الاثنين، 11 أبريل 2016

الصراع الأيوني الدوري في بلاد الإغريق ( 1 )

الصراع الأيوني الدوري في بلاد الإغريق ( 1 )


أماكن استقرار العنصرين الأيوني والدوري داخل بلاد الإغريق وخارجها

الباحثة: امدلله محمد منصور بوشديق

جامعة عمر المختار-البيضاء

ليبيا

عندما تختلف الاتجاهات الحضارية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لقوى مجتمعه في مكان واحد من العالم، فإن هذا يعني وجود صراعٍ حضاري بين الطرفين ويزداد الصراع حدة عندما تبدأ إحدى تلك القوى بفرض قوتها وأفكارها على المنطقة الموجودة بها، من أجل تحقيق مصالحها وأطماعها الخاصة وتنصيب نفسها زعيمة لتلك المنطقة، مما يشكل خطراً على القوة الأخرى المضادة لها فيؤدي هذا إلى تطور الصراع بينهما إلى قيام الحروب المباشرة بين الطرفين، وهذا ما حدث للأيونيين والدوريين في إقليمي أتيكا ولاكونيا في بلاد الإغريق حيث كانت كلٌّ من مدينتي أثينا وإسبرطة مركزاً لتلك الأقاليم.

وعلى الرغم من أن الأيونيين والدوريين ينتميان إلى الهجرات الهندوأوربية، إلا أن الاختلاف الحضاري والتنافس بينهما كان شديداً وعنيفاً، ويبدو تأثير العوامل الجغرافية واضحاً في سلوك كلٍّ منها ونمط حياته الذي جعله ينهج طريقاً لا يتآلف ولا ينسجم مع الآخر وازداد هذا الاختلاف حدة بفعل تطورات الأحداث عندما انتصرت أثينا عاصمة أتيكا مستقر الأيونيين على الفرس فيما عرف بالحروب الإغريقية الفارسية، ونتيجة لذلك كانت أثينا ترى أنه بفضل هذا الانتصار ستكون مؤهلة لزعامة بلاد الإغريق، فبدأت بتأسيس حلفها المعروف باسم حلف ديلوس لتكون نقطة البداية لفرض زعامتها على بلاد الإغريق، ولقد أثارت هذه المكانة التي وصلت إليها أثينا حسد وغيرة إسبرطة مركز الدوريين في إقليم لاكونيا الأمر الذي أجج نار العداوة بينهما، و انتهت بانتصار إسبرطة وهزيمة أثينا، ولكن الطرفين دفعا ثمن هذه الصراعات والحروب عندما تعرضت المدينتان لغزو الفيالق المقدونية بقيادة فيليبوس Philippus الذي احتل شبه جزيرة البلقان بكاملها ثم انطلق بفتوحاته إلى أبعد من ذلك ليبدأ العصر الهلنستي على أنقاض العصر الهليني.

وجاء اختياري لموضوع الصراع الأيوني الدوري في بلاد الإغريق لأنه يمثل أهم ملامح تاريخ بلاد الإغريق، ويُعد عاملاً مؤثراً في وقوع أعظم الأحداث والوقائع التي شهدتها بلاد الإغريق مثل الحروب، كما إن دراسة ذلك الصراع تعبرعن مدى الاختلافات الجذرية بين الطرفين في كل المجالات والاتجاهات التي بلغت من العمق حد قيام الحروب بل والتعاون والتحالف مع أعداء الإغريق.

تهدف هذه الدراسة إلى إبراز عدد من النقاط والإجابة على عدد من التساؤلات من أهمها:-

- هل يُعد الاختلاف الحضاري بين الأيونيين والدوريين في إقليمي أتيكا ولاكونيا وخصوصاً في النواحي السياسية والاقتصادية سبباً كافياً لحدوث الصراع بين الجانبين، أم أن هناك أسباباً أخرى لها دورها الفعال في ظهور ذلك الصراع ؟

- تهدف هذه الدراسة أيضاً إلى إبراز الأشكال المتعددة التي اتخذها الصراع بين الأيونيين والدوريين والخطط التي كان يتبعها كل من الطرفين لمواجهة خصمه ونشر نفوذه في المنطقة، وإظهار مدى الأبعاد التي نجمت عن الصراع وتأثيره على قوة الجانبين ومدى تأثيره أيضاً على سياسة المدن الإغريقية الأخرى في بلاد الإغريق.

في الحقيقة تم تناول هذا الموضوع بشكل جزئي عند سيد أحمد الناصري في كتابه (الإغريق تاريخهم وحضارتهم)، ولطفي عبد الوهاب يحي (اليونان مقدمة في التاريخ الحضاري) ورجب عبد الحميد الأثرم (تاريخ الإغريق وعلاقته بالوطن العربي) ولكن تناولهم كان من خلال تقديم رؤية عامة عن تاريخ الإغريق بمختلف جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والفنية، أما هذا البحث فقد تناول تاريخ الإغريق بشكل محدد ومفصل في جزئية معينة وهو إبراز الصراع الأيوني الدوري في تلك البلاد والمحدد زمنياً بالفترة الكلاسيكية التي تشمل القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد.


يقع كل من إقليمي أتيكا Attica ولاكونيا Lacoina في الجزء الجنوبي المتفرع من شبه جزيرة البلقان، الممتدة من القارة الأوربية التي تسمى ببلاد الإغريق الأصلية ( [1])، وفي الحقيقة كان لجغرافية تلك المنطقة دوراً كبيراً في تشكيل تاريخ شعبها الإغريقي حيث أن الطبيعة الجبلية كانت هي الغالبة على سطحها، مقسمة إياها إلى مناطق منفصلة عن بعضها فلم تقم فيها دولة موحدة كبقية أنحاء العالم القديم، بل تكونت منها دويلات باسم البولس Polis بنظام المدينة الدولة ذلك النظام الذي ظهر في بلاد الإغريق بشكل واضح في بداية القرن الثامن قبل الميلاد. وبعد أن تم الاتحاد ما بين الكيانات القبلية في كل منطقة وأصبحت كل مدينة إغريقية مستقلة في أوضاعها الداخلية ( [2]) وقد تشكل العنصر البشري في تلك المنطقة من الهجرات المتتابعة، التي كانت على فترات زمنية مختلفة، خاصة الهجرات الهند وأوربية التي يُرجح أن الأيونيين Tonians والدوريين Dorians قد تفرعوا منها. ( [3])

قد اكتسب كل من إقليمي أتيكا ولاكونيا تاريخاً بارزاً في منطقة شبه جزيرة البلقان كونهما من أهم المناطق التي شهدت تمركز وقوة العنصرين الأيوني والدوري، اللذان لعبا دوراً كبيراً في تاريخ تلك المنطقة.

أولاً : وجود العنصر الأيوني بأقليم أتيكا:

- وصف جغرافي للإقليم :

تقع أتيكا تحديداً في القسم الأوسط من منطقة البلقان ( [4])، حيث تمتد في الركن الجنوبي الشرقي من ذلك القسم. ( [5])

إقليم أتيكا هو : هضبة تشبه المثلث في شكلها ( [6])، حيث يبرز من جنوب إقليم بؤيوتيا Boeotia ( [7]) ، في داخل البحر، قاعدته الكبرى في الشمال والشمال الغربي، حيث تفصله جبال كيثايرون Citharon عن بويوتيا، كما تفصله مرتفعات إقليم ميجارا Megara ( [8]) الواقعة قرب سهل الليوسيس ( [9]) عن خليج كورنثوس Corinths الواقع في منطقة البيلوبونيز أما طرفه عند الجنوب حيث رأس سونيوم Sunium فتوجد به جبال الأوريوم الغنية بمناجم الفضة.

يُعدُّ هذا الإقليم في مجمله إقليماً جبلياً تتخلله شعاب جبلية تقسمه إلى أربعة سهول محصورة بين الجبال وهذه السهول هي :

- سهل اليوسيس Eleusis الذي يقع في الغرب في مواجهة جزيرة سلاميس Salamis الواقعة بالقرب من شواطئ أتيكا.

- سهل كيفوس تقع فيه مدينة أثينا Athenae وهو أكبر السهول وأصلحها للزراعة ويفصله عن السهل الأول جبل أيجاليوس Aegaleus .

- سهل ميسوجايا Mesogaea وسهل ماراثون Marathon اللذان يقعا في الشرق ويُطلا على بحر يوبويا وهما أصغر السهول في إقليم أتيكا. ( [10])

يتميز هذا الإقليم بالعديد من المميزات الجغرافية التي كان لها دور كبير في تشكيل تاريخ الأيونيين داخلها، حيث أن موقعه استراتيجي كونه يتوسط بلاد الإغريق ويتصل بالمناطق الشمالية والجنوبية على حد سواء ( [11]) بالإضافة إلى الموقع هناك مميزات منها : طول سواحله المطلة على بحر أيجة ما أعطاه ميزة الانفتاح على البحر، وقيام المرافئ فيه كما يمتد أمام هذا الإقليم عدد من الجزر الصغيرة في بحر إيجة التي كانت تربطه بآسيا الصغرى ( [12]).

بالرغم من أن موقعه كان يحتل قلب بلاد الإغريق فيتصل ببقية الأجزاء، إلا أنّ الحواجز الجبلية كانت تشكل عائقاً أمامه للاتصال ببقية أجزاء بلاد الإغريق عن طريق الناحية البرية، فكان ذلك عاملاً دافعاً ليتجه السكان في الإقليم إلى البحر تعويضاً عن صعوبة الاتصال البري، وكان لهذا العامل الجغرافي دوره المهم في تطور المجتمع الأيوني من الناحية الحضارية. ( [13])

كما أن المساحة السهلية تكثر فيه نسبياً ما سمح بزراعة أشجار الزيتون والكروم بينما تعذر فيه إنتاج الحبوب وخاصة القمح وذلك لفقر التربة.

تميز إقليم أتيكا أيضاً بظاهرة جغرافية وهي التفاوت فيه، فيلحظ من الحديث السابق عن جغرافيته وجود سواحل وسهول وجبال فيه، وهذه التكوينات التضاريسية الثلاثة كانت موزعة في بلاد الإغريق بطريقة متفاوتة، فكانت الجبال هي السمة الغالبة في بعض المناطق، فأثرت على الاقتصاد وسياسة السكان فيه، بينما في مناطق أخرى نجد السواحل هي التكوين الغالب وتظهر في بقاع أخرى السهول التي تشغل الحيز الأكبر، فأثرت بذلك العامل التضاريسي على نوع النشاط السياسي والاقتصادي للسكان. ( [14])

إلى جانب ذلك كان إقليم أتيكا يحظى بالمواد المعدنية الموجودة فيه التي تنتجها المناجم مثل : مناجم لأوريوم، ولهذا السبب قامت فيه دولة قوية. ( [15])

هذه التكوينات التضاريسية الثلاثة التي تجمعت في إقليم أتيكا ما حدا بالمجتمع داخلها إلى معرفة أنواع مختلفة من الأنظمة السياسية والأنشطة الاقتصادية.

قدوم الهجرة الأيونية إلى أتيكا :

قبل أن يشهد إقليم أتيكا نزوح العنصر الأيوني إليه، كانت تسكنه أجناس مختلطة تعاقبت هجرتهم إليه، واختلط بعضهم ببعض، هذا يعني أن العنصر البشري في الأقليم لم يكن من جنس واحد بل من عدة أجناس جاءت من مناطق متفرقة داخل بلاد الإغريق أو خارجها، ولكنها اندمجت مع بعضها مكونة كتلة بشرية منسجمة ومتآلفة. ( [16])

ظهرت أثينا على ما يبدو عاصمة موحدة لهذا الإقليم، قبل أن يشهد تمركز العنصر الأيوني فيه، فكانت في بدايتها قرية صغيرة بإزاء هضبة الأكروبولس ( [17])، يُنسب تأسيسها إلى الملك سكروبس ( [18]) Secropus ، واستمرت في النمو والتوسع في عهد حلفائه الذين قاموا بتوحيد التكوينات والتجمعات القبلية التي كان على رأس كل منها ملك يقع ذلك التكوين تحت زعامته، وتم ذلك في عهد الملك ثيسيوس ( [19]) Theseus ( [20]) الذي قام في عام 1250ق. م بتوحيد جميع إقليم أتيكا بمدنها الاثنتا عشرة، وحل جميع المجالس الموجودة في اتيكا وجعل لها مجلساً واحداً، وأصبح يطلق على كافة سكان الإقليم الأثينيين، وترك الجماعات المختلفة في أتيكا تعيش في أراضيها، ولكن أرغمهم على الرجوع لأثينا في أمورهم العامة عاصمة لهم. ( [21])

هذه كانت أحوال أتيكا قبل أن تشهد هجرة الأيونيين إليها أما موطنهم في بداية الأمر فكان جنوب بلاد الإغريق وتحديداً في مناطق شرق البيلوبونيز ( [22])، وهم أسبق بالوجود في تلك البلاد من الدوريين.

حيث يذكر هيردودتس Herodotus ( [23]) أنهم عنصر أصيل في البلاد بينما الدوريون قوم رُحل. ( [24])

وينتمي الأيونيون إلى قبيلة الآخيين Achians التي هي فرع رئيسي من الهجرات الهند وأوربية وفدت على بلاد الإغريق ربما مع بداية عصر البرونز، ويُحتمل أنهم جاءوا من أصقاع أوروبا الشرقية، وحوض الدانوب، وشرق بحر قزوين ( [25])، أو من أواسط آسيا الصغرى، وهي مناطق شديدة البرودة بعيدة عن البحر ودخلوا شبه جزيرة البلقان من شماله وسواحله الشرقية وكان أكبر تمركز لهم في مناطق البيلوبونيز حيث شكلوا قوة عظيمة فيها بعد أن سيطروا على السكان الأصليين، وقاموا ببناء حضارة قوية ببلاد الإغريق سميت بالحضارة الموكينية نسبة إلى مدينة موكيناي Mycenae إحدى أشهر مدنهم. ( [26])

لكن الأيونيين اضطروا للتخلي عن أراضيهم والنزوح إلى أماكن عديدة داخل بلاد الإغريق وخارجها ( [27])، وكان ذلك بسبب الغزو الدوري الذي اجتاح بلاد الإغريق ( [28]) في أواخر القرن الثاني عشر قبل الميلاد، حيث كانت مناطق البيلوبونيز من أهم المناطق التي شهدت تمركزاً لذلك الغزو، وقد اتجه عدد منهم إلى جزر بحر إيجة، ساحل أسيا الصغرى، بينما اتجه القسم الأكبر إلى أتيكا حيث قام الأثنيون بالترحيب بهم وايوائهم من أجل تكوين جبهة مشتركة تقف في وجه الغزو الدوري. ( [29])

تناول المؤرخون القدماء هذه الهجرة ومنهم ثوكيديديس thukydides الذي أشار إلى ترحيب الأثينيين بالمهاجرين وإيوائهم من أجل تكوين جبهة مشتركة تقف في وجه الغزو الدوري. ( [30])

ما يدل على حدوث هذه الهجرة الأيونية إلى إقليم أتيكا، هو الازدياد الملحوظ والمفاجئ في عدد سكان الإقليم، ما يُبعدُ احتمالية كون الزيادة من جرّاء ارتفاع نسبة الولادة، كما أن هناك بعض الدراسات والتحليلات التي أجريت على الهياكل العظمية الجمجمية التي تكتظ بها قبور أتيكا ترجع كلها إلى العصر الموكيني. ( [31])

كان لهذه الهجرة دور كبير في تاريخ أتيكا وعاصمتها أثينا، حيث اختلط الأيونيون بالسكان الأصليين، فاقتبسوا منهم الحضارة الإيجية القديمة، ولكنهم من جهة ثانية فرضوا عليهم لغتهم وأعيادهم وعاداتهم، حتى أن تقسيم المجتمع إلى أربع قبائل، جاء بها الأيونيون ويبدو أن أعدادهم كانت كبيرة ما سهل أن ذوبان المجتمع فيهم ( [32])، وإن أصبحت أتيكا هي موطن العنصر الأيوني حتى أنه أصبح يُنظر إليها من قبل الأيونيين الذين هم خارج بلاد الإغريق موطناً أصلي لهم. ( [33])

كما أن الأيونيين نقلوا معهم إلى أتيكا مقومات الحضارة الموكينية التي دُمِّرت على يد الدوريين في البيلوبونيز، حيث شهدت أثينا رواجاً حضارياً وثقافياً وسادها ما ساد العصر الموكيني من ازدياد كمية تماثيل الطين المحروقة، هذا وقد حققت نفوذاً سياسياً وتجارياً وسيطرة بحرية ليس داخل بلاد الإغريق فحسب، بل وخارجها أيض، حيث غطت صادراتها مساحات شاسعة وأسواقاً كبيرة وهذا يرجع إلى استيعاب أثينا للمهاجرين الموكينيين. ( [34])

ثانيــاً: وجود العنصر الدوري بإقليم لاكونيا :

- وصف جغرافي للإقليم :

يقع إقليم لاكونيا Loconia في شبه جزيرة البلقان وتحديداً في القسم الجنوبي ( [35]) الذي يسمى بالبيلوبونيز، حيث يمتد في الجنوب الغربي منه.

يحدُ هذا الإقليم من الشرق والجنوب البحر المتوسط، ومن الغرب البحر الأدرياتيكي الذي يفصله عن إقليم أركاديا Arcadia ( [36]) والأرجوليس Argolis ( [37]) الواقعين في البيلوبونيز. جبال بارنون Parnon التي تمتد في وسطها من شمالها إلى جنوبها مقسمة إياها إلى نصفين ( [38]):

- النصف الأول : ينحصر بين الجبال وبحر إيجة وهو عبارة عن : أرض صخرية جرداء قاحلة معرضة للرياح الشديدة لا تغري بالسكن فيها أو الاقتراب من شواطئها.

- النصف الثاني : يتألف من سهل خصب يقع بين سلاسل جبال بارنون، وجبال تايجيتوس Taygetus في الغرب التي يبلغ ارتفاعها 8 آلاف قدم، ويجرى بها نهر يوروتاس Eurotas الذي تأسست على ضفافه مدينة إسبرطه.

هذا القسم أيضاً لا يسمح بالملاحة فيه، لذلك فإن الدولة التي ستقوم فيه ستكون دولة برية في اقتصادها. ( [39])

كان لإقليم لاكونيا مميزاته المؤثرة على حياة شعبه، حيث يستحوذ على سهل خصب خاصة الذي يقع بين جبال تايجيتوس ونهر يوروتاس، ولهذا لم يواجه سكانه مشكلة عدم الاكتفاء الذاتي، الذي يدفع بالسكان كبقية الأقاليم الأخرى للاشتغال بالتجارة والهجرة وإقامة مستعمرات، أي يعني لو وجد نشاط بحري، ربما كان بشكل محدود، خاصة وأن خليج لاكونيا، كان أكثر تعرضاً للرياح من خليج إقليم الأرجوليس، وليس بها سوى ميناء واحد هو ميناء جوثيوم Gytheum .

إلى جانب ذلك كان إقليم لاكونيا من أكثر أقاليم الإغريق انعزالاً، حيث يقع في أقصى جنوبها، ويبعد مسافة طويلة عن قلب تلك البلاد، كما أن الجبال والمرتفعات التي تحيط به جعلته بمعزل عن الأقاليم القريبة منه.

فعلى سبيل المثال كانت مرتفعات سكيرتيس Sciritis في جنوب شرق اركادي، تسد في وجهه تمنعه من الاتصال بخليج كورنثوس وسلاسل جبال بارنون. التي تفصل ساحله الشرقي عن المناطق الداخلية ومن الغرب يفصله إقليم مسينيا ( [40] ) Messenia ( [41]) الواقعة في الجنوب الغربي من البيلوبونيز ( [42]) سلسلة جبال تايجيتوس الشاهقة البالغ ارتفاعها 780 ألف قدم. ( [43])

الاحتلال الدوري لإقليم لاكونيا :

ورد سابقاً ( [44]) تعرض بلاد الإغريق لغزو الدوريين في أواخر القرن الثاني عشر الذي كان السبب الرئيسي في نزوح العنصر الأيوني إلى أتيكا، الذين يُرجَّحُ أنّهم أيضاً فرع من القبائل الهند وأوربية أي من العنصر الإغريقي نفسه، وهذا يعني أن أصولهم والأيونيين واحدة ويُحتمل أنهم جاؤوا من وادي الدانوب أو من قارة آسيا الصغرى. ( [45])

كانت مناطق البيلوبونيز من أهم المناطق التي استهدفوها ( [46]) والتي كان مجئيهم إليها قد جاء في قالب أسطوري مفاده أنهم جاءوا بقيادة هيراكليس Heracles البطل الأسطوري الإغريقي ليستردوا إرثهم القديم ( [47])، ولقبوا هجرتهم باسم عودة آل هيراكيلس، ويدور محور الأسطورة حول الصراع الذي نشب بين أحد أبناء هيراكليس وهو هيلوس وملك الآخيين أتريئوس، الذي خَلُصَ إلى مبارزة بينهما وكان شرط المبارزة إذا فاز هيلوس يُعطي للهيراكليين عرش موكيناي، وإذا خسر يتعهد بالخروج من البلاد ولا يعود إليها إلا بعد مرور 50 عام يتولى بعدها عرش موكيناي، وكانت النتيجة خسارة هيلوس وعودة أحفاده مطالبين بالرجوع إلى منطقة البيلوبونيز.

ربما تكون هذه الأسطورة مجرد ذريعة اتخذها الدوريون لتبرير غزوهم، وإعطائهم الشرعية في ذلك ( [48])، المهم أن هذه الشعوب قد قامت بتدمير الدفاعات لحضارة الأخيين ( [49]) فكانوا قساة لا حضارة لهم، وعلى الأغلب قوم بدو كانوا يعيشون بداية في الخيام واستطاعوا بفضل أسلحتهم الحديدية الانتصار على الآخيين، وسبب مجيئهم حدوث اضطراب ساد البلاد في جميع أوضاعها فعاش السكان في قلق وخوف لا يهتمون إلا بالاستعداد للحرب والدفاع ( [50]) لهذا سميت الفترة التي شهدت مجيئهم حتى القرن التاسع ق.م حيث استمر ندفقهم حتى هذا القرن، بالفترة المظلمة في بلاد الإغريق Dark Ages . ( [51])

وتسمية هذه الأقوام الوافدة على بلاد الإغريق بالدوريين جاءت بعد وصولهم إلى المنطقة واستقرارهم فيها ويذكر هاموند Hammond هذه التسمية نسبة إلى مدينة دوريس أو دارس Daris الواقعة في وسط بلاد الإغريق ( [52]) التي كانت آخر منطقة توقفت عندها هذه الأقوام عند وصولهم للمنطقة، ومنها انطلقوا بغزواتهم إلى مناطق البيلوبونيز فاعتبرت بذلك المدينة الأم لهم ( [53]).

كان إقليم لاكونيا من أهم أقاليم البيلوبونيز التي شهدت تمركزاً للعنصر الدوري في بلاد الإغريق فلقد تعرض كغيره من الأقاليم في تلك المنطقة لغزو الدوريين ولكن على ما يبدو كانوا أكثر بأساً من القبائل الدورية الغازية في بقية أقاليم البيلويونيز. ( [54])

كانت طريقتهم في تثبيت وجودهم في الإقليم تختلف تمام الاختلاف عن كيفية وجود الأيونيين فبينما الآخرون اتبعوا طريقة العيش السلمي والتمازج مع العناصر السكانية السابقة فإن الدوريين جاءوا بوصفهم غزاة للإقليم يُسعون إلى فرض وجودهم فيه، واعتبروا أنفسهم طبقة عليا، لا يشوبها الاختلاط بعناصر أخرى من السكان الأصليين للمنطقة الذين حولوهم إلى عبيد لخدمتهم وحرموهم من جميع الحقوق. ( [55])

اضطر الدوريون في بداية وجودهم في لاكونيا إلى خوض غمار حروب عديدة مع الآخيين، حيث كانت هناك قرية صغيرة تسمى أميكلاي Amyclae تابعة للآخيين استمرت في مقاومتهم، إلا أن الدوريين وجدوا في إقليم لاكونيا المكان المناسب لهم كونه يستحوذ على أرض سهلية محاطة بالجبال، فتوافر الغذاء والحماية اللازمة لاستمرار وجودهم، واستقروا على بعد أربعة أميال من تلك القرية الآخية تمهيداً لسيطرتهم على الإقليم. ( [56])

و يبدو أن الدوريين واجهوا بالفعل مقاومة في وجودهم بالإقليم، بدليل تأخر ظهور مدينة إسبرطه Sparta التي كانت مركزاً لهم في الإقليم، إذا لم تظهر بشكل واضح إلا في بداية القرن التاسع ق.م حيث أن الدوريين في البداية ظهروا على هيأة تجمعات وسط الشعب المقهور، وبدأت هذه التجمعات الدورية بالنمو مكونة أربع قرى هي : ( بيتانا Petana وميسوا Mesoa ، وليمناي Lemnae ، وكونورا Conooural )، وكان موقع هذه القرى على الضفة الغربية لنهر يوروتاس وفي القرن التاسع ق.م قام اتحاد ما بين هذه القرى الدورية أطلق عليها اسم أسبرطه.

هكذا ظهرت إسبرطه باتحاد القرى الدورية الأربع لكن الدوريين لم يتم لهم الاستقرار في الإقليم إلا بعد اندماج قرية أوميكلاي في الاتحاد التي كانت لا تزال في مقاومتها لهم ويبدو أن الدوريين قد وصلوا إلى حلول مرضية معها، فلم يدمروها كبقية القرى الأخرى وكان ذلك في النصف الأول من القرن الثامن قبل الميلاد. ( [57])

والجدير ذكره هنا أن الأسطورة التي تحدثت عن تقاسم أحفاد هيراكليس مناطق البيلوبونيز فكانت (تيمنونس Temenus ، أرجوس Argos ، وكريسفونتيس Cresphontes ، مسينيا ولاكونيا لأرسطوديموس Aristodemus ) الذي خلفه على العرش أبناؤه الاثنان بوروسثينيس Eurysthenes وبروكلس procles ومن هنا جاءت الملكية المزدوجة في اسبرطة. ( [58])

استمرت إسبرطة عاصمة الدوريين بعد ذلك في بسط نفوذها على إقليم لاكونيا سواء بالتحالف مع العناصر الآخية، وحتى الدورية التي سبقتها بالوجود في هذا الإقليم أو بالحروب حتى تم لها السيطرة على إقليم لاكونيا جنوباً حتى البحر. ( [59])

وهكذا يمكن التساؤل هل إن اختلاف وجود العنصرين الأيوني والدوري في إقليمي أتيكا ولاكونيا سيؤدي إلى صراع خلال اختلاف نظم حياة كل منهما ؟؟ هذا ما سيجيب عنه الفصل الأول من الرسالة.

أتضح للباحثة خلال الدراسة ما يأتي :-

إن الفرق الحضاري بين مجتمعي الأيونيين والدوريين في إقليمي أتيكا ولاكونيا كان كبيراً بالفعل في جميع نواحيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن هذا الاختلاف لم يكن وحده سبباً كافياً لظهور الصراع بين الجانبين، حيث إن الصراع ما بين الأيونيين والدوريين الذي قام البحث بتحديد فترة زمنية لدراسته بدايةً من القرن الخامس قبل الميلاد، ما هو إلا وليد لأحداث سابقة ترجع إلى فترةٍ زمنية بعيدة عن فترة الدراسة، ولكنها كانت مهمة كونها القاعدة التي انطلقت الباحثة خلالها إلى دراسة الموضوع.

فلقد تمت الإشارة سابقاً إلى كل من الأيونيين والدوريين يرجعون بأصولهم إلى الشعوب الهندوأوروبية، إلا أن زمن توافد الطرفين إلى بلاد الإغريق قد اختلف، فالأيونيون كانوا هم الأسبق بالوجود في تلك البلاد من الدوريين، وكانوا يقطنون مناطق شرق البيلوبونز ثم اضطروا بعد ذلك إلى ترك أراضيهم وهجرة معظمهم إلى أتيكا التي أصبحت موطن العنصر الأيوني في بلاد الإغريق، وكان ذلك نتيجةً لغزو الدوريين الذين اجتاحوا معظم مناطق البيلوبونيز وكان أقوى وجود لهم في إقليم لاكونيا التي شهدت تمركز أقوى القبائل الغازية من الدوريين، فاعتبروا في نظر الأيونيين أنهم قوم قد اغتصبوا أراضيهم ودمروا مدنهم، ومن هنا تولد الحقد والتنافس بين العنصرين وأصبح يزداد بعد أن استطاع كل عنصر أن يثبت مكانته وقوته في إقليمي أتيكا ولاكونيا متخذين نظم حياة تختلف كلٌّ منهما عن الأخرى، وهذا يرجع إلى اختلاف كيفية وجود العنصرين في الإقليمين، فالأيونيون دخلوا إقليم أتيكا بوصفهم مهاجرين مسالمين وفارين من غزو الدوريين فاختلطوا بالسكان الأصليين واندمجوا معهم ليكونوا كتلة متحدة ومتجانسة تشق حياتهم فأصبح مركزهم أثينا من المدن الرائدة في تلك البلاد.

أما الدوريون فقد دخلوا لاكونيا غزاة مسلحين فرضوا وجودهم وهيمنتهم بالقوة على السكان الأصليين وأوجدوا مجتمعاً طبقياً عنصرياً يتربعون على قمته واتخذوا نمطاً من الحياة العسكرية الجامدة لتناسب وضعهم الداخلي في لاكونيا.

اجتمعت هذه الأسباب سواءً الأسباب المتعلقة بكيفية بداية وجود العنصرين في الإقليمين أو الأسباب المتعلقة باختلاف أنظمة الحياة وأدت إلى حدوث أول صدام مباشر بين القوتين في نهاية القرن السادس قبل الميلاد، فالملك كليئومينيس دخل أثينا لكي يقضي على نظامها الديمقراطي الذي عُدَّ نظاماً مناقضاً لنظام بلاده السياسي ومن شأنه أن يشكل خطراً على مدينته في المستقبل، كما أظهرت حملات كليئومينيس على اتيكا مدى الخوف والحقد الذي اجتمع لدى شعبها الأيوني، ويظهر هذا خلال ما ذكره هيردودتس من حديث على لسان كاهنة معبد أثينا التي عدت أتيكا أرضاً محرمة على الدوريين، ويمكن إرجاع هذا إلى خوف الأيونيين أن يفعل الدوريون في موطنهم الأتيكي ما فعلوه في أراضيهم السابقة وهذا يبين مدى تأثير العداء القديم بين الجانبين على علاقاتهما حتى هذه الفترة.

كان القرن الخامس قبل الميلاد منذ بدايته وحتى نهايته شاهداً على أهم مراحل الصراع بين الأيونيين والدوريين، وقد تميزت كل مرحلة بأحداثٍ مهمة ومواقف جسدت مدى عمق التنافس الشديد بين الطرفين، فلقد دخل الأيونيون في بداية هذا القرن بشكلٍ أكبر قوة وبروزاً على مسرح الأحداث السياسية في بلاد الإغريق من الدوريين، حيث كانت لهم طموحاتهم الرامية إلى جعل مدينتهم أثينا زعيمة لبلاد الإغريق فبدأوا بالقيام بأهم نشاط سياسي كان هدفهم منه نشر نفوذهم على سواحل آسيا الصغرى حيث المراكز الاقتصادية المهمة لجميع مدن بلاد الإغريق، ويتمثل هذا النشاط في إشعالهم الحرب مع القوة الفارسية هناك وهذه الحرب بدورها أظهرت عدداً من المواقف التي كشفت عن روح العداء والخوف التي تعامل بها الأيونيون مع الدوريين كما كانت للآخرين مواقفهم التي بينت عدم رضاهم عن مجريات الأحداث السياسية من حولهم.

من أهم تلك المواقف هجوم حكومة أثينا على حكومة إسبرطة وإظهارها بمظهر الخائنة كونها لم تساعدها في صد خطر الفرس الذين بدأوا بالهجوم عليها على الرغم من عدم نهوض أي من المدن الإغريقية لمساعدتها بل سلطت غضبها على إسبرطة، كما أن قضية بناء الأسوار حول مدينة أثينا ومعارضة حكومة إسبرطة، ذلك يبين مدى خوف الأخيرة من ازدياد قوة عدوتها خاصةً بعد إن استطاعت في مراحل سابقة أن تحرز النصر على الفرس.

من المواقف البارزة أيضاً التي حدثت في المراحل النهائية من الحروب الفارسية الإغريقية موقف أثينا من إسبرطة قبيل انتهاء حربها مع الفرس فعلى الرغم من دخول إسبرطة إلى جانب أثينا لصد الحملات الفارسية المتجددة ضدها وإحرازها النصر في إحدى مواقع الحرب إلا أن أثينا بعد أن ابتعد خطر الفرس عن بلاد الإغريق أرادت أن تكمل بقية الحرب وحدها لتحقق هدفها في السيطرة على سواحل آسيا الصغرى فكان لزاماً عليها أن تزيح إسبرطة عن طريقها خاصةً بعد أن أصابها الضعف نتيجة استيلاء باوزانياس ملك إسبرطة على مستعمرة بيزنتيوم من الفرس التي كانت ذات مركز تجاري مهم، إلا أنها استغلت أخطاء باوزانياس بشأن تعاونه مع الفرس لتظهر بلاده بمظهر الخائنة لقضية الدفاع عن حرية المدن الإغريقية فاضطرت إسبرطة للانسحاب وترك الساحة لأثينا التي قامت بمزيدٍ من الأنشطة السياسية المهمة وأبرزها تكوين حلف ديلوس الذي خلاله سيطرت على معظم الجزر الإيجية، وأتاحت كذلك لها السيطرة على سواحل آسيا الصغرى فكان هذا من شأنه أن يزيد من لهيب الصراع بين المدينتين.

في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد بدأ الصراع بين الأيونيين والدوريين يتطور إلى مرحلة خطيرة جداً، حيث بدأ النزاع بينهما على المواقع الإستراتيجية الواقعة في بلاد الإغريق القارية، وبالتحديد المناطق الواقعة بين إقليمي أتيكا ولاكونيا حيث كان كلٌّ من الطرفين يسعى لتضييق الخناق على الآخر وكان البادئ بهذه المرحلة من الصراع الأيونيين -بقيادة زعيمهم بركليس- وكان لهم دور مهم في الصراع وكان السبب في ظهور هذه المرحلة الجديدة من الصراع هي محاولة الأيونيين الوصول بأنشطتهم التجارية إلى الغرب من بلاد الإغريق، إلا أن المدن الدورية بجنوب بلاد الإغريق- وعلى رأسها كورنثوس وإسبرطة- قد تصدت لذلك ما سبب نشوب الحروب التي انتهت بعقد معاهدة سلام الثلاثين عاماً.

أما في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد فقد تجدد الصراع وانتهت معاهدة السلام التي لم تستمر سوى 15 عاماً، وعلى الرغم من تعدد الأسباب لتجدد الصدام إلا أن السبب الرئيس كان يتمثل في معاودة الأيونيين محاولتهم نشر نفوذهم غرب بلاد الإغريق والحصول على مراكز تجارية وأسواق جديدة بعد أن أتموا سيطرتهم على تجارة بحر إيجا، كما كان هناك سبب آخر وهو أن الأيونيين لم يكتفوا بمد نفوذ مدينتهم أثينا على جزر بحر إيجة وسواحل أسيا الصغرى وإنما أرادوا أيضاً تحقيق سيادتها على المنطقة القارية ببلاد الإغريق، ومن هنا نشبت أعظم الحروب بين الأيونيين والدوريين عرفت باسم الحروب البيلوبونيزية التي شكلت قمة الصراع وانقسمت تبعاً لها مدن بلاد الإغريق على قسمين : قسم يؤيد الأيونيين، وقسم يؤيد الدوريين، وعلى الرغم من قصور الدوريين في المجال البحري وقلة الإمكانات المادية إلا أنهم استطاعوا بمساعدة حلفائهم بالإضافة إلى ظهور قادة محنكين تحقيق النصر على الأيونيين وهزيمة مدينتهم أثينا.

فلقد حاصروا شعبهم الأتيكي براً وبحراً، كما قاموا بضرب الدعامات الاقتصادية التي خلالها استطاع الأيونيون تكوين قوتهم البحرية التي كانت نقطة البداية لفرض قوتهم وزعامتهم وهي تمثلت في المراكز الاقتصادية الموجودة بسواحل آسيا الصغرى، حيث قاموا بالاستيلاء عليها ونزعها منها، وانتهت هذه الحرب باستسلام الأيونيين لقوات الاتحاد البيلوبونيزي وإذعان مدينتهم أثينا للشروط التي أملتها عليها إسبرطة.

أسفر ذلك الصراع عن نتائج عديدة منها نتائج مباشرة ظهرت بعد الحرب وأولها انهيار قوة المجتمع الأيوني الأتيكي سواءً من الناحية السياسية أوالاقتصادية أوالاجتماعية حيث عم التدهور جميع أنحاء البلاد.

كما أثر الصراع خلال القرن الخامس قبل الميلاد بشكل كبير في مجرايات الأحداث السياسية في بلاد الإغريق في القرن الرابع قبل الميلاد وأهمها ما يأتي :-

أولاً : محاولة الدوريين تقليد سياسة الأيونيين وجعل بلادهم زعيمة لبلاد الإغريق بعد أن كانت سياستهم في السابق تهدف فقط للسيطرة على أقاليم البيلوبونيز، وكانت هناك أسباب عديدة دفعت الدوريين لاتخاذ هذا المسلك الجديد لسياستهم وأهمها ظهور شخصيات قيادية كانت قد جرت حكومة إسبرطة إلى تحمل مسؤوليةً فاقت طاقاتها البشرية والمادية ناهيك عن إثارتها العديد من المشكلات مع المدن الإغريقية سواءً في مناطق البيلوبونيز أو مناطق وسط بلاد الإغريق، كما أقحمتها في حروبٍ مع الفرس في آسيا الصغرى فتوزعت طاقاتها وتشتت في مواجهة الجبهتين.

ثانياً: أهم ما أسفر عنه ذلك الصراع أنه جعل الفرس يتدخلون في الشؤون الداخلية لبلاد الإغريق وجعلتهم يتولون أمور الحرب والسلام بين المدن الإغريقية ويضعون من يرونه مناسباً للحفاظ على مصالحهم في المنطقة، وكان أول المدن التي طلبت تدخل الفرس إسبرطة ما سبَّب ازدياد حقد المدن الإغريقية عليها ففقدت سمعتها وضعفت قوتها بعد هزيمتها في معركة ليوكترا.

ثالثاً : لم تقف نتائج الصراع عند هذا الحد بل ظهرت نتائج أخرى أثرت على مستقبل مدن بلاد الإغريق جميعها وهي محاولة مدينة طيبة تقليد سياسة أثينا وإسبرطة ما سبَّب إثارة الحروب وسمحت للفرس بالتدخل من جديد ليزيدوا من الفتن والصراعات الداخلية بين مدن الإغريق حيث سلكت طيبة مسلك إسبرطة في كسب الفرس وجعلها رقيبة على مصالحهم في المنطقة فأثيرت الحرب من جديد وانتهت بإنهاء زعامة مدينة طيبة كما أدت إلى إنهاك قوى مدن بلاد الإغريق في وسط تلك البلاد وجنوبها.

هذه الأحوال السياسية المائعة في بلاد الإغريق جعلت من مدنها فريسة سهلة لقوة مقدونيا بقيادة زعيمها فيليبوس الذي قام باستغلال الإنشقاق والخلافات بين مدن الإغريق وخصوصاً في وسط المنطقة ليمد نفوذ بلاده فيها بالتدريج وانطلق منها أيضاً ليمد نفوذه على جنوب البلاد فكان هذا من أهم النتائج التي أسفر عنها الصراع التي بها انتهى العصر الهليني ليبدأ عصر جديد في تاريخ البلاد عُرف بالعصر الهللينستي.

ومن توصيات هذه الدراسة الدعوة إلى الإهتمام بدراسة تاريخ الإغريق والتعرف على جوانبه الإقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية لأن العلاقات معهم كانت بارزة في تاريخ ليبيا ولا شك أن قدومهم إلى ليبيا وإنشائهم المستوطنات مشهورة ومهمة وكان له أثره في ليبيا ولا يمكن دراسة تاريخ ليبيا دون دراسة تاريخ الإغريق فعلاقات الجوار والمصالح كانت رابطاً بين البلدين.

كما يجب توجيه طلبة الدراسات العليا إلى دراسة العلاقات بين المدن الأخرى على غرار هذه الدراسة التي ركزة على العلاقات بين أثينا وإسبرطة، فدراسة علاقات المدن الأخرى مع هاتين المدينتين أو مع بعضها سوف تلقي الأضواء على نسيج المجتمع الإغريقي وتفسر حركاته السياسية والثقافية والإقتصادية.

كما يجب التركيز على العلاقات الأيونية الدورية وما شابهها من علاقات بوصفها علااقات إنسانية ترسي دعائم فهمنا للتطور السياسي والإقتصادي للمجتمع الإنساني حيث كانت الحضارة الإغريقية إحدى الحضارات الكبرى في التاريخ البشري القديم.


------------------------------------- الهوامش

( [1] ) عياد، محمد كامل، تاريخ اليونان، ج1، دمشق، 1980، ص 21؛ الخطيب، محمد : الحضارة الإغريقية، ط1، دمشق، المنارة للانتاج الإعلامى والفني، 1998، ص11

( [2]) Burn A.R : Atravellers History of Greece، London، Hodder & Stoughton، 1965، p 37.

( [3] ) عبدالساتر، لبيب، الحضارات، بيروت، دار الشرق، ط9، ص 130.

( [4] )انظر الخريطة رقم 1 بالملحق ص 174.

( [5] ) الناصري، سيد احمد علي، الإغريق تاريخهم وحضارتهم،القاهرة، دار النهضة العربية، ط2، 1976، ص 185.

(6)Rostovtzeff. M : Greece، Oxford، 1963. p 81.

( [7]) بؤيوتيا : أنظر المسرد.

( [8] ) ميجارا : أنظر المسرد.

( [9] ) على أحمد عبداللطيف، التاريخ اليوناني (العصر الهيلادي) بيروت، دار النهضة العربية،ج1، 1971م، ص 157.

( [10] ) الناصري، المرجع السابق، ص 185.

( [11] ) عياد، المرجع السابق، ص 209.

( [12]) Rostovtzeef. op. cit، p.81.

( [13] ) على، المرجع السابق.

( [14] ) يحي، لطفي عبدالوهاب، اليونان مقدمة في التاريخ الحضاري، القاهرة، دار المعرفة الجامعية، 1996، ص 119.

( [15]) Rostovtzeef. op.cit، p82.

( [16] ) عياد، المرجع السابق، ص 106.

عبد الساتر، المرجع السابق، ص 130.؛ Tellos T.B: Greece، Athena، 1973، p6 ( [17] )

( [18] ) عياد، المرجع السابق، ص 212.

([19]) Devambez.P&et.al: Dictionary of Ancient Greek Civilzation. London. Methuen & Coltd،1971،Attica.

ثيسوس : أنظر المسرد. ([20])

( [21] ) مكاوي، فوزي، تاريخ العالم الإغريقي وحضارته، القاهرة، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، 1999، ص12.

( [22] ) عياد، المرجع السابق، ص 211.

( [23] ) هيردودتس، أنظر المسرد.

( [24] ) تاريخ هيردودت، (ترجمة : عبدالإله الملاح)، أبو ظبي، المجمع الثقافي، 2001، ص39.

( [25] ) حسين، عاصم أحمد، المدخل إلى تاريخ وحضارة الإغريق، بيرفورمانس، ط5، 1993، ص 85.

( [26] ) على، المرجع السابق، ص 85.

( [27] ) للإطلاع على أماكن استقرار العنصر الأيوني انظر الخريطة رقم 2 بالملحق ص175.

( [28]) ALTY. JHM. " Dorians &Tonians" in J.H.S.CII. ( 1982 ) pp1-14.

( [29] ) الشيخ، حسين، دراسات في تاريخ الحضارات القديمة اليونان، دار المعرفة الجامعية، 2003 ص 35: الأثرم، رجب عبدالحميد، دراسات في تاريخ الإغريق وعلاقته بالوطن العربي، بنغازي، منشورات جامعة قاريونس، ط2، 2001، ص ص 86-87.



( [30] ) الناصري، المرجع السابق، ص 73.

( [31] ) المرجع نفسه، ص 74.

( [32] ) عياد، المرجع السابق، ص 212.

( [33])Hammond N.C.L: History of Greece، oxford، 1973، p 88.

( [34] ) الناصري. المرجع السابق، ص 74.

( [35] ) انظر الخريطة رقم 1 بالملحق ص 174.

( [36] ) أركاديا : أنظر المسرد.

( [37] ) الأرجوليس : أنظر المسرد.

( [38] ) عياد، المرجع السابق، ص 169.

( [39] ) بكري، حسن صبحي، الإغريق والرومان والشرق الإغريقي الروماني، الرياض، دار عالم الكتب للنشر والتوزيع، ط1، 1985، ص 109.

( [40] ) على، المرجع السابق، ص ص 167- 173.

( [41] ) عن ميسينيا : أنظر المسرد.

( [42] ) عياد، المرجع السابق، ص 171.

( [43] ) على، المرجع السابق، ص 173.

( [44] ) أنظر أعلاه، ص11.

( [45] ) الناصري، المرجع السابق، ص 70.

( [46] ) للإطلاع على أماكن استقرار العنصر الدوري داخل بلاد الإغريق وخارجها انظر الخريطة رقم 2 بالملحق ص 175.

Andrewes. A: The Greeks، London، 2 nd، 1972، p 31. ( [47] )

( [48] ) عياد، المرجع السابق، ص 100.

([49]) Hammond. op.cit، p.74.

( [50] ) عبدالساتر، المرجع السابق، ص 131.

Snodgrass A..M : The Dark Age of Greek، Oxford، cainburgh، 1971، p p 8 f. ( [51] )

( [52] ) Hammond. op.cit، p 76.

Bury J.B. & et.al : History of Greece، 4 th، London، 1975، p 55. ( [53] )

( [54] ) الجندي، إبراهيم عبدالعزيز، معالم التاريخ اليوناني القديم، القاهرة، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، ط1، 1999، ص 386.

( [55] ) الأثرم، المرجع السابق، ص 87.

( [56] ) الجندي، المرجع السابق، ص 386.

( [57] )الجندي، المرجع السابق، ص 386.

Hammond. op.cit، p 77. ( [58] )

( [59] ) الجندي، المرجع السابق، ص 387.

يتبع الجزء الثانى


يتبع



يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق