الثلاثاء، 26 يوليو 2016

بطولات في ذاكرة التاريخ

بطولات في ذاكرة التاريخ


http://www.ertu.org/october/images/main1-copy.jpg



اكتر من خمسه ثلاثون عاما مرت علي حرب أكتوبر 1973 ومازالت معاهد البحث العسكرية تضع معركة كبريت كأحد النماذج في العبقرية العسكرية.. وفي التضحية بلا حدود تلك المعركة التي قال عنها كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت انها إحدي المعارك الكبري التي شرفت العسكرية المصرية ووضعتها في مكانة متميزة بين جيوش العالم.. وكنت أتمني أن أقابل قائد الكتيبة ابراهيم عبد التواب.
وكتبت عنها إحدي الصحف الصهيونية علي لسان ضباط من الجيش الاسرائيلي "لا ندري كيف استطاع المصريون أن يصمدوا في حصار دام 134 يوماً بدون مياه أو امدادات ولم يستسلموا وكانوا يبادرون بالهجوم".
فما هي حكاية معركة كبريت.. وماذا فعل الجندي المصري ليصبح أسطورة عسكرية؟
العميد سعد الدين أنور محمد وكان ملازم أول في ذلك الوقت يقول ان النقطة الحصينة للعدو الصهيوني في كبريت كانت ضمن خط بارليف وهي ذات أهمية خاصة لأنها تقع في الجزء الفاصل بين الجيشين الثاني والثالث وتلتقي عندها جميع المحاور الطولية والعرضية، وتقع في أضيق فاصل بين البحيرات المرة الكبري والصغري والمسافة بين الشاطئ الغربي والشرقي في هذا الموقع لا يتعدي 500 متر ويتوسط تلك المسافة جزيرة تجعل من هذا الموقع أنسب مكان يقوم من خلاله العدو بالاختراق السريع وصولا الي مدينة السويس لتطويق الجيش الثالث.
وقد وصلت معلومات للقيادة العامة للقوات المسلحة مساء 6 أكتوبر تفيد بأن العدو بدأ في تجميع قواته نحو نقطة كبريت بنية الاستناد إليها في القيام بعملية اختراق عميق للقوات المصرية، وكانت النقطة القوية في كبريت لم تسقط بعد في العبور الأول. فكلفت الكتيبة 603 من مشاه اسطول القناة وكل رجالها من الصاعقة باقتحام هذه النقطة والاستيلاء عليها.
وضع الشهيد ابراهيم عبد التواب قائد الكتيبة خطة الهجوم ووزع المهام علي أفراد الكتيبة، لكن كان يعوق حركة الصواريخ المضادة للدبابات أعمدة تليفون سكة حديد بمواجهة كيلو ونصف الكيلو متر فقام الملازم أول عبد الرازق شامة بأسلحة صغيرة وعبوات ناسفة وبعدد قليل من الأفراد بمهمة انتحارية وتمكن من تفجير 15 عامودا ثم اكتشف نقطة ملاحظة للعدو كانت توجه قذائف دباباتهم.. فاقتحمها وقتل أحد افرادها وفر الباقون واستولي علي عدد 2 رشاش وبعض الوثائق والصور الجوية في مساء يوم 18 أكتوبر قرر قائد الكتيبة تنفيذ العملية وكانت التقديرات أن الموقع يحتوي علي فصيلة مشاه ميكانيكي مدعمة بفصيلة دبابات وعلي مسافة 3 كيلو متر قوة احتياطي تقدر بسرية دبابات وفصيلة مشاه ميكانيكي.
ويقول العميد اسامة عبد الله.. بعد سقوط النقطة الحصينة وزع القائد القوات علي المواقع المختلفة للدفاع عنها وفي هذه الأثناء كنا نشاهد العدو علي مرمي البصر يعيد تجميع قواته وخلال ثلاثة أيام بعد استيلائنا علي الموقع كانت تحركات العدو تشير الي استعداده للهجوم لاستعادة النقطة، فرأي قائد الكتيبة ضرورة القيام بخطة مضادة لإفشال استعدادات العدو وذلك بتنفيذ غارات ليلية علي قوات العدو المتجمع أمام النقطة واحداث أكبر خسائر بها، وكنا نتسابق للخروج في هذه الدوريات الانتحارية والتي كانت تتكون من ضابط وأربعة أفراد فقط وقد أدت هذه الغارات الي اشاعة الذعر بين صفوف العدو وتكبيدهم خسائر كبيرة.
ويصف العميد صبري هيكل والذي كان ملازما أول في ذلك الوقت سيناريو العمليات ضد الموقع.. فكان اليوم يبدأ بطلعات جوية من الطيران المعادي في قصف جوي مكثف يلقي جميع أنواع القذائف ليفرش الأرض بنيرانه المسعورة.. دانات زنة ألف وألفي رطل، قنابل البلي العنقودية وهي عبارة عن مستودع كبير يتم القاؤه من الطائرة فتخرج منه قنابل صغيرة تنتشر علي الأرض لتعمل كألغام موقوتة تنفجر عند ملامستها للجسم ثم تأتي بعد ذلك المدفعية التي تمطر الموقع بكل أنواع الأعيرة التي كثافتها أحالت تربة الموقع الصفراء الي اللون الاسود، وكان الدخان يتصاعد من الموقع طوال اليوم، وقبل أن تغيب الشمس تبدأ قوات العدو المدرعة في الهجوم من جميع الاتجاهات، ثم يحاولون التقدم للاستيلاء علي الموقع ظناً ان كل ما فيه قد دمر.. ولكن فجأة تنشق أرض الموت عن ابطالها وتنهمر نيراننا عليهم فتندلع النيران في مركباتهم ومدرعاتهم ويفرون من أمامنا.. وأذكر أن إحدي الدبابات قد تقدمت لمسافة قريبة لا تزيد علي عدة أمتار وكان في مواجهتها اثنان من أفراد الكتيبة استشهد أحدهما ونفدت الذخيرة من الآخر.. فخرج من موقعه وهو يصرخ ويصيح الله اكبر ولم يكن معه طلقة واحدة واندفع في اتجاه الدبابة فظن من فيها أنه يحمل ألغاما وسيفجرها.. فخرجوا منها رافعي الايادي في استسلام لكنه هجم علي احدهم وظل يأكل فيه بأسنانه حتي تمكنا من تخليصه منه.. وعندما يئس العدو من استعادة الموقع لجأ الي حصارنا من كل الجهات.
العميد سيد آدم "وكان ملازما" يقول ان الله كان معنا.. وان معجزات كثيرة حدثت في هذا الموقع العظيم فعندما بدأت عبور البحيرات خيم علي الجميع الصمت.. والعيون تتلاقي في تصميم وإصرار وبمجرد وصولنا الي الشاطئ الشرقي للقناة بدأت نيران العدو تتساقط علينا سمعنا صيحة لا يعرف أحد من اين أتت لكنها شملت وجدان جميع الرجال فأخذنا نرددها جميعا الله أكبر.. الله أكبر والغريب انه مع ترديد هذه الصيحة شاهدت في السماء أسرابا من الحمام الأبيض تطير فوق قواتنا في إعجاز ليس له تفسير سوي أن الله معنا.. وكان لهذا تأثير أدي الي أن فاقت البطولات حدود العسكرية وقوانينها. ثم مظهر آخر من عناية الله لنا.. بعد الاستيلاء علي النقطة خرج الملازم أول صبري هيكل يفتح ثغرة في حقل الالغام أمام موقع فصيلته ليخرج منها دوريات الإغارة وكان العدو في هذه الأثناء يعيد تجميع قواته، وأدرك قائد الكتيبة بأن العدو يستعد للهجوم وخشي ان يستغل الثغرة فأمر صبري هيكل بسرعة اغلاقها بالإلغام وعلي الفور بدأ صبري في سد الثغرة ولأن الوقت لم يسعفه حيث بدأ هجوم العدو فعلا فما كان منه إلا أن بعثر الألغام في كل اتجاه دون تقيد بنظام الرص في الحقل وانسحب مسرعا، وبدأت دبابات العدو في الهجوم وهم يتقمون في حقل الألغام وفق خريطتهم لتفادي الألغام، لكن فجأة توالت الانفجارات فقد دخلوا في الحقل المبعثر.. وتنسحب الدبابات بعد أن تركت أكثر من خمس دبابات ذبيحة.
ويضيف العميد سعد الدين أنور لا نستطيع أن يمر أكتوبر دون أن نتذكر شهداءنا المقدم ابراهيم عبد التواب قائد الكتيبة البطل طلب قبل العمليات من الرائد خليل عصمت بدر الدين وكان يشغل وظيفة رئيس الشئون الادارية علما لمصر له شخصيا خلاف العلم الذي تسلمه من القيادة، وبعد الاستيلاء علي الموقع ورفع علم مصر عليه قال ابراهيم عبد التواب ان العلم الآخر معي لأني سوف استشهد وألف فيه وأدفن هنا وأشار الي مكان داخل الموقع وتشاء الأقدار أنه في يوم 14/1/74 أطلقت قوات العدو بعض قذائفها ليستشهد القائد الأسطورة كما وصفه اعداؤه في الموقع المقابل ولم تخرج طلقة واحدة بعد ذلك ويدفن في نفس المكان الذي أشار إليه.
وفي لقاء بعد العمليات بين من تولي القيادة بعده النقيب سعد الدسوقي وقائد الموقع الاسرائيلي قال له الضابط الاسرائيلي اننا شعرنا باستشهاد قائد هذا الموقع يوم 14/1/74 ورفضنا أن نخرج طلقة واحدة بعد ذلك.. لقد كان قائدا اسطوريا. وأضاف كيف تمكنتم خلال شهر نوفمبر من ادخال أفراد الكوماندوز المصريين الذين ظهروا في مواقعكم بلا شعور لقد شعرنا بأنكم ستقومون بعملية انتحارية وظللت بعدها علي درجة استعداد لعدة أيام. فابتسم سعد الدسوقي وقال لقد كانوا جنود الموقع وأمرهم القائد ابراهيم عبد التواب بحلق شعر رءوسهم.
الشهيد نقيب سمير السيد وهدان كان ضابط كوماندوز ولم يمض علي زواجه سوي شهرين وترك زوجته وفي أحشائها جنين يتكون أغار علي مواقع العدو وأصاب الكثير من دباباتهم وكان يثير الرعب في قلوبهم، أصيب بشظايا صاروخ في فخذه وعند نقله الي مستشفي فايد في محاولة للتسلل أصيب مرة أخري ولقي ربه الشهيد ملازم أول عبد الرازق عبد المقصود أول دفعته وأول فرقته في فرقة الصاعقة الراقية أصيب في الفخذ والبطن ولقي ربه بعد أسبوع من الاصابة.
الشهيد ملازم أول عدنان عمر صدقي دفعة 60 حربية ضابط موقع هاون 82 مم استشهد وسط رجاله في غارة جوية يوم 19/10/73 الدكتور طبيب صفوت كان يتقدم خلال النيران ليضمد الجراح وأجري الكثير من العمليات الخطيرة بإمكانيات صعبة وفي يوم 23/10 دخل الملجأ الطبي ومعه 8 أفراد مصابين لعلاجهم فسقطت عليهم قنبلة زنة ألف رطل الغريب عندما فتحنا عليهم الملجأ بعد اسبوع نجد الدكتور صفوت يحتضن المصابين وعلي وجوهم ابتسامة الشهيد ولم يمس جسدهم أي خدش.
وتشهد لكتيبة الابطال.. الكتيبة 603 مشاه البحرية المصرية الخبير الاستراتيجي البريطاني كورد سماك حيث أكد أن القوات المصرية في كبريت ظلت صامدة مدافعة رغم افتعال الثغرة والحصار، وقد امتد صمودها بشجاعة نادرة حتي نهاية يناير 1974، ولم تستطع أي قوة اسرائيلية أن تستولي علي أي جزء من هذه المنطقة، وكانت هناك بطولات رائعة أصبحت الآن تدرس في أكبر المعاهد العسكرية في العالم.
ويقول العميد اسامة محمد إنه تم تشكيل جمعية لأبطال ملحمة كبريت تضم كل من بقي علي قيد الحياة وتعمل علي التواصل الاسري بيننا جميعا وان نظل مترابطين مع أسر الشهداء حتي نهاية العمر.. لأننا التقينا في لحظة استثنائية من تاريخ هذا الوطن وكنا قلبا واحدا ورجلا واحدا وهدفا واحدا.. فلنبق كذلك في الحياة المدنية.
وما حدث في مدينة السويس يستحق أن يروي والبداية كانت في 14 يوليو 1967 وقبيل وصول قوات الأمم المتحدة حاول العدو أن يضع علمه علي الشمندورة الموجودة في منتصف قناة السويس ليفرض الاعتراف بسيطرته علي نصف القناة.. تحرك لنش العدو ووصل الي الشمندورة ولم تكن القوات المصرية في ذلك الوقت في حالة تسمح لها بالرد.. شاهد هذه المحاولة غريب محمد غريب ومصطفي ابو هاشم ومحمد عبد ربه وبدون تفكير قفزوا الي مياه القناة وفاجأوا جنود العدو وتمكنوا من أسر ضابط وجندي وفر الآخرون وفشلت العملية.
بعد هذه العملية بدأ الشباب يبحث عن دور، وكان الإدراك العام بأن قوات الاحتلال لن ترحل إلا بالمقاومة المسلحة الشرسة، فذهب عبدالمنعم خالد إلي مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بـ"القاهرة" وطلب التطوع.. وعندما عاد إلي السويس استدعاه مكتب المخابرات وسألوه عن سبب زيارته لمكتب المنظمة.. فأخبرهم.. فأخذوا اسمه وقالوا له أنت أول متطوع في منظمة سيناء الفدائية وطلبوا منه ترشيح (ناس وطنية قلبها زي الحديد) فكان غريب محمد غريب ومحمود عواد واستمر التجنيد حتي وصل العدد إلي 500 فرد، لم يبق منهم سوي 15 فقط بسبب التدريبات العنيفة فوق الجبال وداخل البحر.. وولدت منظمة سيناء وبدأت العمليات عبر عبدالمنعم خالد ومحمود عواد وغريب محمد إلي الضفة الشرقية عبر البحيرات المرة بفلوكة إلي الشاطئ ثم نزلوا إلي الماء، وكانت الأرض تغوص وغريب قصير القامة فحمله عبدالمنعم علي كتفه وخرجوا من الماء.. تسللوا في الظلام.. اصطدم غريب بسلك فأخبر محمود أنهم في حقل ألغام.. اتصلوا بالقيادة التي أكدت لهم أنهم فعلا في حقل ألغام.. وطلبوا عودتهم.. رفضوا وأخرج غريب شريط فسفور ليفرده علي مواطن أقدامهم حتي لا يضلوا الطريق عند العودة.. كان هدف المهمة زرع ألغام في طريق دبابات العدو.. بعد إتمام المهمة وأثناء عودتهم سمعوا الانفجارات وعرفوا أنهم دمروا دبابة للعدو. العملية الثانية كانت ضرب خط مياه للعدو نفذها غريب ومحمود عواد.. دخلا سيناء من مرسي الشيخ السادات.. وأخذهما دليل من البدو.. ساروا مسافة 6 كيلو مترات.. وزرعا الألغام.. وعادا.. وسببت هذه العملية ذعرا شديدا لقوات العدو لقربها الشديد من مواقعهم.
عرفت المخابرات العسكرية المصرية أن موشي ديان قائد الجيش الإسرائيلي ومعه قائد المخابرات الإسرائيلية سيقومان بزيارة خط بارليف، فقررت ضريهما وكلفت مجموعة منظمة سيناء بالكامل لتنفيذ العملية، فعبر 15 فدائيا ليلا بواسطة أحد اللنشات واختبأوا انتظارا للهدف.. لكن المخابرات المصرية عرفت أن الزيارة ألغيت، فأمرت بعودة المجموعة.. وأثناء العودة انكسر تنك السولار وتعطل اللنش، حيث كان اللنش قديما وكانت المجموعة تصل عليه كصيادين للتمويه، اتصل مصطفي أبو هاشم، وكان قائد العملية بالقيادة في البر الغربي، إلا أن أجهزة العدو التقطت الاتصال، وكان الرئيس جمال عبد الناصر علي علم بتفاصيل العملية فأعطي أوامره بإنقاذ المجموعة مهما كان الثمن.. وبدأت مطاردة عنيفة في خليج السويس شمال أبو رديس بين زوراق الطوربيد المصرية ولنشات وطائرات العدو، وتمكنت قواتنا البحرية من إسقاط طائرتين للعدو في منطقة البركية الكبيرة.. وعندما وصلت المجموعة سالمة إلي الشاطئ بعد صراع دام 36 ساعة منذ خروجهم للعملية، كان الرئيس جمال عبد الناصر ينتظر بالقرب منهم في طائرة هليوكوبتر ليأخذ تمام سلامتهم.
عبر 10 أفراد من أعضاء المنظمة إلي الضفة الشرقية كان أولهم مصطفي أبو هاشم وسعيد البشتيلي لإجادتهما السباحة ومعهما حبل يشد بين الضفتين لتسهيل انتقال باقي الأفراد.
وعند أول ضوء خرج جنود العدو من خندقهم ليصعدوا إلي الدبابات وكان هذا هو الهدف.. فتحت فجأة رشاشات الأبطال.. واندفع مصطفي يلقم مواسير الدبابات بقنابله فدمر دبابتين.. كانت المجموعة تقاتل وهي تدرك في وجدانها أنها تنتقم لـ"سعيد البشتيلي"، واستطاع محمود عواد أن يأسر أحد الجنود وكان عملاقا سلمه إلي محمود طه، ثم زرع علم مصر وأحاطه بالألغام وظل هذا العلم يرفرف علي الضفة الشرقية لمدة عامين، أثناء العودة حاول الأسير الهرب فطعن محمود طه بالخنجر إلا أن محمود تلقف الطعنة في يده وهجم عليه بشراسة وتمكن من منعه من الهرب وعاد به إلي الضفة الغربية.
ووصلت مرحلة النضال إلي حرب أكتوبر 1973، وقد حاول العدو الاستيلاء علي مدينة السويس فدخلت الدبابات من ثلاثة محاور وقام أعضاء المنظمة مع جنود الجيش الثالث وأبناء السويس بعمل أكمنة في الشوارع والميادين. استطاعت الموجة الأولي من الدبابات الإفلات من كمين حي الأربعين وكان هذا يعني أنها لو أفلتت من كمين منطقة البراجيلي فيمكنها السيطرة علي المدينة، وأقسم أحمد أبو هاشم أنها لن تمر وكان ضمن قوة كمين البراجيلي، وما إن ظهرت دبابات العدو في شارع الجيش حتي قفز أحمد أمامها وألقي عليها عدة قنابل، أثارت الخوف في جنود العدو فقزوا من المجنزرات ليستقبلهم رشاش أحمد أبو هاشم الذي ظل يحصد فيهم دون أن يدري بنفسه أو بتحذيرات من حوله حتي اخترقت الرصاصات صدره وجبهته، وقد ذكر من التقيت بهم أن أبو هاشم كان يقاتل ويطلق الرصاص وهو ميت.
وكان من أعضاء المنظمة إبراهيم سليمان، وكانت من ضمن مهامه نقل الجرحي والمساعدة في تكفين الشهداء بالمستشفي العام، يوم 23 أكتوبر مال علي أذن الحانوتي العجوز وقال له هامسا (كلها يومين وأكون عندك.. بس ابقي خللي بالك مني).
ليلة 24 أكتوبر قبع في كمين عند سينما رويال ـ بنك الإسكندرية الآن ـ عند صلاة الفجر.. قام يصلي وهو يردد (يعني حتعدي الحرب دي يا ولاد ومش حتلقي الشهادة). في العاشرة صباحا بدأ هجوم العدو ودخلت دبابات الموجة الأولي أطلق أحمد العطيفي قذيفة (آر. بي. جي) لكنها لم تكن مؤثرة وتمكنت الموجة الأولي من العبور ـ وعندما وصلت الموجة الثانية جلس إبراهيم سليمان القرفصاء وأطلق قذيفة علي دبابة سنتريون عملاقة كانت تتقدم الطابور فدمرها.. وسمعه زملاؤه وهو يصيح (يا سلام عليك يا بو خليل.. يا جن) وأشعلت هذه الإصابة حماس الرجال.. ودارت المعركة.. ولم تستطع هذه الموجة أن تمر، في المساء تمكن بعض أفراد العدو من الموجة الأولي الإفلات من الحصار واحتلوا مركز شرطة الأربعين، فتسلل إبراهيم سليمان إلي الشارع الخلفي للقسم حاملا رشاشه وقفز من فوق السور ـ وكان بطلا للجمباز ـ لكن أصيب برصاصة فسقط فوق السور وظل جثمانه معلقا حتي صباح اليوم التالي ويفاجأ الذين حملوه ليدفنوه أن وجهه كان مبتسما.. وبكي حانوتي المستشفي وهو يري جثمان إبراهيم.
التبة المسحورة.. كانت واحدة من التركيبات الهندسية المعقدة لموقع متقدم علي قناة السويس في مواجهة منطقة كبريت.. تتكون من عدة طوابق.. وفتحات للرشاشات والمدافع تفتح وتغلق أتوماتيكيا.. الأبواب من الصلب المقاوم لطلقات المدفعية.. به مداخل ومخارج كثيرة وفوقه كمية من الردم تحميه من قذائف المدفعية المضادة والطائرات وأمامه حقل ألغام كثيف.. وكان بموقعه يتحكم في بوابة البحيرات المرة.. ولم يكن هناك حل لتدمير هذا الموقع سوي الهجوم البشري عليه.. ولكن من يملك الكفاءة القتالية والشجاعة والفدائية ليتعامل مع هذا المارد المرعب.. وكان الاختيار فصيلة من رجال العاصفة، وهم من أبرع عناصر الوحدة داخل التشكيلات لما يتوافر لرجالها من صفات خاصة وقدرات فائقة.
وكان قائد الفصيلة الملازم عبد المجيد قنديل من مواليد الريدانية احدي قري المنصورة الذي ما إن علم بالمهمة حتى كاد يطير فرحا.. استعد وجنوده.. وفي تمام الثانية ظهر يوم السادس من أكتوبر وأثناء عبور الموجة الأولي للطائرات المصرية كان البطل قد لف علم مصر حوله ونزل مع فصيلته إلي القوارب المطاطية لعبور قناة السويس.. وكان الاتجاه شرقا.. استطاعت الفصيلة فتح ممر في حقل الألغام في نفس الوقت الذي كانت تقاتل عدوا يختبئ خلف فتحات ضيقة لا يظهر منها سوي فوهات المدافع.. لكنه استطاع مع زملائه احتلال الجانب الأيمن للنقطة القوية مؤمنا بذلك موقعا لباقي أفراد السرية أثناء عبورهم القناة لاحتلال باقي المواقع، وللتصدي للاحتياطي الغربي للعدو. وقف عبد المجيد ولوح بعلم مصر وغرسه في صدر الموقع الذي احتله وهلل الله أكبر.. الله أكبر ولم يلحظ تقدم إحدي دبابات العدو التي أطلقت عليه قذيفة انفجرت بالقرب منه فأصيب بشظية في كف اليد اليمني وفي الجنب لم يشعر بها وتعامل مع الدبابات وأخذت فصيلته تحارب من شق إلي شق، ومن حفرة إلي حفرة، تحاور الدبابات والأفراد الذين خرجوا من التبة المسحورة لمصادمة مدرعاتهم لسرعة القضاء علي فصيلة العاصفة.. وسقط خمسة شهداء.. لكن باقي الرجال عززوا مواقعهم رغم الإصابات.. وكان صوت عبدالمجيد بينهم يلهب الحماس ويدعو للتضحية والقيت قنبلة حارقة علي البطل عبدالمجيد سيد قنديل. لكنه استطاع إطفاء جسده المشتعل ووقف مرة أخري يطلق رصاصه في اتجاه الأعداء بعناد عجيب.. القيت عليه قنبلة أخري هجومية ودفعات من الرشاشات وسقط البطل هذه المرة.. شعر أن رمالا كثيرة دخلت عينه اليمني وأن جسده لم يقو علي الحركة (وعرف بعد ذلك أن قوات العدو داخل التبة هللت بالفرح وأبلغت قياداتها بالخلف أنها قضت علي قائد قوة الهجوم) وأبلغت القيادة المصرية باستشهادالملازم البطل عبدالمجيد.
ظل الاشتباك مع هذه النقطة القوية مدة طويلة وقبل الغروب سمع عبدالمجيد صوت صديقه النقيب فراج وهو يصيح لازم ناخد بتار عبدالمجيد واللي يحب عبدالمجيد وفراج ورايا وهاجم التبة بضراوة.. تحرك جسد البطل وشعر به زملاؤه.. هللوا وكبروا وحملوه وهو يردد أنا مش حاسس إلا يشوية رمل في عيني اليمين ولم يكن يعلم أنه فقدها إلي الأبد.
ولم يقبل عبدالمجيد إخلاءه إلي الخلف للعلاج إلا بعد أن شاهد طابور الأسري وكانت آخر كلمة قالها في الموقع.. الحمد لله.. وكانت هذه المعركة أولي ملاحم البطولة في حرب العاشر من رمضان.
في مستشفي كوبري القبة تتجلي إبداعات المصري وعظمة معدنه.. جاءت تزوره خطيبته وأسرتها يهنئونه علي سلامة العودة.. ويصر المصري الأصيل والد خطيبته علي عقد القران في المستشفي والبطل كان خارجا من غرفة العمليات بعد إجراء عملية نزع العين المصابة.. ويده اليمني بها شلل يحتاج إلي علاج طبيعي فترة طويلة.
ولكن والد خطيبته أحضر المأذون في أغرب زواج داخل مستشفي كوبري القبة.. المعازيم الأطباء ومصابو العمليات الحربية.. والمهر بطولة رجل من أكتوبر.. والعروس هدية البطل لرحلة العمر.. ووسام نجمة سيناء

 
يارب الموضوع يعجبكم

تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق