الجمعة، 1 أبريل 2016

سلسلة العداء التاريخى بين اثينا واسبرطة 3

سلسلة العداء التاريخى بين اثينا واسبرطة 3



الفصل الثالث

الحروب البلوبونيزية

المبحث الأول

أسباب نشوب الحرب


بحلول عام 431 ق.م كانت أثينا وإسبرطة قوتان كبيرتان في العالم الإغريقي بأسره ، وكان لكل منهما حلفه الخاص ولكل منهما نظام ع السياسي المختلف تمام الاختلاف عن الآخر ولكل منهما مصالحه الاقتصادية المتباينة عن مصالح الآخر

فمن ناحية تنامي القوة كانت أثينا قد تمكنت من تشكيل تكتيل كبير عُرف في التاريخ باسم " حلف ديلوس " نسبة إلى جزيرة ديلوس التي وضعت فيها خزانة الحلف المالية ، وكان هدف أثينا من تشكيل هذا الحلف الاحتفاظ بأسطول قوي يقوم الحلفاء بتمويل تكاليفه والتكفل بصيانته والإنفاق عليه ودفع نفقات الجنود اللازمين له

وكان لأثينا بحكم قوتها الكبيرة ومكانتها العالية وثروتها الطائلة وريادتها الحضارية حق قيادة هذا الحلف وكان لها شرف إمداده بالجنود فيما انحصر دور الحلفاء في الإنفاق المالي ، وأكدت هذه الآلية في عمل الحلف نزعة السيطرة الأثينية على دول الحلف والتي تنامت إلى الحد الذي قامت معه أثينا بإرغام بعض المدن على الانضمام قسراً إلى حلف ديلوس مثلما كان الحال مع مدن كاريسنوس وناكسوس ، وكذلك مدينة ثاسوس التي تم إخضاعها بقوة السلاح عندما أرادت الانفصال عن الحلف

ومع تأكد أدوار حلفي أثينا واسبرطة قامت أثينا بعقد تحالف مع دمدينتي أرجوس وتساليا وكانت هذه الخطوة بالذات مؤشراً خطيراً دق ناقوس الخطر عند اسبرطة لأن أرجوس وتساليا عدوتان كبيرتان لاسبرطة ، وكان لانضمامها إلى أثينا في الحلف معنىً خطيراً يؤكد نوايا أثينا السيئة ضد اسبرطة ، وزاد الأمر سوءاً انسحاب مدينة ميجارا من حلف البلوبونيز وانضمامها إلى حلف ديلوس مما زاد في تردي العلاقات بين أثينا واسبرطة وتبع ذلك قيام أثينا بالسيطرة العسكرية على كورنثا وايجبينا والقيام بضم مدن أخرى غالي حلفها مثل زاكينثوس وكيفالينا مما جعل من أثينا الدولة الأقوى في كل بلاد الإغريق دون منازع

وبالمقابل كانت اسبرطة قد تنامت بدورها بفعل نظامها العسكري الصارم وسيطرت تماماً على مدن شبه جزيرة البلوبونيز مكونة قوة برية هائلة قوامها اقتصاد زراعي يعتمد عل ىملكية الأرض متعارضةً بذلك مع مصالح أثينا التي كانت تعمل على تشجيع المد الديمقراطي المتعارض مع الديكتاتورية العسكرية الاسبرطية ، بالإضافة إلى ما وصلت إلهي أثينا من ازدهار اقتصادي وثراء فاحش جلب إليها الحسد من قبل اسبرطة التي حاولت جاهدةً أن تنافس أثينا بكل الطرق الممكنة

وإن كانت أثينا قد ازدهرت على حساب حليفاتها ونمت فيها كل أوجه الحياة فإن اسبرطة حافظت على نظامها السابق الذي يتسم بالتقشيف ولم يتمكن اقتصادها الزراعي من مقارعة اقتصاد أثينا الذي يعتمد على التجارة والصناعة وموارد المدن الحليفة ، فظلت اسبرطة مدينة فقيرة بالقياس إلى قرينتها أثينا وظلت عملتها تصنع من الحديد ولم تتمكن أبداً من إصدار عملة من الفضة مثلما فعلت أثينا ، ورغم أنها نجحت في قيادة الأساطيل الإغريقية ضد الفرس إلا أن ذلك لم يشفع لها بأن تكون القوة الاقتصادية الأولى لاعتمادها نظاماً اقتصادياً يميل نحو الملكية الجماعية والحد من ملكية الفرد


المبحث الثاني

مجريات الحرب

الحرب الأولى : 459 – 446 ق.م

انتهت حرب الإغريق مع الفرس بانتصار المدن الإغريقية المتحالفة وكانت أثينا هي المستفيد الأكبر من هذا الانتصار إذ تنامت قوة الاقتصادية بشكل كبير ، وتمكن الإغريق من السيطرة تماماً على التجارة البحرية وأصبحت مدينتا كورنثا وإيجبينا أكبر مراكز التجارة في بلاد الإغريق ، وانضم ميناء بيريوس إلى قافلة الموانيء المزدهرة التي كانت تزدحم بالسفن والبضائع اقادمة من كل أرجاء العالم القديم ، وخاصة بعد أن أخلى الفنيقيون الساحة للتجار الإغريق بعد هزيمتهم العسكرية في البحر المتوسط ، فتدفقت الثروات على إقليم اتيكا وأصدرت أثينا عملتها الفضية التي تم تداولها في كل أسواق المتوسط

على العكس من ذلك لم تكن اسبرطة تتمتع بنفس الدرجة من الرخاء لكنها احتفظت بحلفها العسكري مع مدن البلوبونيز وحافظت كذلك على قوتها العسكرية لكنها أصبحت تتخوف من قيام أثينا بتحريض مدن الحلف على الخروج على الطاعة وخاصة أن شعبية " بركليس " زعيم أثينا كانت طاغية وأنه بدأ بالقيام بتحصينات عسكرية وجعل من ميناء " بيريوس " مكاناً محصناً تحسباً لأي مواجهة مع اسبرطة

وقد بدأت المواجهة فعلاً عندما اشتدت المنافسة التجارية بينأثينا وبين إيجينا حليفة اسبرطة الواقعة على الحدود مع أثينا ، وبدأت الحرب وقامت أثينا بحصار إيجينا ثم استولوا علهيا وسيطروا بعد ذلك على ميجارات وبويوتيا رغم أن اسبرطة قامت بواجبها نحو حليفاتها دون أ ن تفلح في إنقاذهما من براثن أثينا

وقد استخدم" بركليس " أسطول أثينا في العمليات العسكرية وفي حصار السفن التجارية التابعة لكورنثا حليفة اسبرطة ، وبلغ من ثقته في قوة أسطوله أنه بعث في نفس الوقت اسطولاً لمساعدة مصر في ثورتها ضد الفرس إلا أن هزيمة أسطوله هناك جعله مجبراً على نقل خزانة الحلف من ديلوس إلى أثينا إلا أن أثينا احتفظت في نحاية الحرب بإيجبينا وبسيطرتها على جزيرة بويوتيا مع اتفاق يقضي بأن تمتد الهدنة لثلاثين عاماً

وإن كان تهذه الحرب قد انتهت فإنها خلفت ورائها مدناً منهكة مثقلة بالديون سواءاً كانت من حلف ديلوس أم من حلف البلونيز ، بالإضافة إلى أن بركليس لم يظهر بنفس مواهبه كقائد سياسي محنك عندما تولى القيادة العسكرية ، ولكنه رغم ذلك بدأ في العمل بكل جدية من أجل إعادة بناء أثينا وبعث القوة في اقتصادها حتى وصلت خلال نصف مدة الهدنة فقط إلى درجة عظيمة من التألق والعظمة في كل مجالات الحضارة وجعلها تتبوأ مكاناً كبيراً في العالم القديم وعرفت مع بركليس عصر الازدهار لا مثيل له ، لكن بعض دول حلف ديلوس أرادات شق عصا الطاعة على أثينا عاملتها بقسوة وأجبرتها على العودة إلى الحلف بالقوة العسكرية وبالغت في معاملتها بما يشبه الاستعباد حتى أنها كانت أحياناً تطرد سكانها ليحل محلهم سكان أثينيون ، وأصدر بركليس قانوناً يقضي بمنح حق المواطنة للأثينين فقط وحرمان سكان المدن الحليفة لأثينا من هذا الحق ، وجعل من أثينا مقراً للمعاملات الإدارية لكل مواطني المدن الحليفة لأثينا مما جعل مواطني هذه الدول يراسلون اسبرطة سراً طالبين عونها للتخلص من سيطرة أثينا

وكانت هذه فرصة ذهبية لاسبرطة التي حسدت أثينا على ثرائها فيما كانت اسبرطة تعيش في وضع اقتصادي صعب تصاحبه أمية بين السكان حيث لم يكن أغلبهم يعرفون القراءة والكتابة فيما كانت علوم الفلسفة والمنطق والرياضيات مزدهرة في أثينا ، كمـا أنهـا كانت بلا أسوار ولا تحصينات .

الحرب الثانية ( 431 – 421 ق.م )

أسست مدينة كورنثا مدينة تابعةً لها في مدينة " كوركيرا " كانت تملك اسطولاً قوياً في ذلك الوقت ، ورغم أن كورنثا تعتبر هي المدينة الأم بالنسبة لكوركيرا إلا أن هذه الأخيرة احتجت عندما تدخلت كورنثا في شؤونها وكعادة المدن الإغريقية دخلت الميدنتان في حرب كبيرة انتصرت فيها كوركيرا فلجأت كورنثا المهزومة إلى حليفتها اسبرطة فيما لجأت كوركيرا إلى أثينا ومعها دول حلف ديلوس التي رحبت بدخول كوركيرا صاحبة الأسطول الكبير ، وهكذا نشبت الحرب وبادر بركليس إلى مهاجمة ميجارا وطرد تجارها من موانيء الإمبراطورية الأثينية فأفلست ميجارات وأتهم أعضاء حلف البلوبونيز أثينا بنقض الهدنة ،وفي عام 432 ق.م ، اتخذ حلف البلوبونيز قراراً بإعلان الحرب ، وطيلة عام كامل كان الاستعداد للحرب ودخلت مدينة طيبة على الخط وهي حليفة اسبرطة فهاجمت بلاتيا وساءت الأمور بين المدينتين ثم تبعتها العمليات العسكرية المتبادلة بين الحلفين حتى كان الهجوم الكبير لاسبرطة على إقليم اتيكا مما نتج عنه وباء كبير انتشر في أثينا وطال حتى بركليس زعيم أثينا ثم قامت جيوش اسبرطة وحليفاتها بتدمير مزارع إقليم اتيكا لتضرب بذلك مركز التموين وجانباً من الاقتصاد الأثيني

وتبع ذلك وفاة بركليس مما الحق بأثينا خسارة سياسية فادحة لم يتمكن ساستها من تغطيتها ، ومع استمرار الهجوم الاسبرطي على أثينا وتركزه هذه المرة على بلاتيا التي لم يصلها عون أثينا فاستسلمت وتعرضت لانتقام جنود مدينة طيبة ثم الحق السطول الثيني هزيمة كبيرة بأسطول البلوبونيز إلا أ نذلك لم يمنع جزيرة ليزبوس من الثورة على حلف ديلوس فأحكمت أثينا عليها الحصار واحتلاها من جديد وتبع ذلك الكثير من الاضطرابات داخل حلف ديلوس أنهكت قوة أثينا ثم كانت الهدنة الثانية التي نصت على معاهدة سلام يستمر لمدة خمسين عاماً وإطلاق سراح الأسرى من الجانبين وهو ما عرف باسم سلام نكياس . ( )


الحرب الثالثة ( 421 – 404 ق.م )

رفضت كورنثا وميجارا وبيوتيا أن توافق على المعاهدة فأدى ذلك إلى تغير في التحالفات توج بتوقيع اسبرطة معاهدة دفاع مع أثينا حلت على إثرها العصبة البلوبونيزية وتغيرت خارطة التحالفات بين المدن إلا أن أثينا نقضت اتفاقها مع اسبرطة فوقعت الحرب مجدداً بينهما وهذه المرة عبر سيراكوزا التي انتصر أسطولها على أسطول أثينا مما أنهك أثينا تماماً وعرضها للفوضى وافقدها الحلفاء فهاجمتها اسبرطة هجوماً نهائياً وكان بإمكانها تدميرها تماماً وبيع أهلها كعبيد في السواق إلا أنها اكتفت بإجبارها على التنازل عن أسطولها والاكتفاء باثنتي عشر سفينة فقط وأن تصبح حليفة لاسبرطة


الخاتمة

كانت طبيعة بلاد الإغريق بسلاسل جبالها المتصلة الممتدة من الشرق إلى الغرب وتقاطعها من الشمال إلى الجنوب مثل جبال جرانيه وجبال كراته وجبال كثيرون وجيال هليكون وجيال بندوس ، مما جعلها تنقسم إلى مناطق صغيرة منعزلة عن بعضها تمتاز بمساحتها القليلة ومواردها الشحيحة .
هذه الخصائص الجغرافية انعكست بتأثيراتها المتعددة على تاريخ هؤلاء القوم فقد ساهم الانعزال الجغرافي في أن الإغريقي أصبح يفضل الاستقلال بأموره ويرفض تماماً أن يخضع لغيره ولو كان مشتركاً معه في نفس التاريخ ومعتقداً مثله بنفس العبادات .

وكانت لطبيعة المساحة المحدودة أن أتاح المكان المحدود للسكان ـ الذين كان عددهم محدوداًُ بطبيعة الحال ـ إذ لم يكن عدد سكان المدينة الواحدة يتجاوز الثلاثين ألفاً ، أتاح أن يتواجدوا في مكان واحد لفترات طويلة مما أفسح المجال لتقبل الإغريقي لفكرة الحوار والنقاش والجدل ، مما أنتج رأياً عاماً كان هو الميزان في كل مدينة بسرعة كبيرة لم تحدث في الدول الكبيرة مثل مصر أو العراق ، ويظهر دليلاً على ذلك أن مسيرة أنظمة الحكم في المدن الإغريقية تطورت بشكل كبير وسريع في آن واحد منطلقة من الحكم الفردي عبر مسيرة صاخبة مليئة بالأحداث لتصل إلى الديمقراطية ، وتأكيداً على الانعزالية عند الإغريقي فقد كانت المدن الواقعة إلى الجنوب بعيدة عن الاندماج في الحضارة الإغريقية ، إذ أن مقدونيا مثلاً لم تصبح إغريقية إلا بعد تدهور أحوال المدن الإغريقية الأخرى لأنها كانت بعيدة عن سواحل البحر وبالتالي عن الطابع البحري لمدن الإغريق


وكان من مظاهر ميل الإغريق إلى الاستقلالية السياسية عن بعضهم البعض أن شاعت بين مدنهم أو دولهم روح الانفصال ، وبانت هذه النزعة عندما تعرضت اليونان إلىخطر خارجي بعد أن غزاها الفرس وعندما تعرضت لخطر السيطرة المقدونية في النصف الثاني من القرن الرابع ق.م ، وكذلك في المواقف العديدة التي وقعت بين هذه الدويلات والتي تطورت إلى حروب طويلة مثلما كان الحال بين أثينا واسبرطة ، وكذلك أثينا وإيجبينا .
فأنتج التاريخ الإغريقي على مدار حضارته العريقة فلاسفة ومفكرين وأدباء مؤرخين ، وكانت مدارس الفلسفة الإغريقية علماً من أعلام حضارة العالم القديم ، ولازالت مفاهيم الفكر الإغريقي معمول بها حتى الآن .
هذه العوامل هي بالذات أدت بالإغريق إلى ابتكار نظام المدينة الدولة أو الدولة المدينة ، وهو النظام الذي كان وليد عوامل الجغرافيا بالدرجة الأولى وساهمت في تعزيزه اتجاه الإغريق النفسي وميولهم وتقبلهم الكبير لفكرة استقلال كل جزء عن الآخر استقلالاً سيسياً وعسكرياً ، بل واتخاذ مواقف متباينة تصل في الكثير من الأحيان إلى حد الاختلاف بل إلى إعلان الحرب وتكوين الأحرف ذات الطابع العسكري أو الاقتصادي العسكري وتكوين ومع فقر بلاد الإغريق في مجال الموارد الزراعية وإنتاج الحبوب كان لابد أن يستخدم سلاح الاقتصاد في الحروب والمنازعات التي كانت تقع بين المدن الإغريقية وبعضها فأثر ذلك على السياسة بينها حتى أن اسبرطة لجأت في حربها ضد أثينا إلى تخريب المحاصيل الأثينية وسد المنافذ التجارية لأثينا مما كان له الأثر الكبير في تدهور أوضاع أثينا العسكرية

هكذا كانت إذاً بديات فكرة المدينة الدولة وبعض من ملامحها ،ونأمل من الله العلي القدير أن نكون وفقنا في اختيار موضوع البحث شاكرين لأساتذتنا ما بذلوه من جهد ،معتذرين عن أي خطأ قد نكون ارتكبناه ويشفع لنا فيه أن غايتنا كانت على الدوام خدمة البحث العلمي ،وأننا لازلنا في بداية طريق طويل نتعلم فيه من أخطائنا كي لا نكررها بعد ذلك

والله المستعان

قائمة المصادر :

1. عبد اللطيف أحمد علي : التاريخ اليوناني ، مطبعة بيروت ، 1976 .
2. حسين الشيخ : اليونان ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، 1998 .
3. فوزي مكاوي : تاريخ العالم الإغريقي وحضارته ، مطبعة الدار البيضاء ، 1980 .
4. أسعد رستم : تاريخ اليونان من فيليب المقدوني إلى الفتح الروماني ، بيروت ، 1969 .
5. لطفي عبد الوهاب : اليونان ، مطبعة دار الفكر ، بيروت ، 1979 .
6. رجب الأثرم : دراسات في تاريخ الإغيق وعلاقته بالوطن العربي ، منشورات قايونس ، 1996 .
7. محمد كامل عياد : تاريخ اليونان ، دار النهضة العربية ، القاهرة .
8. سيد أحمد الناصري : الإغريق ، مطبعة الكتاب الجامعي ، القاهرة ، 1985 .






يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق