الخميس، 28 يوليو 2016

مقاربة فكرية ـــ تاريخية للبعد الإنساني في الحضارة السورية

مقاربة فكرية ـــ تاريخية للبعد الإنساني في الحضارة السورية


«في المشرق القديم أرسيت الأسس التي حددت إلى أمد بعيد المسيرة اللاحقة للتاريخ الإنساني».

كلوتشكوف ـــ بونغارد ـــ ليفين»

يعنينا في مقاربتنا للبعد الإنساني في حضارة المشرق العربي القديم أن نؤسس لعدة ركائز سوف تشّكل العمود الفقري لبحثنا:

أولها: أن هذه المقاربة لا تعني بحال من الأحوال أن المجتمعات الإنسانية الأخرى لم تكن ذات بعد إنساني، ولكن في تقديرنا أنّ هذا البعد يتسع كما ينغلق تبعاً للخصائص الذاتية والشخصية لمطلق مجتمع، والذي يبدو أن الخصائص المجتمعية تلعب دوراً أساسياً في هذا المجال بالإضافة إلى الظروف الجغرافية والبيئية والموضوعية.

وما يعنينا في هذا المجال من بحثنا هو رصد مجمل المنجزات الحضارية للمشرق العربي القديم والتي ساهمت في التطور اللاحق للمجتمعات الإنسانية، ما شكّل نقاط انعطاف حاسمة في مجرى الوجود الإنساني وبالتالي تطوره وما انعكس على تطور الحياة الإنسانية إلى يومنا هذا.

ثانيها: تختلف وسيلة نقل المنجز الحضاري بين المجتمعات، فبين مثلاً أن يأتي أفلوطين إلى مصر والمشرق العربي ويستفيد من أفكار مينوس الأفامي ومن ثم يؤسس مذهبه في الأفلاطونية الحديثة كمنجز فكري في زمن ما، وبين أن يتم اختراع الكتابة مع نهاية الألف الرابع قبل الميلاد في الشرق العربي ثم يبلورها المشرق أيضاً في الأبجدية الكنعانية ومن ثم ينقلها المشرقيون بأنفسهم إلى عالم المتوسط لتصبح كتابة العالم آنذاك بعد تكييف كل مجتمع لها بحسب خصائصه الذاتية الذهنية منها والألسنية وما إلى هنالك. فبين هذا وذاك تتسع الرؤية لتكشف عن حس إنساني عال تبدى لدى مجتمع المشرق العربي القديم بكافة تنوعاته، فلم يكن يتم الاكتفاء بابتكار المنجز، لا بل والسعي لنقله للمجتمعات الأخرى ويشمل هذا مجمل المنجزات الحضارية إن لم يكن كلها.

ثالثها: يتأثر المنجز الحضاري الإنساني بالجغرافيا التاريخية إلى حدّ كبير، وتأسيساً على ذلك فالمنجز الحضاري المشرقي كان يمتلك مجاله الحيوي الممتد من إيران والأناضول وحتى عالم المتوسط وشمال أفريقيا والجزيرة العربية. وعبر انتقال هذا المنجز الإنساني إلى المجتمعات الأخرى، نصبح أمام اكتمال في شرطه الحضاري والوجودي، ولعل هذا الأمر يشكّل خصيصة أساسية من خصائص الحضارة السورية.

رابعها: ثمة اختلاف بين الباحثين في تحديد أسباب أن يكون مجتمع ما ذا خصائص إنسانية ورسولية وإبداعية ، في حين أن بعض المجتمعات تكتفي بنفسها ولنفسها.

وقد أعاد ابن خلدون هذه المسألة إلى عامل «الهواء»، أي المناخ والبيئة الطبيعية، ويبدو أنه انزلق في طرحه إلى بوادر عرقية من أن ثمة أجناساً متخصصة بالتحضر والتقدم، عنى بذلك سكان الأقاليم المعتدلة، في حين أن هناك أجناساً لاتقدم شيئاً، وبمعنىً آخر فهو ربط بين الخصائص الخلقية (بفتح الخاء) وبين الخصائص الخلقية (بضم الخاء).

ولا نعتقد أن هذا الطرح تؤيده معطيات الاناسة والأثنولوجيا.

وباعتقادنا أنه و إ ن كان للبيئة الطبيعية دورها بما تقدّمه من امكانات، غير أن للبيئة الاجتماعية المتفاعلة بحدّ ذاتها والمنفتحة على البيئات الاجتماعية الأخرى، الدور الأساسي في ذلك وسوف يؤدي تفاعلها مع البيئة الطبيعية والمجال الحيوي الطبيعي إلى جملة من المنجزات والاختراعات الإنسانية الكبرى.

ويتضح التفاعل عبر التمازج البشري والغنى المختلف والمتنوع والذي يؤدي باطراد إلى تبلور خصائص مجتمعية متقاربة تشكّل شخصية الجماعة أو المجتمع المنفتح على التجارب والخبرات الإنسانية الأخرى. ويتضح هذا في البنية الديمغرافية للمشرق العربي عبر التاريخ وصولاً إلى العصر الحديث، ولعل ما حصل مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، شاهد على ذلك، فقد هاجر مسلمو البلقان وكريت إلى دمشق بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية وأقاموا على سفح جبل قاسيون وسمّي حيّهم بحي المهاجرين، والآن بعد مضي حوالي القرن انصهر هؤلاء في النسيج الاجتماعي الواحد ولم يبق من ذكراهم سوى اسم الحي.

هذا مثال حديث لما كان يحدث عبر مسار التاريخ المشرقي، سواء في تفاعل العموريين مع السومريين أو التفاعل الآشوري ـــ الآرامي أوفي التفاعلات العمورية ـــ الكنعانية ـــ الآرامية ـــ العربية في تدمر على سبيل المثال. ولعل هذا الأمر أوحى للمستشرقين بوجود صراعات أثنية أوعرقية بين سكان المشرق العربي القديم، لكن العالم الروسي بونغارد ـــ ليفين أوضح ما نريد قوله حيث ورد في كتاب «الجديد حول الشرق القديم»: ان الشرق القديم لم يعرف الموقف العدائي من عادات وتقاليد وثقافات الشعوب المجاورة والبعيدة، ولم يعرف كذلك الخلافات والصراعات القائمة على أساس أثني أو الحقد العرقي والشعور بالتفوق على الشعوب الأخرى.

وطبعاً فنحن نذكر ذلك لأننا نرى أنه كي يكون لمجتمع ما بعد إنساني فلابد له أن يمتلك في شخصيته خصائص العدالة والتسامح والانفتاح وقيم الخير والحق والتي هي قيم إنسانية بالمطلق ومجتمعية في آن.

بناءً على كل هذا فلابد أن نؤكد على فلسفة التفاعل الاجتماعي والتي هي الضامن للتفاعل الإنساني المنفتح للحياة والكون.

خامسها: لن نقف في بحثنا أمام الإبداعات والمنجزات الحضارية المشرقية التي شكلت بعداً إنسانياً في عصر ما، ولم تستمر إلى العصور الحديثة. بمعنى آخر أن اختراع الكتابة في المشرق العربي القديم هو اختراع حيّ حتى الآن وكذلك ابتكار الأبجدية السورية.

وما الوصول إلى المعلوماتية وعصر الاتصالات إلاّ إعادة لاختراع الكتابة وابتكار الأبجدية بزمن آخر ووسيلة أخرى أكثر تطوراً.

في حين أنّ انتشار عبادة إله الشمس الحمصي في العصر الروماني في أصقاع الإمبراطورية الرومانية يعتبر بعداً إنسانياً ابن عصره، ولم يؤد إلى استمرارية استفادت منها الحضارة الإنسانية، ويمكن النظر أيضا ، إلى الفلسفة الرواقية ببعدها الإنساني، فصحيح أنها كانت ابنة عصرها ولكن في بعدها الأعمق شكلت الأرضية الفلسفية والفكرية للمسيحية وهذا ما جعلها ذات بعد إنساني أ رحب.

سادسها: لعل تاريخ المشرق العربي كما يدرسه المستشرقون يفهم منه أنه عبارة عن قبائل ومدن مختلفة ومتناحرة ومفككة.. غير أن واقع الأمر هو أن ثمة كتلتان أساسيتان شكلتا تاريخ المشرق العربي القديم هما: السومريون والعموريون ـــ الأكاديون.

السومريون: طالما وجدوا على أرض المشرق وتفاعلوا معها ومع البيئة الاجتماعية أصبحوا مشرقيين بغض النظر عما يطرحه بعض الباحثين من الناحية اللغوية أو الأثنية.

العموريون: منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد بدأوا بالتنقل في أجزاء المشرق القديم حيث انطلقوا من منطقة جبل بشري في بادية الشام باتجاه الجناح الشرقي للمشرق العربي القديم وأسسوا مدناً وممالك وكان أهم حكامهم صارغون الأموري «الأكادي» 2350 ق. م الذي سعى لاحتواء الوعي المديني إلى وعي أعمّ عبر تأسيسه لإمبراطورية وصلت حتى البحر المتوسط وكذلك حمورابي وشمشي أدد ونارام سين.

ومع مطلع الألف الثاني قبل الميلاد صار بإمكاننا النظر إلى المشرق العربي كوحدة اجتماعية متجانسة أساسها العموريين ومن تفاعل مع فاعليتهم التاريخية ـــ الاجتماعية.

ويبدو من دراسة حركة التاريخ في المشرق العربي القديم ولا سيما في عصوره التاريخية أن الجناح الغربي للمشرق «بلاد الشام» كان دوماً يطمح بحيويته التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية أن يضم الجناح الشرقي للمشرق«الرافدين» إلى حركته وإيصاله نحو المتوسط وهذا ما فعله صارغون الأكادي وحمورابي ومحاولات شمشي أدد، ولا تشذّ زنوبيا عن هذا الأمر.

وبالتدقيق في حركة التاريخ نلاحظ أن الجناح الغربي للمشرق العربي كان الرافعة التاريخية للبعد الإنساني لا سيما عبر الفاعلية الكنعانية ولا سيما البحرية منها، حيث عرف عن الكنعانيين أنهم تجار العالم القديم مستفيدين من الوجه البحري المشرقي المتجسد في البحر المتوسط.

سابعها: لعبت التجارة عبر التاريخ دوراً أساسياً ومهماً في التفاعل بين الشعوب والأمم، فإلى جانب التبادل التجاري كان يتم التعرف والتأثر والتأثير بين الثقافات في العالم القديم.

ويبدو أن أغلب مدن المشرق العربي كانت قائمة على خطوط التجارة العالمية مستفيدة من موقعها الاستراتيجي بين شرق العالم القديم وغربه وبين شماله وجنوبه.

لذا فإن التجارة لعبت دوراً أساسياً في تحقيق الانتشار الإنساني للمنجز الحضاري.

والجدير ذكره هنا مثلاً أن المسبحة التي نراها في أيدي المشرقيين والعرب والمسلمين أتت عبر التجارة إلى بلاد الشام من التجار البوذيين في حوالي 500 ق. م والآن يستخدمها المسلمون والمسيحيون في المشرق «د. حسني حداد 1990» لا بل وتأتي الآن عبر موسم الحج عن طريق الحجاج المسلمين.

البعد الإنساني لحضارة المشرق العربي 40000 ـــ 3500 ق. م:

في تقويمه لحضارة المشرق العربي القديم يقول هنري فرانكفورت:

«نحن نتعرف إلى الحضارة في الشرق المتوسطي القديم في الصفة الإنسانية التي تكون ذاتيتها وتعتبر طابعها المميز»..

إن الأدلة الأثرية أثبتت أن الإنسان في المشرق العربي وجد قبل حوالي المليون سنة «د. سلطان محيسن 1990» في حين يعيده الدكتور زيدان كفافي إلى مليون ونصف مليون سنة، وإن تطور هذا الإنسان وتفاعله مع البيئة وتطور دماغه أدى كل ذلك إلى ظهور إنسان النيناندرتال المشرقي في حدود 100000 سنة والذي شكّل الإنسان العاقل في المشرق وريثه المباشر وذلك في حوالي 35000 سنة.

أما في أوربا فإن النيناندرتال الأوروبي لم يتطور إلى الإنسان العاقل الأوربي بل تطور هذا الأخير عن الإنسان المنتصب «الهوموأركتوس»

وقد اعتبر الإنسان العاقل جدنا المباشر، هو الذي صنع الحضارة الإنسانية بمفهومها البدئي والشامل مستنداً على ما ورثه من سابقه (النياندرتال أوالإنسان المنتصب؟) وهو الذي مازال ينجز حتى الآن.

ويبدو أنه ولأسباب مجهولة ـــ ربما بيئية ـــ هاجر الإنسان العاقل المشرقي شمالاً إلى أوربا حيث أسس هناك حضارة غنية ومميزة.

وهذا يعني أن الإنسان العاقل المشرقي وريث النيناندرتال المشرقي قد أمدّ أوربا قبل حوالي 40000 عام بأولويات الحضارة على قاعدة أن هذا الإنسان هو جدّنا أولاً وأنه صانع الحضارة الإنسانية ثانياً.. وهذا فيما يعنيه أن أصل الإنسان الأوربي يعود إلى المشرق العربي القديم.

والطريف في الأمر أن بعض العلماء الغربيين ولا سيما الألمان يرفضون هذه النظرية لأسباب عنصرية حيث لا يمكنهم الاقتناع أن أصولهم تعود إلى المشرق العربي ولو أكدت الحقائق العلمية ذلك .

وليس في الأمر غرابة.. حين نعلم أن بعض العلماء الغربيين اكتشفوا أن اللغات اللاتينية واليونانية والفارسية ولغات شمال الهند تتشابه في التركيب والنحو والصرف وهذا ما يعني أنها في مجموعها تعود إلى أصل هندو.. أوربي!! وهذا يعني أيضاً أن الجنس الآري الأصيل هو أصل الحضارة وهذا ما آمن به الألمان حيث حولّوا مصطلح الجنس الهندو ـــ أوربي إلى هندو ـــ جرماني وبلغ قمة ما وصلوا إليه أن أحد المأخوذين بهم من البريطانيين واسمه هيوستون ستيورات تشمبرلين ألّف كتاباً جعل عنوانه «أسس القرن التاسع عشر» حيث ضمّ فيه دانتي والمسيح إلى الآريين أي الهندو جرمانيين!!.

وبعيداً عن أية تصورات عنصرية آرية أو غير آرية، فقد أكدت الحقائق العلمية هجرة الإنسان العاقل المشرقي إلى أوروبا وتأسيسه هناك لحضارة مهمة وهذا يؤكد على:

1ـــ أن أصل الإنسان الأوروبي يعود إلى المشرق العربي.

2ـــ إن الإنسان العاقل المشرقي ـــ جدنا المباشر ومبدع الحضارة الإنسانية ـــ امتلك كل الصفات الفيزيولوجية والاجتماعية التي يملكها إنساننا الحالي.

ولعل هذا يشكل النواة الأولى لمكامن البعد الإنساني الشعوري واللاشعوري إن كان في المستوى الفردي أو في المستوى الجمعي للإنسان المشرقي.

ابتكار الزراعة منجز سورية الإنساني الحضاري:

يقول العالم غولايف: ان كل الباحثين تقريباً متفقون على المغزى الذي تنطوي عليه ثورة العصر الحجري الحديث التي اتسمت بظهور أهم ثلاثة عناصر في حياة البشر وهي: الزراعة وتربية الماشية والتجمعات المستقرة الدائمة وصناعة الفخار بالنسبة إلى تطور المجتمع البشري.

فمع مطلع الألف التاسع قبل الميلاد بزغت إلى الوجود «الثورة الزراعية» في المشرق العربي، وقد عثر على أقدم دليل /حتى الآن/ لممارسة الزراعة وتدجين الحيوان في المنطقة الممتدة من حوض الفرات شمالاً مروراً بحوضة دمشق في الوسط وحتى حوض الأردن جنوباً، وهذه المنطقة تعتبر البؤرة الأقدم في العالم لظهور الزراعة والتدجين.

وكما أشرنا في مقدمتنا إلى مجال المشرق العربي الحيوي، فلابد أن يتم انتقال هذا المنجز إلى مجاله، ففي حوالي7600 ـــ 6000 ق. م وصلت الزراعة إلى الأناضول بواسطة السوريين، ومن ثم سوف ينتقل هذا المنجز إلى مناطق أخرى في العالم وفق ما يلي:

المرحلة الأولى: من نهاية الألف السابع وبداية الألف السادس ق. م:

حيث وصلت الزراعة إلى جنوب أوروبا والبلقان واليونان، ويعتقد أن تأثيرات هذه المرحلة وصلت شرقاً إلى باكستان وغرباً حتى شمال أفريقيا.

المرحلة الثانية: من نهاية الألف السادس وبداية الألف الخامس ق. م:

حيث تحركت القرى الزراعية على امتداد السواحل ووديان الأنهار الكبرى كالدانوب، حتى وسط أوروبا وغربها.

المرحلة الثالثة: منتصف الألف الرابع قبل الميلاد:

وفيها وصلت الزراعة إلى شمال أوروبا واسكندينافيا. وبتأثيرات مباشرة من المشرق العربي نشأت الزراعة في وادي النيل في حوالي الألف الخامس قبل الميلاد، هذا ماأكدته تنقيبات ومكتشفات موقع الفيوم في مصر.

إذن نحن أمام عدة حقائق تشكّل قيمة إنسانية وبعداً هو أيضاً إنساني:

1ـــ أن المشرق العربي شهد أول ظهور للزراعة في العالم.

2ـــ أن ثمة تأثيرات مباشرة عبر نقل هذا المنجز الحضاري الإنساني بواسطة مخترعيه «المشرقيين» مباشرة إلى الأناضول ومصر.

3ـــ أن نقل هذا المنجز سوف يستتبع نشوء معايير جديدة تفرضها الثقافة الزراعية ولاسيما لجهة الاستقرار وتماسك البنى الاجتماعية وظهور المعتقدات وتطور الفنون والعمران والتجارة والاقتصاد، وهذا ما ينبغي الإشارة إليه في توسيع دائرة الرؤية لمفهوم المنجز الحضاري وتفاعلاته.

صناعة الفخار:

شهد المشرق العربي في حوالي 6500 ق. م بداية صناعة الفخار دلّ على ذلك مكتشفات موقع تل أسود في الجزيرة السورية. ومن ثم عمّ هذا الاختراع في منطقة المشرق، ومع حلول الألف السادس ق. م /مطلعه/ انتقل هذا المنجز إلى الأناضول ويبدو أن ظهوره هناك كان حصيلة مشتركة بين الأصول المحلية الأناضولية والتأثيرات المشرقية بالخاصة.

المنجز الحضاري الإنساني المشرقي في العصور التاريخية 3500 ـــ 333 ق. م:

إن ابتكار الزراعة أدى إلى انقلاب شامل في مجمل أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمعتقدية والروحية، فقد تطور العمران وتطورت المفاهيم الذهنية الاجتماعية وزاد التراص الاجتماعي، ما أدى إلى نشوء المجتمعات الكبرى المستقرة، ولسوف يؤدي تراكم هذه المعطيات وباطراد إلى نشوء المدن الكبرى وهو ماعرف بثورة المدن.

وقدتم ذلك في النصف الثاني من الألف الرابع قبل الميلاد، فقد شهد المشرق العربي آنذاك نشوء مدن أولى مثل أوروك وحبوبة الكبيرة الجنوبية وتل قناص وتل براك وجبل عارودة. ولعل هذا المنجز في تحالفه مع التجارة والنشاط التجاري، سوف يولّد تبعاً لتطور الحياة الاقتصادية الاجتماعية والذهنية ابتكاراً مفصلياً هاماً يتجلى في اختراع الكتابة في حوالي 3200 ق. م.

وهنا أصبحنا أمام ظاهرة تحول مدن المعبد إلى مدن دول مشكلة بذلك انبثاق السلطة الزمنية إلى جانب السلطة الدينية في قيادة مجتمع مدن الدول، ومع مطلع الألف الثالث ق. م أصبحنا أمام ظاهرة المدن الكبيرة والمسورة مثل ترقا ـــ شوباط انليل ـــ تل براك ـــ مجيدو ـــ خربة الكرك ـــ تل الفرح ـــ جبيل ـــ باب الضهرة ـــ كيش ـــ نيبور ـــ تل فارا ـــ أبو صلابيخ.

يقول كلوتشكوف وبونغارد ـــ ليفين: في الشرق القديم أرسيت الأسس التي حددت إلى أمد بعيد المسيرة اللاحقة للتاريخ العالمي، فهناك تمت الاكتشافات الهامة جداً في مجال الحضارة، ونشأت المدن والمجتمعات وظهرت الكتابة والآداب والعلوم، وقد كان لحضارة الشرق القديم أعظم التأثير على الحضارة الإغريقية ـــ الرومانية والحضارة الإسلامية ، وأثرت أيضاً من خلالهما على الحضارة العالمية في العصور الحديثة.

اختراع الكتابة:

شكلّ اختراع الكتابة ومن ثم ابتكار الأبجدية في المشرق العربي منعطفاً مفصلياً مهماً لجهة تعميق الوعي الإنساني في المستوى العالمي، ونظراً لدراستنا لهذا الموضوع في متن هذا الكتاب /راجع الدراسة الثانية/ فسوف نناقش هنا فقط البعد الإنساني لهذا المنجز الهام.

فعلى قبر زينون الرواقي الكنعاني ثمة نقش يقول: ألم يأتي قدموس من فينيقيا ومنح اليونان كتبها وعلّمها فن الكتابة؟.

فأن يتم اختراع الكتابة المسماربة في المشرق العربي، وأن يصل هذا المشرق لابتكار الأبجدية /التي أصبحت عالمية/ فهذا مفهوم، ولكن ممكنات النفسية المشرقية الرسولية حتمّت أن يتكفل أبناء هذا المشرق بنقل منجزهم إلى العالم ابتداءً من اليونان، فهاهو قدموس يتوجه إلى اليونان ويؤسس هناك مدينة طيبة ثم يعلّمهم الأبجدية المشرقية التي سوف تنتقل تباعاً إلى مجتمعات العالم القديم.

يقول فيليب حتي في معرض مناقشته لهذا الأمر: لقد انتقل حرف الهجاء /الكنعاني/ شرقاً إلى الآراميين الذين نقلوه إلى الفرس حيث أصبحت الآرامية لغة رسمية عندهم ومن ثم فقد أخذه العرب ليكتبوا به لغة القرآن.. وبعد ذلك انتقل إلى شعوب آسيوية أخرى.. وقد حصل الفرس والأرمن والهنود على أبجديتهم من مصادر آرامية، وحروف البهلوية والسنسكريتية هي من أصل آرامي، وقد حمل الكهنة البوذيون من الهند، الأبجدية والسنسكريتية إلى قلب الصين وكوريا. وهكذا وصلت الحروف الكنعانية شرقاً بطريق الآرامية إلى الشرق الأقصى وغرباً بطريق اليونانية إلى الأمريكيتين، مطوقة العالم كله.

لقد شكلّ ابتكار الكتابة ومن ثم الأبجدية منجزاً حضارياً إنسانياً سوف تتولد عنه وباستمرار منجزات حضارية على الصعيد العالمي وليس أدلّ على ذلك من المعلوماتية التي تدين بنشوئها إلى منجز المشرق العربي الكتابي والأبجدي. وعلى هذا يؤكد العالم جاليلو جاليكي:

في الأبجدية الكنعانية تحقق تصور لطريقة يمكن بها تأكيد التواصل الفكري بين البشر مهما تباعد المكان وعبر كل زمان، وهي طريقة تصلح للتحدث إلى الذين لم يولدوا بعد والى من سيولدون بعد ألف أو آلاف السنين.

العلوم الرياضية والفلك والـموسيقا:

يعنينا قبل الخوض في مجال هذا المنجز أن نؤكد على أن مطلق منجز حضاري مشرقي لم يكن الاّ انعكاساً للتفاعل المادي الروحي على مدى التاريخ المشرقي، لهذا فالبعد الأخلاقي للمنجز الحضاري شكلّ بعداً إنسانياً. وهذا ماجعل الحضارة المشرقية العربية ضرورة إنسانية.

ولو عدنا إلى حوالي 1800 سنة قبل الميلاد، فلسوف يكون بين أيدينا رقيم طيني يحوي مسألة رياضية تدلّ بشكل أكيد على جذور نظرية تالس /طاليس/ التي تؤرخ بحوالي 600 ق. م.

يؤكد العالم فريدريك بيلانشون «أن الرياضيات كانت في بابل (1800 ـــ 1500) ق. م ولاسيما في زمن الملك (الأموري) حمورابي، فقد عثر في الألواح الطينية على أدلة تؤكد وجود أسس رياضية في الهندسة وحساب الكميات وحل مسائل من الدرجة الثانية، وحساب الجذر التربيعي».

ويحدد هذا الباحث مميزات الريلضيات المشرقية بما يلي:

التجريد: الذي يعبّر عن تقدم في المعارف الرياضية.

حدة ذكاء جبري: حيث استطاع المشرقيون أن يحصلوا بالتحليل الصحيح لأشكال هندسية خاطئة على نتائج صحيحة وعلمية.

ويصل الباحث للقول: لقد دلت الآثار الرياضية البابلية على ثقافة حسابية كونتها علامات متقطعة جاءت من الحساب الرقمي وقياس المساحات والأحجام وعلم الفلك، وبالتالي كان لابد لليونان من ان يأخذوا هذه المعلومات وينسقونها يشكل جذري يربط بينها المنطق والعقل، وكان ذلك في عام 600 ق. م حيث أسس تالس أول عملية استنتاجية.

وهنا نجد أنفسنا أمام اعادة قراءة لهذا المنجز وفق البعد الشمولي للحضارة السورية، وليس كما بدا للباحث بيلانشون. فالتداخل ضمن المشرق العربي /عبر تاريخه/، الاجتماعي ـــ الاقتصادي ـــ الروحي، ووحدة الحياة التي أكدتها الكشوفات الأثارية، تجعلنا نقرأ هذا المنجز ضمن اطاره المجتمعي التاريخي، فلا يمكن أن ننظر إليه ضمن الحيّز الذي وضعه فيه بيلانشون، فهو ليس منجز حصل في جزيرة منعزلة اسمها بابل، وبالتالي فثمة سلسلة تاريخية اجتماعية تحكم ظهور وإبداع هذا المنجز، عنيت في ذلك التفاعل الديمغرافي الاجتماعي الحاصل في مسار التاريخ بين الأكاديين والسومريين والعموريين والبابليين والآشوريين والكنعانيين والآراميين، بحيث أدى إلى ظهور هذا المنجز وغيره من المنجزات.

لهذا فنحن أميل للأخذ بمبدأ الشمول في قراءة مطلق منجز مستندين على الواقع الاجتماعي التاريخي.

أيضاً، هناك مسألة مهمة طرحها الباحث وتتعلق بهوية تالس، فحسب بيلانشون أن تالس اليوناني!، هو الذي ربط المعلومات الرياضية البابلية بالمنطق والعقل وأسس أول عملية استنتاجية. لكن الحقائق العلمية التاريخية تدحض اعتبار تالس يونانياً وتعيده إلى هويته المشرقية الكنعانية، فقد ذكر هيرودوس أن تالس هو سوري، فينيقي، وأكّد ذلك فيثاغورس وأرسطو وأريستوكسان، وتؤكد المعطيات التاريخيةأن طاليس ولد في صيدا وهاجر إلى جزيرة ساموس اليونانية، ثم عاد إلى سورية واتصل بمدرسة موخوس في صور واعتزل في أحد الهياكل الكنعانية في فلسطين ثم هاجر إلى مصر وبابل حيث قضى عشر سنوات. وحين كان في 56 من العمر ذهب إلى ساموس وأسس مدرسته هناك.

على كل هذا يمكننا فهم منجزنا الرياضي وفهم كيفية نقله إلى بعده الإنساني دونما تعصب ولكن بعصبية وعلمية، وعلى هذا يقول بيلانشون: «اننا مدينون للبابليين، هؤلاء المفكرون العظام الذين ساهموا في وضع أساسات العلم الرياضي في الحضارة الإنسانية».

أما ول ديورانت فيشير إلى بابل في الألف الأول ق. م /وهي استمرارية لبابل في الألف الثاني ق. م/ بالقول: «من بابل جاء اليونان الجوالون إلى مدنهم بالقواعد الأساسية لعلوم الرياضيات والفلك والطب والنحو وفقه اللغة وعلم الآثار والتاريخ والفلسفة، ومن المدن اليونانية انتقلت هذه العلوم إلى روما ومنها إلى الأوروبيين والأمريكيين، وليست الأسماء التي وضعها اليونان للمعادن وأبراج النجوم والموازين والمقاييس والآلات الموسيقية والكثير من العقاقير، ليست هذه كلها إلا تراجم لأسمائها البابلية، بل إنها في بعض الأحيان لا تعدو أن تكون بديلاً لحروفها من الأحرف البابلية إلى اليونانية».

ويعقّب: «لقد انتقلت حضارة أرض النهرين من مهدها وأضحت عنصراً من التراث الثقافي للجنس البشري».

وتنبغي الإشارة هنا إلى أن الرياضيات خرجت من معطف التجارة والنشاط التجاري، لا بل أن علم الفلك انبثق من تحالف الرياضيات مع المعتقدات الماورائية.

يشير د. حربي عطيتو في مؤلفه «ملامح الفكر الفلسفي والديني في مدرسة الاسكندرية القديمة» إلى تقدم المشرقيين في الرياضيات، حيث يتحدث عن «تقدم علم الهندسة عندهم، هذا التقدم الكبير لدرجة أنه كان بمقدورهم أن يقدروا المساحات المعقدة ومساحات الأشكال غير المنتظمة، وأدركوا أن الزاوية المرسومة في نصف الدائرة هي زاوية قائمة».

أما عن مدى البعد الإنساني لهذا المنجز فيؤكد على «أن هذه العلوم المشرقية انتقلت إلى اليونان، ونلمس براعة المشرقيين في الجبر عند أرخميدس (القرن الثالث ق. م) وهيرون (القرون الأولى الميلادية) وديوفنتوس في منتصف القرن الثالث الميلادي».

ويؤكد العالم البريطاني غوردون تشايلد أن «أسس علم الرياضيات وضعت في بلاد حوض النهرين، وأكثر الرياضيات الحديثة تطورت عن تلك الأصول عن طريق الرياضيات الهلنستية والعربية».

وهو ما يؤكده العالم هنري فان لون من أن معرفتنا العصرية بالفلك والرياضيات تقوم على مبادئ وضعها البابليون.

ويوضح فيليب حتي ماحققه المشرقيون في مجال الرياضيات بقوله: أصبح العدد60 وهو مركب العشرة، والعدد اثنا عشر وهو أحد الأرقام التي ينقسم عليها عدد60، أساسين لنظامين حسابيين يعرف الأول بالنظام الستيني والثاني بالنظام الاثني عشري. ولا يزال النظام الستيني مستعملاً في تقسيم الساعة والدقيقة، وكذلك مركب الستين الذي استعمل في تقسيم الدائرة الـــ360 درجة. أما لجهة تواصلية هذا المنجز إنسانياً فيؤكد حتَّى انتقاله إلى العالم: «فالرياضيات عند الشعوب الإسلامية والهندية كانت متصلة الحلقات بالرياضيات في المشرق القديم عبر الكتابات الآرامية والإغريقية ».

ونحن نعلم أن فاعلية الآراميين الحضارية والتاريخية في الألف الأول قبل الميلاد استمدت أساساتها من الثقافات التي سبقتها من كنعانية وأكادية وغيرها.

أما في مجال فكرة الزمن وعلم الفلك: فقد قدر المشرقيون الزمن بالساعة المائية والمزولة، وقسموا الشهر إلى أربعة أسابيع كما قسموا أوجه الساعة إلى اثني عشر ساعة والساعة إلى ستين دقيقة والدقيقة إلى ستين ثانية، وكل هذا اتبع في كافة أوجه المعمورة إلى يومنا هذا.

يقول جورج كونتنو: نحن مدينون للشرق القديم بذلك العون الضخم والجبار الذي أمدنا به في كل ما يتعلق بالطب وعلم الفلك والرياضيات.

الجدير ذكره أن المشرقيين قسّموا الزمن إلى سنين، وقسّموا السنة إلى 12 شهراً، وكل أسبوع إلى سبعة أيام.

ويورد حتّي أن السوريين نقلوا إلى اليونان تقسيم الزمن والساعات الشمسية.. ونظاماً للتنبؤ بالكسوف والخسوف، وأن علامات الأبراج الإثني عشر الموجودة لدينا الآن هي تقريباً العلامات الآشورية نفسها بالإضافة إلى أنظمة الموازين والمقاييس.

ويتفق الباحثون على أن علم الفلك في المشرق العربي كان المصدر الرئيس الذي استقت منه أوروبا فيما بعد.

ولم تكن آلية نقل المنجز في خطوطه العامة، الاّ على يد المشرقيين في الجناح الغربي للمشرق العربي ولاسيما الكنعانيين، وعلى هذا يقول ول ديورانت: «نقل الكنعانيون العلوم والفنون من المشرق القديم ونشروها في اليونان وأفريقيا وإيطالي واسبانيا، وربطوا الشرق بالغرب بشبكة من الروابط التجارية والثقافية وشرعوا ينتشلون أوربا من براثن الهمجية» .

وهذا المنجز المشرقي في علم الفلك ولا سيما في علم الأرصاد البابلية استفاد منه العالم عبر نقله، فهذا العالم هبارفوس الفلكي والذي يعتبر واضع علم الفلك الحديث قد استفاد من الأرصاد البابلية التي اعتمد عليها والذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد... ثم بطليموس الذي عاش في الإسكندرية في القرن الثاني الميلادي والذي ظل نظاماه الجغرافي والفلكي مستعملان حتى القرن السادس عشر الميلادي، ومعلوم مبلغ اعتماده على علوم الفلك المشرقية واستفادته منها.

ولا بأس هنا أن نذكر أنه اكتشف في موقع مدينة نيبور لوحاً فخارياً يعود إلى حوالي 1500 ق. م مرسوم عليه مخطط لمدينة نيبور، يبين أهم معالم المدينة ويعتبر هذا اللوح وهذه الخريطة من أقدم الخرائط أو مخططات المدن في تاريخ البشرية.... وهذا ما أكده العالم الروسي غولايف.

والجدير ذكره هنا هو أن التجارة ولا سيما البحرية فرضت إشراطاتها الإبداعية كما فرضت الرياضيات، وهذا ما جعل الكنعانيين يكتشفون نجم القطب الشمالي الذي أدى إلى نشاط التجارة البحرية الليلية وهذا ما دفع الإغريق لإطلاق تسمية «نجم الفينيقيين» على نجم القطب الشمالي.

ومن جهة أخرى فإن تقسيم الأسبوع إلى سبعة أيام عند المشرقيين القدماء كان يتبع ذهنيتهم الروحية وكان اعتقادهم أن ثمة إلهاً يقترن بكل نجم من النجوم السيارة السبعة (الشمس، القمر، المريخ عطارد، المشتري، الزهرة، زحل) وقرنـــوا أيام الأسبوع بهذه الآلهة فصار هناك يوم لإله الشمس « SUN DAY » ويوم لإله القمر « MOON DAY » ويوم لإله زحل « SATURDAY ».

وهذا ما استمر حتى يومنا هذا في أسماء الأيام أو بعضها.

واعتماداً على هذا كله صار بإمكاننا أن نتفهم مقولة العالم الفرنسي جورج كونتنو من أن «مدنية الغرب مدينة للشرق القديم بالكثير الكثير» (31)، ومقولة الباحث روبيرت لاندا أن «الثقافة الكنعانية في شبه الجزيرة الايبرية (الإسبانية) لعبت دوراً عظيماً، فقد عاشت منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد وحتى القرن الأول ومثلت طرازاً مميزاً للحضارة التي انتقلت إلى الأراضي الواقعة إلى الجنوب من جبال البيرينيه» .

الموسيقا المشرقية:

إذا كان تأريخ أقدم رقيم موسيقي مشرقي يعود إلى حوالي 1800 ق.م عبر الفاعلية الأكادية فإن هذا المنجز كي يصل إلى التدوين على الرقيم لا بد أنه قد سبقته تفاعلات ومخاضات أدت إلى تدوينه وربما تعود هذه التفاعلات لألفي سنة سابقة.

ونحن نعتقد أنه مع نشوء المعبد والذهنية المعتقدية كان ثمة نشاط موسيقي مرافق، ومع الألف الثالث قبل الميلاد ونتيجة لانفصال المعبد عن المدينة ونشوء السلطة الزمنية بدأت الموسيقا المعتقدية تأخذ حيزها المعبدي في مقابل ظهور موسيقا مدنية تترافق مع نشاطات وفاعليات الحياة العامة اليومية.

وهذا ما أدى إلى تبلور المعطى الموسيقي الحضاري في تدوينه على الرقم سواء في 1800 ق. م أو بعد ذلك بحوالي 400 عام في أوغاريت.

يقول الباحث راؤول فيتالي: «عثر في جنوب العراق على عدة لوحات تعطي الكثير من المعلومات عن الموسيقا الأكادية.. وأن لوحة /رقيم أوغاريت ليست إلا تطبيقاً لهذه المعلومات./»

وقد توصل هذا الباحث إلى أن الموسيقا الأكادية تشبه موسيقانا كما تشبهها الموسيقا الإغريقية.

وقد عثر في أوغاريت على ألواح طينية تحوي قطعاً موسيقية تعود إلى حوالي 1400 ق. م وتبين نتيجة الدراسة أن هذه الألواح هي الأساس في علم الموسيقا الغربي الذي أقامه فيثاغورس عام 500 ق. م.

وقد أثبتت العالمة كيلمر أن موسيقا أوغاريت التي تقوم على السلم السباعي الدياتوني هي أساس الموسيقا الغربية.

ويصل الباحث فيتالي إلى أن سلم فيثاغورس الإغريقي وسلم صفي الدين العربي ما هما إلا عبارة عن خلف للسلم الموسيقي الأكادي.

وقد أمدتنا اللقى الأثرية والمدونات بمعلومات عن آلات موسيقية كانت تستعمل في المشرق العربي القديم مثل الناي والقانون ومزامير القرب والطبول وقرون ومزامير وأبواب وصنوج.

وتخبرنا الرقم من عدة مواقع مشرقية عن وجود فرق موسيقية وانتقالها بين مدن المشرق العربي وعن وجود مغنيين يعزفون ويغنون في الهياكل والقصور والبيوت.

الجدير ذكره هنا أن خط التواصل الإنساني والذي مارسه الكنعانيون ومن ثم الآراميون والسريان أدى إلى تطور الموسيقا مع العصور وانتقالها إلى المجال الحيوي المتوسطي الأوربي.

ويشير المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي إلى أن الأسلوب البيزنطي في الموسيقا والشعر الابتهالي الذي أصبح الملك المشترك لجميع الشعوب الشرقية الأرثوذكسية وضعه سوري مسيحي (خلقدوني) هو رومانس (480 ـــ 550) م وقد كتب رومانس أشعاره بالكويني الاتيكية القديمة لكن تفاعيله وأناشيده كانت سوريّة، ويشير توينبي إلى أن هذه الخطوة بالنسبة إلى الموسيقا والشعر اليونايين كانت منطلقاً جديداً منعشاً .

المنجز الحضاري الإنساني المشرقي في العصر الهلنستي 333 ـــ 69 ق. م:

مع تأسيس سلوقس نيكاتور للدولة السلوقية في المشرق العربي، أصبحنا أمام حالة من التمازج الإنساني والفكري بين عالم المشرق العربي وعالم المتوسط ولا سيما الغرب اليوناني.

ويؤكد فيليب حتي أن سورية كانت العمود الفقري للامبراطورية السلوقية فأنطاكية كانت رأسها السياسي أما مدينة سلوقية فكانت عاصمتها التجارية في حين كانت أفاميا مقرها الحربي .

وفي هذا العصر نحن أمام ظاهرة أصيلة في مجتمعنا، فالمعلوم أن السلوقيين أسسوا مدناً في سورية لم تكن من قبل أو ربما كانت بلدات صغيرة جرى تأسيسها من جديد وفق المنظور السلوقي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وعلى هذا تم تشييد مدن مثل اللاذقية (لاوديكية) وأنطاكية وأفاميا /أباميا/. وهذه المدن حافظت على أسمائها بعد زوال الحكم اليوناني مع تحريفها باللفظ العربي.



ولكن اليونان كانوا قد أجروا تبديلاً على أسماء المدن السورية الأصلية وأطلقوا عليها تسميات يونانية حيث أنه وبزوال الاحتلال اليوناني عادت المدن إلى أسمائها الحقيقية والأصلية، فعكّا مثلاً أصبحت بتوليماس، وعمّان فيلادلفيا وبيسان سكثيوبوليس وبيروت لاوديسه وحماه أبيغانيه.

الرواقية: منجز فلسفي إنساني للمشرق العربي:

إذا كنا نوافق على أن كل مذهب فلسفي هو ابن عصره، فإن المذهب الرواقي يشكل بامتياز ابناً شرعياً للعصر الهلنستي ومن ثم الروماني وصولاً إلى المسيحية.

وقد حمل هذا المذهب بعداً إنسانياً ورؤيا إنسانية يستظل بها جميع البشر وأساسها التسامح والعدالة. وقد أسس هذا المذهب زينون الرواقي الكنعاني (333 ـــ 261) ق. م وهو من مواليد مدينة كيتوم في قبرص.

ويبدو أن العصر الهلنسيتي قد شهد دعوات متمايزة بين تفوق مجتمعات على أخرى، بالإضافة إلى ازدهار العبودية وتجارتها، ما أدى إلى بلبلة فكرية وسياسية واجتماعية أدت إلى تنازع بين المذاهب الفلسفية والاجتماعية. وهذا ما دفع زينون الرواقي /ابن المشرق العربي/ إلى أن يحاول الاسهام في وضع أساسات لفكر إنساني جديد أساسه التسامح والمساواة والعدل. وبذا يكون زينون المعبرّ عن شخصية مجتمعه وخصائصه الإنسانية.

فقد تأسست الفلسفة أو المذهب الرواقي على وحدة الجنس البشري والمساواة بين الناس وعدالة الدولة والمساواة بين الرجال والنساء واحترام حقوق الزوجة والتسامح والإحسان إلى الآخرين، والشعور الإنساني في حالات الضرورة القصوى للمعاقبة.

ولتبيان أهمية هذه الفلسفة /برأينا/ ينبغي دراستها وفق عصرها أولاً وضمن دراسات مقارنة مع ما قبلها وما بعدها من مذاهب وفلسفات.

عام 302 ق. م بدأ زينون يعلم مذهبه في أثينا، وقد أبانت فلسفته عن صلة مباشرة بالروحية المشرقية العربية ولا سيما في نظرتها الشمولية والإنسانية للأخوة البشرية، ويبدو أنّ زينون كان المبشر الأول لظهور المسيحية.

وقد علّم مذهبه باللغة اليونانية /لغة العصر آنذاك/ وكان له أتباع من اليونانيين والرومان. وقد كتب أحد شعراء اليونان على شاهدة قبره:

«إذا كانت بلادك الأصلية هي فينيقية

فهل يجب أن يضيرك هذا بشيء..؟؟

ألم يأت قدموس من هناك

الذي أعطى لليونان كتبها وكتابها؟؟»

وامتد تأثير الفلسفة الرواقية حتى ظهور المسيحية، وقد أشار حتيّ إلى أن أول وسيط بين المسيحية والفلسفة الرواقية، كان بولص الرسول. وأن كثيراً من مضامين رسائله والأسلوب الذي يعبر به عن ذلك المضمون هو تفكير رواقي إلى حد بعيد، ولا سيما رسائله إلى أهل كورنثه ورومية وكولوسي وكورنثوس.

حتى أنه في زمن الإمبراطورية الرومانية شهد عرش روما أباطرة آمنوا بالمذهب الرواقي حيث كان يأخذ بعداً دينياً ولا سيما عند الإمبراطور ماركوس أوريليوس /توفي في 180 م/ حيث كان رواقياً.

ويبدو أنه بداية القرن الثالث الميلادي نجحت المسيحية في التوفيق بين الرواقية وبينها، حسب فيليب حتي.

وما يعنينا في هذا المجال هو أن الفلسفة الرواقية انتمت بقوة إلى الخط الفكري المشرقي العربي، الذي نجد بواكيره في الأساطير المشرقية في العصور التاريخية ثم تالياً في العصور اللاحقة وصولاً إلى المسيحية والتي تؤكد على البعد الإنساني لا بل في نشر القيم الإنسانية عبر الرسل وتلاميذ المسيح إلى العالم.

وكما أسلفنا فإن هذا يعتبر خصيصة من خصائص النفسية المشرقية العربية.

وعلى كل هذا ولطبيعة التواصل بين بواكير الفكر في المشرق عبر الأساطير الأولى وصولاً إلى الرواقية فالمسيحية، فإن هذا يثبت أن المسيح مشرقي وينتمي إلى مجتمعه المشرقي وليس يهودياً كما توحي الدوائر اليهودية الصهيبونية والمتهودة في الغرب المسيحي.

وفي سياق البعد الإنساني المشرقي العربي تنبغي الإشارة إلى الدور المشرقي في ردف وتوسيع قاعدة الرسالة الإسلامية، لا بل إن المؤرخ أرنولد توينبي يتحدث على أنه: «قبل أيام محمد بنحو ألفي سنة أصبحت الجزيرة العربية مما يمكن اجتيازه من مكان إلى آخر. وقد أخذت الآراء والتنظيمات تتغلغل إلى شبه الجزيرة من الهلال الخصيب الذي يحاذيها في الشمال. وهذا التغلغل كان أثره تراكمياً وفي عصر النبي كانت الشحنة الروحية المتراكمة في الجزيرة العربية على وشك الإنفجار. وجاءت رسالة محمد في الوقت المناسب إذ تلقّى هذه الشحنة فأحسن استعمالها وذلك برؤيته النيرة وتصميمه وحكمته» .

وبرأينا فإن انتشار الرسالة الإسلامية إلى سورية والمشرق بعامة كان يدخل ضمن الإطار الطبيعي للبعد الإنساني المشرقي لا بل إن دمشق أصبحت عاصمة للإمبراطورية الأموية.

المنجز الإنساني المشرقي في العصر الروماني 64 ق. م:

مع دخول الرومان إلى سورية سوف تتغير بعض المعطيات على صعيد الجغرافيا التاريخية والسياسية. وقبل ذلك تنبغي الإشارة إلى أن الاحتلال الروماني لسورية /بلاد الشام/ كان تعبيراً عن وجود فائض حيوي عسكري لا أكثر لدى روما.. وهذا في الأساس هو الدافع الحقيقي للصراع المشرقي مع روما ناهيك عن معاني الاحتلال والاستعمار.

لهذا ومع كل جبروت روما وطغيانها فإن كاتباً رومياً (جوفنال) في القرن الثاني الميلادي يضع يده على الجرح الروماني بقوله:

«منذ زمن بعيد ونهر العاصي السوري يصب ماءه في نهر التيبر جالباً معه لغته وعاداته وعوده وقيثارته بأوتارها المائلة».

فقد كانت سورية /الموغلة في القدم/ تجاه روما التي لم يمض عليها سوى 800 عام.

هي الأصالة مقابل القوة الفارغة الرأس، ناهيك على أن نهر الفرات في عصور ما قبل الرومان لم يكن يشكّل حاجزاً طبيعياً بين جناحي المشرق العربي القديم، أما الآن فبتنا أمام حاجز يفصل الجناح الغربي /بلاد الشام/ عن الجناح الشرقي /الرافدين/ حيث قبعت حدود الإمبراطورية الرومانية في الشرق عند نهر الفرات.

ويبدو أن ما فعلته زنوبيا (بت زبّاي) في ضمها للعراق آنذاك إلى إمبراطوريتها هو محاولة إعادة الجناح إلى أخيه بعيداً عن الصراعات الرومانية ـــ الفارسية.

ولعل أهم التأثيرات المشرقية في العالم خلال العصر الروماني تتوضح ضمن جملة من المنجزات الإنسانية:

في التشريع والحقوق:

مع مطلع القرن الثالث الميلادي سوف تصبح بيروت مركزاً لمدرسة الحقوق والتي بقيت حتى منتصف القرن السادس أشهر مدرسة من مدارس الولايات في الامبراطورية الرومانية.

ويشير الباحثون إلى أن مؤسس هذه المدرسة هو الإمبراطور سبتيم سفير 193 ـــ 211 م ثم تعهدها خلفاؤه السوريون من بعده.

ونتيجة لريـــادة هذه المدرســـة المشرقية أطلق الإمبراطور جوستنيان على بيروت اسم «أم القوانين ومرضعتها».

وطبعاً، نحن هنا ليس أمام منجز حضاري لزمن معين وعصر معين.. ولا بد أن ننظر بشكل شمولي ضمن دائرة الحقوق حيث أن المشرق العربي شهد أولى الشرائع والقوانين.. من لبت عشتار إلى أور نمو إلى حمورابي إلى القوانين الآشورية وصولاً إلى مدرسة بيروت للحقوق التي كانت نواة الفكر القانوني.

يقول بول كولينيت: «في بيروت كان يتم إعداد الحقوق الرومانية الجديدة.. وإلى جماعة من الفنيقيين السوريين هم عائلة سبتموس سفيروس ومستشاروه، لا تزال الحقوق الرومانية الجديدة مدينة ببلوغها أوج الكمال».

ففي فترة حكم السلالة السورية لعرش روما (193 ـــ 235 م) يبدو أنه تم تطوير الشرع الروماني ونقله من الطور الابتدائي إلى مرحلة متقدمة عبر مؤلفات الفقهاء السوريين الخمسة والذي أحاط بعضهم بالامبراطور سبتيم سفير كمستشارين له مثل بابنيان وألبيان. وبالإضافة إلى هذين الفقيهين كان هناك غايوس وبولس وموديستنوس.

والجدير ذكره هنا هو أنهم كتبوا مؤلفاتهم الحقوقية باللاتينية وهذا ما جعل بعض المؤرخين يطلق عليهم اسم الفقهاء الرومانيين، وهذا ما انسحب على التشريع الذي وضعوه فأطلق عليه اسم التشريع الروماني.

تبين الأبحاث أن ما قدمه هؤلاء الفقهاء السوريين للتشريع الروماني يتعدى الـــ 80 % منه، وهذا ما دفع بعض الباحثين للقول: في القرن الثالث الميلادي كانت سورية تعكس على العالم تقاليدها الحقوقية التي تعد مصدر الحقوق الرومانية وأصلها.

ويمكننا استعراض مؤلفات هؤلاء الفقهاء:

الفقيه غايوس: 130 ـــ 180 م

اعتبرت مؤلفاته مرجعاً يلتزم به القضاة، بنتيجة الموقف الايجابي للامبراطور فالنتين منها، وهذا ما أضفى عليها صفة رسمية.

وقد اعتبر المؤرخون الرومان مؤلفاته القانونية، مصدراً أساسياً لمدونات الامبراطور جوستنيان.

وتشمل مؤلفات غايوس على أربعة أجزاء تبحث في الأصول والأشكال وحقوق الأسرة والميراث والملكية. والجدير ذكره هنا هو أن هذه المدونات اعتمدت /لأهميتها/ كمادة تدريبية في المعاهد والجامعات الأوروبية.

الفقيه بابنيان: 140م

لقّب بأمير الفقهاء، عمل مستشاراً للإمبراطور سبتيم سيفير، ودرّس مؤلفه «الأسئلة والأجوبة» في مدارس الحقوق الرومانية. ومن الأحداث التي تؤكد إنسانيته وتصالحه مع نفسه وأصالته، انه بعد مقتل جيتا على يد كركلا أخيه، غضب الرأي العام ومجلس الشيوخ على كركلا القاتل من أجل العرش،

فما كان من الإمبراطور القاتل /كركلا/ الا أن يطلب من بابنيان الفقيه أن يوجد له مخرجاً وتبرئتة من فعلته بقتل أخيه، غير أن بابنيان يرفض ويقول لكركلا: إن ارتكاب جريمة القتل أيسر من تبرئة المجرم منها، واتهام البريء القتيل بعد مقتله هو قتل آخر وجرم ثان.

وهذا الموقف أدى إلى أن يدفع بابنيان حياته ثمناً له، بأمر من كركلا. علماً أن الأخير تتلمذ في يفاعته على يد بابنيان.

والجدير ذكره في هذا المجال أن الإمبراطور اسكندر سفيروس /آخر أباطرة السلالة السورية في روما/ (222 ـــ 235)م أحاط نفسه بالفقهاء السوريين ألبيان، موديستينوس، وبولس، وفي عهده بنيت أول كنيسة وأعاد الحجر الأسود المقدس إلى حمص، وأقام بدلاً منه ثلاثة تماثيل نصفية لزارادشت وابراهيم والمسيح.

ولتبيان أهمية ما قدمه الفقهاء السوريين للتشريع الروماني تنبغي الاشارة إلى أن الإمبراطور تيودور الثاني، أصدر مرسوماً بتاريخ 426م، عرف بقانون المرافعات حيث صنّف الفقهاء إلى صنفين وحظر على القضاة اعتماد سواهم في جميع الأحكام التي يصدرونها:

الصنف الأول: ويشمل الفقهاء السوريين الخمسة.

الصنف الثاني: ويشمل الفقهاء الذين اعتمدهم الفقهاء السوريين الخمسة.

وقد جاء في المرسوم الإمبراطوري أنه إذا اختلف القضاة على رأي ولم يجمعوا عليه فعلى القاضي أن يأخذ برأي الأكثرية، وإذا تساوت الآراء فعليه أن يأخذ برأي الجانب الذي فيه بابنيان.

كما أن ما يسمى بمدونات جوستنيان في القانون، استمدت موادها بشكل رئيسي من مواد الفقهاء السوريين الخمسة، ومدرسة بيروت الحقوقية بحيث تشكّل نسبة ثمانين بالمئة منها

علماً أن ما يسمى بمدونات جوستنيان في القانون تتألف من خمسين كتاباً، وقد تضمنت حوالي 2462 فقرة قانونية أخذت من الفقيه ألبيان لوحده. وشكلت اكتمال الشرع الروماني. وتعتبر هذه المجموعة أساس الحقوق الشرعية في القرون الوسطى والعصور الحديثة

وقد أصبحت هذه المجموعة المصدر الرئيس الذي استمدت منه الدول الأوروبية الحديثة قوانينها، ولاسيما، فرنسا، ألمانيا، ايطاليا، اسبانيا.

ويعتقد أن الفقهاء الخمسة كانوا رواقيين، وهذا ما يبعث على الاعتقاد من أن روحيتهم المشرقية الرواقية ساهمت في تخليص التشريع الروماني من القسوة والفظاظة.

في الأدب:

حفل العصر الروماني بأدباء ومفكرين مشرقيين ساهموا عبر نتاجاتهم، في تخصيب حقول المعرفة الإنسانية وأثروا إلى حد بعيد في مجاري الفكر الإنساني.. ويستوقفنا في هذا المجال الكاتب الساخر لوقيان السميساطي(125)م، الذي كتب باليونانية آنذاك /لغة العصر/ وكان يتكلم الآرامية. وقد الّف ما يتعدى ثمانين كتاباً، وقد اثّر اسلوبه الأدبي الساخر على العديد من الأدباء والكتاب في العالم، منهم:

سويفت الايرلندي وتوماس مور البريطاني وسيرانو دو برجراك ورابليه وفولتير ورينان وأناتول فرانس وبرناردشو.

في العمران والعمارة:

كما ركزنا سابقاً على الناحية التراكمية ـــ النوعية للمنجز الحضاري الإنساني للمشرق العربي، فلابد أن نؤكد من جديد على أن العمران والعملرة المشرقية في العصر الروماني، لم تكن وليدة وقتها فقط ومعلوم أن نشوء المدن الأولى كان سمة حضارية من سمات المشرق العربي، وبالتالي فعمارته في العصر الروماني تستند بالحقيقة على ارث نوعي وتراكمي، موغل في القدم.

ولا نعتقد أنه يمكننا العبور في العصر الروماني لجهة العمارة والعمران، دون أن نعرّج على مبدع مشرقي دمشقي عبّر بمنجزه العمراني والمعماري عن خصائص العمارة المشرقية وروحيتها، وهو أبولودور الدمشقي.

وبداءة، يتحدث تاريخ كمبردج عن أن سورية كانت متقدمة على روما في مجال العمارة، لا بل كانت بالنسبة لها النموذج الذي احتذته، ويتابع المرجع المذكور فيضيف: لقد تفوقت سورية على روما بعبقريتها المبدعة وفي معارفها التقنية وفي مهارة عمالها.

أما أبولودور الدمشقي (60 ـــ 125)م، فقد كان قريباً من الإمبراطور الروماني تراجان، وقد أوكلت له مهمات عمرانية وإنشائية وفنية، قدم من خلالها جلّ عبقريته المجتمعية والفردية.

فقد أنشأ الميدان التراجاني في روما، ويعتقد العالم بيانكي بانديللي في كتابه «أبولودور الدمشقي» أن الفكرة المعمارية لهذا الميدان، ولاسيما لجهة ساحته مستمدة مما كان حول معبد جوبيتير في دمشق ويؤكد على أن هذه الفكرة المعمارية هي فكرة شرقية أكثر مما هي رومانية.

وثمة منجز لأبولودور أخذ بعداً إنسانياً تمثّل في العمود التراجاني الذي حوى تحت قاعه قبر الإمبراطور تراجان، حيث شيّد العمود بارتفاع 33 متراً، يلتفّ حول جذعه شريط حلزوني منحوت وملون سشمل تسجيلاً فنياً لمنجزات الإمبراطور وفي داخل العمود درج دوار.

ويتفق الباحثون على أن أسلوب هذا العمود فنياً، يحاكي أسلوب المنحوتات الآشورية المشرقية. وقد أثرّ هذا العمل لأزمان لاحقة في التصاميم التذكارية في عدة بلدان أوروبية، ويؤكد د. عدنان البني أن هذا العمود أثر تأثيراً عميقاً على العمارة حتى العصر الحديث، ففي عام 408 م بني عمود مماثل في عهد الإمبراطور أركاديوس في مدينة القسطنطينية.

وفي ألمانيا عام 1022 م، شيد عمود من البرونز يحاكي عمود تراجان وذلك في كاتدرائية هيلدسهايم في مدينة هانوفر.

وعام 1806 ـــ 1810 م انشئ في فرنسا عمود الفاندوم تخليداً لحروب نابوليون، وكان ثمة تشابه كبير بين نقوشه البارزة ونقوش عمود أبولودور.

يقول جيروم كاركوبينو في كتابه «الحياة اليومية في روما في أوج الإمبراطورية»:

إن ميدان تراجان وسوقه هما قمة من قمم الفن، يتلاقى فيها خيرة بنائي أفضل العصور ويسمون إليها تلامذة متحمسين أو مقلدّين، مثل ميكيل أنجيلو، الذي ينقل شيئاً من هذا التنسيق المتقشف والقوي إلى واجهة قصر فارنيزة، ومعماريو نابوليون الذين يذوّبون مدافع أوسترلينز ليضعوا عمود فاندوم.

أيضاً لابد أن نشير إلى ابداع تدمري، تجلى في التاج الكورنثي التدمري والذي شاع في العالم آنذاك انطلاقاً من ابتكاره الأول في تدمر، عبر إنشاءه في معبد بل.

إسهام السريان المشرقيون في الحضارة الإنسانية:

يقول توينبي: «منذ أن بدأ اعتناق سكان المشرق التدريجي للمسيحية، كانت المدنية السريانية تؤثر في المدنية اليونانية، ولم يحس الناطقون باليونانية من المسيحيين أنهم أكثر ثقافة من المسيحيين الناطقين بالسريانية، والواضح أن أولئك قد أفادوا نفحات حضارية دائمة من هؤلاء».

هذا من جهة، ومن جهة ثانية فقد ساهم السريان بعد الفتح الإسلامي للمشرق العربي، في دفع العرب نحو نهضة علمية، بلاغية، فكرية. ولاسيما في العصر العباسي، حيث استفاد العرب من القاع الثقافية للمشرق العربي والتي تضرب جذورها عميقاً في التاريخ.

وقد استطاع السريان عبر ترجماتهم للمؤلفات اليونانية، أن يمدوا المسلمين بعون معرفي كبير، سوف يكون له أبلغ التأثير في مساق الحضارة الإنسانية. ولعل من أهم الترجمات التي قاموا بها:

مؤلفات أرسطو، وشروح أفلوطين، ومؤلفات أبقراط وجالينوس الطبية، وكتب اقليدس الرياضية، وأعمال بطليموس الجغرافية، إلى ما هنالك من كثير الترجمات.

ولا يمكن في هذا المجال من تجاهل ما قام به صائبة حران الذين يعتبروا الوارثين للعلوم البابلية والمطلعين على العلوم والأفكار اليونانية، في مد العرب بوسائل المعرفة النظرية والعلمية.

تقول الباحثة نينا بيغوليفسكايا في كتابها «ثقافة السريان في القرون الوسطى»:

لقد استوعب العرب عن طريق السريان، العلوم اليونانية والأساليب الدقيقة للترجمة، مستفيدين بمهارة عالية من المعارف القيمة في مجالات الفلسفة والطب والكيمياء والفلك وجغرافية الأرض التي استطاعوا أن يطلعوا عليها، بفضل استفادتهم من الترجمات السريانية الأقرب إليهم من الأصول اليونانية.

وتضيف: إن الثقافة السريانية في القرون الوسطى حصلت على انتشار عريض وأظهرت تأثيراً كبيراً في تطور الثقافة العالمية.

إذن نحن أمام الثقافة السربانية في منحيين:

المنحى الأول: أنها استمدت في الأساس خصائصها من العمق الحضاري التاريخي ـــ الاجتماعي للمشرق العربي بإنجازاته واختراعاته.

المنحى الثاني: المثاقفة والتفاعل الفكري مع العالم اليوناني، ما أدى إلى ليس النظر للسريان كناقلين عن الآخرين، لا بل وقد أسهموا في مناحي الفكر والفلسفة والعلوم.

على كل هذا نشير لقول العالمة بيغو ليفسكايا:

«إنّ عدداً كبيراً من العلماء العرب كانت أسماؤهم وتآليفهم حتى القرن الثالث عشر ميلادي، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعلوم السريان، ولم يقتصر كثير منهم على قراءة المؤلفات السريانية فقط وإنما كتبوا وألفوا باللغتين السريانية والعربية في آن واحد.».

وتصل للقول: «إن العلوم اليونانية عبرت من خلال السريان أولاً، فتلاقت مع الفكر العربي وامتزجت فيه. ومن أيدي العرب تسلّم الغرب اللاتيني الثروة العلمية التي تراكمت على مدى قرون طويلة».

وأخيراً.. إن الإشارة إلى البعد الإنساني في الشخصية المشرقية العربية، يمنحنا فرصة أن نعرف أو نعي التاريخ... فوعي تاريخنا سوف يؤدي إلى وعي حقيقة من نحن.. التي تعني بشكل رئيسي أننا ضرورة إنسانية.. دلّ على ذلك ما ذكرناه.. ولا سيما أن البعد الإنساني الحقيقي يجب أن يستند على خصائص مجتمعية أخلاقية. وهذا هو سر المشرق العربي. ألم يقل العالم الفرنسي بيير روسي:

لقد آن الأوان الذي ينبغي للعالم الشرقي أن يبدأ فيه اكتشاف حقيقة تاربخه وثقافته، اللتين لولاهما لغدا الغرب فارغاً.



 

يارب الموضوع يعجبكم


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق