الثلاثاء، 26 يوليو 2016

تاريخ قرطاج الثقافي

تاريخ قرطاج الثقافي


الفنون القرطاجية

لم يبق أي كتاب بونيقي (ولا فينيقي) إلا ترجمة يونانية لكتاب ماجون حول الزراعة. لكن يذكر الكاتب الروماني سالوست في كتابه حرب يوغرطان أن قرطاج كانت فيها كتب عديدة تاريخية وجغرافية، وأنه لم يحترقوا في تدمير قرطاجة، بل أخذهم بعض أمراء نوميديا. يبدو من ما اكتشف في رأس الشمرة أن أساطيرهم كانت طويلة ومتنوعة. كانوا يتقنوا صناعة الزجاج، والفينيقيون هم الذين اكتشفوا الزجاج، واشتهروا أيضا بصبغ الملابس.
اللغة و الثقافة

اللغة البونيقية هي اللهجة الإفريقية للغة الفينيقية, ومن تأسيس قرطاج حتى نهاية الإمبراطورية الرومانية كانت من أهم لغات شمال إفريقية. إنها لغة سامية مثل العربية الفصحى, ولذا معظم مفرداتها شبيهة بها, لكنها أقرب إلى العبرية القديمة, ومن أراد أن يتقن البونيقية فيجب أن يتقن العبرية. الأبجد البونيقية هي التالي:
كتب القديس أوغسطينوس في القرن الخامس م أي بعد ستة قرون مرت على تدمير قرطاج و مسحها من الخريطة ،(( إذا سألت أحد سكان هذا البلد عن هويته ، سيقول لك بلسانه البونيقي أنه كنعاني ...)) . اللسان البونيقي الذي يشير إليه القديس أوغسطين هو التسمية الرومانية للغة الكنعانية ،أي لغة قرطاج الفينيقية، فقد دأب الرومان على تسمية الكنعانيين الذين استوطنوا الشواطئ البحر الأبيض المتوسط الغربية بدءاً من القرن الثالث عشر ق.م بالبونيقيين ترجمة للكلمة اليونانية الفينيقيين ، ومازالت التسمية اليونانية شائعة حتى اليوم على الرغم أن من يشار إليهم بهذه التسمية لم يستخدموها حتى بعد أن أصبحت بلادهم على ساحل المتوسط الشرقي تحت الهيمنة اليونانية بدءاً من عام 332 ق.م ، وأصبحت بلادهم على ساحل أفريقيا الشمالي تحت الهيمنة الرومانية بدءا من عام 146 ق.م . وللأسف الشديد لم يتبقى أي كتاب بونيقي (ولا فينيقي) ولكن لدينا أرقام مؤكدة عن عدد من النصوص البونيقية التي ترجمت إلى اللغتين اليونانية و اللاتينية خصوصا ، رحلة حانون الملاح ، الترجمة اليونانية لكتاب ماغون حول الزراعة ، لكن يذكر الكاتب الروماني سالوست في كتابه (حرب يوغرطا) أن قرطاج كانت فيها كتب عديدة جغرافية وتاريخية ، و أنها لم تحرق في تدمير قرطاج ، بل أخذها بعض أمراء نوميديا. يقول أميانوس (إن الملك جوبا الثاني ،يقول نسبة للمراجع البونيقية أن نبع نهر النيل يقع على جبل في موريتانيا ويطل على المحيط ). ويذكر سالوست أيضا أن الملك النوميدي هيمبسال الثاني كان قد كتب عملا أو أكثر باللغة البونيقية . و يقال إن حنبعل برقة نفسه كان قد ألف أعمالا باللغتين البونيقية و اليونانية .
إن القرطاجيين قاموا بنسخ نموذج الملك الآشوري (آشوربانيبعل) من القرن السابع ق.م ففي قرطاج، ما إنفكّ الإعتراف بالآخر من تقاليد السلف والخلف، فلقد كانت قرطاج، وهي ملكة في المتوسط، تترك أبوابها مفتوحة على مصراعيها أمام قصّادها والذين يبغون الإقامة فيها، فآوت جاليات لوبية ومصرية وأتروسكانية وإغريقية وأخرى كثيرة وإن لم تذكرها النصوص المتوفّرة. وكان القرطاجيون لا يتعففون من الزواج المختلط بل يقبلون على مصاهرة المقيمين عندهم : فمن بين القادة العسكريين في جيش حنبعل ضابطان يشعران بالانتماء إلى قرطاج دون ما تنكّر لجدّهما الإغريقي علّه جاء إلى العاصمة البونيقية مهاجرا. ولمّا استطاب العيش فيها تزوّج قرطاجية أنجبت له طفلين ترعرعا في قرطاج وفيها تعلّما ثم انخرطا في سلك الجيش الحنبعلي وكان أحدهما يسمى (أيْفيقيدس) والثاني (هيبُّقراتس) .
وتجدر الإشارة أيضا إلى فيلسوف قرطاج اسمه (عزربعل) وكان يسمّى في الأوساط الإغريقية) اقليتوماكوس) وهو من أمّ قرطاجية لم يحتفظ التاريخ باسمها ومن أب إغريقي يسمّى ديوجنيتوس ولعلّه من الجالية الإغريقية التي كانت تقيم بقرطاج وفيها تشتغل ، لاسيما وقد توفّرت لها ظروف إقامة طيّبة، تنعم بالسّلم والرّخاء وقد تمكّنت تلك الجالية من إنشاء مقدس تمارس فيه عبادة الإلهة ديمتره السيراكوسية. ولم تكن هذه الشعائر الإغريقية تزعج عباد الإلهة القرطاجية تانيت بل كان احترام متبادل بين عباد الإلهتين. هذا مع العلم أنّ محفل الآلهة البونيقية يضمّ آلهة مصرية نذكر منهم الثالوث أوزوريس وإيزيس ورع. وممّا يثبت قبول هؤلاء الآلهة المصرية وجود أسمائهم في أسماء القرطاجيين والقرطاجيات : فكثيرون من كانوا يتسمّون عبد إيزيس أو عبد رع وهو ما يثبت أنّ القرطاجيين لم يقبلوا على ترجمة أسماء الآلهة الذين يدخلون ديارهم. فالإلهة إيزيس المصرية تحافظ على إسمها في قرطاج. ولئن تمت الاشارة إلى هذه الظاهرة، فذلك لأنّ الإغريق لا يعترفون إلاّ بقوالب لسانهم ومقاييسه، حتّى أنّهم إذا تحدثوا عن تانيت أو عشتروت رأيتهم يذكرون هذه أو تلك مستعملين اسما إغريقيا يعتبرونه مناسبا. ففي النصوص الإغريقية لا تجد اسم تانيت لأنّه يحجب ويعوّض باسم( هيرا)أمّا في النصوص اللاتينية فقد تتوارى تانيت خلف الإلهة( يونو) . ولم تكن تلك المعادلات من باب الاعتباط بل لها أصول وقواعد لايتسع المجال للخوض فيها .
شرّعت الإمبراطورية الرومانية حق استقبال اللاجئين السياسيين. وهو بخاصة ملتقى حضارات الشرق الأدنى. واورد عن المؤرخ فيلوستراتس وصفا جميلاً لمدينة قادش التي أسسها أبناء صور في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد - نتباهى بمثله اليوم بعد أربعة آلاف سنة - قال Egypt.Com - منتدي مصر( إن فيها معبداً للعصور القديمة إلى جانب معابد للفكر والفن، ومعبد مكرس للحكمة في جميع أنحاء الأرض، من دون عصبية أو تمييز عرقي أو ديني أو لغوي)).
في مدينة كركوان بالوطن القبلي وهي مدينة بونيقية قرطاجية تقع بين قليبية والهوارية .توجد قبور نقرت في الصخر من المدرج إلى الغرفة الجنائزية مرورا بمعبر ضيق طويل، تأوي رفات شخصين دفن أولهما كالجنين، وهي طريقة إقبار شائعة في الأوساط اللّوبية عاينها علماء الآثار في شمال إفريقيا منذ أقدم العصور القديمة. وامرأة وذلك على أساس الظّهرة الجنائزية ومنها مرءاتان من برونز، والجدير بالذكر أيضا أنّها أقبرت ترميدًا وجمعت عظامها المحروقة في تابوت من الحجر الجيري.
ففي هذه الغرفة الجنائزية تواجد نوعان من طرق الإقبار : الدفن على هيأة الجنين والترميد، واستنادا إلى معطيات مادية ثابتة أمكن استخلاص النتائج التالية : يعود هذا القبر القرطاجي البونيقي إلى ما بين القرن الرابع والقرن الثالث ق.م. تأوي الغرفة الجنائزية رفات رجل أصوله إفريقية وقد يكون من أرومة محليّة. وإلى جانبه رفات زوجته المرمّدة.
تواجد طريقتي إقبار مختلفتين في نفس الغرفة الجنائزية وهو ما يجعلنا نفترض أنّ الرجل الإفريقي تزوّج من امرأة أجنبية قد تكون إغريقية أو أتروسكية مع العلم أنّ الإغريق والأتروسكيين كانوا يرمّدون أمواتهم في غالب الأحيان. تمكّنت المرأة من الحفاظ على هويتها الدينية ولم ير أهلها حرجا من ترميدها وإقبار عظامها المحروقة في نفس الغرفة الجنائزية التي آوت رفات زوجها الإفريقي. كان الزوجان على مستوى من الحب والوئام جعلهما يتقاسمان بيت الحياة وغرفة الممات دون أن يفرّطا في الهوية الثقافية ولا في العقيدة والطقوس. فهو الحب والاعتراف بالخصوصية. إنّها روعة حضارية.
هكذا كان المجتمع القرطاجي البونيقي متفتّحا لا يعرف التعصّب ولا يعمل على إقصاء الآخر بل يفتح ذراعيه استعدادا لمعانقته دون أن يتنافى ذلك مع المنافسة الشريفة والمزاحمة في كل ما يتعلق بشؤون المادّة من صناعة وتجارة وتوسيع مناطق النفوذ. وأيّا كان الأمر، فالقرطاجيون يعترفون بالآخر. ولمّا أشعّت الرّومنة بعد عنف الحروب وضراوتها، توفرت لروما وقرطاج ظروف سلم ووئام، تلك التي ترنّم بها الشاعر اللاتيني ورجليوس Virgile تمجيدا للإمبراطور أوجستوس Auguste ومآثره. على أن الأفريقيين، يعتبرون قصيدة أنّيوس Enée أهزوجة تراقص أفريقة وتعانقها وترفع ذكرها. لقد ترومن الأفريقيون، ولا أدلّ على ذلك من مشاهدة المواقع والمعالم وهي عديدة في مختلف أقطار المغرب الكبير. وفضلا عن المعالم والمواقع مثل دقّة Dougga وتاوسدرة Thysdrus وجميلة Cuicul بالجزائر وليلى Volubilis بالمغرب الأقصى وسبراطة ولبدى Lepcis بليبيا، لا بّد من ملاقاة الرجال وقراءة مآثرهم، سياسية كانت أو عسكرية، ولآخرين مآثر أدبية روحية أو فلسفية وفنية : فهذا أبوليوس المداورشي وذاك افرونتون الكرتي و آخر يدعى كلوديوس ألبينوس الهدرمي، فنحن مدينون لبول مونسو Paul Monceau بكتاب أفرده إلى أدباء وشعراء وفلاسفة من أبناء أفريقية الذين أبدعوا باللّغة اللاتينية، ثم لا بدّ من إشارة إلى سبتميوس سيويروس وهو من عظماء الأباطرة.
الديانة القرطاجية
تسلط النقائش والتماثيل وكتابات المؤرخين الضوء عن ملامح الديانة الوثنية القرطاجية ومن أهم ملامحها :
-* تعدد الآلهة : مجتمع وثني حيث عبد القرطاجيون كغيرهم من الشعوب القديمة مجموعة من الآلهة على رأسها بعل حمون كبير الآلهة وحامي القرطاجيين رمز الخصب والرخاء وإله الشمس والمطر . ثم تانيت آلهة الخصوبة وهي الآلهة الأم ثم عشتارت الآلهة الكنعانية رمز الحب والبحر والموت ويشكل الثلاثة مايسمى بالثالوث الإلهي كظاهرة قديمة منتشرة . إضافة الى ذلك عبد القرطاجيون آلهة دخيلة مثل ديمترة الإغريقية ألهة الزراعة التي دخلت في القرن 4 ق م وملقرط حامي المشاريع البحرية والمستوطنات وإله صور ويبرز ذلك من جهة أولى تدين المجتمع القرطاجي ومن جهة أخرى تواصله عقائديا مع أبرز شعوب العالم القديم .
-* أهمية العبادة والطقوس : خصص القرطاجيون فضاءات للعبادة من أبرزها معبدي التوفاة مقر بعل حمون وآشمون ولم تكن هذه المعابد مقتصرة فقط على المجال العقائدي الوثني بل هي مجال لتعلم القراءة والكتابة والعلوم ومجالس للأدب كما تعقد فيها الاجتماعات السياسية المصيرية .
ضمن معتقداتهم يقدم القرطاجيون قرابين وأضاحي للآلهة يحرقها الكاهن المشرف على المعبد ويضعها في جرار أو قوارير تدفن في المعبد ويوضع عليها نقيشة تضم إسم صاحب القربان وعلى العكس مما ذهب إليه عديد المؤرخين فإن القرطاجيين لم يقدموا ذبائح بشرية حية في معبد التوفاة بقرطاج .
فنون قرطاج



إهتم البونيون بالأدب والفنون التي شملت عدة ميادين منها النحت والنقش وسبك المجوهرات كما اعتنوا بالموسيقى . يعتبر فن العمارة عريقا ذا جذور كنعانية من حيث الشكل الشطرنجي المتعامد للمدينة جلبه الفينيقيون من الشرق ومن أبرز مايدل على ذلك مخطط مدينة كركوان بالوطن القبلي . تتكون المدينة البونية من فضاء يحيط به سور مثل سور قرطاج وهي أسوار عريضة تتعدى المترين كسور كركوان تتخلله أبراج ومدارج ومساكن ومن مكونات العمارة السكنية انتشر البيت الموسط كنمط معماري شرقي متأثر بالفن الإغريقي الهلنستي خاصة في زخرفة الأروقة والسواري والأعمدة . كما تأثر المعمار بالفن المصري في شكل الزخارف الجصية البديعة المقورة والمجوفة التي تزين جدران الغرف .
أدرك الزخرف والنحت مستوى رفيعا مع الاهتمام بزخرفة الأوعية الفخارية والبرنز وعجين الزجاج وقد ازدانت بألوان زاهية وأشكال هندسية ونباتية وحيوانية مع انجاز التماثيل والأقنعة الطينية . أدرك فن النحت في كل المدن البونيقية مستوى راقيا انسجمت فيه الجذور الكنعانية مع الإغريقية والمصرية وغيرها ومن أبرزها توابيت محلاة بصور آدمية من رخام .
أيضا نجد سبك الحلي والمجوهرات كالخواتم والأخراص والأسورة جمعت بين بريق الذهب وروعة الأحجار الكريمة كالزمرد والفيروز والياقوت ... إكتست بعدا فنيا جماليا وعقائديا ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق