهم بأن يزيلوا الأحقاد ، وأن يمنعوا الخلاف , والنزاع لتتوحد الصفوف , ونصب لهم هدفاً يهمُّهم ويُشغل بالهم ، حتى تتلاشى الأسباب الثانوية العارضة للاختلافات التي يثيرها الأعداء ليفرقوا صفوف الأمة ، هذه صورة موجزة لما كانوا يتنادون به .
لمحات من واقع المسلين بعد السقوط :
ـ أمة قتلت عميدها :
هذه صورتهم ف ماذا كانت صورة الأمة المسلمة ؟؟؟ في ومضات أيضاً ، كان الملك ( أحد ملوك المسلمين ) حاكماً للموصل في ذلك الوقت ، وأراد بعد سقوط بيت المقدس , أراد أن يجمع الجيوش لمحاربة النصارى ، لكن الأسباب كانت كثيرة , غير مهيأة ولا مواتية ، فماذا حصل ؟ قُتل هذا الملك المسلم في يوم العيد بعد الصلاة في وسط المسجد غيلة ، فماذا وقع ؟ كتب ملك الفرنجة إلى من جاء بعده طغطكين ( ملك مسلم جاء بعده ) كتاباً فيه كلمات موجزة ، لكنها تُنْبؤ عن أن القوم كانوا ينظرون إلى أسباب الهزيمة لائحة أمام أعينهم ، فقال كلاماً جميلاً ذكره ابن كثير رحمة الله عليه يقول :
"إن أمة قتلت عميدها في يوم عيدها , في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها" .
كيف تنتصر وبينها هذه الخلافات ؟ !! كيف تنتصر والأحقاد تتسلط عليها ؟ !! كيف تنتصر وهي ليست موجهة نحو إعلاء كلمة الله ، ورعاية مصلحة الأمة المسلمة ؟!! وفي نفس الوقت أيضاً انظر إلى الصورة المقابلة عندما هيأ الله - عز وجل - بعض أسباب النصر .
صور قبل معركة حطين :
أ - خلاص قبل الاستخلاص :
ننتقل إلى الوقت الذي جاء فيه نصر الله عز وجل ، وكلنا نعلم أن النصر وتخليص بيت المقدس جاء بقدر الله على يد صلاح الدين ، والناس كلهم يقولون : جاء صلاح الدين , وانتصر في يوم حطين , وخلص القدس من الصليبيين ، وكأن المسألة انحصرت في تلك المسألة التي خاضها صلاح الدين - رحمة الله عليه - والأمر ليس كذلك ، إن صلاح الدين خاض قبل هذه المعركة أربع معارك هي أشد وأشرس وأقوى ، وهي من أعظم ما هيأ النصر لذلك اليوم العظيم في يوم حطين ، لم يأت صلاح الدين هكذا ليجمع الجيوش بالقوة ثم ينتصر بعد ذلك ، بل حارب في مواقع أربعة قبل أن يلاقي النصارى في حطين .. حارب الكيانات الفاسدة ، وحارب الجهالات الخاطئة ، وحارب الانحرافات المفسدة ، وحارب كذلك الفِرْقة القاتلة والناخرة في الصف .
وسأذكر ذلك بشيء من الإيجاز .. حارب الكيانات الفاسدة ، التي كانت تعمل في الأمة من الفساد والتدمير أكثر مما يعمله أعداءها ؛ لأن في حقيقة الأمر كان مما هيأ الله - عز وجل - لصلاح الدين وأجرى على يديه أن قوَّض الدولة الفاطمية العبيدية الرافضية ، التي أضاف إليها الذهبي في سير أعلام النبلاء لفظ " اليهودية " ، قبل أن يتوجه إلى بيت المقدس أزال هذا الورم السرطاني الذي ظل يرزح على الأمة المسلمة وفي بلادها دهراً طويلاً ، وعاث فيها فساداً في الاعتقاد ، وتخريباً لمقدرات الأمة ، وممالئة لأعدائها ، فتوجه صلاح الدين - رحمة الله عليه - ومهد له من قبل نور الدين زنكي ، توجه أولاً ليستأصل هذه الدولة الرافضية ، وبالفعل قوَّض مُلكها ، ودخل مصر فاتحاً ، وألغى وجودها من التاريخ ، وجعلها صفحات مذكورة في طيَّات التاريخ ، ولم تقم لهم - بحمد الله -قائمة في عهده وإلى سنوات طويلة بعده ـ رحمة الله عليه ـ فقد وجه هذا .
ب - إراقة الخمور
رأى صلاح الدين في الأمة انحرافات سلوكية ، فكانت الخمور والخمارات ، وكان الفساد والانحراف مستشرياً ، يضعف في الأمة إيمانها ، ويحقق فيها من أسباب البلاء ومن أسباب نزول سخط الله ، وارتفاع رحمته ، وبُعد نصره - سبحانه وتعالى - الشيء الكثير، فكان من جملة أعماله المباركة أن وجَّه جهوده للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإزالة أسباب الفساد ، فأغلق الحانات ، ومنع شرب الخمور ، وعاقب المخالفين ، وطهَّر المجتمع المسلم من الإعلان بالحرب على الله - عز وجل - من خلال المجاهرة بالمعاصي ، ولا يمكن أن تتوجه للعدو و السهام مغروسة في ظهرك من أثر هذه المعاصي ، التي ذكر ابن القيم في كتاب [ الجواب الكافي ] من آثارها الوخيمة - ليس على مستوى الفرد بل على مستوى الأمة والكون كله - كلاماً جميلاً لولا ضيق الوقت والمقام لذكرت شيئاً منه .
ج - إحياء الحركة العلمية :
طهر صلاح الدين هذا المجتمع المسلم من هذه الأوضار والمعاصي ، وكان ذلك بمثابة معركة قوية هيأ بها الأمة لحصول النصر ، ثم كان هناك جهالات خاطئة ، وكان هناك ضعف في الناحية العلمية ، وقلة في التعلق بعلم كتاب الله ، وسنة رسول الله وكانت هناك شطحات صوفية ، وكانت هناك خرافات قد عشعشت في العقول ، وغير ذلك من الأمور ، فجعل دأبه أن يقوي وينشط الحركة العلمية التي تقوي الأمة ، وتربطها بكتاب الله ، وبسنة رسول الله -
- وتربطها بعلماءها وقادتها ، ولذلك عمل عملاً كبيراً في تنشيط الحركة
العلمية ، وبنى المدارس التي كثير منها في بلاد الشام ومصر يعود إحيا ؤ ه ا
أو إنشا ؤ ه ا إلى صلاح الدين - رحمة الله عليه - كالمدرسة الأشرفية
والصالحة والعادلية وغيرها وكثيرٌ منها ، وأحيى ما درَس من العلم ، وقوَّى
الحركة العلمية فنشر علم الكتاب والسنة وربط الأمة بسلفها وعلماءها ، ووطد
أركان هذا العلم في المجتمع ، فكان ذلك أيضاً توطئة ومعركة خاضها رحمة
الله عليه .
د - توحيد الرايات:
ثم سعى بعد ذلك إلى معركة الفرقة القاتلة ، حيث كان المسلمون أمارات مختلفة ، وبعضها متنازعة , وبعضها متناحرة ، فسعى إلى ضم بعضها الى بعض , فضم مصر إلى الشام , وأرسل أخاه إلى اليمن , وأخذ اليمن معه ، ثم جمع كثير ا من بلاد المسلمين تحت راية واحدة ، واجتمعت الكلمة عليه ، وانضوى تحته الأمراء والقادة , فتقدمت الأمة حينئذ بأسباب النصر .. ثقة بالله عز وجل ، وتحققاً بصدق الارتباط به ، وصحة الاعتقاد فيه سبحانه وتعالى ، ثم بارتباط بكتاب الله ، وسنة رسوله -
- علماً ونشراً ودعوة ، ثم بتطهير المجتمع من المعاصي والمفاسد ، ثم
بتوحيد الأمة تحت راية واحدة ، فلم تكن بعد ذلك حطين إلا تحصيل حاصل .
هـ - التحريض والحث :
وختاماً لهذه الجهود التي قام بها صلاح الدين ، ولعلنا - أيضاً - نقف مع ومضات تاريخية ، نرى فيها هذه الصورة كيف اجتمعت في صلاح الدين ؟ وكيف كان حال الأمة في ذلك الوقت ؟ بعد أن رأينا ومضات من حالها وقت سقوطها ، فمما ورد في هذا الشأن أن النصارى بنوا حصنا بجوار دمشق ، وبدأوا يناوشون ملك حماة الملك المظفر ، فكتب إليهم طالباً أن يهدموا هذا الحصن ، فقال : نعم نهدمه، ولكن تدفع لنا أجرة بناءه ، فدفع لهم مائة ألف فطمعوا وزادوا ، فكتب إلى صلاح الدين يستشيره - إذ كان صلاح الدين مرجعاً ل ه ولكثير من الأمراء - في أن يدفع لهم أو يزيد ؟ فقال له صلاح الدين رحمة الله عليه :
" أقول هذا الرأي الذي قد أزمعت عليه ليس بشيء ، وإن الله سيسألك عن إعطائهم هذا المال، تعطي أعداء الله المال لماذا ؟ وأنت قادر على المسير إليهم , والرأي أن تصرف هذا المال على الأجناد , وترغبهم في الجهاد، بدل أن تصرف المال لأعداء الله أعد العدة لذلك , وسر بعساكرك إليهم , والله في معونتك ونصرك " .
و - التأليب والتحفيز :
ثم يصور لنا صلاح الدين كيفية حثه للأمراء للمشاركة في هذه المعركة ـ حطين - في رسالة له إلى المظفر صاحب مصر في سنة 579 هـ يقول :
"وقد كاتبنا أمراء الأطراف باستعدادهم لاستدعائهم ، وأن يحزموا بجميع العساكر أوامرهم لأمرائهم ـ فماذا كانت النتيجة ؟ - فما منهم إلا من يسابق إلى تلبية النداء ، ويسارع إلى إجابة الدعاء ، ويعشق لقاء الأعداء , .. لا عشق لقاء الأحبة " .
يعشق لقاء الأعداء أكثر من عشقه لقاء الأحبة ! إذاً قد سرت في الأمة روحاً جديدة لم تكن موجودة فيها وقت سقوطها ؛ لأن بيت المقدس لم يكن لقوة النصارى ، فقد جاء النصارى من أواسط آسيا ، ووصلوا إلى بيت المقدس وقد هُدَّت قواهم ، وقد لاقوا بعض المجاعة في الطريق ، وجاءوا في صورة مرهقة ومتعبين ، ولكن وجد من هم أضعف منهم ، ومن هم أشد في التعب منهم ، فانتصروا عليهم ، وتماماً مثل الجدار المتصدع إذا وضعت يدك على مثل هذا الجدار سقط ، وليس هذا من قوة يدك , ولكن من قوة ذلك الجدار ، وما انتصر على أمة الإسلام إلا لضعفها لا لقلة أعداءها ، فهنا ذكر لنا صلاح الدين في استجابة الأمة .
ز - قيادة علمية على طريق النصر :
ثم انظروا إلى دور العلماء في عهد صلاح الدين .. جعل لهم مكانتهم البارزة ، وجعل لهم قيادتهم الرائدة، وجعل لهم كلمتهم المسموعة ، كتب القاضي العادل إلى صلاح الدين يقول له : " إن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته ، ولا تفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه ، والامتثال لأمر شريعته ـ العالم يقول للقائد والأمير - و المعاصي في كل مكان بادية , والمظالم في كل موضع فاشية " .
يعني لا بد أولاً أن تصلح هذا الجانب ، وأن تصحح هذه الأوضاع الخاطئة .
ويقول في رسالة أخرى يشخص الداء الذي في الأمة قبل أن تواجه أعداءها : " إنما أوتينا من قبل أنفسنا ، ولو صدقنا لعجل الله لنا عواقب صدقنا ، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به " .
ويقول له أيضا : "ولا يغتر بكثرة العساكر والأعوان ، ولا فلان الذي يعتمد عليه أن يقاتل فلان ، فكل هذه مشاغل وليس بها النصر ، وإنما النصر من عند الله ولا نُؤمَن أن يكلنا الله إليها والنصر به واللطف منه ، واستغفر الله تعالى من ذنوبنا ، فلو لا أنها تسد طريق دعاءنا لكان جواب دعاءنا قد نزل ، وفيض دموع الخاشعين قد غسل " .
هذه القيادة العلمية الراشدة الموجِّهة التي تكشف الخلل ، وتبين الخطأ ، وتدعو إلى الإصلاح الذي فيه صلاح ما في الأمة وخالقها قبل أن يدخلوا في معركة مع الأعداء هذه القيادة يكون لها دور كبير في النصر .
ح - تحريض وإباء تحت الحصار :
ثم انظروا إلى روح الأمة في ذلك الوقت ، المحاصرون في عكا حوصروا حصاراً شديداً ، ما بلغ شدة الحصار من نفوسهم وعزائمهم ، وكانوا يستنجدون بصلاح الدين ليفكوا عنهم الحصار ، فكتبوا إليه يقولون له :
" إنا قد تبايعنا على الموت، ونحن لا نزال نقاتل حتى نقتل، ولا نسلم هذا البلد أحياء ، فأبصروا كيف تصنعون في شغل العدو عنا، ودفعه عن قتالنا ـ ثم المحاصرون هؤلاء المستضعفون ماذا يقولون لصلاح الدين، فهذه عزائمنا وإياكم أن تخضعوا لهذا العدو، أو تلينوا له فأما نحن فقد فات أمرنا ـ نحن قد بعنا أنفسنا لله وتبايعنا على الجهاد، فلا تلينوا للعدو ولا تضعفوا أبداً " .
ط - روح لا تَكِلَّ تجاه من كلّ :
ثم نجد هذه الصور واضحة جداً في قوة المسلمين وترابطهم , وارتباطهم بالله سبحانه وتعالى ، من ذلك ما تشير إليه وقائع التاريخ أن صلاح الدين كاتبه أحد ملوك النصارى عندما كان يحاصر عسقلان ، وقد أراد هذا الملك أن يكتب صلحاً مع ه قبل الشتاء حتى يرجع إلى بلده ، فأرسل إلى صلاح الدين رسولاً يقول له : إن لم يكتب الصلح في هذه الأيام القريبة وإلا سيضطر مولانا إلى أن يشتي في هذه البلاد - يعني سيدركه الشتاء ولا يستطيع أن يتحرك أو ينتقل - فماذا كتب له صلاح الدين ؟ كتب له كتاباً نفيساً وملفتاً، يقول :
" أما النزول عن عسقلان - يعني ترك الحصار - فلا سبيل إليه ، وأما تشتيته- يعني بقاءه هو وجنده في هذه البلاد - فلا بد منه ؛ لأنه قد استولى على هذه البلاد , ويعلم أنه متى غاب عنها أخذت بالضرورة ، وإذا أقام ـ إن شاء الله ـ يعني إن ذهب أو بقي ف سيأخذها المسلمون بإذن الله عز وجل" ..
ثم يقول : " وإذا سهل عليه أن يشتي هنا ، ويبعد عن أهله ووطنه مسيرة شهرين وهو شاب في عنفوان شبابه ووقت اقتناص لذاته، ما أسهل عليّ ، أن أشتي وأصيف وأنا وسط بلادي , وعندي أولادي وأهلي، وأنا أعتقد أني في أعظم العبادات، ولا أزال كذلك حتى ينزل الله نصره " .
من أهازيج النصر :
هذه روح الأمة ومواقفها في ذلك الوقت ، ولما كتب الله لهم النصر ما طغوا ، ولا بغوا ، ولا جحدوا نعمة الله عز وجل ، ولا فسقوا ، ولا فجروا ، بل صورت لنا كتب التاريخ والمراسلات في ذلك الوقت ما صنع المسلمون ، وبأي شيء فرحوا ؟ ولم يفرحوا بالبلاد ولا بالأموال ، وإنما فرحوا بنصرة دين الله ، وتطهير مساجد المسلمين من أوضار المسيحية والتثليث .
فكتب القاضي الفاضل يهنئ صلاح الدين بحطين ، ويقول له عن أهل مصر في مصر :
"والرؤوس إلى الآن لم ترفع من سجودها ، والدموع لم تمسح من خدودها شكراً لله عز وجل" .
ويقول هو عن نفسه أي صلاح الدين :
"وكلما فكر الخادم أن البِيَع (يعني الكنائس ) تعود مساجد ، والمكان الذي يقال فيه : إن الله ثالث ثلاثة، يقال فيه : أنه الإله الواحد" قال : إن ه لا يوجد أعظم من هذا الفرح , ولا أجمل منه .
ولما كتب يبشر أخاه بالنصر قال له : "وعاد الإسلام بإسلام بيت المقدس إلى تقديسه ، ووضع بنيان التقوى إلى تأسيسه ، وزوال ناموس ناقوسه ، زالت النصرانية ، وبطل بنص النصر قياس قسيسه ، ودنا المسجد الأقصى للراكع والساجد ، وامتلأ ذلك الفناء بالأتقياء الأماجد ، وطنت أوطانه بقراءة القرآن ورواية الحديث ، وذكر الدروس وحديث هدي الهدى ، وزارها شهر رمضان ، مضيفاً لها نهارها بالتسبيح وليل فطرها بالتراويح " كانت هذه إذن الصورة .
واستدعى المهنئون تاريخ الأمة ، وقال الخطيب القاضي زكي الدين في أول خطبة في المسجد الأقصى بعد فتحه وتحريره ، قال مخاطباً صلاح الدين :
"جددتم للإسلام أيام القادسية ، والملامح اليرموكية ، والمنازلات الخيبرية ، والهجمات الخالدية ، فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ، فاقدروا هذه النعمة حق قدرها ، وقوموا لله تعالى بواجب شكرها ، فله المنة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة " إذا رأينا كيف تحقق النصر عندما جاءت هذه الصورة بعد تهيئة أسبابها .
سقوط بغداد :
أكثر تأثيراً وأعمق في تجلية صورة الهزيمة والنصر، ما ذكر ابن كثير في حوادث شهر محرم من عام 656 هـ , والحقيقة أن نص ابن كثير يغني عن كل تعليق ، وكل ما نذكره هنا من هذه الوقائع ينبغي أن نربطه بواقع الأمة ، ولا يحتاج ذلك لا إلى تعليق ولا إلى تفصيل ، بل إن الناظر يرى ذلك أمام عينيه ، ويسمع أحداث ما يقع للمسلمين بإذنيه ، فلا يكاد يخطئ شيئاً من ذلك أبداً ، والتاريخ يعيد نفسه ؛ لأن الأمر مرتبط بسنة الله - عز وجل - ولن تجد لسنة الله تبديلاً ، ولن تجد لسنة الله تحويلاً ، يقول ابن كثير في وصفه هذه الوقعة :
"جاء التتار إلى بغداد ، وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل، يساعدونهم على البغاددة، ومعه ميرته وهداياه وتحفه، وكل ذلك خوفاً على نفسه من التتار، ومصانعة لهم قبحه الله " .
المصدر : موقع إسلاميات
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
بقلم : د . علي بن عمر بادحدح
الوقفة الثالثة : مفاصل في تاريخ الأمة المسلمة :
وهي لبّ موضوعنا , نريد أن نقف في بعض المفاصل التاريخية لنقرأ بين السطور - كما ذكرت - ماذا وقع في الهزائم ؟ وكيف وقعت الانتصارات في تاريخ الأمة المسلمة ؟ هذه المفاصل كثيرة سأذكر منها اثنين بالتفصيل , وإن سنح الوقت ذكرناً ثالثاً .
1 ـ ما يتعلق بسقوط بيت المقدس.
2 ـ سقوط بغداد.
3 ـ موقعة شقحب.
لأن في هذه الوقائع دروساً عظيمة جداً
سقوط بيت المقدس :
لمحات من واقع المسيحيين قبل السقوط :
في بيت المقدس لننظر كيف كان توجُّه المسيحيين في ذلك الوقت ؟ وكيف توجهوا لقتال المسلمين ؟ وبأي منطق وتحت أي مبدأ تجمعوا ؟ نقرأ في سطور التاريخ , وفي وقائعه ، ما ينبئنا عن أن في كل جولة لا بد من تحقق الأسباب ، ومن رؤية معالم هي التي تكون بها الهزيمة، أو يقع بها بعد إذن الله - عز وجل – النصر ..
تجمع المسيحيون تحت راية المسيحية وتنادوا باسمها ، وهذا المكمن الذي ينبغي أن يعلم المسلمون أنه لا نصر لهم إلا تحت راية الإسلام ، وإلا أن يتنادوا باسم نصر العقيدة والإيمان ، أما غير ذلك فقد رأت الأمة هذه الصورة ، وتجرعت مرارتها حينما تجمعت مرة باسم القومية ، وثانية باسم البعثية ، وثالثة باسم الاشتراكية ، فهوت كل واحدة بها إلى هاوية , وبُعدٍ سحيق ، هنا في ذلك الوقت ماذا كان من المسيحيين ؟ نجد أن إمبراطور القسطنطينية يبعث إلى ملك آخر من ملوك المسيحية في ذلك الوقت، ويناديه بنداء , يستصرخ فيه الهمة بقتال المسلمين ، فماذا يقول إلى رجال الدين والدنيا :
" تحية وسلاماً أيها السيد العظيم حامي حمى العقيدة المسيحية , أود أن أحيطك علماً بما وصل إليه تهديد الأتراك - يعني السلاجقة المسلمون - للإمبراطورية المسيحية المقدسة، فهم يعملون فيها السلب والتخريب كل يوم، ويتوغلون في أراضيها دون انقطاع , وكم من مذابح وتقتيل وجرائم تفوق حد الوصف يقترفونها، ضد المسيحيين الإغريق" .
وهذا أكثره كذبا ، فضلاً عن السخرية والتحقير ؛ فإنهم يذبحون الأطفال والشباب داخل أماكن التعميد ، حيث يريقون دماء القتلى محتقرين بذلك المسيح، ثم يقول :
"لذا أستحلفك بمحبة الله ، وباسم جميع المسيحيين الإغريق أن تمد لنا وللمسيحيين الإغريق العون والمساعدة ، وذلك بتقديم جميع جنود المسيحيين من كبير وصغير، فضلاً عن العامة ممن يتسنَّى جمعهم من بلادك" .
فهذا تنادٍ باسم الإيمان والعقيدة الباطلة ، وتنادٍ بالنصرة بالقوة الفعلية المؤثرة ، وليس بمجرد القول أو الشجب أو الاستنكار أو البيانات ، وليس تحت راية علمانية أو اشتراكية أو غيرها ، فهكذا كان تجمُّعُهم في ذلك الوقت ، وكانت نظرة حديثهم بل إن الذين كانوا يقودون تلك الحروب ويؤججونها ضد المسلمين هم زعماء الدين ، فهذا البابا أور ب ان الثاني أيضاً يوجِّه في مؤتمر كلير مونت ، في ذلك الوقت نداءه إلى أبناء الملة المسيحية كلها :
"يا شعب الفرنجة .. شعب الله المحبوب المختار، لقد جاءت من تخوم الصين ومن مدينة القسطنطينية أنباء محزنة تعلن أن جنساً لعيناً ـ يقصد به المسلمين - أبعد ما يكون عن الله , قد طغى وبغى في تلك البلاد - أي بلاد المسيحيين - وخرّبها بما نشره فيها من أعمال السلب والحرائق ، ولقد ساقوا بعض الأسرى إلى بلادهم ، وقتلوا بعضهم الآخر بعد أن عذبوهم اشنع تعذيب ، وهم يهدمون المذابح والكنائس بعد أن يدنسوها برجسهم" .
إذاً مرة أخرى نداء العاطفة العقدية الإيمانية، ثم يقول :
"ألا فليكن لكم من أعمال أسلافكم ما يقوِّي قلوبكم ، أمجاد شارلمان وعظمته , وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم , فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا " تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
هنا مبدأ مهم ، وهو القدوات التاريخية التي ترتبط بها الأمة ؛ فتثير بذلك في النفوس الهمة والعزيمة . واليوم يغيَّر التاريخ , ويدلَّس لتغيَّب القدوات الصالحة ، ويغيَّب الأئمة من العلماء ، ويغيَّب القوَّاد من المجاهدين ، وتظهر القدوات الفاسدة ، التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر ، بل حقيقة دورها أنها تشوه وتمسخ ، وأنها تغتال وتقتل كل قيمة إيمانية ، وكل همة وعزيمة وقوة في صفوف الأمة ... ولو قلنا هذا الكلام للمسلمين لكانوا أولى به وأحرى .
ثم يقول بعد ذلك : "طهروا قلوبكم إذاًَ من أدران الحقد ، واقضوا على ما بينكم من نزاع ، واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس ، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث " .
إذاً طالبهم بأن يزيلوا الأحقاد ، وأن يمنعوا الخلاف , والنزاع لتتوحد الصفوف , ونصب لهم هدفاً يهمُّهم ويُشغل بالهم ، حتى تتلاشى الأسباب الثانوية العارضة للاختلافات التي يثيرها الأعداء ليفرقوا صفوف الأمة ، هذه صورة موجزة لما كانوا يتنادون به .
لمحات من واقع المسلين بعد السقوط :
ـ أمة قتلت عميدها :
هذه صورتهم ف ماذا كانت صورة الأمة المسلمة ؟؟؟ في ومضات أيضاً ، كان الملك ( أحد ملوك المسلمين ) حاكماً للموصل في ذلك الوقت ، وأراد بعد سقوط بيت المقدس , أراد أن يجمع الجيوش لمحاربة النصارى ، لكن الأسباب كانت كثيرة , غير مهيأة ولا مواتية ، فماذا حصل ؟ قُتل هذا الملك المسلم في يوم العيد بعد الصلاة في وسط المسجد غيلة ، فماذا وقع ؟ كتب ملك الفرنجة إلى من جاء بعده طغطكين ( ملك مسلم جاء بعده ) كتاباً فيه كلمات موجزة ، لكنها تُنْبؤ عن أن القوم كانوا ينظرون إلى أسباب الهزيمة لائحة أمام أعينهم ، فقال كلاماً جميلاً ذكره ابن كثير رحمة الله عليه يقول :
"إن أمة قتلت عميدها في يوم عيدها , في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها" .
كيف تنتصر وبينها هذه الخلافات ؟ !! كيف تنتصر والأحقاد تتسلط عليها ؟ !! كيف تنتصر وهي ليست موجهة نحو إعلاء كلمة الله ، ورعاية مصلحة الأمة المسلمة ؟!! وفي نفس الوقت أيضاً انظر إلى الصورة المقابلة عندما هيأ الله - عز وجل - بعض أسباب النصر .
صور قبل معركة حطين :
أ - خلاص قبل الاستخلاص :
ننتقل إلى الوقت الذي جاء فيه نصر الله عز وجل ، وكلنا نعلم أن النصر وتخليص بيت المقدس جاء بقدر الله على يد صلاح الدين ، والناس كلهم يقولون : جاء صلاح الدين , وانتصر في يوم حطين , وخلص القدس من الصليبيين ، وكأن المسألة انحصرت في تلك المسألة التي خاضها صلاح الدين - رحمة الله عليه - والأمر ليس كذلك ، إن صلاح الدين خاض قبل هذه المعركة أربع معارك هي أشد وأشرس وأقوى ، وهي من أعظم ما هيأ النصر لذلك اليوم العظيم في يوم حطين ، لم يأت صلاح الدين هكذا ليجمع الجيوش بالقوة ثم ينتصر بعد ذلك ، بل حارب في مواقع أربعة قبل أن يلاقي النصارى في حطين .. حارب الكيانات الفاسدة ، وحارب الجهالات الخاطئة ، وحارب الانحرافات المفسدة ، وحارب كذلك الفِرْقة القاتلة والناخرة في الصف .
وسأذكر ذلك بشيء من الإيجاز .. حارب الكيانات الفاسدة ، التي كانت تعمل في الأمة من الفساد والتدمير أكثر مما يعمله أعداءها ؛ لأن في حقيقة الأمر كان مما هيأ الله - عز وجل - لصلاح الدين وأجرى على يديه أن قوَّض الدولة الفاطمية العبيدية الرافضية ، التي أضاف إليها الذهبي في سير أعلام النبلاء لفظ " اليهودية " ، قبل أن يتوجه إلى بيت المقدس أزال هذا الورم السرطاني الذي ظل يرزح على الأمة المسلمة وفي بلادها دهراً طويلاً ، وعاث فيها فساداً في الاعتقاد ، وتخريباً لمقدرات الأمة ، وممالئة لأعدائها ، فتوجه صلاح الدين - رحمة الله عليه - ومهد له من قبل نور الدين زنكي ، توجه أولاً ليستأصل هذه الدولة الرافضية ، وبالفعل قوَّض مُلكها ، ودخل مصر فاتحاً ، وألغى وجودها من التاريخ ، وجعلها صفحات مذكورة في طيَّات التاريخ ، ولم تقم لهم - بحمد الله -قائمة في عهده وإلى سنوات طويلة بعده ـ رحمة الله عليه ـ فقد وجه هذا .
ب - إراقة الخمور
رأى صلاح الدين في الأمة انحرافات سلوكية ، فكانت الخمور والخمارات ، وكان الفساد والانحراف مستشرياً ، يضعف في الأمة إيمانها ، ويحقق فيها من أسباب البلاء ومن أسباب نزول سخط الله ، وارتفاع رحمته ، وبُعد نصره - سبحانه وتعالى - الشيء الكثير، فكان من جملة أعماله المباركة أن وجَّه جهوده للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإزالة أسباب الفساد ، فأغلق الحانات ، ومنع شرب الخمور ، وعاقب المخالفين ، وطهَّر المجتمع المسلم من الإعلان بالحرب على الله - عز وجل - من خلال المجاهرة بالمعاصي ، ولا يمكن أن تتوجه للعدو و السهام مغروسة في ظهرك من أثر هذه المعاصي ، التي ذكر ابن القيم في كتاب [ الجواب الكافي ] من آثارها الوخيمة - ليس على مستوى الفرد بل على مستوى الأمة والكون كله - كلاماً جميلاً لولا ضيق الوقت والمقام لذكرت شيئاً منه .
ج - إحياء الحركة العلمية :
طهر صلاح الدين هذا المجتمع المسلم من هذه الأوضار والمعاصي ، وكان ذلك بمثابة معركة قوية هيأ بها الأمة لحصول النصر ، ثم كان هناك جهالات خاطئة ، وكان هناك ضعف في الناحية العلمية ، وقلة في التعلق بعلم كتاب الله ، وسنة رسول الله وكانت هناك شطحات صوفية ، وكانت هناك خرافات قد عشعشت في العقول ، وغير ذلك من الأمور ، فجعل دأبه أن يقوي وينشط الحركة العلمية التي تقوي الأمة ، وتربطها بكتاب الله ، وبسنة رسول الله -
- وتربطها بعلماءها وقادتها ، ولذلك عمل عملاً كبيراً في تنشيط الحركة
العلمية ، وبنى المدارس التي كثير منها في بلاد الشام ومصر يعود إحيا ؤ ه ا
أو إنشا ؤ ه ا إلى صلاح الدين - رحمة الله عليه - كالمدرسة الأشرفية
والصالحة والعادلية وغيرها وكثيرٌ منها ، وأحيى ما درَس من العلم ، وقوَّى
الحركة العلمية فنشر علم الكتاب والسنة وربط الأمة بسلفها وعلماءها ، ووطد
أركان هذا العلم في المجتمع ، فكان ذلك أيضاً توطئة ومعركة خاضها رحمة
الله عليه .د - توحيد الرايات:
ثم سعى بعد ذلك إلى معركة الفرقة القاتلة ، حيث كان المسلمون أمارات مختلفة ، وبعضها متنازعة , وبعضها متناحرة ، فسعى إلى ضم بعضها الى بعض , فضم مصر إلى الشام , وأرسل أخاه إلى اليمن , وأخذ اليمن معه ، ثم جمع كثير ا من بلاد المسلمين تحت راية واحدة ، واجتمعت الكلمة عليه ، وانضوى تحته الأمراء والقادة , فتقدمت الأمة حينئذ بأسباب النصر .. ثقة بالله عز وجل ، وتحققاً بصدق الارتباط به ، وصحة الاعتقاد فيه سبحانه وتعالى ، ثم بارتباط بكتاب الله ، وسنة رسوله -
- علماً ونشراً ودعوة ، ثم بتطهير المجتمع من المعاصي والمفاسد ، ثم
بتوحيد الأمة تحت راية واحدة ، فلم تكن بعد ذلك حطين إلا تحصيل حاصل .هـ - التحريض والحث :
وختاماً لهذه الجهود التي قام بها صلاح الدين ، ولعلنا - أيضاً - نقف مع ومضات تاريخية ، نرى فيها هذه الصورة كيف اجتمعت في صلاح الدين ؟ وكيف كان حال الأمة في ذلك الوقت ؟ بعد أن رأينا ومضات من حالها وقت سقوطها ، فمما ورد في هذا الشأن أن النصارى بنوا حصنا بجوار دمشق ، وبدأوا يناوشون ملك حماة الملك المظفر ، فكتب إليهم طالباً أن يهدموا هذا الحصن ، فقال : نعم نهدمه، ولكن تدفع لنا أجرة بناءه ، فدفع لهم مائة ألف فطمعوا وزادوا ، فكتب إلى صلاح الدين يستشيره - إذ كان صلاح الدين مرجعاً ل ه ولكثير من الأمراء - في أن يدفع لهم أو يزيد ؟ فقال له صلاح الدين رحمة الله عليه :
" أقول هذا الرأي الذي قد أزمعت عليه ليس بشيء ، وإن الله سيسألك عن إعطائهم هذا المال، تعطي أعداء الله المال لماذا ؟ وأنت قادر على المسير إليهم , والرأي أن تصرف هذا المال على الأجناد , وترغبهم في الجهاد، بدل أن تصرف المال لأعداء الله أعد العدة لذلك , وسر بعساكرك إليهم , والله في معونتك ونصرك " .
و - التأليب والتحفيز :
ثم يصور لنا صلاح الدين كيفية حثه للأمراء للمشاركة في هذه المعركة ـ حطين - في رسالة له إلى المظفر صاحب مصر في سنة 579 هـ يقول :
"وقد كاتبنا أمراء الأطراف باستعدادهم لاستدعائهم ، وأن يحزموا بجميع العساكر أوامرهم لأمرائهم ـ فماذا كانت النتيجة ؟ - فما منهم إلا من يسابق إلى تلبية النداء ، ويسارع إلى إجابة الدعاء ، ويعشق لقاء الأعداء , .. لا عشق لقاء الأحبة " .
يعشق لقاء الأعداء أكثر من عشقه لقاء الأحبة ! إذاً قد سرت في الأمة روحاً جديدة لم تكن موجودة فيها وقت سقوطها ؛ لأن بيت المقدس لم يكن لقوة النصارى ، فقد جاء النصارى من أواسط آسيا ، ووصلوا إلى بيت المقدس وقد هُدَّت قواهم ، وقد لاقوا بعض المجاعة في الطريق ، وجاءوا في صورة مرهقة ومتعبين ، ولكن وجد من هم أضعف منهم ، ومن هم أشد في التعب منهم ، فانتصروا عليهم ، وتماماً مثل الجدار المتصدع إذا وضعت يدك على مثل هذا الجدار سقط ، وليس هذا من قوة يدك , ولكن من قوة ذلك الجدار ، وما انتصر على أمة الإسلام إلا لضعفها لا لقلة أعداءها ، فهنا ذكر لنا صلاح الدين في استجابة الأمة .
ز - قيادة علمية على طريق النصر :
ثم انظروا إلى دور العلماء في عهد صلاح الدين .. جعل لهم مكانتهم البارزة ، وجعل لهم قيادتهم الرائدة، وجعل لهم كلمتهم المسموعة ، كتب القاضي العادل إلى صلاح الدين يقول له : " إن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته ، ولا تفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه ، والامتثال لأمر شريعته ـ العالم يقول للقائد والأمير - و المعاصي في كل مكان بادية , والمظالم في كل موضع فاشية " .
يعني لا بد أولاً أن تصلح هذا الجانب ، وأن تصحح هذه الأوضاع الخاطئة .
ويقول في رسالة أخرى يشخص الداء الذي في الأمة قبل أن تواجه أعداءها : " إنما أوتينا من قبل أنفسنا ، ولو صدقنا لعجل الله لنا عواقب صدقنا ، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به " .
ويقول له أيضا : "ولا يغتر بكثرة العساكر والأعوان ، ولا فلان الذي يعتمد عليه أن يقاتل فلان ، فكل هذه مشاغل وليس بها النصر ، وإنما النصر من عند الله ولا نُؤمَن أن يكلنا الله إليها والنصر به واللطف منه ، واستغفر الله تعالى من ذنوبنا ، فلو لا أنها تسد طريق دعاءنا لكان جواب دعاءنا قد نزل ، وفيض دموع الخاشعين قد غسل " .
هذه القيادة العلمية الراشدة الموجِّهة التي تكشف الخلل ، وتبين الخطأ ، وتدعو إلى الإصلاح الذي فيه صلاح ما في الأمة وخالقها قبل أن يدخلوا في معركة مع الأعداء هذه القيادة يكون لها دور كبير في النصر .
ح - تحريض وإباء تحت الحصار :
ثم انظروا إلى روح الأمة في ذلك الوقت ، المحاصرون في عكا حوصروا حصاراً شديداً ، ما بلغ شدة الحصار من نفوسهم وعزائمهم ، وكانوا يستنجدون بصلاح الدين ليفكوا عنهم الحصار ، فكتبوا إليه يقولون له :
" إنا قد تبايعنا على الموت، ونحن لا نزال نقاتل حتى نقتل، ولا نسلم هذا البلد أحياء ، فأبصروا كيف تصنعون في شغل العدو عنا، ودفعه عن قتالنا ـ ثم المحاصرون هؤلاء المستضعفون ماذا يقولون لصلاح الدين، فهذه عزائمنا وإياكم أن تخضعوا لهذا العدو، أو تلينوا له فأما نحن فقد فات أمرنا ـ نحن قد بعنا أنفسنا لله وتبايعنا على الجهاد، فلا تلينوا للعدو ولا تضعفوا أبداً " .
ط - روح لا تَكِلَّ تجاه من كلّ :
ثم نجد هذه الصور واضحة جداً في قوة المسلمين وترابطهم , وارتباطهم بالله سبحانه وتعالى ، من ذلك ما تشير إليه وقائع التاريخ أن صلاح الدين كاتبه أحد ملوك النصارى عندما كان يحاصر عسقلان ، وقد أراد هذا الملك أن يكتب صلحاً مع ه قبل الشتاء حتى يرجع إلى بلده ، فأرسل إلى صلاح الدين رسولاً يقول له : إن لم يكتب الصلح في هذه الأيام القريبة وإلا سيضطر مولانا إلى أن يشتي في هذه البلاد - يعني سيدركه الشتاء ولا يستطيع أن يتحرك أو ينتقل - فماذا كتب له صلاح الدين ؟ كتب له كتاباً نفيساً وملفتاً، يقول :
" أما النزول عن عسقلان - يعني ترك الحصار - فلا سبيل إليه ، وأما تشتيته- يعني بقاءه هو وجنده في هذه البلاد - فلا بد منه ؛ لأنه قد استولى على هذه البلاد , ويعلم أنه متى غاب عنها أخذت بالضرورة ، وإذا أقام ـ إن شاء الله ـ يعني إن ذهب أو بقي ف سيأخذها المسلمون بإذن الله عز وجل" ..
ثم يقول : " وإذا سهل عليه أن يشتي هنا ، ويبعد عن أهله ووطنه مسيرة شهرين وهو شاب في عنفوان شبابه ووقت اقتناص لذاته، ما أسهل عليّ ، أن أشتي وأصيف وأنا وسط بلادي , وعندي أولادي وأهلي، وأنا أعتقد أني في أعظم العبادات، ولا أزال كذلك حتى ينزل الله نصره " .
من أهازيج النصر :
هذه روح الأمة ومواقفها في ذلك الوقت ، ولما كتب الله لهم النصر ما طغوا ، ولا بغوا ، ولا جحدوا نعمة الله عز وجل ، ولا فسقوا ، ولا فجروا ، بل صورت لنا كتب التاريخ والمراسلات في ذلك الوقت ما صنع المسلمون ، وبأي شيء فرحوا ؟ ولم يفرحوا بالبلاد ولا بالأموال ، وإنما فرحوا بنصرة دين الله ، وتطهير مساجد المسلمين من أوضار المسيحية والتثليث .
فكتب القاضي الفاضل يهنئ صلاح الدين بحطين ، ويقول له عن أهل مصر في مصر :
"والرؤوس إلى الآن لم ترفع من سجودها ، والدموع لم تمسح من خدودها شكراً لله عز وجل" .
ويقول هو عن نفسه أي صلاح الدين :
"وكلما فكر الخادم أن البِيَع (يعني الكنائس ) تعود مساجد ، والمكان الذي يقال فيه : إن الله ثالث ثلاثة، يقال فيه : أنه الإله الواحد" قال : إن ه لا يوجد أعظم من هذا الفرح , ولا أجمل منه .
ولما كتب يبشر أخاه بالنصر قال له : "وعاد الإسلام بإسلام بيت المقدس إلى تقديسه ، ووضع بنيان التقوى إلى تأسيسه ، وزوال ناموس ناقوسه ، زالت النصرانية ، وبطل بنص النصر قياس قسيسه ، ودنا المسجد الأقصى للراكع والساجد ، وامتلأ ذلك الفناء بالأتقياء الأماجد ، وطنت أوطانه بقراءة القرآن ورواية الحديث ، وذكر الدروس وحديث هدي الهدى ، وزارها شهر رمضان ، مضيفاً لها نهارها بالتسبيح وليل فطرها بالتراويح " كانت هذه إذن الصورة .
واستدعى المهنئون تاريخ الأمة ، وقال الخطيب القاضي زكي الدين في أول خطبة في المسجد الأقصى بعد فتحه وتحريره ، قال مخاطباً صلاح الدين :
"جددتم للإسلام أيام القادسية ، والملامح اليرموكية ، والمنازلات الخيبرية ، والهجمات الخالدية ، فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ، فاقدروا هذه النعمة حق قدرها ، وقوموا لله تعالى بواجب شكرها ، فله المنة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة " إذا رأينا كيف تحقق النصر عندما جاءت هذه الصورة بعد تهيئة أسبابها .
سقوط بغداد :
أكثر تأثيراً وأعمق في تجلية صورة الهزيمة والنصر، ما ذكر ابن كثير في حوادث شهر محرم من عام 656 هـ , والحقيقة أن نص ابن كثير يغني عن كل تعليق ، وكل ما نذكره هنا من هذه الوقائع ينبغي أن نربطه بواقع الأمة ، ولا يحتاج ذلك لا إلى تعليق ولا إلى تفصيل ، بل إن الناظر يرى ذلك أمام عينيه ، ويسمع أحداث ما يقع للمسلمين بإذنيه ، فلا يكاد يخطئ شيئاً من ذلك أبداً ، والتاريخ يعيد نفسه ؛ لأن الأمر مرتبط بسنة الله - عز وجل - ولن تجد لسنة الله تبديلاً ، ولن تجد لسنة الله تحويلاً ، يقول ابن كثير في وصفه هذه الوقعة :
"جاء التتار إلى بغداد ، وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل، يساعدونهم على البغاددة، ومعه ميرته وهداياه وتحفه، وكل ذلك خوفاً على نفسه من التتار، ومصانعة لهم قبحه الله " .
المصدر : موقع إسلاميات
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق