علاقة تاريخية متوتره بين الشعب المصري واليهود ...
كتب ـ أحمد فضل شبلول
بينما راح المؤرخ اليوناني هيرودوت يمتدح مصر ويصفها بأنها هبة النيل، راح اليهود يصفون مصر بأنها صحراء لا نبات فيها، والنيل ما هو إلا مستنقع قذر مليء بالضفادع وملوث بالناموس القارص للبشر والحشرات القارضة للحيوانات، وأن مصر هي أرض الجراد، والمصريون وقعوا فريسة للطاعون، كل منهم به أورام متقرحة ومتقيحة.
هذه الصورة التي روجها اليهود عن مصر وأسموها الابتلاءات السبعة أو العقوبات السبع على شعب مصر وملكها من إله اليهود، قد صارت منتشرة في كل عمل أدبي عند اليهود، سواء أكان شعرا أم رواية أم مسرحية.
وفي المقابل كان للشعب المصري رأيه في اليهود منذ القدم، حيث يقول مانيتون أحد علماء مصر وكاهنها وأديبها "إن اليهود ليسوا بمصريين، بل أغراب، ديانتهم ليست لها معنى، عاداتهم وتقاليدهم لا تُفهم، وفي الوقت نفسه همجية وبربرية، كما أنهم يحتقرون ويتعالون على بقية البشر والأديان".
وفي الوقت نفسه يؤكد الأديب اليهودي أرتابانوس أن موسى هو أول من اخترع عبادة الحيوانات في مصر، لكي يستطيع التقرب إلى المصريين واستقطابهم إلى ديانته من خلال هذه الناحية. في حين يقول الفيلسوف والأديب اليهودي فيلو "إن الشعب المصري لهو شعب عبارة عن قاذورات وفضلات، وروحه الداخلية ما هي إلا سموم من ترياق الثعابين التي تعج بها بلادهم مصر".
علاقة تاريخية قديمة ومتوترة بين الشعب المصري واليهود الذين استوطنوا الإسكندرية القديمة، يضعها في سياقها الزمني المؤرخ الألماني مانفريد كلاوس في كتابه "الإسكندرية أعظم عواصم العالم القديم" الذي ترجمه أشرف نادي أحمد، وراجعه د. صلاح الخولي، وصدر عن سلسلة "مصريات" التي تقدمها الهيئة المصرية العامة للكتاب، وجاء في 376 صفحة.
وليس المقصود من الكتاب الوقوف على تاريخية العلاقة بين الشعب المصري واليهود، ولكن أراد المؤرخ إثبات الدور اليهودي وأهميته في الوقيعة بين الحكام وبعضهم البعض، وبين الحكام والشعب من ناحية أخرى، خلال الحقب التاريخية التي قام بدراستها وهي، منذ إنشاء الإسكندرية على يد الإسكندر المقدوني في عام 331 ق. م، وحتى الفتح العربي عام 641.
ويؤكد كلاوس أن تاريخ تأسيس المدينة هو السابع من أبريل، وقد ظهرت بعض الأصوات مؤخرا تنادي بأن يكون هذا اليوم من كل عام هو العيد القومي لمدينة الإسكندرية، وليس 26 يوليو ـ وهو اليوم الذي غادر فيه الملك فاروق الإسكندرية على يخت المحروسة ـ من عام 1952، متنازلا عن عرش مصر.
ويصور لنا المؤرخ كيف كانت مدينة الإسكندرية تبدو عند تأسيسها، وكيف كان فرع من فروع النيل يصل إليها سائغا عذبا محببا، لدرجة أن قائد إحدى الحاميات المصرية في العصر الروماني وبَّخ الجنود عندما طلبوا نبيذا بقوله: "لديكم ماء النيل، وتريدون أن تشربوا نبيذا؟".
ويلفتنا كلاوس إلى أن مدينة الإسكندرية جاء إليها سبعمائة وعشرون مجموعة بشرية من اليونان فور إنشائها، سكنت المدينة، وبذلك صارت الإسكندرية كبيرة بالأعداد الغفيرة من اليونانيين الذين استحوذوا على كل شارع بها، يتجولون فيها وكأنهم يتجولون فوق لوحة شطرنج، وهي السمة الرئيسية التي اتسمت بها شوارع الإسكندرية منذ إنشائها، وهو الشيء الذي لفت الشاعر العربي "أبوالفدا" الذي امتدح الإسكندرية عندما زارها في القرن الرابع عشر فقال: "الإسكندرية مدينة منظمة جميلة، وهي تشبه لوحة الشطرنج وشوارعها المنسقة تجعلها غاية في الروعة".
ويكتب المؤرخ الألماني فصلا من كتابه تحت عنوان "مدينة تغلفها الأساطير" يروي فيه آراء كل من الجغرافي هيكاتيوس، والشاعر اليوناني هومير (هوميروس) وكذلك الشاعر أخيلوس، والمؤرخ هيرودت الذي زار ميناء هيراكليون (الذي يقع في منطقة أبي قير الحالية) عام 450 ق. م. قبل مجيء الإسكندر.
ثم يحدثنا بعد ذلك عن الإسكندرية مدينة الأعراق المتعددة، مؤكدا أنه في جميع العصور كانت الإسكندرية دائما مقصدا لجميع الأجانب والأجناس التي بحثت عن رزقها، مشيرا إلى الدقة والنظام والثراء الفاحش عند البطالمة، موضحا أن ميناء الإسكندرية هو مفتاح مصر، وأن الالهين المصريين: إيزيس وسيرابيس تحولا إلى إلهين يونانيين، متوقفا عند علوم العالم بجامعة الإسكندرية ومكتبتها (القديمة) التي قادت إلى قياس محيط الأرض، وأثبتت أن الأرض تدور حول الشمس، ونشرت أعمال هوميروس وفحصت الجسم البشري.
ولكليوباترا السابعة وقفة خاصة في كتاب "الإسكندرية أعظم عواصم العالم القديم" حيث يصفها المؤرخ الألماني بأنها جالبة الخراب للإسكندرية.
وفي الفصل الثاني يتوقف مانفريد كلاوس عند الولاية الرومانية والعاصمة منذ 30 ق. م، وحتى 284 والتغييرات التي أحدثها أوكتافيوس أغسطس بها، فبوفاة كليوباترا أصبحت الإسكندرية عاصمة لولاية رومانية بعد أن كانت مدينة العالم الأولى وعاصمة لإمبراطورية عظيمة، ويصبح اليهود بها أغنى الأغنياء، ويصفهم الفيلسوف اليهودي فيلو بأنهم "سحرة النقود"، ثم تأتي بعدهم فئة البحارة، ثم التجار الذين يعملون بالتجارة البحرية أو التجارة بصفة عامة، أما أفقر الطبقات بالإسكندرية، فكانت طبقة الحرفيين وطبقة الفلاحين التي هي أدنى الطبقات.
وفي شكل 35 بالكتاب يرسم لنا المؤرخ الألماني شجرة عائلة الحاكم اليهودي في مصر المدعو تيبيريوس يوليوس ألكسندر، مشيرا إلى ثورة عام 38 التي على إثرها نشأت فكرة الجيتو اليهودي لأول مرة في التاريخ، ولكن اليهود لم يكفوا عن إثارة الاضطرابات والقلاقل ما دعا الإمبراطور تراجان إلى القضاء على وجودهم في مصر.
يذكر أن المؤرخ أ. د. مانفريد كلاوس ولد بألمانيا عام 1945 ويعمل أستاذا للتاريخ القديم بجامعة جوته بمدينة فرانكفورت، ويعد من كتاب التاريخ البارزين بألمانيا، ومن مؤلفاته: "النظم الإدارية وتأثيرها على سياسة قيصر" 1981، و"مقدمة عن تاريخ إسبرطة وحضارتها" 1983، و"تاريخ إسرائيل منذ البداية وحتى سقوط بيت المقدس" 1986، و"ميثراس .. ديانة وأساطير" 1990، و"مقدمة في التاريخ القديم"، فضلا عن رسالته التي أعدها في آثار العصور المتأخرة، كما وضع كتابا عن "كليوباترا".


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق