مصـر فى العصـرالرومانى 20 أباطره روما ومصر-فسبسيان- تيتوس- دوميتيان
أباطرة أسرة فلافيوس: فسبسيان- تيتوس- دوميتيان.
عام الأباطرة الأربعه(68-69):
قضى الامبراطور نيرون نحبه منتحرا فى عام 68 ، وكانت الامبراطوريه لاتزال مشغوله بالقضاء على ثورة اليهود فى فلسطين. وأعقب وفاة نيرون عام من الاضطرابات والفتن يعرف عند المؤرخين بعام الأباطرة الأربعة. ذلك أن الجيوش الرومانيه فى الغرب أولا ثم فى الشرق بعد ذلك أخذت تنادى بقوادها أباطرة، فحمل لقب الامبراطور فى ذلك العام على التوالى القواد جالبا وأوتو وفيتيليوس ثم فسبسيان، وظهرت عندئذ خطورة الدور الذى كان من الممكن أن تلعبه الجيوش الرومانيه الرابطه فى ولايات الحدود بالتعاون مع قوات الحس البريطورى فى روما فى تنصيب القواد أباطرة فوق عروش. وعلى حد تعبير المؤرخ الرومانى تاكتيوس الذى وصف لنا وصفا مفصلا أحداث ذلك العام "إنكشف سر الامبراطوريه"، وهو إمكان المناداة بالامبراطور فى مكان أخر غير روما، وهو أمر بالغ الخطورة وسلاح فتاك للنظام سيمضى بالامبراطورية آخر الأمر إلى الانهيار.
وصول فسبسيان إلى العرش بتأييد والى مصر:
غير ان كلا من القواد جالبا وأوتو وفيتيليوس لم يبق على العرش إلا شهورا؟أما رابعهم فسبسيان فقد ظل يحكم عشر سنين. ولعلنا نقدر أن شعب مصر لم يكن يعينه من أمر تغير هذه الوجوه شئ. لكنه كان مقدرا لمصر أن تلعب دورا بارزا فى رفع فسبسيان إلى العرش، فكانت تلك المره الأولى التى تلعب فيها مصر دورا سياسيا هاما فى تاريخ الامبراطوريه. وقد كان فسبسيان هو القائد الذى عهد إليه بقمع ثورة اليهود التى اندلعت فى فلسطين فى عام 66. وبعد أن قام بعدة عمليات عسكريه ناجحه استعد لحصار مدينه أورشليم. لكن وفاة نيرون جعلته يرجئ ذلك إلى حين. ولعله شغل بمراقبه أحداث الصراع على السلطه الامبراطورية الذى كان محتدما فى الغرب بين القواد والقوات. وعندما نودى بالقائد فيتيليوس فى ابريل69 امبراطورا بمبايعه قوات الراين المواليه له وبموافقه مجلس السناتو، ثم أخذت الأحوال تتفاقم لعدم قدرة هذا على ضبط الأمور فى العاصمه ولأعمال السلب والفوضى الذى ارتكبتها تلك القوات المواليه له، تحركت رغبة قوات الشرق فى أن يكون لها هى الأخرى مرشحها للعرش الامبراطورى، فاتجهت النظار إلى ذلك القائد الذى كبح منذ قليل جماح ثورة اليهود. وبإيعاز من والى مصر تيبيريوس يوليوس الاسكندر أعلنت الفرقتان الرومانيتاناللتان كانتا مرابطتين فى الاسكندريه ولاءها للقائد فسباسيان، ونادت به امبراطورا فى يوليو 69، ولم تلبث أن تبعتهما فى ذلك الفرق المرابطه فى فلسطين وسوريا. أما فسبسيان فقد وجد فى إعلان الولاء له فى مصر ورقة رابحه فى يده، لأنه كان يستطيع عندئذ أن يقطع إمدادات القمح المصرى عن روما، مما كان من شأنه أن يؤدى إلى مجاعة تطيح بالجالس على العرش هناك. وليس أدل على إدراك فسبسيان لأهميه إعلان ولاء مصر له من أنه اعتبر تاريخ إعلان هذا الولاء (يوليو69) هو بدء عهده إمبراطورا على روما. وقدم فسبسيان إلى مصر فى طريقه إلى روما فبلغ مشارف مدينه الاسكندرية فى أوائل عام 70. ويسترعى النظر هنا أن جماهير المدينه هبت مرحبة به أشد الترحيب. وتصور لنا إحدى البرديات كيف بلغ ابتهاج هذه الجماهير حد مناداته بألقاب إلهيه.
ونحن لا نستطيع أن نتصور أن هذه العواطف الجياشة كانت صادرة عن حب العاهل الرومانى. حقا إن فسبسيان كان أول امبراطور يأتى إلى الاسكندريه بعد أوغسطس، أى بعد قرن كامل من الزمان. كذلك فقد يكون الاسكندريون قد بالغوا فى الحفاوة به نكايه فى اليهود الذين قام بقمع ثورتهم فى فلسطين، أو قد يكونون قد أوهموا أنفسهم أنهم هم أصحاب الفضل فى رفعه إلى العرش الإمبراطورى مما أعاد إليهم ذكرى تلك الأيام الخوالى حين كانوا يخلعون ملوكهم البطالمه الأسبقين أو ينصبونهم على هواهم. لكننا إزاء ما نعلمه من الكره الذى كان يكنه الإسكندريون للحكم الرومانى، فقد نرى تفسير هذا الابتهاج العارم فيما سبق أن لاحظناه فى موضع سابق من أنهم كانوا يتحينون فرصه لتأييد كل من يتحدى السلطه المركزيه فى روما، وهى ظاهرة تكررت بعد ذلك فى أحداث تاليه. وثمة روايتان للمؤرخين الرومانيين تاكتيوس وسويتونيوس حيث يتحدث الأول عن معجزات تحققت على يد فسبسيان فى شفاء بعض العاهات، ويتحدث الثانى عن زيارة قام بها الإمبراطور لمعبد الإله سيرابيس بالإسكندريه حيث إستغرق فى مناجاته وإنتابته حالة من الوجد جعلته يرى رؤيا بشرته بقرب إعتلائه العرش!! ويرتبط هذا بصورة أو بأخرى بالدعايه السياسيه للإمبراطور الجديد، وهو فى الوقت نفسه من أصداء فرحة الإسكندريين الغامرة به. غير أن هؤلاء لم يلبثوا أن أكتشفوا أن فسبسيان لا يختلف عمن سبقه من الأباطرة من حيث الحرص على تحصيل الدخل من مصر كاملا غير منقوص، بل حتى آخر صاع من قمح أو درهم من مال، ذلك أنه فرض ضرائب جديدة واحيا أخرى كان قد جرى إلغاؤها من قبل. وعندئذ لجأ الإسكندريون- كدأبهم دائما- إلى إطلاق ألسنتهم الحادة بألقاب السخرية اللاذغة ونكات التهكم من شح الإمبراطور، فاستشاط هذا غضبا وفرض عليهم ضريبه لم تكن باهظة ولكنها ألحقت بهم مهانة شديدة لأنها كانت بمثابة ضريبة رأس تحط من قدرهم بحيث يصحبون كسائر سكان الريف من "المصريين" وعلى أى حال فإن فسبسيان قبل بعد ذلك شفاعة ابنه تيتوس Titus فأعفاهم من هذه الضريبة، أو لعله اقتنع بعدم جدواها وتفاهتها وإحتمال إثارتها ثورة ااسكندريين.
إغلاق المعبد اليهودى فى الدلتا:
وقد شهد العام نفسه (70م) القضاء التام على ثوره اليهود فى فلسطين. وكان فسبسيان قد عهد بهذه المهمه إلى ابنه تيتوس الذى خرج من الاسكندريهقاصدا جودايا Judaea ومعه قوات من الفرقتين المرابطتين بالإسكندريه. وفى خريف العام المذكور سقطت مدينه أورشليم معقل الثوره الساسى ودمر هيكل سليمان فلم تقم له منذ ذلك التاريخ قائمه. وفرض فسبسيان على يهود الإمبراطوريه جميعا ضريبه عرفت بضريبة اليهود، وكان عليهم أن يؤدوها إلى معبد الإله جوبيتر الكابيتولينى فى مدينه روما، ولم تكن هذه الضريبه فى الواقع سوى ضريبة نصف الشاقل التى كان اليهود يؤدونها طوعا لهيكل سليمان وفقا لتعاليم التوراه، وهوأمر ضاعف بالطبع من شعور اليهود بالذلة والقهر و الهوان. وعقب هذه الحداث الخطيرة فى تاريخ اليهود، هرب إلى مصر جماعه من غلاتهم بقصد تحريض يهودها على الثورة ضد الرومان رافعين شعار"لا حاكم إلا الرب" لكن زعماء مجلس الشيوخ اليهودى (الجيروسيا) بالاسكندريه رفضوا الاستجابه لهم، بل قبضوا على البعض منهم وسلموهم إلى الرومان حيث تم إعدامهم، وفر فريق منهم إلى جنوب مصر حيث تعقبتهم السلطات وتمت إبادتهم. ويبدو أن هذه الطائفه من الغلاة(الذين يسميهم المؤرخ يوسف Sikarioi أى السفاحين القتلة) كانت تعتزم تركيز حركة مقاومتها للسلطات فى مصر حول معبد أونياس Onias فى بلدة ليونتوبوليس Leontopolis (تل اليهوديه، فرب شبين القناطر). وكان هذا المعبد قد أسس فى العصر البطلمى فى حوالى عام 196 ق.م وقد فطن فسبسيان إلى خطورة الإبقاء على هذا المعبد الذى كان منشأنه أن يخلف هيكل سليمان فى المكانة، فأصدر أوامره فى عام 73 بتدميره. غير أن الوالى الرومانى رأى أن يسلك مسلكا وسطا يرضى به الإمبراطور ويتفادى فى الوقت نفسه إثارة ثائرة جموع اليهود فى مصر، فاكتفى بإغلاق المعبد ومصادرة أملاكه وحظر الإقتراب منه بأى حال.
وبالرغم من كل هذه الإجراءات السياسيه المتشددة، فإن حرية اليهود فى ممارسة شعائر دينهم بقيت قائمه لم تمس، لأن سياسة التسامح الدينى مع كافة الأديان كانت من السمات الأساسية الثابته فى سياسه الرومان.
تيتوس ودوميتيان
ازدهار العبادات المصرية:
حكم فسبسيان حتى عام 79 ثم خلفه ابنه وساعده الأيمن تيتوس الذى لم يحكم سوى عامين، ونحن نعلم من أخبار تيتوس قدرا كافيا أثناء حكم أبيه ومنها نشاطه العسكرى الكبير وقضاؤه نهائيا على ثورة اليهود فى فلسطين. ونحن نستشف من أخبار تيتوس تلك أنه أظهر ميلا إلى الإهتمام بأمور الولايات الشرثيه والرغبة فى الوقوف على الواقع أحوالها والإصغاء إلى شكاوى الأهالى وآلامهم ونعلم من أخبار تيتوس أيضا أنه فى أثناء وجوده فى مصر فى عهد أبيه حضر بنفسه إحتفالا دينيا مصرينا مهيبا بمناسبة "تنصيب" العجل أبيس الجديد فى مدينه منف، وفى ذلك الحفل ظهر تيتوس بالزى الرسمى على عادة الأباطرة الرومان عند حضور الاحتفالات المهمه، ووضع على رأسه التاج التقليدى جريا على العادة الفرعونيه، فكان فى ذلك تعبير قوى عن إحترام الرومان للعقائد المصرية. بيد أنه إزاء قصر عهد تيتوس الإمبراطور فإن الوثائق التى تتحدث عن عامى حكمه فيما يتعلق بولاية مصر هى جد قليلة. ومن هذا القليل الذى نعلمه من نقشين اثنينوصلا إلينا أن مشروعات تحسين أحوال الرى كانت مستمرة فى عهده، وأن أعمالا معماريه ذات طابع دينى تمت فى مدينة بطلمية Ptolemais اليونانية بصعيد مصر(بلدة المنشأة بمحافظة سوهاج الآن). لكن الأمر الذى يجدر الإلتفات إليه، أننا منذ عهد تيتوس نستطيع أن نرصد إتجاها جديدا فى نظرة الأباطرة الرومان إلى الآلهه المصرية، وهو ما يشير إليه احتفال منف الذى سبقت الإشارة إليه. والدليل على أن الأمر لم يكن مزاجا شخصيا عند تيتوس ان سياسه رعايه العقائد المصرية لم تتوقف بعد حكمه القصير وإنما استمرت بل ظهرت بصورة اكثر وضوحا فى عهد خليفته دوميتيان (81-96 م) ولسنا نقصد بهذه الرعاية الاهتمام بذلك الآلهة المصريه الكبرى مثل الإلهة ايزيس التى كانت قد لقيت قبولا عالميا عامل وغزت عبادتها مدينه روما نفسها حتى قبل دخول الرومان مصر والتى استعادت اهتمام أباطرة الرومان بها بعد فترة من الإهمال و الإزدراء استغرقت عهدى أوغسطس وتيبيريوس، وإنما نقصد إتجاه الرعاية إلى تلك الآلهة المحلية التى ألقيت عليها سياسة الأباطرة الدينية فى مصر ظلا ثقيلا من الإهمال. وقد تمثل الاتجاه الجديد فى بناء بعض المعابد لبعض تلك الآلهة مقترنة بما يقابلها من الآلهة اليونانية، وبداية ظهور صور هذه الآلهة على عملات الإسكندريه البرونزية. وفى الوقت أسبغ دوميتيان على عبادة إيزيس فى روما رعاية فائقة.
وهكذا أمكن القول إن أباطرة أسرة فلافيوس (فسبسيان وولداه تيتوس ثم دوميتيان) يمثلون العصر الذهبى للديانات المصرية فى عصر الإمبراطورية الرومانية بأسره.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
أباطرة أسرة فلافيوس: فسبسيان- تيتوس- دوميتيان.
عام الأباطرة الأربعه(68-69):
قضى الامبراطور نيرون نحبه منتحرا فى عام 68 ، وكانت الامبراطوريه لاتزال مشغوله بالقضاء على ثورة اليهود فى فلسطين. وأعقب وفاة نيرون عام من الاضطرابات والفتن يعرف عند المؤرخين بعام الأباطرة الأربعة. ذلك أن الجيوش الرومانيه فى الغرب أولا ثم فى الشرق بعد ذلك أخذت تنادى بقوادها أباطرة، فحمل لقب الامبراطور فى ذلك العام على التوالى القواد جالبا وأوتو وفيتيليوس ثم فسبسيان، وظهرت عندئذ خطورة الدور الذى كان من الممكن أن تلعبه الجيوش الرومانيه الرابطه فى ولايات الحدود بالتعاون مع قوات الحس البريطورى فى روما فى تنصيب القواد أباطرة فوق عروش. وعلى حد تعبير المؤرخ الرومانى تاكتيوس الذى وصف لنا وصفا مفصلا أحداث ذلك العام "إنكشف سر الامبراطوريه"، وهو إمكان المناداة بالامبراطور فى مكان أخر غير روما، وهو أمر بالغ الخطورة وسلاح فتاك للنظام سيمضى بالامبراطورية آخر الأمر إلى الانهيار.
وصول فسبسيان إلى العرش بتأييد والى مصر:
غير ان كلا من القواد جالبا وأوتو وفيتيليوس لم يبق على العرش إلا شهورا؟أما رابعهم فسبسيان فقد ظل يحكم عشر سنين. ولعلنا نقدر أن شعب مصر لم يكن يعينه من أمر تغير هذه الوجوه شئ. لكنه كان مقدرا لمصر أن تلعب دورا بارزا فى رفع فسبسيان إلى العرش، فكانت تلك المره الأولى التى تلعب فيها مصر دورا سياسيا هاما فى تاريخ الامبراطوريه. وقد كان فسبسيان هو القائد الذى عهد إليه بقمع ثورة اليهود التى اندلعت فى فلسطين فى عام 66. وبعد أن قام بعدة عمليات عسكريه ناجحه استعد لحصار مدينه أورشليم. لكن وفاة نيرون جعلته يرجئ ذلك إلى حين. ولعله شغل بمراقبه أحداث الصراع على السلطه الامبراطورية الذى كان محتدما فى الغرب بين القواد والقوات. وعندما نودى بالقائد فيتيليوس فى ابريل69 امبراطورا بمبايعه قوات الراين المواليه له وبموافقه مجلس السناتو، ثم أخذت الأحوال تتفاقم لعدم قدرة هذا على ضبط الأمور فى العاصمه ولأعمال السلب والفوضى الذى ارتكبتها تلك القوات المواليه له، تحركت رغبة قوات الشرق فى أن يكون لها هى الأخرى مرشحها للعرش الامبراطورى، فاتجهت النظار إلى ذلك القائد الذى كبح منذ قليل جماح ثورة اليهود. وبإيعاز من والى مصر تيبيريوس يوليوس الاسكندر أعلنت الفرقتان الرومانيتاناللتان كانتا مرابطتين فى الاسكندريه ولاءها للقائد فسباسيان، ونادت به امبراطورا فى يوليو 69، ولم تلبث أن تبعتهما فى ذلك الفرق المرابطه فى فلسطين وسوريا. أما فسبسيان فقد وجد فى إعلان الولاء له فى مصر ورقة رابحه فى يده، لأنه كان يستطيع عندئذ أن يقطع إمدادات القمح المصرى عن روما، مما كان من شأنه أن يؤدى إلى مجاعة تطيح بالجالس على العرش هناك. وليس أدل على إدراك فسبسيان لأهميه إعلان ولاء مصر له من أنه اعتبر تاريخ إعلان هذا الولاء (يوليو69) هو بدء عهده إمبراطورا على روما. وقدم فسبسيان إلى مصر فى طريقه إلى روما فبلغ مشارف مدينه الاسكندرية فى أوائل عام 70. ويسترعى النظر هنا أن جماهير المدينه هبت مرحبة به أشد الترحيب. وتصور لنا إحدى البرديات كيف بلغ ابتهاج هذه الجماهير حد مناداته بألقاب إلهيه.
ونحن لا نستطيع أن نتصور أن هذه العواطف الجياشة كانت صادرة عن حب العاهل الرومانى. حقا إن فسبسيان كان أول امبراطور يأتى إلى الاسكندريه بعد أوغسطس، أى بعد قرن كامل من الزمان. كذلك فقد يكون الاسكندريون قد بالغوا فى الحفاوة به نكايه فى اليهود الذين قام بقمع ثورتهم فى فلسطين، أو قد يكونون قد أوهموا أنفسهم أنهم هم أصحاب الفضل فى رفعه إلى العرش الإمبراطورى مما أعاد إليهم ذكرى تلك الأيام الخوالى حين كانوا يخلعون ملوكهم البطالمه الأسبقين أو ينصبونهم على هواهم. لكننا إزاء ما نعلمه من الكره الذى كان يكنه الإسكندريون للحكم الرومانى، فقد نرى تفسير هذا الابتهاج العارم فيما سبق أن لاحظناه فى موضع سابق من أنهم كانوا يتحينون فرصه لتأييد كل من يتحدى السلطه المركزيه فى روما، وهى ظاهرة تكررت بعد ذلك فى أحداث تاليه. وثمة روايتان للمؤرخين الرومانيين تاكتيوس وسويتونيوس حيث يتحدث الأول عن معجزات تحققت على يد فسبسيان فى شفاء بعض العاهات، ويتحدث الثانى عن زيارة قام بها الإمبراطور لمعبد الإله سيرابيس بالإسكندريه حيث إستغرق فى مناجاته وإنتابته حالة من الوجد جعلته يرى رؤيا بشرته بقرب إعتلائه العرش!! ويرتبط هذا بصورة أو بأخرى بالدعايه السياسيه للإمبراطور الجديد، وهو فى الوقت نفسه من أصداء فرحة الإسكندريين الغامرة به. غير أن هؤلاء لم يلبثوا أن أكتشفوا أن فسبسيان لا يختلف عمن سبقه من الأباطرة من حيث الحرص على تحصيل الدخل من مصر كاملا غير منقوص، بل حتى آخر صاع من قمح أو درهم من مال، ذلك أنه فرض ضرائب جديدة واحيا أخرى كان قد جرى إلغاؤها من قبل. وعندئذ لجأ الإسكندريون- كدأبهم دائما- إلى إطلاق ألسنتهم الحادة بألقاب السخرية اللاذغة ونكات التهكم من شح الإمبراطور، فاستشاط هذا غضبا وفرض عليهم ضريبه لم تكن باهظة ولكنها ألحقت بهم مهانة شديدة لأنها كانت بمثابة ضريبة رأس تحط من قدرهم بحيث يصحبون كسائر سكان الريف من "المصريين" وعلى أى حال فإن فسبسيان قبل بعد ذلك شفاعة ابنه تيتوس Titus فأعفاهم من هذه الضريبة، أو لعله اقتنع بعدم جدواها وتفاهتها وإحتمال إثارتها ثورة ااسكندريين.
إغلاق المعبد اليهودى فى الدلتا:
وقد شهد العام نفسه (70م) القضاء التام على ثوره اليهود فى فلسطين. وكان فسبسيان قد عهد بهذه المهمه إلى ابنه تيتوس الذى خرج من الاسكندريهقاصدا جودايا Judaea ومعه قوات من الفرقتين المرابطتين بالإسكندريه. وفى خريف العام المذكور سقطت مدينه أورشليم معقل الثوره الساسى ودمر هيكل سليمان فلم تقم له منذ ذلك التاريخ قائمه. وفرض فسبسيان على يهود الإمبراطوريه جميعا ضريبه عرفت بضريبة اليهود، وكان عليهم أن يؤدوها إلى معبد الإله جوبيتر الكابيتولينى فى مدينه روما، ولم تكن هذه الضريبه فى الواقع سوى ضريبة نصف الشاقل التى كان اليهود يؤدونها طوعا لهيكل سليمان وفقا لتعاليم التوراه، وهوأمر ضاعف بالطبع من شعور اليهود بالذلة والقهر و الهوان. وعقب هذه الحداث الخطيرة فى تاريخ اليهود، هرب إلى مصر جماعه من غلاتهم بقصد تحريض يهودها على الثورة ضد الرومان رافعين شعار"لا حاكم إلا الرب" لكن زعماء مجلس الشيوخ اليهودى (الجيروسيا) بالاسكندريه رفضوا الاستجابه لهم، بل قبضوا على البعض منهم وسلموهم إلى الرومان حيث تم إعدامهم، وفر فريق منهم إلى جنوب مصر حيث تعقبتهم السلطات وتمت إبادتهم. ويبدو أن هذه الطائفه من الغلاة(الذين يسميهم المؤرخ يوسف Sikarioi أى السفاحين القتلة) كانت تعتزم تركيز حركة مقاومتها للسلطات فى مصر حول معبد أونياس Onias فى بلدة ليونتوبوليس Leontopolis (تل اليهوديه، فرب شبين القناطر). وكان هذا المعبد قد أسس فى العصر البطلمى فى حوالى عام 196 ق.م وقد فطن فسبسيان إلى خطورة الإبقاء على هذا المعبد الذى كان منشأنه أن يخلف هيكل سليمان فى المكانة، فأصدر أوامره فى عام 73 بتدميره. غير أن الوالى الرومانى رأى أن يسلك مسلكا وسطا يرضى به الإمبراطور ويتفادى فى الوقت نفسه إثارة ثائرة جموع اليهود فى مصر، فاكتفى بإغلاق المعبد ومصادرة أملاكه وحظر الإقتراب منه بأى حال.
وبالرغم من كل هذه الإجراءات السياسيه المتشددة، فإن حرية اليهود فى ممارسة شعائر دينهم بقيت قائمه لم تمس، لأن سياسة التسامح الدينى مع كافة الأديان كانت من السمات الأساسية الثابته فى سياسه الرومان.
تيتوس ودوميتيان
ازدهار العبادات المصرية:
حكم فسبسيان حتى عام 79 ثم خلفه ابنه وساعده الأيمن تيتوس الذى لم يحكم سوى عامين، ونحن نعلم من أخبار تيتوس قدرا كافيا أثناء حكم أبيه ومنها نشاطه العسكرى الكبير وقضاؤه نهائيا على ثورة اليهود فى فلسطين. ونحن نستشف من أخبار تيتوس تلك أنه أظهر ميلا إلى الإهتمام بأمور الولايات الشرثيه والرغبة فى الوقوف على الواقع أحوالها والإصغاء إلى شكاوى الأهالى وآلامهم ونعلم من أخبار تيتوس أيضا أنه فى أثناء وجوده فى مصر فى عهد أبيه حضر بنفسه إحتفالا دينيا مصرينا مهيبا بمناسبة "تنصيب" العجل أبيس الجديد فى مدينه منف، وفى ذلك الحفل ظهر تيتوس بالزى الرسمى على عادة الأباطرة الرومان عند حضور الاحتفالات المهمه، ووضع على رأسه التاج التقليدى جريا على العادة الفرعونيه، فكان فى ذلك تعبير قوى عن إحترام الرومان للعقائد المصرية. بيد أنه إزاء قصر عهد تيتوس الإمبراطور فإن الوثائق التى تتحدث عن عامى حكمه فيما يتعلق بولاية مصر هى جد قليلة. ومن هذا القليل الذى نعلمه من نقشين اثنينوصلا إلينا أن مشروعات تحسين أحوال الرى كانت مستمرة فى عهده، وأن أعمالا معماريه ذات طابع دينى تمت فى مدينة بطلمية Ptolemais اليونانية بصعيد مصر(بلدة المنشأة بمحافظة سوهاج الآن). لكن الأمر الذى يجدر الإلتفات إليه، أننا منذ عهد تيتوس نستطيع أن نرصد إتجاها جديدا فى نظرة الأباطرة الرومان إلى الآلهه المصرية، وهو ما يشير إليه احتفال منف الذى سبقت الإشارة إليه. والدليل على أن الأمر لم يكن مزاجا شخصيا عند تيتوس ان سياسه رعايه العقائد المصرية لم تتوقف بعد حكمه القصير وإنما استمرت بل ظهرت بصورة اكثر وضوحا فى عهد خليفته دوميتيان (81-96 م) ولسنا نقصد بهذه الرعاية الاهتمام بذلك الآلهة المصريه الكبرى مثل الإلهة ايزيس التى كانت قد لقيت قبولا عالميا عامل وغزت عبادتها مدينه روما نفسها حتى قبل دخول الرومان مصر والتى استعادت اهتمام أباطرة الرومان بها بعد فترة من الإهمال و الإزدراء استغرقت عهدى أوغسطس وتيبيريوس، وإنما نقصد إتجاه الرعاية إلى تلك الآلهة المحلية التى ألقيت عليها سياسة الأباطرة الدينية فى مصر ظلا ثقيلا من الإهمال. وقد تمثل الاتجاه الجديد فى بناء بعض المعابد لبعض تلك الآلهة مقترنة بما يقابلها من الآلهة اليونانية، وبداية ظهور صور هذه الآلهة على عملات الإسكندريه البرونزية. وفى الوقت أسبغ دوميتيان على عبادة إيزيس فى روما رعاية فائقة.
وهكذا أمكن القول إن أباطرة أسرة فلافيوس (فسبسيان وولداه تيتوس ثم دوميتيان) يمثلون العصر الذهبى للديانات المصرية فى عصر الإمبراطورية الرومانية بأسره.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق