السبت، 9 أبريل 2016

مصــر فى العصـر الرومانى 17 الحيـــاه الثقافيه -الاداب والعلــــوم

مصــر فى العصـر الرومانى 17 الحيـــاه الثقافيه -الاداب والعلــــوم





مكتبة الأسكندرية



مكتبة الإسكندرية التي طبقت شهرتها آفاق العالم القديم طوال العصر الهللينستي ، والتي كانت وثيقة الصلة بالموسيون ، لا يذكر شيئاً عن جهود للأباطرة في دعمها على نحو ما كان يفعل البطالمة غير أنه كان يقوم بأمانة المكتبة طوال العصر الروماني علماء نابهون تولوا رعايتها وقد وجدت إلى جانب المكتبة الأم مكتبتان أخريان كانت كبراهما ملحقة بمعبد سرابيس (السرابيوم) والأخرى بمعبد قيصر (القيصرون) .



الأداب والفلسفة

أبرز ملامح نتاج الإسكندرية الأدبي والفكري في العصر الروماني أمرين ، الأول هبوط مستوى الإنتاج الأدبي الشعري ، حيث لا يوجد إلا شعراً مصنوعاً غير مطبوع ، أكثره منظومات وصفية تتناول مواقع جغرافية أو أشخاصاً أي آلهة ، وشتان بين هذا كله وبين أغراض الشعر ومستواه ، كذلك تدهور مستوى الكتابة التاريخية وداخلها التزييف والخيال والانتحال غير أن علماء الموسيون تابعوا عمل أسلافهم في الدراسة الأدبية والنقدية وتحقيق النصوص والتعليق عليها .
والأمر الثاني هو أزدهار الفكر الفلسفي مما يعتبر اتجاهاً جديداً لم يظهر في الإسكندرية من قبل ويبدو أن ملوك البطالمة لم يشجعوا دراسة الفلسفة تفادياً ، فيما يحتمل ، لما يطرحه هذا النوع من النشاط العقلي من تساؤلات قد تمس أساس سلطتهم الملكية المطلقة ، أما الرومان ، فقد وجد من قوادهم وأباطرتهم من يتحمس شخصياً لدراسة الفلسفة وتبني بعضهم مذهباً أو آخر من مذاهبها ، وخاصة الإمبراطور "الرواقي" ماركوس أوريليوس ، فالرواقية كانت أحب المذاهب الفلسفية إلى قلوب الرومان .
غير أن أزدهار الفلسفة في الإسكندرية لم يكن متعلقًا بمدى إعجاب الرومان بالفلسفة أو حتى تشجيعهم إياها ، وإنما كانت ظروف العصر نفسها تبعث على التفكير الفلسفي بين المثقفين ، وفي الإسكندرية ، تلك المدينة التي كانت تعج بالحركة التجارية ، وإليها كانت تنساب مع القادمين من كافة الأجناس شتى الأفكار الدينية من شتى الثقافات ، واجه المثقف نوعاً من الحيرة والأرتباك حين بدا له وكأن كل الأديان القديمة محض هراء وأنتحالات زائفة ، وإلى شيء من هذا التوجه ذهبت دعوة أصحاب مذهب "الأدرية" (الغنوصية) التي أنكرت كل الأديان القائمة وأعتقدت في فكرة إلهية عُليا ثم جاءت الديانة المسيحية التي لم تكن لتتأخر طويلاً في حلتها من أرض فلسطين إلى الإسكندرية فأكدت طرح الثقة بعقائد قديمة كثيرة ، فنزعة التفلسف حين انبعثت من الإسكندرية في ظل هذه الظروف ، قد جاءت مصطبغة بصيغة دينية وأصبح التفكير الفلسفي فيها ذا طبيعة ثيوصوفية .
ويعتبر فيلون اليهودي أول فيلسوف أنتجته بيئة الإسكندرية ، فقد كان يمثل موقف مثقف مفكر يهودي يدين بعقيدة التوحيد ، لكنه في سبيل ذلك تحولت الشخصيات الدينية في التوراة عنده إلى مجرد رموز للأفكار المجردة التي كان كثير منها مستمداً من الفكر الفيثاغوري ، ويفوق فيلون أهمية في مجال الفكر الفلسفي الإسكندري أفلوطين الذي يعتبر زعيم الأفلاطونية الجديدة وهو من بلدة ليكوبوليس (أسيوط) في صعيد مصر ، وقد درس في الإسكندرية على يد أستاذه أمونيوس ساكاس وأقام مذهباً فلسفياً متكاملاً جمع فيه بين عناصر شرقية روحية استلهمها من الحكم المصرية والفارسية والهندية وعناصر من الجانب الإلهي من فلسفة أفلاطون والفلسفة الفيثاغورية الجديدة ، وهو على إجمال القول يبدأ بالفلسفة لينتهي باتحاد النفس مع الله .
كذلك في عداد المفكرين الفلاسفة الإسكندريين أثينايوس النقراطيسي الذي يدل على سعة علمه وإحاطته بمختلف المذاهب الفلسفية ، والكتاب الوحيد الموجود من مؤلفاته وهو مأدبة الحكماء ، وهو كتاب ضخم حاكي فيه المؤلف أسلوب فلاسفة قدماء مثل أفلاطون في المأدبة لعرض أرائه بيد أنه لم يبلغ مبلغ هؤلاء .



-*-*-*العلــــوم-*-*-*



في مجال العلوم فقد حافظت الإسكندرية على مكانتها القديمة في الدراسات الفلكية والرياضية والطبية ، وأول من يُذكر في هذا المقام العالم الفلكي الرياضي الجغرافي الفذ كلوديوس بطلميوس الذي ولد بمدينة بطلمية بصعيد مصر وأزدهر علمه بالإسكندرية في القرن الثاني الميلادي ، وهو الذي عرفه العرب باسم بطلميوس الجغرافي حيث أشتهر عندهم بكتابه العظيم في الرياضيات والفلك الذي أسموه "المجسطي" ، وهو تصحيف عربي للعنوان اليوناني للكتاب ، وقد قيل عن هذا الكتاب الموسوعي إنه ظل "إنجيل" الفلك حتى أيام كوبرنيكوس .
أما الجغرافيا فقد تصدى كلوديوس بطلميوس لدراستها على أساس معرفته الرياضية والفلكية فوضع كتاباً موسوعياً أيضاً في ثمانية أجزاء ، ورسم خريطة للعالم حدد عليها الأماكن بنسب أبعادها الصحيحة ، فكان الكتاب والخريطة نقلة مهمة في علم الجغرافيا القديمة.

-*-*-*الطب والجراحة-*-*-*



في مجال الطب والجراحة ، واصل علماء الإسكندرية اهتمامهم القديم بالتشريح ، وظلت شهرة الإسكندرية القديمة في العلوم الطبية تجتذب الطلاب من خارج مصر حتى أواخر القرن الرابع ، ولعل أبرز من درس الطب في الإسكندرية جالينوس البرجامي (129-199) أعظم أطباء ذلك العصر على الإطلاق ، ويصف الكاتب الموسوعي كلسوس (النصف الأول من القرن الأول) براعة أطباء الإسكندرية في إجراء شتى العمليات الجراحية بما فيها جراحة تجميل الوجه ، وكذلك تشير بعض الوثائق إلى أجهزة طبية أو أربطة عرفت باسم مبتكريها من أطباء الإسكندرية .

-*-*-*النحـــت-*-*-*



تمثل الحضارة الرومانية المرحلة الأخيرة من مراحل تطور الحضارات القديمة لكي تبدأ بعدها حضارات العصر الوسيط ، بمعنى أنها تمثل بحق مرحلة أنتقال أستغرقت عدة قرون بسطت روما خلالها نفوذها على معظم العالم القديم المعروف آنذاك ، لكي تؤثر فيه تارة وتتأثر به تارة أخرى ، مرتكزة أحياناً على مقوماتها الذاتية ، ومستندة أحياناً أخرى على التراث الحضاري لمن سبقتها وخاصة التراث الإغريقي .
إن الفنون عامة وفن النحت خاصة يعتبر من أهم المجالات التي تعكس بصدق بالغ تفاعلات أي مجتمع بكل ما له وما عليه بعيداً عن التزييف وعن المبالغات التي تهدف إلى إضفاء الهالات على الذات ، أو الانتقاص من إنجازات الآخرين .
أستعراض فن النحت الروماني يشير في بداياته إلى الأصول الأولى البسيطة للمجتمع الروماني ، مجتمع مدينة أحاط بها أعداؤها من كل جانب مما ألزمها ـ حباً في بقائها ـ أستخدام قدراتها الذاتية لتحقيق أمنها ليس فقط بوسائل الدفاع عن النفس ، ولكن بوسائل الهجوم التي مكنتها خلال خمسة قرون من الحكم الجماعي (العصر الجمهوري) ليس فقط من الدفاع عن نفسها ، ولكن أيضاً بتكوين إمبراطورية مترامية الأطراف ضمت شعوبًا شرقية وأخرى غربية ، هذه الأنتصارات التي حولت روما من مجرد مدينة إلى إمبراطورية واسعة وجهت الفنون الرومانية منذ البداية إلى التمسك بأصولها الأولى الإيطالية ، وهي أصول حملت معها مفاهيم خاصة أنعكست في مجال فن النحت مثل الطابع العملي في تنفيذ عناصر هذا الفن بأستخدام خداع النظر، مثل الأهتمام بتصوير الشخصيات التاريخية الرومانية ، والحرص في تسجيل الأحداث التاريخية ، والدعاية السياسية لقدرة روما الإنمائية لمختلف الشعوب ، والميل لأستخدام القيم القياسية لإبراز الملامح الخاصة ، كل تلك العناصر التي تبلورت في مجال النحت الروماني خلال العصر الجمهوري عكست مشاعر رومانية تمجد الأصول الرومانية التي حققت كل هذه الانتصارات .
سيطرة الرومان على شعوب أرقى منها حضارياً وخاصة الإغريق حتمت عليهم التقارب مع الفن الإغريقي الذي غزا مدينتهم عن طريق غنائم الحروب وسلب المدن الإغريقية ، فتكدست مدينة روما بروائع الفن الإغريقي مما أثر على الذوق الروماني ، فلم تعد فنونهم السابقة ترضى جميع أذواقهم ، حيث أنعكس ذلك بظهور مجموعة من الأعمال النحتية تجاور فيها التراث الروماني مع التراث الإغريقي في نفس العمل الفني هذا التجاور بين الأساليب الفنية الرومانية والأخرى الإغريقية أستمر طوال القرن الأول الميلادي ، غير أن تلك الثنائية أختفت في أواخر هذا القرن وبالتحديد بدءاً من عصر تراجان لكي تحل محلها لغة فنية جديدة أندمج فيها التراثان في تمازج رائع ، فلم يعد بالمستطاع التفريق بين ما هو يوناني وبين ما هو روماني ، هذه اللغة الفنية الجديدة التي تمثل أزهى عصور فن النحت الروماني أستمرت طوال القرن الثاني الميلادي .
خلال القرن الثالث الميلادي وما بعده شهدت الإمبراطورية الرومانية أخطاراً عسكرية متعددة على كافة حدودها ، في نفس الوقت التي زالت فيه الأمتيازات الخاصة بالرومان وبعاصمتهم روما لكي يصل إلى العرش أباطرة شرقيين ، كما لازم هذا العصر أيضاً أزمات أقتصادية وأجتماعية أنعكست جميعها على فن النحت فلم تعد تظر تلك القوة التي عكستها الأمثلة النحتية من فنون القرنين الأول والثاني ، بل رجوع مرة أخرى للأصول الرومانية الإيطالية وإن كانت بلغة جديدة مختلفة عن فن النحت في العصر الجمهوري ، إلا أنها كفيلة بإثبات مدى التردي الذي وقعت فيه هذه الإمبراطورية .
بأختفاء مظهر القوة الذي لازم فن النحت الروماني في عصوره المزدهرة ، تحددت الخطوط الجديدة التي ستصبح لغة الفن في العصور الوسطى لما يزيد عن عشرة قرون ، لا يجب تقييم الفن الروماني المتأخر على أنه فن متدهور، ولكن يجب النظر إليه على أنه لغة فنية جديدة عكست الظروف القاسية التي حاقت بالإمبراطورية قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد انتقال العاصمة إلى الشرق وبعد احتلال روما ذاتها من العناصر المتبربرة .
لقد عكس الفن الروماني خلال العصر الجمهوري مرحلة طفولته حيث تمسك الرومان بكل ما هو روماني ، ثم مرحلة الشباب والقوة التي مثلتها مراحل فن النحت الروماني خلال القرنين الأول والثاني الميلاديين ، ثم مرحلة الكهولة التي تمثلت برجوعها إلى أصولها الأولى أي مرحلة الطفولة مرة أخرى ، وما أشبه الحضارة بالمراحل العمرية للإنسان صانع هذه الحضارة .



يتبع

 

يارب الموضوع يعجبكم

تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق